مقدّمة المركز

الحمد لله ربّ العالمين, والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمّد وآله الطيبين الطاهرين, واللّعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين..

أمّا بعد:

فقد أولى الدين الإسلامي الحنيف بعض الأفكار والقضايا العقائدية اهتماماً خاصاً وأولوية مميّزة, ولعلّنا لا نبالغ ولا نذيع سرّاً إذا قلنا بأنّ الثقافة المهدوية تعدّ من أوائل تلك القضايا ترتيباً من حيث الأهمية والعناية التي أولاها المعصومون عليهم السلام من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً, وقد سبقهم إلى ذلك الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله, فكان ينتهز المناسبة تلو الأخرى ليطبع في ذهن الأمّة وتفكيرها مصطلحات ثقافة انتظار القائد المظفّر الذي سيرسم ملامح القسط والعدل على ربوع الأرض بعد أن تغرق في غياهب الظلم والجور, محقّقاً بذلك الحلم السرمدي الذي نامت البشرية حالمة به على مرّ العصور, والذي كان هو الأمل الأكبر الذي سعى إليه الأنبياء كافة.

وإذا كانت مقاييس الأهمّية والرفعة والخطر الذي تحظى به كل القضايا تتمثل بطرفين هما مبدأ ومآل كل قضية. فإنّ قضيتنا المقدّسة ـ التي نحن بصدد الحديث عنها ـ لا تدانيها قضية في الفكر الإسلامي.

 فلو تحقّقنا في مبدأ هذه القضية وأصلها لوجدنا أنّ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله يعادل بينها وبين مجموع رسالة السماء المباركة الخالدة التي حملها إلى البشرية, فقد ورد عنه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أنّه قال: " من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني"[1], ولا نجد أنفسنا بحاجة إلى مزيد من التوضيح لأهمية فكرة يعدّ إنكارها إنكاراً لخاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين.

بل يمكن القول بأنّ عدم الإيمان بهذه العقيدة يوازي عدم الإيمان بكل رسائل الأنبياء, وهو الذي عبّر عنه بالضلالة عن الدين, فقد ورد في الدعاء في زمن الغيبة : " اللّهم عرّفني نفسك فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك, اللّهم عرّفني رسولك

فإنّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك, اللّهم عرّفني حجّتك فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني" , ومن واضحات الأمور نوع العلاقة والارتباط بين عدم معرفة الحجّة وبين الضلالة عن الدين, إذ أنّ هناك ثوابت ورواسخ لا يمكن أن تنفك بحال من الأحوال عن قاموس الفكر العقائدي الشيعي, بل الإسلامي بكل أطيافه, منها أنّ الذي يموت دون أن يعرف إمام زمانه, أو دون أن تكون في عنقه بيعة لإمام زمانه يموت ميتة جاهليّة كما ورد في الأحاديث الشريفة التي تناقلها المحدّثون من كافة الطوائف الإسلامية, وأي تعبير أفصح وأصرح من التعبير بالميتة الجاهلية عن بيان الضلالة في الدين؟!

هذا بالنسبة إلى الطرف الأوّل من طرفي مقياس أهمّية القضايا, والذي هو مبدأ هذه القضية وأصلها والإيمان بها.

وأمّا بالنسبة للطرف الثاني لهذه الفكرة المقدّسة التي حرص النبي والأئمّة من أهل بيته عليهم السلام على غرسها في صميم أفكار الفرد المسلم, وهو المآل الذي تؤول إليه أو الثمرة التي تنتجها, فإنّ فيها تحقيق حلم الأنبياء وهدفهم الذي سعوا لأجله على مرّ العصور, والأمنية التي رافقت العقل البشري منذ اليوم الأوّل لترعرعه, لأنّ هذا القائد المؤمّل هو الذي سينزع عن البشرية قيود الظلم والعبودية, وهو الذي سيخلع عليها حلّة العدل والإنصاف, فإنّه سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.

وليس بعيداً عن توقّع كل عاقل أنّ مثل هذه القضية التي تحمل بين طيّاتها كل هذا المقدار من الأهمية والخطورة ستتعرّض ـ حالها في ذلك حال كل مفاهيم العدالة الربّانية ـ إلى وابل من سهام الغدر والعداوة, حيث أنّها تمثّل الخط العقائدي الإسلامي الأصيل الذي رسم ملامحه الناصعة نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وواكبه على ذلك الأئمّة المعصومون عليهم السلام. فلقد أبت القوانين الدنيوية إلاّ أن تضع بإزاء كل حق باطلاً ينازعه ويناوئه, فتكالب أعداء الحقيقة من كل حدب وصوب ليوجّهوا نبال التشويه والتشكيك, وكل أنواع المحاربة لهذه العقيدة التي هي من مسلّمات العقل الإسلامي, الذي تعامل مع هذه الفكرة منذ أعماق تأريخه على أنّها أمر لا يمكن الغفلة عنه أو التنكّر له.

وهذا واحد من أهم الأسباب التي حفّزت فينا الشعور بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقنا في الحفاظ والدفاع عن هذه العقيدة المباركة التي حظت بهذا المقدار العظيم من الرعاية الإلهية. هذا الأمر هو الذي دفعنا للنهوض لتحمّل جزء من أعباء هذه المسؤولية وإنجاز هذا التكليف الذي لا مناص من تحمّله, وإيصال ما يمكن إيصاله إلى المؤمنين المهتمّين بشؤون دينهم وعقائدهم, وذلك بعون الباري عزّ وجل, ورعاية من المرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني دام ظلّه الوارف, فكان تأسيس مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي عجّل الله فرجه الشريف, وقد عني هذا المركز بالاهتمام بكل ما يرتبط بالإمام المنتظر عجّل الله فرجه, ومن هذه الاهتمامات: 

1 ـ طباعة ونشر الكتب المختصّة بالإمام المهدي عليه السلام, بعد تحقيقها.

2 ـ نشر المحاضرات المختصّة به عليه السلام من خلال تسجليها وطبعها وتوزيعها.

3 ـ إقامة الندوات العلمية التخصصية في الإمام عجّل الله فرجه, ونشرها من خلال التسجيل الصوتي والصوري وطبعها وتوزيعها في كتيّبات أو من خلال وسائل الإعلام وشبكة الانترنيت.

4 ـ إصدار مجلّة شهرية تخصّصية باسم ( الانتظار).

5 ـ العمل في المجال الإعلامي بكل ما نتمكّن عليه من وسائل مرئية ومسموعة, بما فيها شبكة الانترنت العالمية من خلال الصفحة الخاصّة بالمركز.

6 ـ نشر كل ما من شأنه توثيق الارتباط بين الأطفال وإمامهم المنتظر عليه السلام.

وقد سعى مركزنا بكافة ما يملك من طاقات لأن يعمل على أداء ما يقع على عاتقه من مهام ضمن هذه المحاور من العمل.

 فكان من بين ما وفقنا الله لإنتاجه سلسلة من الكتب المتخصّصة في ما يتعلّق بالإمام المهدي عجّل الله فرجه, أسميناها : ( سـلسـلة اعرف إمامك), نقـدّم بين يديك ـ عزيزي القارئ ـ  هذا الكتاب كحلقة من هذه السلسة التي نسأل الباري عز وجل أن يوفّقنا للتواصل في العمل بها لتوفير كل ما يمكن أن يخدم إخواننا المؤمنين وإعطائهم ما يحتاجون في رفد أفكارهم العقائدية المرتبطة بالإمام الغائب عجّل الله فرجه.

وكان العمل التحقيقي في هذا الكتاب يتضمّن تقطيع العبارات وإظهارها بالشكل المناسب الذي يضمن المساعدة في توضيح الفكرة المرادة من الكتاب وراحة القارئ الكريم, ثمّ استخراج المصادر والمآخذ للأحاديث والأقوال بشكل مختصر, والتخلّص من الأخطاء والاشتباهات, ثمّ إخراج الكتاب بالشكل المناسب له.

ولا بدّ في نهاية المطاف من تقديم الشكر الجزيل والثناء الجميل للأخوة الأفاضل في المركز كافة, الّذين لم يألوا جهداً في العمل على إظهار هذه السلسلة بشكلها اللائق.

والحمد لله ربّ العالمين

مركز الدراسات التخصّصية  في الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) ذو الحجة 1424هـ.


المقدّمة

بالرغم من وضوح مفهوم الغيبة والانتظار، لما حظي هذان المفهومان من رعايةٍ على مستوى الحديث الذي رواه الفريقان، إلاّ أنّ المحاولات السياسية تبقى طامحةً إلى تأجيج حملات التشكيك والتساؤل حول هذين المفهومين، ومحاولة استغفال الأوساط الإسلامية وإلقاء شبهاتٍ ليست بالجديدة في هذا المجال، سعياً منها إلى زعزعة الاعتقاد العام بهذين المفهومين، ومحاولة الشطب على هذا التراث الإسلامي الذي بات من أساسيات المفهوم الإسلامي الجلي، بالرغم من ذلك فإنّ ثقافة الغيبة لا زالت تحاصر من قبل أوساطٍ فكرية تلقي بشبهاتها بين الحين والآخر كلما صارت فلسفة الغيبة أمراً مسلّماً ومتعارفاً لدى الوسط الإسلامي.

وإذا كانت محاولات تقديم مفهوم الغيبة لدى الأوساط العامة أمراً ضرورياً فإنّ هناك حلقة مفقودة لعلها لم ترعَ إلى حد ما في تأسيس ثقافة الغيبة والانتظار ، وهذه الحلقة بالرغم من سهولة تناولها إلاّ أنها غير منقّحة أو مبسوطة بأساليبها الغنية التي تتيح للقارئ استيعاب هذا المفهوم، وهذه الحلقة هي تاريخ الغيبة الذي بات أمراً ضرورياً يجب التنويه إليه والعناية به بشكل يقدّم تصوراته عن هذا التاريخ الحافل بمغامرات الأنظمة السياسية وبحسن السلوك ودقّة التصرف من قبل الأئمة "عليهم السلام" ومن ثم شيعتهم حفاظاً على وجودهم " المطارد " وحقهم المصادر منذ المحاولات التأسيسية الأولى لنظام خلافة الملك والسلطة التي مارسها ساسة البلاط الأموي والعباسي بشكل فجٍ يدعو إلى المرارة والأسف الشديدين على ما ارتكبه هؤلاء من خروقات شرعية غير مبررة.

وهذه الدراسة بين أيديكم محاولة لتصوير التأريخ العام للغيبة ومحاولات لمفهوم الانتظار بشكل يسير يتناوله الجميع.

محمد علي الحلو

 

المدخل

إلاّ ليعبدون..

ثمّة أمور لا يمكن تجاوزها فيما إذا أردنا البحث عن خلافة الله في الأرض، وهي ذاتها تدفعنا إلى  التساؤل عن سبب خلقة الخلق من قبله تعالى، ولعل ذلك التساؤل الأول الذي يطرحه الإنسان ليس على مستوى البحث فحسب، بل على أساس معرفة علّة وجوده والغرض من تكامله وتدرجات رقيه كذلك.

 ولم يغفل القرآن الكريم هذه الحقيقة التي ترافق الإنسان بكل وجدانياته وأحاسيسه وكنه معرفته لنفسه، ولهذا الكون الرحيب، لذا فقد أولى عنايته البالغة في الإجابة على هذا التساؤل بما ورد فيه من تعليل الغرض الإلهي لهذا الخلق وما رافق ذلك من المعارف الأخروية والدنيوية، وما يترتب من جزاءٍ على أعماله من ثواب وعقاب، وما تؤول إليه طاعته ومعصيته، وما يتوقف عليه الرضى والقبول، وما تتضمنه الأوامر والنواهي، إلى غير ذلك مما يكفل تنظيم علاقة الخلق بخالقه، ومعرفتهم لغرضه تعالى وتكليفهم بعد ذلك.

هذه التساؤلات رافقت الخلق منذ فطرته حتى صار ذلك الهمّ الأساس الذي يحمله الإنسان في ضميره، ولعل الإجابات التي طُرحت من قِبَلِ مختلفِ التنظيرات لم تكن قد استجابت إلى حقيقة هذا التساؤل بقدر ما كانت تلبّي نزعات التنظير، ورغبات هذه التشكيلات التي " تبرعت " للإجابة على ذلك، إلاّ أنّ التساؤل لازال قائماً يحمل همّ الإنسان وتطلعاته إلى معرفة نفسه وعلة وجوده، ولم تكن الرسالات السماوية بمنئى عن هذه التطلعات حتى ضمنت الإجابة على ذلك بما يتكفل تلبية الحاجة الإنسانية إلى تلك المعرفة، وكان القرآن الكريم في طليعة هذه " المحاولات " التي تكفلت إشباع الضمير المعرفي في تطلعاته ونزعاته، وكان قوله تعالى } وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُون {[2] إجابة وافية " تستريح " من خلالها النزعة الإنسانية المتطلعة إلى معرفة ذاتها.

 

وجوب الخليفة:

ومعنى ذلك أنّ تقديم الإجابة من خلال الآية لا يعني توقف كل شيء وإنهاء كل شيء، بل تنطلق المعرفة الإنسانية من خلال هذه الإجابة التي أشارت إلى أن الغرض الإلهي لهذا الخلق هو عبادته تعالى وأن تنفتح الآفاق المعرفية إلى رحابٍ واسع من البحث عن هذه العبادة وحدودها. وتلك الطاعة ورسومها، وهكذا تحتاج هذه المعرفة إلى من يتكفّل بيان ذلك وتوضيحه، وإيصاله وتبليغه، فكما أنّ القرآن فيه من المحكمات الواضحات، فانّ فيه من المجملات المبهمات، وكما فيه من الخصوص والتقييد، فانّ فيه من الإطلاق والعموم، وهكذا فانّ القرآن لائحة قانونية إلهية تنطوي على معارف ومسائل تضمن تنظيم العلاقة بين الخالق وعباده، وتعزيز الوشائج بين العباد أنفسهم، وفيه كل شيء ومنه يؤخذ كل شيء، إلاّ أن ذلك لا يعني إمكانية فهمه وقراءته اعتماداً على أفهام المكلفين وقراءتهم وحدهم دون اللجوء إلى حملة علومه وعارفي أسراره وهم الراسخون في العلم لقوله تعالى } هُوَ الّذي أنْزَلَ عَليكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أمُّ الكِتابِ وَأخَرُ مُتَشابِهاتٌ فأمّا الّذينَ فِي قُلُوبِهمْ زَيْغُ فَيَتّبِعُونَ ما تَشابَه مِنْهُ ابْتغاءَ الفِتنَة وَابْتِغاءَ تَأويلِه وما يَعْلُمُ تَأويلَهُ إلاّ اللهَ والرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ..{[3] فاتباع ما تشابه ابتغاء معرفته اعتماداً على الفهم الاجتهادي الذي يؤدي بالإنسان إلى أن يختلط عليه الواقع منهي عنه، وقد أوجب القرآن أتباع أهل تفسيره ومعرفته وهم الراسخون في العلم. وهؤلاء الراسخون هم صفوة خلق الله وحججه على عباده الذين اصطفاهم لمهمة التبليغ، وانتجبهم لأداء الرسالة بما ينسجم وواقعها وما يتفق ونفس المكلف ونزعاته، بل وتطلعاته كذلك.

من هنا ظهرت الحاجة إلى وجود الخليفة فهو المبلّغ لأحكامه، فقولُهُ تعالى }وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ أَنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ    خَليفَة {[4] دلالةٌ على وجوب وجوده قبل وجود الخلق، وان ابتداءه تعالى لخلق آدم دليل واضح أن الخلق لا يمكنهم الاستغناء عن الخليفة؛ لذا ابتدأ بخلقه قبل خلقهم، وبلّغه أحكامه وعلّمه شرائعه، فأقامه سفيراً بينه وبين خلقه، منه يأخذون واليه يرجعون، وهذا شأنه تعالى في لطفه بعباده إذ لابدّ أن يقيم عليهم الحجة ويوضح لهم المحجّة الواضحة، فله الحجة البالغة على خلقه.

 قال الصادق عليه السلام : الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق.[5] فضرورة وجود الحجة إذاً تنشأ من حتمية إقامة غرضه تعالى وهو عبادته من قبل خلقه.

 وقد ورد عن علي عليه السلام بأسانيد معتبرة قوله: اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجةٍ ظاهر مشهور أو باطن مغمور لئلا تبطل حجج الله وبيّناته.[6]

وكان لآدم عليه السلام خلفاء أوصياء مؤتمنين على مهمته، إذ من غير المعقول أن يترك الله عباده بعد موت آدم دون مبلّغ، فغرضه تعالى من الخلق عبادته، ومعلوم أن ذلك لا ينتهي بانتهاء أمر خليفته، فلابد من خليفةٍ يوصل أحكامه ويقيم سفارته، فجعل لآدم عليه السلام أوصياء خلفاء أمناء على ما ائتمنه عليه تعالى.

 وهكذا الحال لنبيّنا محمد صلى الله عليه وآله، فلئلا يترك أمته دون هادٍ ودليل فقد أوصى للخليفة من بعده ليؤدي مهمته ويقيم حجته فأوصى إلى علي بن أبي طالب ومن بعده ولده الأحد عشر صلوات الله عليهم أجمعين، وسيأتي تفصيل ذلك في محله ان شاء الله تعالى.

 

عصمة الخليفة:

إذن فوجود المبلّغ على هذا المستوى من التكامل إحدى مقومات نجاح الرسالة أداءً وتطبيقاً، وهذا التكامل المفترض في المبلّغ سنطلق عليه مصطلح " العصمة " التي هي ملكة في نفس المبلّغ المعصوم تعصمه عن الخطأ في التبليغ والقصور في الأداء فضلاً عن عصمته من ارتكاب الذنوب صغيرها وكبيرها تحقيقاً لغرض الخلافة التي تناسب أن يتصف الخليفة بصفة العصمة، وخلافها يوجب تخلّفه عن أداء الرسالة ومهمة التبليغ في شرحٍ ليس هنا محل بيانه.

 هذه العصمة إذن هي مواصفات ينبغي توافرها في المبلّغ الذي هو خليفة الله في أرضه وهو النبي على مستوى بعثته ومهامه والإمام على مستوى وصيته ونيابته، فكما أن النبي المبلّغ لأحكام ربّه لابدّ من عصمته، فالإمام كذلك؛ لوحدة الغرض في المهمة، إذ كيف نتصور أن يكون الخليفة غير معصوم ما لم يرتكب الخطأ في مهمته وإسقاطه عن أعين الناس فيما لو افترضنا عدم عصمته لقبيح ارتكاب ما ينافي مقامه كالكذب والسرقة والزنا وغير ذلك من منافيات مقام الخلافة، أضف إلى أن الإمام لو لم يكن معصوماً لترتبت عليه محاذير عدم عصمته، وهو احتياج الإمام إلى رعيته في شؤون إمامته، فربما احتاج إلى من هو الأعلم منه أو الأتقى أو الأفضل، وهذا _ لعمري _ خلاف العقل إذ كيف يمكننا تصور إمام محتاج إلى رعيته؟ ألا يكون ذلك غبناً للأفضل حين تقدّم المفضول عليه؟

على أن غير المعصوم نتوقع منه الخطأ في التبليغ والاشتباه في إيصال الأحكام إلى المكلفين فيكون قوله وفعله غير حجة، بل يجب على رعيته أن يأمروه بالمعروف وينهوه عن المنكر، فإنّ غير المعصوم يمكن وقوعه في المعصية واشتباه الأمر عليه، وهذا من أقبح القبائح أن يحتاج الإمام إلى من يسدّده وينهاه، والمفروض أن تكون الرعية مسددة من قبل الإمام متبعةً له وليس العكس، وهكذا يحتاج الإمام إلى إمام آخر، وكل إمام يحتاج معه إلى إمام دون انقطاعٍ لهذا التسلسل. كما أن غير المعصوم يمكن أن يقيم الحد على غير مستحقه ويترك من استحق إقامة الحدّ عليه, فيختل النظام وتنتفي الحاجة إلى إمام يمارس مهمة هداية الناس وتنظيم شؤونهم، بل تبطل عند ذلك الحاجة إلى الرسالة والغرض من البعثة.

وإذا كان الغرض من البعثة هو التكامل الإنساني ورقي الفرد إلى أعلى مراتب الكمال، فإنّ النبي وكذلك الإمام يجب أن يكون في مرتبة من الرقي والكمال بما يمكنهما من تربية الأمة وما ينسجم واللطف الإلهي بعباده من أجل وصولهم إلى مراقي التكامل.

 وهذا التكامل في النبي والإمام نطلق عليه العصمة، وهي حالة الكمال التي يبلغها الإمام في جميع تصرفاته وسلوكياته.

 فالعصمة إذن ليس أمراً خيالياً أو ميتافيريقياً ـ كما تصورته الاطروحات الأخرى ـ لا يمكن تناوله نظرياً وتطبيقياً، أو تصوره مع الحالة الإنسانية التي يتصف بها النبي والإمام، بل هي إحدى ضرورات القيادة الروحية التي يسعى إليها الإسلام من أجل الوصول إلى خلق مجتمعٍ متكاملٍ يقوده إمامٌ معصوم تخطّى حدود النفس الإنسانية المشوبة بنزعاتٍ خاصة تحول دون الرقي بشخص الإمام فضلاً عن مجتمعٍ يقوده حينذاك.

 

القرآن الكريم وعصمة الإمام:

على أن عصمة الإمام ليست أمراً عقلياً فحسب، بل أكدها القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته, مؤيداً بذلك ما ذهبت إليه الإمامية من وجوب عصمة الإمام وتنزيهه عن الخطأ أياً كان، خلافاً لما اختارته المذاهب الأخرى من عدم وجوب عصمته منطلقةً من كون الإمامة منصباً دنيوياً شأنه شأن القيادات الوضعية الناشئة من الغلبة والانتخاب والشورى، إلى غير ذلك من الاطروحات التنظيرية الأخرى.

 وسنأتي على بعض الآيات الموجبة لعصمة الإمام مقتصرين على بيانٍ مقتضبٍ موجز.

الأولى: قوله تعالى: } إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلى العالمَينَ {.[7]

والاصطفاء بمعنى الاختيار والاجتباء، والله تعالى لا يختار لرسالاته من يمارس الخطيئة ويرتكب ما ينافي الحكمة من رسالاته، بل الله تعالى يختار لرسالاته من هو مطهّرٌ من أدناس المعصية وأدران الفساد، وإلاّ يكون تقريراً لعباده، وتعالى الله عن كل قبيح.

 قال الطوسي في البيان: والآية تدل على أنّ الذين اصطفاهم معصومون منزهون، لأنه لا يختار ولا يصطفي إلاّ من كان كذلك، ويكون ظاهره وباطنه واحداً، فإذاً يجب أن يختص الاصطفاء، بآل إبراهيم وآل عمران من كان مرضياً معصوماً سواء كان نبياً أو إماماً.[8]

والى ذلك يذهب البيضاوي في تفسيره بقوله: الاصطفاء بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم..[9]

فالاختيار إذن لا يكون بعيداً عن العصمة، والخليفة الذي يصطفيه الله هو من خيرة عباده, لطفاً منه بهم فهو لا يختار من تاقت نفسه للمعصية وجُلبَ على ارتكاب الفاحشة والخطيئة.

الثانية: قوله تعالى: } قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ {.[10]

فالإتباع للرسول والإمام واجب, ولا يمكن أن يكون من أمرنا بمتابعته فاسقاً أو مرتكباً للخطيئة، إذ كيف يكون وجوب المتابعة على الخطيئة والمعصية ؟ وهذا دليل على كون الإمام المتبَع معصوماً مطلقاً.

الثالثة: قوله تعالى: } لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوُ اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثيراً {.[11]

وهذه تدل كذلك على وجوب عصمة النبي والإمام, إذ القدوة المتّبع لا يكون مرتكباً للذنوب ولا تصدر منه المعصية إقتداءً من الأمة به وإتباعا له.

الرابعة: قوله تعالى:  } إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً {.[12]

أجمعت روايات الفريقين على نزولها في النبي صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وكون الرجس هو مطلق الذنب، فإنّ الله تعالى أخبر أنّهم منزهون عمّا يشينهم من الذنوب والمعاصي والعيوب.

الخامسة: قوله تعالى } وَما أَتاكُمُ الرّسُوُلُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا {.[13]

وهو الحث على متابعة الرسول، فكلما أمركم به فخذوه، وكل ما نهاكم عنه فاتركوه، وهذا لا يتوفر إلاّ في المعصوم الذي لا يرتكب ما يخالف الشرع سواء قبل بعثته أم بعدها، فإنّ بعد البعثة واضح بل هو الإجماع عليه، أما قبل البعثة فلئلا يكون الرسول أو الإمام قد ارتكب أمراً أو جاء بمعصيةٍ ينهيان عنها بعد بعثتهما، وهو ما تستقبحه النفوس وتنفر عنه الأذواق.

السادسة: قوله تعالى:  }يا أيّها الّذينَ آمَنُوا صَلّوا عَليْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيماً {.[14]

فالتسليم والانقياد والمتابعة لا تتم إلاّ للمعصوم الذي لا يمكن أن يرتكب الخطأ ويأتي بالمعصية, وقد مر الكلام في ذلك.

السابعة: قوله تعالى: } وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلّذينَ يَتَّقُونَ وَيُؤتُونَ الزّكاةَ وَالّذينَ هُمْ لِفَرُوجِهِمْ حافِظُونَ وَالّذينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ     الأُمّي {.[15]

والكلام كما سبق في وجوب المتابعة والتسليم.

فهذه الآيات الكريمة كما أنّها تثبت العصمة للنبي، فإنها تثبتها للإمام لوحدة الغرض من مهمتهما.

 

النص على الإمام:

ولما كانت العصمة الواجبة في الإمام أمرٌ خفي لا يمكن معرفته والإطلاع عليه، وهي ملكة نفسانية يصعب معرفتها من خلال الظاهر، فإنّ ذلك موكول لمعرفته تعالى، فهو المطّلع على خفايا النفوس ودواخلها.

 ولما كان الأمر كذلك فلا يتسنى للرعية اختيارهم الإمام، لأن الفرض أن يكون الإمام معصوماً والعصمة ملكة نفسية خفية لا يعلم توفرها إلا خلاقها وهو الله تعالى، فوجب أن يكون تعيين المعصوم من قبله تعالى، ولا مجال بعد ذلك للاختيار والبيعة من قبل الناس، فإنّ في اختيارهم مجازفةً في شرط العصمة التي يجب توافره لدى الإمام.

 وهذا ما يطلق عليه نظرية النص التي تتبناها الإمامية موافقة للقرآن الكريم، ومن ثم العقل والوجدان، فإثبات وجوب العصمة لدى الإمام يستلزم معه سقوط نظرية الاختيار وإيكال الأمر إلى النص الإلهي الذي معه تضمن الأمة سلامة تعيين الإمام وواقعيته.

 ولعلّ ما أجاب به الإمام المهدي عجل الله فرجه سعد بن عبد الله الأشعري القمي حين سأله عن سبب امتناع اختيار الإمام من قبل الأمة تُعد الإجابة الوافية في وجوب النص على الإمام مستشهداً بالقرآن الكريم، وما حكاه عن قصة اختيار موسى عليه السلام من قومه لميقات ربّه. ففي أسئلته للإمام عجل الله فرجه سأل سعد بن عبد الله الأشعري الإمام عن العلة التي تمنع القوم من اختيار الإمام لأنفسهم ؟

قال عليه السلام: مصلحٌ أو مفسد ؟

فقلت [ أي سعد بن عبد الله ] : مصلحٌ.

قال: هل يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد.

قلت: بلى.

قال عليه السلام: فهي العلة أيدتها لك ببرهان يقبل ذلك عقلك. قلت: نعم.

قال عليه السلام: أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل عليهم الكتب، وأيدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الأمم، فاهدي إلى ثبت الاختيار ومنهم موسى وعيسى هل يجوز وفور عقلهما وكمال علمهما، إذ هما على المنافق بالاختيار أن يقع خيرتهما وهم يظنان أنه مؤمن ؟

 قلت: لا.

قال: فهذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلاً ممن لم يشك في إيمانهم وإخلاصهم، فوقع خيرته على المنافقين قال الله عز وجل: } وَاخْتارَ مُوْسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لمِيقاتِنا.. { فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوة واقعاً على الأفسد دون الأصلح وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد، علمنا أن الاختيار لمن لا يعلم ما تخفي الصدور وما تكن الضمائر، وينصرف عنه السرائر وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح..[16]

وبهذا تصلح نظرية النص التي تلتزمها الإمامية مشروعاً متكاملاً للإجابة على تساؤلات يطرحها الواقع العلمي والعملي للإمامة.

 وبإزاء ذلك تعد النظريات الأخرى التي تتبناها الاطروحات غير الإمامية في الخلافة مسألة تسابقٍ سياسيٍ وتكالبٍ على الحكم والرئاسة دون أن تكون لها واقعيتها الحقيقية. فالشورى والإجماع وأمثالهما من طرق اختيار الخليفة تبدو فرضيات تخفق على المستوى التنظيري فضلاً عن الواقع العملي الذي يمارسه الإمام بما هو إمام، وترتطم هذه التنظيرات الوضعية في اختيار الخليفة مع حيثيات المنتخب الذي تتجاذبه نزعاته الخاصة وأهواؤه الشخصية، كما أنها تصطف في  "خانة" التنظيرات المنطلقة من رؤية إنسانية ضيقة، في حين تنبثق نظرية النص على الإمام وتعيينه من الاختيار الإلهي الذي يشخّص الواقع بكل أبعاده، وشتان بين الاختيارين بعد ذلك.

 



(1) منتخب الأثر : 492.

(2) الذاريات (51) : 56.

(3) آل عمران (3) : 7

(4) البقرة (2) : 30.

(5) إكمال الدين وإتمام النعمة: 16.

(6)إكمال الدين وإتمام النعمة: 278.

(7) آل عمران (3) : 33

(8) البيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي:2 / 441

(9) تفسير البيضاوي: 1 / 156

(10) آل عمران (3) : 31

(11) الأحزاب (33) : 21

(12) الأحزاب (33) : 32

(13) الحشر (59) : 9

(14) الأحزاب (23): 59

(15) الأعراف (7): 156

(16) الاحتجاج للطبرسي: 2274