لماذا غيبة الإمام

بعد أن عرفنا إجماع المسلمين على أن الأئمة من قريش اثني عشر، وبعد أن أجمعوا على أن الثاني عشر منهم يملك الأرض فيملؤها قسطاً عدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، علمنا أن أطروحة السلطة ستتجه نحو محاولة البحث والمطاردة عن هذا الثاني عشر الذي سيكون بديلاً عن أنظمتهم وحكوماتهم.

أي أن أطروحة الإمام المهدي عليه السلام هي تهديدٌ حقيقي لأنظمة الحكم ومحاولة استبدالها بنظامٍ عالمي يأخذ بزمام الأوضاع العالمية ويحطّم أسطورة خلافة القوة والغلبة التي مارسها بنو العباس وأمثالهم وكسبوا من خلالها " شرعيةً سياسيةً " لا تنازع حتى عدّوا الخارج على كيانهم خارجاً عن شرعية الخلافة والإمامة..

هكذا صوّر الحكام وجودهم وشرعيتهم المفتعلة، وهكذا تعاملوا مع الأطروحات الخارجة على سلطتهم، وعدّوهم خارجين على جماعة المسلمين وخليفتهم، وبهذا فهم يستحقون عقوبة القتل والتنكيل، ومن ثم تمت تصفية المعارضات السياسية والدينية على حدّ سواء، وكان نصيب الأئمة عليهم السلام التصفيات الجسدية " المنظّمة " من قبل خلفاء عصرهم، حيث تولى كل خليفة تصفية إمام عصره بما أكد أن أئمة أهل البيت عليهم السلام قد تعرضوا إلى محاولات تنكيل تنتهي أخيراً بالتصفية الجسدية.

هذا هو تأريخ العلاقة بين أهل البيت عليهم السلام وخلفاء عصرهم، تصفيات جسدية تتبعها محاولات مطاردة وتنكيل بأتباعهم الذين يلتزمون نهجهم ويدينون بإمامتهم، إلا أن أسلوب التقية الذي فرضه أئمة آل البيت عليهم السلام على مجمل العلاقات بين قواعدهم وبين السلطة وبينهم وبين هذه القواعد كذلك أحبط محاولات السلطة العدوانية الهادفة لسحق القواعد عن آخرهم ودون أن يبقى لذكر شيعة أهل البيت عليهم السلام من أثر.

على أننا نؤكد أن أئمة آل البيت عليهم السلام لم يقروا أطروحة التغيير لأنظمة الحكم هذه بأسلوب عسكري أو بحركةٍ معينة، وذلك لعلمهم المسبق الغيبـي بعدم تمامية أية حركة ثورية مسلحة، فضلاً عمّا تؤكده القرائن الحالية من عدم تمامية المنهج الثوري التغييري المطروح من قبل فصائل ثورية شيعية كثورة زيد بن علي عليه السلام، أو ثورية تدعي التشيع كحركة أبي سلمة الخلال وغيرها، وذلك لعدم جدوى قيام نظامٍ إسلامي شرعي يقوده أهل البيت عليهم السلام في ظروفٍ سياسية مضطربة، واجتماعية غير رشيدة أو دينية غير ناضجة تنسجم والنهج الإلهي لأهل البيت عليهم السلام.

هذه هي خلاصة الموقف الذي كان يلتزمه أهل البيت عليهم في التعامل مع حركات الإصلاح السياسي المضطرب لدولتي بني أمية وبني العباسي.

لذا فإنّ أئمة أهل البيت عليهم السلام لم يتعاملوا مع هذه الحركات الثورية، بل كانوا ينهون أتباعهم في الدخول ضمن هذه الحركات المسلّحة التي تؤدي أخيراً بأتباعها إلى التصفية الكاملة وسحقها من قبل النظام، وكان النظام على علمٍ بعلاقة الأئمة عليهم السلام مع هذه الحركات المسلّحة والموقف السلبي، أي غير المؤيد أو الساكت ـ على أقل تقدير ـ لهذه الحركات المسلحة التي يعرف الأئمة عليهم السلام نتائجها سلفاً، وهو فشلها وسحقها من قبل النظام..

كان النظام يعلم بعدم مشاركة الأئمة عليهم السلام وشيعتهم في هذه الأنشطة الثورية والحركات المسلحة، وهو مع هذا يلقي باللائمة على الأئمة ويتهمهم بمحاولة تهديد أمن الدولة والإطاحة به، وهي إشارة واضحة إلى أنّ وجود الأئمة عليهم السلام هكذا دون أية مشاركة تعد " معارضةً صامتة تهدد كيانه، وذلك لأن النظام يفقد شرعيته الحقيقية وهو يحصل بعد ذلك على " شرعيةٍ " يأخذها بالقوة والقهر من قبل قطاعات الأمة التي ترزح تحت مطرقة النظام الدموية، والأمة بعد ذلك تقر الشرعية الإلهية لأهل البيت عليهم وتعترف قطاعاتها بإمامتهم إلاّ أن هذا الاعتراف والإذعان يختلف باختلاف المدارس التي ينتمي لها هذا القطاع أو ذاك.

 فالذين يدينون بمذهب التشيع يلتزمون بإمامة أئمة أهل البيت عليهم السلام والنص عليهم دون أدنى ريب، والذين ينتمون لمدارس إسلامية أخرى غير شيعية يذعنون ـ هم الآخرون ـ بأحقية الأئمة عليهم السلام بالخلافة والإمامة وإن اختلفوا مع أتباع أهل البيت عليهم السلام بجزئيات وتفاصيل الإمامة إلاّ أنهم يذعنون لها مجملاً دون أدنى ريبٍ كذلك. ونموذج من هذا الإذعان لإمامة آل البيت عليهم السلام نستعرض ما ذكره ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة في مناقب الإمام الحسن العسكري عليه السلام فقال:

مناقب سيدنا أبي محمد الحسن العسكري دالة على أنه السري ابن السري، فلا يشك في إمامته أحد ولا يمتري، واعلم أنه يبعث مكرمة فسواه بايعها وهو المشتري، واحد زمانه من غير مدافع، ويسبح وحده من غير منازع، وسيد أهل عصره وإمام أهل دهره، أقواله سديدة، وأفعاله حميدة، وإذا كانت أفاضل زمانه قصيدة فهو في بيت القصيدة، وإن انتظموا عقداً كان مكان الواسطة الفريدة، فارس العلوم الذي لا يجارى، ومبين غوامضها فلا يحاول ولا يمارى، كاشف الحقائق بنظره الصائب، مظهر الدقائق بفكره الثاقب المحدّث في سرّه بالأمور الخفيات، الكريم الأصل والنفس والذات.[95]

وقال العلامة محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول: اعلم أنّ المنقبة العلياء والمزية الكبرى التي خصه الله بها، وقلده فريدها، ومنحه تقليدها، وجعلها صفة دائمة لا يبلي الدهر جديدها، ولا تنسى الألسنة تلاوتها وترديدها، أن المهدي محمداً نسله منه، ولده المنتسب إليه، بضعته المنفصلة عنه.[96] وكانت له عليه السلام هيمنته على النفوس حتى على شر خلق الله، فإنّ لهيبته وجلالته أثرٌ في استقطاب أعتاهم وأشدهم، روى المفيد أنّ العباسيين دخلوا على صالح بن وصيف عندما حبس أبو محمد عليه السلام فقالوا له: ضيّق عليه ولا توسّع، فقال لهم صالح: ما أصنع به؟! قد وكلت به رجلين شرّ من  قدرت عليه، فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمرٍ عظيم، ثم أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ فقالا له: ما نقول في رجلٍ يصوم النهار ويقوم الليل كلّه، لا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا ما لانملكه من أنفسنا: فلما سمع ذلك العباسيون انصرفوا خاسئين.[97]

إذن فالنظام الآن يعيش هاجس شرعية آل البيت عليهم السلام التي تعترف لهم الأمة جميعاً، وفي نفس الوقت يعيش هاجس شرعيته المفقودة، وهو مهما فعل من إصرارٍ وقهر على إذعان الأمة لشرعيته فهم لا يعترفون بها إلاّ من خلال القوة فقط ..

هذه الهواجس يعيشها النظام طالما يعيش أهل البيت عليهم السلام أحياء تنظر إليهم الأمة جميعاً بأنهم التعبير الوحيد عن سلامة الدين وعافيته، وكونهم يمثلون الرسالة ومكارم الوحي، وامتداد النبوة، فمتى يبقى للنظام بعد ذلك شرعية لولا قوته وبطشه لهؤلاء المغلوبين على أمرهم والمستضعفين الذين يعيشون تحت سطوة النظام؟

هذه صورة مجملة عن علاقة النظام بأئمة أهل البيت عليهم السلام بعدما التزموا بحالة التعايش والمهادنة مع النظام حفاظاً على الكيان الإسلامي المتمثل بهم، والحفاظ ـ كذلك ـ على قواعدهم وقطاعات أتباعهم المنبثين تحت وطأة النظام وغلبته.

أي أن أئمة أهل البيت عليهم السلام أجّلوا محاولات التغيير المسلح إلى وقت يعد النتيجة الحتمية لقبول أطروحتهم الإلهية، وذلك بعد فشل كل أطروحة تقدمها الاتجاهات المدعية للشرعية الإسلامية وإخفاقها في غمرة ظروف تعجز فيها عن إثبات قابليتها، أي لا تبقى حينئذ سوى الأطروحة الإلهية لأهل البيت عليهم السلام، والتي يتولى تنفيذها الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف.

إنّ الأطروحة المهدوية هذه ستكون حقيقة واقعة وقضية إسلامية محتومة لا يمكن تجاوزها بعد أن تعهدت الأحاديث النبوية بإثباتها والتعامل معها تعاملاً حسياً واقعيا، أي ستكون الأطروحة المهدوية نقطة اشتراك فكري عقائدي بين جميع المذاهب الإسلامية دون استثناء، فالأحاديث الواردة عن الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف مسألة تتعامل معها جميع المدارس الإسلامية بكل اتجاهاتها، فهي لا تقتصر على اتجاه دون اتجاه، أو رؤية دون رؤية.

أي أن الاعتقاد المهدوي غير مقتصر على الفكر الشيعي وحده بقدر ما هو اتجاه إسلامي يشترك الجميع في الاعتقاد به والتسليم إليه.

ومن هذا المنطلق تعامل الخلفاء العباسيون مع الأطروحة المهدوية تعاملاً حقيقياً جدياً، فباتوا يعيشون هاجس الظهور المهدوي الذي يزلزل كيانهم ويهدد وجودهم.

وطبيعي أن هذه الهواجس ستكون كفيلة وحدها بالتعامل مع الإمام الحسن العسكري عليه السلام تعاملاً مشوباً بحذر دائم، تتوقع من خلاله السلطة إمكانية إيقاف هذا المد الإمامي الذي سيتمثل بولده الموعود، وهو المهدي الذي أذعن خلفاء بني العباس بحتمية وجوده الآن أو مستقبلاً، لذا فعلى السلطة إذن ـ بعد غياب الرؤية الواقعية عن وجوده وولادته ـ اتخاذ الإجراءات الأمنية الكفيلة بتطويق هذا الخطر القادم بولادة الموعود، وذلك إذا ما عرفنا أن السلطة أظهرت فزعها بُعيد وفاته عليه السلام وبدأت بعمليات بحثٍ وتحري كاملين عن الوليد الموعود، وهو المهدي الذي سيكون بديلاً عن السلطة فيما تحسب هي ويحسبه الآخرون.

 

شهادة الإمام الحسن العسكري عليه السلام

يبدأ ذعر السلطة واضحاً إذا ما علمنا أن الدلائل تشير إلى اغتيالها للإمام الحسن العسكري عليه السلام تحسباً لولادة المهدي الموعود منه. إذ لم يكن في المعلومات الرسمية لدى الخليفة ومساعديه ما يشير إلى وجود ولد للإمام عليه السلام في هذه الفترة، لذا فعليها معاجلة الإمام عليه السلام بتصفيته وإيقاف هذا الخطر الذي سيسببه وجوده بولادة الموعود ، وبالفعل فقد أقدمت السلطة على تدبير عملية تصفية للإمام العسكري عليه السلام وتظاهرت بقلقها حيال مرضه الذي أودى بحياته عليه السلام.

 فقد روى الصدوق عن خبر الوفاة في حديث طويل قال: "... لما اعتل بعث إلى أبي (عبيد الله بن خاقان وزير الموفق العباسي) أن ابن الرضا قد اعتل، فركب من ساعته مبادراً إلى دار الخلافة، ثم رجع مستعجلاً ومعه خمسة نفر من خدام أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته فمنهم نحرير وأمرهم بلزوم دار الحسن بن علي عليه السلام وتعرّف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطبّبين فأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده صباحاً ومساءً، فلما كان بعد ذلك بيومين جاءه من أخبره أنه قد ضعف، فركب حتى بكّر إليه ثم أمر بالمتطبّبين بلزومه، وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلس وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن عليه السلام وأمرهم بلزوم داره ليلاً ونهاراً، فلم يزالوا هناك حتى توفي عليه السلام لأيامٍ مضت من شهر ربيع الأول من سنة ستين ومائتين، فصارت سرّ من رأى ضجة واحدة ـ مات ابن الرضا ـ وبعث السلطان إلى داره من يفتشها ويفتّش حجرها، وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده وجاؤوا بنساء يعرفن بالحبل، فدخلن على جواريه فنظرن إليهن فذكر بعضهنّ أن هناك جارية بها حمل فأمر بها فجعلت في حجرة ووكّل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم..[98]

هذا الإجراء الجائر الذي مارسته السلطة مع الإمام عليه السلام وعائلته يؤكد على أمور منها:

1ـ مراقبة بيت الإمام عليه السلام إبان مرضه، وهي الفترة التي يفترض أن يكون لولده دور في رعاية والده المريض أو على الأقل تحسس وجوده في الدار من خلال وضع العيون على هيئة متطببين،أو أشخاص يقومون بدور خدمة الإمام عليه السلام كما احتج بذلك النظام، وسعى إلى ترصّد حركات الإمام عليه السلام وعائلته.

2ـ محاولة التفتيش عن الوليد الموعود أو مراقبة جواري الإمام الحوامل لحين وضع إحداهن للوليد الموعود ـ كما نصت الرواية أن نحريراً الخادم قد كلّف بمهمة مراقبة إحدى جواريه الحوامل مع مجموعة من النساء ـ وبذلك نجح النظام في اقتحام بيت الإمام عليه السلام ومراقبته وتطويق عياله بطريقةٍ يحسبها الآخرون أنها من ضمن إجراءات خدمة الإمام عليه السلام ورعايته وحرص النظام على حياته.

 

شهادته عليه السلام بالسم

تشير الدلائل إلى أن أبا محمد الحسن عليه السلام مات مسموماً على يد النظام، وذلك لما ذكرنا من أن النظام لا يزال مذعوراً فاقداً لشرعيته مع وجود الأئمة عليهم السلام بين ظهراني الأمة وهم معارضة صامتةً كما ذكرنا، لذا فإنّ أضمن الحلول في ذهن النظام هو تصفية الإمام بل الإسراع في ذلك، وهو أسلوب استعمله النظام طوال تأريخه مع الأئمة عليهم السلام بدلاً من محاولة المعايشة السلمية التي كان أحرى للنظام انتهاجها، فإنّ في تصفية إمام الوقت سيخلق جواً من عدم الثقة بين النظام وبين الأمة التي باتت تنظر إلى النظام بأنه وجود إرهابي يحكم بالقهر والغلبة مع ما يملكه من آليات التصفية التي لا تأمن الأمة شرها في يوم ما.

لذا فالنظام الذي يتمثل بالمعتمد العباسي يعمد اليوم إلى تصفية الإمام بدس السم إليه، بل احتمالات تصفية الإمام العسكري عليه السلام بالسم من قبل النظام ستكون أقرب من غيرها، فهي المتوقعة من قبل النظام والنتيجة الحتمية في نهاية الإمام عليه السلام بعد ذلك.

فالإمام العسكري عليه السلام هو الحادي عشر من أئمة آل البيت عليهم السلام، وهو المولود منه المهدي الموعود الذي سيكون بديلاً عن أنظمة الحكم عند ذاك، فمتى يستقر للنظام حال مالم تجر تصفية الإمام على يديه وملاحقة المهدي الموعود لغرض تصفيته كذلك لينتهي كل شيء.

هذا هي حسابات النظام، وهذا ما دفع بالنظام إلى معاجلة الإمام عليه السلام واغتياله.

فاحتمالات شهادته بالسم هي التي يمكن أن نقطع بها جزماً دون أدنى شك، وإلاّ ما الذي أصاب الإمام العسكري عليه السلام وهو في الثامنة والعشرين من عمره الشريف وفي أوج سلامته وصحته فيعتل يومين ويموت دون أدنى مقدمات ضعفٍ أو مرضٍ تلوح على الإمام ؟ والمتعارف لأبناء هذا العمر أن لا يموتوا إلا بعد حادثةٍ عرضية أو أمرٍ مدبّرٍ يودي بحياتهم، وإلاّ فمن المفروض عادةً أن لا نقبل بوفاة الإمام عليه السلام دون أدنى احتمالٍ لتصفيته جسدياً.

وفي أيدينا ما يدين النظام كذلك ، إذ تكرر حبس الإمام عليه السلام مع أصحابه دون سابق أسبابٍ قانونية تبيح للنظام حبسه أو إقامته الجبرية في بيته في أحسن الأحوال، أو مراقبة تحركاته والتضييق عليه في أحايين كثيرة.

و لم تكن هذه القرائن وحدها تتهم النظام وتدينه في قتل الإمام عليه السلام، بل هناك اتفاق لدى علماء الإمامية بأن النظام قد أقدم على قتل الإمام عليه السلام وتصفيته فضلاً عن اتفاق علماء أهل السنة على ذلك.

قال الأربلي في كشف الغمة عند تأريخه للإمام العسكري عليه السلام: وذهب كثير من أصحابنا إلى أنه عليه السلام مضى مسموماً، وكذلك أبوه وجدّه وجميع الأئمة عليهم السلام خرجوا من الدنيا بالشهادة، واستدلوا على ذلك بما روي عن الصادق عليه السلام: والله مامنا إلا مقتول أو شهيد.[99]

وإذا أجمعت الطائفة على صحة الحديث هذا، فقد أجمعت على شهادته عليه السلام بالسم دون أدنى ريب، ولا حاجة بعد ذلك إلى التصريح عن الأمر في تأريخهم لأئمة آل البيت عليهم السلام، حيث تعد شهادتهم أمراً مسلّماً لا يختلف عليه أحد من أهل البحث والتحقيق.

وقال أبو جعفر الطبري الإمامي في ترجمة أبي محمد العسكري عليه السلام:

استشهد ولي الله وقد كمل عمره تسعاً وعشرين سنة، ومات مسموماً يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول، سنة ستين ومائتين من الهجرة بسر من رأى ودفن في داره بجنب أبيه.[100]

وانظر ما ذهب إليه ابن شهر آشوب[101] في شهادته عليه السلام بالسم وغيره كثير.

أما علماء أهل السنة ومؤرخيهم، فقد ذكروا شهادته مسموماً بقولهم:

قال ابن حجر في الصواعق المحرقة في تأريخه للإمام العسكري عليه السلام: وعمره ثمانية وعشرون سنة، ويقال أنّه سم أيضاً ولم يخلّف غير ولده أبي القاسم محمد الحجة.[102]

وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة قال: ذهب كثير من الشيعة إلى أن أبا محمد الحسن مات مسموماً وكذلك أبوه وجده وجميع الأئمة الذين من قبلهم خرجوا كلهم تغمدهم الله برحمته من الدنيا على الشهادة، واستدلوا على ذلك بما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: ما منا إلاّ مقتول أو شهيد.[103]

والسبط ابن الجوزي قال: وكانت وفاته في أيام المعتز بالله، ودفن بسرّ من رأى، وقيل أنّه مات مسموماً.[104]

إلى هنا عرفنا كيف يتعامل النظام مع أهل البيت عليهم السلام الذين اختاروا أسلوب المسالمة والمهادنة مع أنظمة زمانهم، ولم يغب عن هذه الأنظمة موقف الأئمة عليهم السلام وابتعادهم عن ممارسة المعارضات المسلحة، بل توفرت لدى الأنظمة معلومات موثقة في نهي الأئمة عليه السلام أتباعهم عن الدخول في هذه المعارضات المسلحة الكفيلة بزعزعة أمن النظام وذعره على أقل تقدير.

ولم تهدأ تحريات السلطة عن أنشطة الأئمة عليه السلام حتى تيقّنت بأن الحركات المسلحة والمعارضة لا ترتبط بأدنى علاقة بالأئمة عليه السلام بالرغم من رفع أكثرها لا فتاتٍ علوية تدعو للرضا من آل محمد صلوات الله عليهم.

هذه المواقف وغيرها من أئمة آل البيت عليهم السلام لم "تطمئن" النظام على مستقبله على ما يبدو، فهو لا يزال يعيش هاجس الخوف والترقب الحذر من الأئمة عليهم السلام.

فكيف بمن تظافرت أخبار الفريقين على أنه الذي يملؤها قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، أي أن أطروحة التغيير التي سيتكفلها الإمام المهدي عليه السلام تعد حافزاً مهماً على إظهار النظام قلقه من ولادة المهدي الموعود إذن، وستكون مبررات ذعره من ذلك متوفرة إذا ما علمنا أن المهدي الموعود هو إحدى مسلّمات الفكر الإسلامي الذي لا يختص بجماعةٍ دون غيرها.

من هنا أعد النظام عدته لتصفية الموعود، ووضع خطته الأمنية لمحاولة إلقاء القبض على هذا الوليد الذي سينهيه النظام متى ما ظفر بوجوده، وإذا تمت تصفيته فإنّ النظام سيعيش في ضمانةٍ أمنية واسعة تضمن كيانه من الانهيار ومستقبل الأنظمة القادمة كذلك.

هذه هي أطروحة النظام " الأمنية " في محاولة تصفية المهدي الموعود التي من خلالها سيحصل على مكسبٍ أمني يضمن بقاءه والأنظمة القادمة كذلك.

لذا فستكون حتمية تصفية الإمام المهدي عليه السلام من قبل النظام أقرب للواقع الأمني الذي يعيشه النظام بكل هواجسه ومخاوفه، وهو ما دعاه إلى اتخاذ إجراءات المطاردة للإمام وعائلته وخواصه.

ولعل صورة لأحداث رحيل الإمام العسكري عليه السلام توقفنا على مدى تشدد النظام في إجراءاته الأمنية التي حاولت سبق الأحداث، بغض النظر عن كونها أثمرت الهدف المنشود للنظام أم أُحبِطت في ظل الإجراءات " الوقائية " التي عملها الإمام العسكري عليه السلام من قبل، والتكتيكات التي مارسها الإمام المهدي عليه السلام إبان رحيل والده.

  فقد روى الصدوق في ذلك روايةً طويلة تحدثت عن جهات عدة، لعلها تفيدنا في تحديد ملامح الظرف الذي عاشه الإمامان العسكري والمهدي عليهما السلام في ظل تحضيرات النظام الأمنية وهواجس الخوف التي كان يعيشها، إلى جانب ذلك توضّح ما يكنه النظام وأتباعه وجميع الأمة من إجلال الإمام وإكباره واختلاف التعامل لدى التشكيلات الرسمية والشيعية المختلفة.

 

ملحمة الصدوق الروائية [105]

قال الصدوق: حدثنا أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا من حضر موت الحسن بن علي بن محمد العسكري عليهم السلام ودفنه، ممن لا يوقف على إحصاء عددهم ولا يجوز على مثلهم التواطؤ بالكذب:[106]

وبعد فقد حضرنا في شعبان سنة ثمان وسبعين ومائتين، وذلك بعد مضيّ أبي محمد الحسن بن عليّ العسكري عليهما السلام بثماني عشرة سنة أو أكثر مجلس أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وهو عامل السلطان يومئذ على الخراج والضياع بكورة قم، وكان من أنصب خلق الله وأشدهم عداوة لهم، فجرى ذكر المقيمين من آل أبي طالب بسرّ من رأى ومذاهبهم وصلاحهم وأقدارهم عند السلطان، فقال أحمد بن عبيد الله: ما رأيت     ولا عرفت بسرّ من رأى رجلاً من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا عليهم السلام، ولا سمعت به في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته والسلطان وجميع بني هاشم، وتقديمهم إياه على ذوي السنّ منهم والخطر، وكذلك القواد والوزراء والكتّاب وعوام الناس.

 

إذعان رجال الدولة لجلالة الإمام العسكري عليه السلام

..فإني كنت قائماً ذات يوم على رأس أبي وهو يوم مجلسه للناس إذ دخل عليه صحبه فقالوا له: إنّ ابن الرضا على الباب، فقال بصوت عال: ائذنوا له، فدخل رجلٌ أسمرٌ أعينٌ حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن حدث السنّ، له جلالة وهيبة، فلما نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطى ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم ولا بالقواد ولا بأولياء العهد، فلما دنا منه عانقه وقبّل وجهه ومنكبيه وأخذ بيده فأجلسه على مصلاّه الذي كان عليه، وجلس إلى جنبه، مقبلاً عليه بوجهه، وجعل يكلمه ويكنيه، ويفدّيه بنفسه وبأبويه، وأنا متعجب مما أرى منه إذ دخل عليه الحجاب فقال: الموفق قد جاء، وكان الموفق إذا جاء ودخل على أبي تقدّم حجابه وخاصة قواده فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين إلى أن يدخل ويخرج.

فلم يزل أبي مقبلاً عليه يحدّثه حتى نظر إلى غلمان الخاصة فقال حينئذٍ: إذا شئت فقم جعلني الله فداك يا أبا محمد، ثم قال لغلمانه: خذوا به خلف السماطين لكيلا يراه الأمير ـ يعني الموفق ـ فقام وقام أبي فعانقه وقبّل وجهه ومضى.

 فقلت لحجّاب أبي وغلمانه: ويلكم من هذا الذي فعل به أبي هذا الذي فعل؟ فقالوا: هذا رجلٌ من العلوية يقال له: الحسن بن علي يعرف بابن الرضا، فازددت تعجباً.

فلم أزل يومي ذلك قلقاً متفكراً في أمره وأمر أبي ومارأيت منه حتى كان الليل، وكانت عادته أن يصلي العتمة، ثم يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات وما يرفعه إلى السلطان..

 

ابن خاقان يصف الإمام عليه السلام وهو لسان حال الدولة والأمة جميعاً

..فلما صلى وجلس جئت فجلست بين يديه فقال: يا أحمد ألك حاجة ؟ فقلت: نعم يا أبة إن أذنت سألتك عنها ؟ فقال: قد أذنت لك يا بنيّ فقل ما أحببت، فقلت له: يا أبة من كان الرجل الذي أتاك بالغداة وفعلت به ما فعلت من الإجلال والإكرام والتبجيل، وفدّيته بنفسك وبأبويك ؟

 فقال: يا بنيّ ذاك إمام الرافضة، ذاك ابن الرضا، فسكت ساعة فقال: يا بني لو زالت الخلافة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحدٌ من بني هاشم غير هذا، فإنّ هذا يستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه، ولو رأيت أباه لرأيت رجلاً جليلاً نبيلاً خيّراً فاضلاً..

 

رجال الدولة وقادتها على هذا الرأي كذلك

.. فازددت قلقاً وتفكّراً وغيظاً على أبي مما سمعت منه فيه، ولم يكن لي همّة بعد ذلك إلاّ السؤال عن خبره، والبحث عن أمره.

فما سألت عنه أحداً من بني هاشم ومن القواد والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلّا وجدته عندهم في غاية الإجلال والإعظام والمحلّ الرفيع والقول الجميل والتقديم له على جميع أهل بيته ومشايخه وغيرهم، وكلٌ يقول: هو إمام الرافضة.

فعظم قدره عندي، إذ لم أر له ولياً ولا عدوّا إلاّ وهو يحسن القول فيه والثناء عليه..

 


(95) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: 286

(96) مطالب السؤول: 88

(97) الإرشاد للشيخ المفيد: 2/ 334

(98) إكمال الدين وإتمام النعمة: 51

(99) كشف الغمة في معرفة الائمة (ع) 2: 934

(100) دلائل الإمامة للطبري : 219

(101) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: 3/ 455

(102) الصواعق المحرقة: 208

(103) الفصول المهمة : 286

(104) تذكرة الخواص: 324

(105) تعد الرواية هذه إحدى المستفيضات التي تعارف عليها علماء الإمامية في تأريخ فترة الإمامين العسكري والمهدي عليهما السلام، فقد تكفلت كتب الغيبة وغيرها نقل الرواية والاهتمام بها كونها مصدراً مهماً في تأريخ هذه الفترة.

(106) ظاهر كلامه قدس سره عدّها من المتواترات