جعفر في نظر السلطة ورجالاتها

..فقال له بعض أهل المجلس من الأشعريين: يا أبا بكر فما خبر أخيه جعفر؟ فقال: ومن جعفر فيسأل عن خبره، أيقرن به؟ إنّ جعفراً معلن بالفسق ماجن شريب للخمور، وأقل من رأيته من الرجال وأهتكهم لستره، فدمٌ خمار قليل في نفسه خفيف، والله لقد ورد على السلطان وأصحابه في وقت وفاة الحسن بن علي عليهما السلام ما تعجبت منه وما ظننت أنه يكون..[107]

 

النظام إبّان شهادة الإمام العسكري عليه السلام وبحثه عن الإمام المهدي عليه السلام

.. وذلك أنه لما اعتلّ بعث إلى أبي أن ابن الرضا قد اعتل، فركب من ساعته مبادراً إلى دار الخلافة، ثم رجع مستعجلاً ومعه خمسة نفر من خدّام أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته فمنهم نحرير.

وأمرهم بلزوم دار الحسن بن علي عليه السلام وتعرف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطببين فأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده صباحاً ومساءً.

فلما كان بعد ذلك بيومين جاءه من أخبره أنه قد ضعف، فركب حتى بكّر إليه، ثم أمر المتطببين بلزومه وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه، وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن عليه السلام وأمرهم بلزوم داره ليلاً ونهاراً.

 فلم يزالوا هناك حتى توفي عليه السلام لأيام مضت من شهر ربيع الأول من سنة ستين ومائتين.

فصارت سرّ من رأى ضجة واحدة ـ مات ابن الرضا ـ وبعث السلطان إلى داره من يفتشها ويفتش حجرها، وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده، وجاؤوا بنساء يعرفن بالحبل، فدخلن على جواريه فنظرن إليهن، فذكر بعضهنّ أن هناك جارية بها حمل فأمر بها فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته. وعطّلت الأسواق وركب أبي وبنو هاشم والقواد والكتاب وسائر الناس إلى جنازته عليه السلام فكانت سرّ من رأى يومئذ شبيهةً بالقيامة..

 

النظام يحاول دفع تهمة اغتياله للإمام عليه السلام بطرقه الرسمية الباطلة

.. فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة دنا أبو عيسى منها، فكشف عن وجهه، فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية، والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء والمعدّلين وقال: هذا الحسن بن علي بن محمد ابن الرضا مات حتف أنفه[108] على فراشه حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان، ومن المتطببين فلان وفلان، ومن القضاة فلان وفلان، ثم غطّى وجهه وقام فصلى عليه [109] خمساً وأمر بحمله من وسط داره.

 ودفن في البيت الذي دفن فيه أبوه عليه السلام.

 

البحث عن المهدي الموعود عليه السلام ومحاولات جعفر الفاشلة

.. فلما دفن وتفرّق الناس اضطرب السلطان وأصحابه في طلب ولده، وكثر التفتيش في المنازل والدور، وتوقفوا على قسمة ميراثه.

ولم يزل الذين وكّلوا بحفظ الجارية التي توهموا عليها الحبل ملازمين لها سنتين وأكثر حتى تبين لهم بطلان الحبل، فقسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر، وادّعت أمه وصيته وثبت ذلك عند القاضي.

والسلطان على ذلك يطلب أثر ولده، فجاء جعفر بعد قسمة الميراث إلى أبي، وقال له: اجعل لي مرتبة أبي وأخي وأوصل إليك في كل سنة عشرين ألف دينار مسلّمة، فزبره أبي وأسمعه وقال له: يا أحمق إنّ السلطان ـ أعزه الله ـ جرّد سيفه وسوطه في الذين زعموا أن أباك وأخاك أئمة ليردّهم عن ذلك فلم يقدر عليه، ولم يتهيأ له صرفهم عن هذا القول فيهما، وجهد أن يزيل أباك وأخاك عن تلك المرتبة فلم يتهيأ له صرفهم عن هذا القول فيهما، وجهد أن يزيل أباك وأخاك عن تلك الرتبة فلم يتهيأ له ذلك، فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماماً فلا حاجة بك إلى السلطان ليرتبك مراتبهم ولا غير السلطان، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا، واستقله أبي عند ذلك، واستضعفه وأمر أن يحجب عنه، فلم يأذن له بالدخول عليه حتى مات أبي.

وخرجنا والأمر على تلك الحال، والسلطان يطلب أثر ولد الحسن بن علي عليهما السلام حتى اليوم.[110]

 

ثلاث معادلات خطيرة:

هذه الرواية توقفنا على ثلاث معادلات تدخلت في خفاء الإمام المهدي عليه السلام إبان شهادة والده صلوات الله عليه.

الأولى: العلاقة بين الإمام الحسن العسكري عليه السلام وبين السلطة

فقد شاهدنا حذر السلطة واضطرابها في علاقتها مع الإمام عليه السلام ، فمرّة تتعامل معه بالإكبار وتعترف له بالتقديم على غيره بل إمامته في أحيان أخرى، كما في تعامل ابن خاقان مع الإمام وتصريحه بأحقيته بالخلافة، ومن جهة تودع الإمام عليه السلام في السجن أو تحتم عليه الإقامة الجبرية فتعزله عن قواعده دون سابق إنذار.

أي أن علاقة الإمام عليه السلام بالسلطة تتذبذب بين ذعر السلطة ومخاوفها من مجرد وجود الإمام عليه السلام إلى حالات اطمئنان من موقف الإمام ووجوده تبعاً " لتخيلات " الخليفة وما توهمه توجهات حرصه على منصبه وبقائه على دست الحكم منعّماً دون أدنى معارضٍ هناك.

وهذا العامل يعدّ من أقوى عوامل إجراءات الاختفاء وغيبته عن أعين العامة فضلاً عن الخاصة كذلك.

على أنّ " الاعتقاد الخفي " بالأئمة عليهم السلام لدى دوائر النظام لا تمثله حالة ابن خاقان وحدها، فالنظام يكمن في دواخله حالات التعاطف، بل التشيع من بعض أعضائه، فأسر النظام كانت ترى فضل الأئمة صلوات الله عليهم ظاهراً، وهذا التحسس لدى نساء البلاط ظهر في أكثر من ظاهرة، ويمكننا أن نطلق عليها بظاهرة " الاعتقاد الخفي " التي تكنه نساء البلاط للأئمة عليهم السلام، وسنذكر بعض نماذج ذلك:

نساء البلاط

زبيدة زوجة الرشيد:

عدّها الصدوق من الشيعة، وأثنى عليها كثيراً، وقال المامقاني ـ تبعاً للشيخ الصدوق ـ أنها من الشيعة كذلك، قال: زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور زوجة هارون الرشيد أم محمد الأمين، قال الصدوق في المجالس: إنّها كانت من الشيعة فلما عرفها أنّها منهم حلف بطلاقها، وقال ابن خلكان: لها معروف كثير وفعل خير وقصتها في حجها وما اعتمرته في طريقها مشهورة فلا حاجة إلى شرحها، قال الشيخ أبو الفرج.. كان لها مائة جارية يحفظن القرآن ولكل واحدة ورد عشر القرآن.

وكان يسمع في قصرها كدوي النحل من قراءة القرآن..[111]

 وعدّ الطبري في دلائل الإمامة أن زبيدة من النساء اللاتي يخرجن مع القائم عليه السلام، فقد روى بسنده عن الصادق عليه السلام: يكنّ مع القائم ثلاثة عشر امرأة، قلت [ الراوي ]: وما يصنع بهنّ؟ قال: يداوين الجرحى ويقمن على المرضى كما كان رسول الله، قلت: فسمّهن لي، قال: القنوا بنت رُشيد، وأم أيمن، وحبابة الوالبية، وسمية أم عمار بن ياسر، وزبيدة، وأم خالد الأحمسية، وأم سعيد الحنفية، وصبانة الماشطة، وأم خالد الجهنية.[112]

وربما يتساءل عن كون نسبة التشيع إلى زبيدة لم تشتهر بين الأصحاب، فنقول: إنّ شهادة الشيخ الصدوق تعد من الشهادات التي يعدها أصحابنا رضوان الله عليهم أنها حسية أو قريبة منه، لقرب عهده بأصحاب الأئمة وسفراء الحجة عجل الله فرجه الشريف، والشيخ الصدوق أجل من أن يروي أمراً حدسياً يخبر به وينسبه إلى نفسه دون تحقيق في النسبة، كما أن نسبة التشيع إلى زبيدة لم تكن مشهورة لخفاء أمر تشيعها وكتمانه خوفاً من الرشيد وبني العباس، كما أن نسبة التشيع إلى سيدة البلاط العباسي أمر غير متعارف عادة لدى الأوساط الذين عرفوا بني العباسي وعداءهم لأهل البيت عليهم السلام، إلاّ أن ذلك أمراً جديراً بالاهتمام سنشير إلى دوافعه وملازماته قريباً.

 

2ـ أخت السندي بن شاهك:

قال الخطيب البغدادي: إنّ أبا الحسن موسى بن جعفر حبس عند السندي فسألته أخته أن تتولى حبسه، وكانت تتدين ففعل، فكانت تلي خدمته، فحكي أنها قالت: كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجّده ودعاه فلم يزل كذلك حتى يزول الليل، فإذا زال الليل قام يصلي الصبح، ثم يذكر في القبلة حتى يصلي المغرب، ثم يصلي ما بين المغرب والعتمة، فكان هذا دأبه، فكانت أخت السندي إذا نظرت إليه قالت: خاب قوم تعرّضوا لهذا الرجل.[113]

فاعتقادها خالف اعتقاد البلاط الذي يرى قتل الإمام عليه السلام دون وازع ورادع، فهي بمخالفتها لاعتقادهم دليل على معرفتها لهذا الأمر وإن لم تصرّح بذلك.

 

3ـ أم المتوكل العباسي:

قال ابن الصباغ المالكي: مرض المتوكل من خراج خرج بحلقه فأشرف على الهلاك.. فنذرت أم المتوكل لأبي الحسن علي بن محمد إن عوفي ولدها من هذه العلة لتعطيه مالاً جليلاً من مالها..[114]

 

4ـ زوجة نحرير الخادم:

ونحرير هو من مساعدي المعتمد العباسي، وكان ظالماً يتولى حبس الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وكانت امرأته ترى خلاف رأيه في أبي محمد عليه السلام، فحذرته عن مغبّة عمله هذا وأشارت عليه بالكف عن تعرضه للإمام عليه السلام.

قال المجلسي: سلّم أبو محمد عليه السلام إلى نحرير وكان يضيّق عليه ويؤذيه، فقالت له امرأته: اتق الله فإنّك لاتدري من في منزلك؟ وذكرت له صلاحه وعبادته وقالت: إني أخاف عليك منه، فقال: والله لأرمينه بين السباع، ثم استأذن في ذلك فأذن له، فرمى به إليها فلم يشكّوا في أكلها، فنظروا إلى الموضع ليعرفوا الحال، فوجدوه عليه السلام قائماً يصلي وهي حوله، فأمر بإخراجه إلى داره.[115]

على أن هذه الظواهر لدى نساء البلاط لا تنحصر في هذه النماذج، فربما كانت هناك نماذج أخرى خفية لا يتسنى للمؤرخين ذكرها، لخفاء أمرها وشدة تكتمها..

وتركيزنا على مثل هذه الظواهر للإشارة إلى إمكانية تأثر خاصة البلاط بالأئمة عليهم السلام وإذعانهم بل اعتقادهم في بعض الأحيان، وهي معادلة خطيرة يتوجس منها النظام ويستشعر منها كذلك بالاستصغار وعدم الأهلية للخلافة وأن الحق في أئمة أهل البيت عليهم السلام الذين " اقتحمت " شهرتهم وحسن سيرتهم حتى نساء البلاط وأذعنّ لهم بالأحقية، وهي ظاهرة تستحق الاهتمام من قبل النظام لخطر حالة الولاء وزحفها حتى إلى خبايا القصر، وتستدعي منا الاهتمام كذلك كونها تشير إلى تأثير الأئمة عليهم السلام بخاصة النظام، ومدى أهمية وجودهم عليهم السلام في التأثير بفصائل الأمة وقطاعاتها فضلاً عن خاصة النظام.

وظاهرة نساء البلاط هذه في اعتقادهنّ بالأئمة عليهم السلام خلافاً للبلاط وتوجهاته، وذلك لكون النساء يعبّرن عن اعتقادهنّ وتعاطفهنّ دون النظر إلى مصالح أخرى، خلافاً للرجال الذين يحاولون كتمان الحق حرصاً على الجاه والمنصب.

على أن هذه الظاهرة لم تتداولها مصادر التأريخ السنية كما تداولتها المصادر الشيعية ـ بالرغم من ذكر بعضها في مصادرهم ـ وذلك لأن إشاعة هذه الظاهرة تشير إلى أحقية أهل البيت عليه السلام خلافاً لأعدائهم الذين يتعامل معهم بعض المؤرخين أئمةً خلفاء.

 

الثانية: علاقة الأمة بالإمام عليه السلام

 فقد رأينا الموقف العام في سر من رأى بعد شياع خبر وفاة الإمام، حيث ضج الناس: "مات ابن الرضا"  كما في تعبير الرواية، "وكان ذلك اليوم شبيهاً بيوم القيامة"، كما في تعبير آخر، "وعطّلت الأسواق" كما في صورتها الثالثة.

وهكذا فإنّ علاقة الأمة بالإمام عليه السلام تدفع النظام إلى ازدياد حذره ومخاوفه من هذه العلاقة الروحية بين الإمام وبين الأمة بمختلف توجهاتها الفكرية والعقائدية، وهذا الحب سيشكّل فيما بعد علاقة " رسمية " تنطلق منها معارضة حقيقية للنظام، فالالتفاف الذي تبديه الأمة حول الإمام عليه السلام سيثير حفيظة النظام الذي يرغب في عزل الأمة عن الإمام والخوف من كون هذا الولاء هو تعبير عن هيكلةٍ لقاعدة معارضة تنشأ فيما بعد.

لذا فابتعاد الإمام عليه السلام عن القواعد سيشكل ضمانة اطمئان للنظام ـ على أقل تقدير ـ لكيلا تشكّل هذه القواعد خطرها المحسوب على السلطة.

إنّ هذا الحب الذي تكنه الأمة لا ينشأ أغلبه من فهم أطروحة الإمامة، وأن الأمة تتعامل مع الإمام كونه إمام، بل هي تتعاطف مع الإمام عليه السلام على أساس ما تراه من حسن سيرته وروعة سلوكه التي عجز الخليفة وغيره عن إبدائها والتحلي بها، وترى الأمة في شخص الإمام حالة الرشد الرسالي الذي تمثله امتداداًَ للسيرة النبوية المقدّسة بكل كمالاتها.

كل هذه التصورات في ذهن الأمة سيكون بمعزلٍ عن الاعتقاد بكون الإمام إماماً مفترض الطاعة تتعاطى معه الأمة على أساس تكليفها الشرعي، بل الأمة تتعاطى مع الإمام على أساس العاطفة ومشاعر الحب، وهو غير التكليف الذي يحمله المؤمن في تعاطيه مع الإمام، ومعلوم أن مشاعر العاطفة لا تعني بالضرورة حالات تأييد وتضحيةٍ وولاء يمكن للإمام استثمارها لتنفيذ أطروحته الإلهية.

هذا ما دعى الإمام المهدي عليه السلام إلى تغييب شخصه عن الأمة بكل فصائلها، وانعزاله عن قواعده المؤمنة والاتصال معهم عن طريق سفرائه الأربعة بعد ذلك.

الثالثة: وهي معادلة عمّه جعفر الذي سعى إلى كشف " سر الله " كما في تعبير بعض الروايات، ومحاولة تقرّبه للنظام عن طريق إفشاء أسرار الإمامة وتحريض النظام بالقبض على الوليد الموعود.

كما سعى من خلال ذلك إلى إحباط خطط الإمام عليه السلام في تعامله الطبيعي حتى مع قواعده أو مع خواصه على أقل تقدير.

فقد شكّل جعفراً هذا خطراً على حياة الإمام عليه السلام بتوجيه السلطة إلى مكان إقامته سعياً منه في التخلص من الإمام والتربّع على منصب الإمامة الّذي ظن أنه منصب تشكّله المساعي الرسمية للسلطة أو ما يحاوله من إعزاء رجالاتها بالمال ـ كما في تعبير الرواية ـ وتحفيز ابن خاقان بإعطائه عشرين ألفاً كل عام. 

ومعلوم أنّ الخطر الذي يداهم الإمام من داخل عائلته ـ عمه جعفر ـ دفع الإمام إلى التشديد باتخاذ إجراءات الأمن حفاظاً على حياته، فعمّه جعفر هذا يعرف أماكن تواجده، واطلاعه على حالات العائلة الخاصة تعين جعفراً على معرفة مكان الوليد الجديد، مما دعى الإمام المهدي عليه السلام إلى الاختفاء والابتعاد عن مكان خطر ملاحقة عمّه.

هذه المعادلات الثلاث تعيننا على استيعاب أطروحة الغيبة، وتدفعنا إلى الاعتقاد بأن إجراءات الغيبة هي الحالة الطبيعية التي يتخذها المرء في حال مداهمته بالخطر، بل عدم اتخاذ هذه الإجراءات الأمنية تودي بحياة الإمام ومن ثم بأطروحته الإلهية في ظهوره، وعلى الإمام إذن أن يختار سلوك تغييب شخصه حفاظاً على مهمته وتكليفه الإلهي.

 

لاغرابة ...فالأنبياء أصحاب غيبة كذلك:

و لم تكن الغيبة أمراً جديداً في تأريخ المهمات الإلهية والرسالات السماوية، فقد كانت إجراءات الغيبة معروفة لدى أنبياء الله حين يداهمهم الخطر من قبل طواغيت زمانهم، وسنستعرض نماذج من غيبات الأنبياء اعتماداً على بعض الروايات:

 

أولاً ـ غيبة إدريس عليه السلام:

روى الصدوق بسنده إلى أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: كان بدء نبوة إدريس عليه السلام أنه كان في زمانه ملك جبار وأنه ركب ذات يوم في نزهة، فمر بأرضٍ خضرة نضرة لعبد مؤمن من الرافضة[116] فأعجبته، فسأل وزراءه: لمن هذه الأرض؟ قالوا: لعبد مؤمن من عبيد الملك فلان الرافضي، فدعا به فقال له: امتعني بأرضك هذه، فقال: عيالي أحوج إليها منك، قال: فسمني بها أثمن لك، قال: لا أمتعك بها ولا أسومك عد عنك ذكرها، فغضب الملك عند ذلك وأسف وانصرف إلى أهله وهو مغموم متفكر في أمره، وكانت له إمرأة من الأزارقة، وكان بها معجباً.. إلى أن قال: فأشارت عليه بقتله وأخذ أرضه، فعارضه إدريس وحذّره، فهدده الجبار.. إلى أن قال في رواية طويلة الذيل .. فقالوا له: خذ حذرك يا إدريس فإنّ الجبار قاتلك قد بعث اليوم أربعين رجلاً من الأزارقة ليقتلوك فاخرج من هذه القرية، فتنحى إدريس عن القرية من يومه ذلك، ومعه نفر من أصحابه، فلما كان في السحر ناجى إدريس ربه فقال: يا رب بعثتني إلى جبار فبلّغت رسالتك وقد توعدني هذا الجبار بالقتل، بل هو قاتلي إن ظفر بي، فأوحى الله عزوجل: أن تنحّ عنه واخرج من قريته، وخلّني وإياه، فوعزتي لأنفذن فيه أمري..[117]

 

ثانياً: غيبة نبيّ الله إبراهيم عليه السلام:

روى السيوطي في الدر المنثور عن أبي حاتم عن السدي قال: كان من شأن إبراهيم عليه السلام أنّ أول ملكٍ ملك في الأرض شرقها وغربها نمرود بن كنعان بن كوش، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة، بن كنعان وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبختنصر، مسلمين وكافرين، وأنه طلع كوكب على نمرود ذهب بضوء الشمس والقمر ففزع من ذلك، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عن ذلك، فقالوا: يخرج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك ملكك، وكان مسكنه ببابل الكوفة، فخرج من قريته إلى قرية أخرى، وأخرج الرجال وترك النساء، وأمر أن لا يولد مولود ذكر إلاّ ذبحه، فذبح أولادهم. ثم إنّه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلاّ آزر أبا إبراهيم فدعاه فأرسله فقال له: انظر لا تواقع أهلك، فقال له آزر أنا أضنّ بديني من ذلك، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه أن وقع عليها، ففرّ بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها ادر فجعلها في سرب، فكان يتعهدها بالطعام وما يصلحها، وإنّ الملك لما طال عليه الأمر قال: قول سحرة كذابين ارجعوا إلى بلدكم، فرجعوا وولد إبراهيم، فكان في كل يوم يمر به كأنه جمعة والجمعة كالشهر من سرعة شبابه، ونسى الملك ذاك، وكبر إبراهيم ولا يرى أن أحداً من الخلق غيره وغير أبيه وأمه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إنّ لي ابناً وقد خبأته فتخافون عليه الملك إن أنا جئت به؟ قالوا: لا فائت به، فانطلق فأخرجه، فلما خرج الغلام من السرب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق، فجعل يسأل أباه فيقول: ما هذا؟ فيخبره عن البعير أنّه بعير. وعن البقرة أنّها بقرة وعن الفرس أنّها فرس وعن الشاة أنّها شاة، فقال: ما لهؤلاء بد من أن يكون لهم رب.. إلى آخر الرواية.[118]

 

ثالثاً: غيبة نبي الله يوسف عليه السلام:

فقد تحدّث القرآن الكريم عن قصة يوسف وغيبته حينما ألقي في البئر وأودع في السجن بسبب امرأة العزيز، حتى طالت غيبته عن أبيه وعن الناس سنين متطاولة، فأمكنه الله في الأرض فكان على خزائنها.

ورجع إليه أهله جميعاً ونصره الله نصراً عزيزاً، وقد يئس منه أبوه وظن أنه هلك ولم يرجع كما ظنّ الناس ذلك بعد غيبته.

 

رابعاً: غيبة نبي الله موسى عليه السلام:

فقد ذكر القرآن الكريم في قصصه عن موسى عليه السلام أنّ فرعون حينما طلب من يولد هذا العام ليقتله لأن على يد هذا الوليد يكون هلاك ملكه ونهايته، فإنّ الله تعالى أوحى إلى أم موسى أن تلقيه في اليمّ، حتى تكفلته امرأة فرعون، وغاب عن أهله سنين حتى رجع إليهم وهو رجلٌُ رشيد، ثم غاب عن قومه بعد قتل القبطي خوفاً من قتله والبحث عنه.

وهكذا كان لموسى غيبتان، أحدهما عند ولادته كما حدث للإمام المهدي عليه السلام، والثانية حين خاف القتل من قبل فرعون.

وبهذا شابه الإمام المهدي عليه السلام في غيبته غيبة موسى حين خاف طاغية زمانه وفرعون أمته، وكذا الإمام غاب عن أعين الناس خوف القتل من جبابرة زمانه وطغام قومه.

إلى هنا عرفنا، أن غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف أمرٌ قد تعارف في تأريخ الأنبياء، حيث الخوف من طواغيت زمانهم والتكذيب من قومهم ألجأهم إلى إخفاء أشخاصهم وحجبها عن أعين أعدائهم وهو أمر متسالم عند العقلاء، فالخطر المداهم للشخص لا يدفعه إلاّ بالاحتجاب باختلاف الوسائل والأساليب، والإمام اتّبع هذه الوسيلة درءً للخطر عن نفسه الشريفة وإتماماً لرسالته الإلهية.

 

غيبة الإمام المهدي عليه السلام.. الأدوار والمراحل

بعد أن تيقّنا من ضرورة وقوع الغيبة وكونها لا تنفك عن تنفيذ المهمة الإلهية التي كلّف بها الإمام المهدي عليه السلام، وأنها العملية التدبيرية التي لابد من اتخاذها درءً للخطر الذي أحاط بالإمام عليه السلام منذ ولادته، بل منذ حمله، وذلك حين توجّس النظام من ولادته ومتابعة خطواتها عن طريق العيون التي بثها في بيت الإمام العسكري عليه السلام ومحاولة اختراقه دون الحصول على أدنى معلومةٍ تعين النظام على معرفة وجود الإمام المهدي عليه السلام.

وقد تقدّمت الإشارة في ملحمة الصدوق الروائية إلى إحباط محاولات السلطة في القبض على الإمام عليه السلام.

إذن فقد بات من المؤكد أن تُتخذ تدابير الغيبة وإجراءاتها بما يضمن الإبقاء على دور الإمام المهدي عليه السلام محسوساً لدى الخاصة، أو ممارسة بعض مهامه على المستوى العام لدى شيعته عليه السلام بما يكفل سلامة وجوده والحفاظ على حياته الشريفة.

لذا فقد بادر الإمام الحسن العسكري عليه السلام إلى اتخاذ إجراءات الغيبة منذ ولادة الموعود، ومن ثم استمرت إجراءات الغيبة يزاولها الإمام المهدي عليه السلام كجزءٍ من مهمته الإلهية.

مرت إجراءات الغيبة هذه بمراحل مهمة يمكننا تأريخها كما يلي:

 

أولاً: الغيبة منذ حمله عليه السلام:

لم تبنْ أدوار الحمل على السيدة نرجس عليها السلام، ولعلها لم تكن تعلم أية آثار في هذا الشأن حتى اللحظات الأخيرة، إخفاءً من الله تعالى للوليد الموعود الذي لا تزال السلطة ترقب من الإمام الحسن العسكري عليه السلام ولادته منه عليه السلام.

فقد تكاملت الدلائل لدى السلطة بأن الثاني عشر القادم سيكون هو المهدي الموعود، والأخبار في هذا الشأن توفرت من فرق المسلمين تروي عن النبي صلى الله عليه وآله حتمية ولادته وظهوره ودكه لعروش الظالمين، ولم يبق أمام السلطة إلاّ اتخاذ اللازم لتطويق حالة الظهور.

أُحبطت محاولات السلطة بعد أن تم الحمل بطرقٍ إعجازية أخفت معها دلائله وفوّتت على السلطة إجراءاتها في شأن تصفية الإمام عليه السلام إبان ولادته، وسيتم لنا الوقوف على هذه الحالة الإعجازية في الرواية القادمة.

 

ثانياً: الغيبة إبّان ولادته عليه السلام:

أُحيطت ولادة الإمام عليه السلام بالسرّية التامة، وكان للحالات الإعجازية التي رافقتها أثرها البالغ في إخفاق جهود السلطة بإجراءاتها التعسفية في ملاحقة الوليد الجديد، وما كان للإمام الحسن العسكري عليه السلام من جهدٍ مبارك في هذا الشأن حين أخفى وليده الجديد، وفي الوقت نفسه أبلغت قواعده المؤمنة بحلول الوليد الموعود. 

وتفاوتت إجراءات التبليغ بين محدوديتها من جهة وإبلاغها إلى أكبر عددٍ ممكنٍ من جهةٍ أخرى، فمشاهدة الوليد أقتصرت على عددٍ " ناشطٍ " من أصحاب الإمام عليه السلام يمكنهم تبليغ ما رأوه بروايته لمجاميع الشيعة المرتبطة بكل فردٍ منهم.

ومن جهته انتهج الإمام العسكري عليه السلام برنامجاً واسعاً بعيد المدى في تبليغه بولادة الإمام المهدي عليه السلام ولأكبر عدد من شيعته، وذلك بعد أن أمر أحد وكلائه بتوزيع لحمٍ وخبزٍ ـ كما في بعض الروايات ـ أو لحمٍ من عقيقة ولده محمد ـ كما في رواياتٍ أخرى ـ وهو أسلوب يبقي على سرية الولادة الجديدة وفي الوقت نفسه يضمن التبليغ لأكبر عددٍ ممكن من الشيعة حيث توزيع اللحم والعقائق عن الإمام ديل حي وشهاده حسية على ولادة الإمام تتوفر لدى قطاعات الشيعة الواسعة.

وبهذا استطاع الإمام العسكري عليه السلام ممارسة دور التبليغ بولادة ولده لقواعده الواسعة بأسلوب التكتم والسرية التامة، منجزاً بذلك مهمة التبليغ بأدق أساليبها مع السرية التامة التي تضمن سلامة الوليد الجديد.

ومن الروايات التالية يمكننا التعرف على ظروف الولادة المباركة، والوقوف على بعض الجزئيات التي رافقت ذلك والإجراءات المتخذة بهذا الشأن:

1ـ روى الصدوق بسنده عن محمد بن عبد الله الطهوي قال: قصدت حكيمة بنت محمد عليه السلام بعد مضي أبي محمد عليه السلام أسألها عن الحجة وما قد اختلف فيه الناس من الحيرة التي هم فيها.

فقالت لي: اجلس فجلست، ثم قالت: يا محمد إنّ الله تبارك وتعالى لا يخلي الأرض من حجة ناطقة أو صامتة ولم يجعلها في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام تفضيلاً للحسن والحسين وتنزيهاً لهما أن يكون في الأرض عديلهما إلاّ أنّ الله تبارك وتعالى خصّ ولد الحسين بالفضل على ولد الحسن عليه السلام كما خصّ ولد هارون على ولد موسى عليه السلام وإن كان موسى حجةً على هارون والفضل لولده إلى يوم القيامة، ولابدّ للأمة من حيرة يرتاب فيها المبطلون ويخلص فيها المحقون كيلا يكون للخلق على الله حجة، وأنّ الحيرة لابد واقعة بعد مضيّ أبي محمد الحسن عليه السلام.

فقلت: يا مولاتي هل كان للحسن عليه السلام ولد ؟

فتبسمت ثم قالت: إذا لم يكن للحسن عليه السلام عقب فمن الحجة من بعده؟! وقد أخبرتك أنه لا إمامة لأخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام.

فقلت: يا سيدتي حدثيني بولادة مولاي وغيبته عليه السلام

قالت: نعم، كانت لي جارية يقال لها نرجس، فزارني ابن أخي فأقبل يحدق النظر إليها فقلت له: يا سيدي لعلك هويتها فأرسلها اليك؟ فقال لها: لا يا عمة ولكني أتعجب منها، فقلت: وما أعجبك منها؟ فقال عليه السلام: سيخرج منها ولد كريم على الله عز وجل الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، فقلت: فأرسلها إليك يا سيدي؟ فقال: استأذني في ذلك أبي عليه السلام

قالت: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسن عليه السلام فسلّمت وجلست فبدأني عليه السلام وقال: يا حكيمة ابعثي نرجس إلى ابني أبي محمد

قالت: قلت: يا سيدي على هذا قصدتك، على أن أستأذنك في ذلك، فقال لي: يا مباركة إنّ الله تبارك وتعالى أحبّ أن يشركك في الأجر ويجعل لك في الخير نصيباً.

قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعت إلى منزلي وزينتها ووهبتها لأبي محمد عليه السلام وجمعت بينه وبينها في منزلي، فأقام عندي أياماً، ثم مضى إلى والده عليهما السلام ووجّهت بها معه.

قالت حكيمة: فمضى أبو الحسن عليه السلام وجلس أبو محمد عليه السلام مكان والده، وكنت أزوره كما كنت أزور والده، فجاءتني نرجس يوماً تخلع خفي، فقالت: يا مولاتي ناوليني خفّك، فقلت: بل أنت سيدتي ومولاتي والله لا أدفع إليك خفي لتخلعيه ولا لتخدميني، بل أنا أخدمك على بصري، فسمع أبو محمد عليه السلام ذلك فقال: جزاك الله يا عمة خيراً، فجلست عنده إلى وقت غروب الشمس فصحت بالجارية وقلت: ناوليني ثيابي لأنصرف، فقال عليه السلام: لا يا عمة بيتي الليلة عندنا، فإنه سيولد الليلة المولود الكريم على الله عزوجل الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها، فقلت: ممن يا سيدي ولست أرى بنرجس شيئاً من أثر الحبل؟ فقال: من نرجس لا من غيرها.

قالت: فوثبت إليها فقلبتها ظهراً لبطن فلم أربها أثر حبل، فعدت إليه عليه السلام عليه السلام فأخبرته بما فعلت، فتبسم ثم قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحبل لأن مثلها مثل أمّ موسى عليه السلام لم يظهر بها الحبل ولم يعلم بها أحدٌ إلى وقت ولادتها، لأن فرعون كان يشق بطون الحبالى في طلب موسى عليه السلام، وهذا نظير موسى عليه السلام.

قالت حكيمة: فعدت إليها فأخبرتها بما قال وسألتها عن حالها فقالت: يا مولاتي ما أرى بي شيئاً من هذا.

قالت حكيمة: فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر وهي نائمة بين يدي لا تقلب جنباً إلى جنب، حتى إذا كان آخر الليل وقت طلوع الفجر وثبت فزعة فضممتها إلى صدري وسمّيت عليها، فصاح إليّ أبو محمد عليه السلام وقال: اقرئي عليها "إنّا أنزلناه في ليلة القدر" فأقبلت أقرأ عليها وقلت لها: ما حالك؟ قالت: ظهر بي الأمر الذي أخبرك به مولاي، فأقبلت أقرأ عليها كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ مثل ما أقرأ ومسلّم عليّ.

قالت حكيمة: ففزعت لما سمعت، فصاح بي أبو محمد عليه السلام: لا تعجبي من أمر الله عزوجل إنّ الله تبارك وتعالى ينطقنا بالحكمة صغاراً ويجعلنا حجةً في أرضه كباراً، فلم يستتم الكلام حتى غيبت عني نرجس فلم أرها كأنه ضرب بيني وبينها حجاب، فعدوت نحو أبي محمد عليه السلام وأنا صارخة، فقال لي: ارجعي يا عمة فإنّك ستجديها في مكانها.

قالت: فرجعت فلم ألبث أن كشف الغطاء الذي كان بيني وبينها وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشي بصري وإذا أنا بالصبي عليه السلام ساجداً لوجهه جاثياً على ركبتيه رافعاً سبابتيه، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأن جدي محمداً رسول الله وأن أبي أمير المؤمنين، ثم عدّ إماماً إماماً إلى أن بلغ إلى نفسه، ثم قال: اللهم انجز لي ما وعدتني واتمم لي أمري وثبت وطأتي، وأملأ الأرض بي عدلاً وقسطاً.

فصاح بي أبو محمد عليه السلام فقال: يا عمة تناوليه وهاتيه، فتناولته وأتيت به نحوه، فلما مثلت بين يدي أبيه وهو على يدي سلّم على أبيه، فتناوله الحسن عليه السلام مني والطير ترفرف على رأسه، وناوله لسانه فشرب منه، ثم قال: امضي به إلى أمه لترضعه ورديّه إليّ، قالت: فتناولته أمه فأرضعته فرددته إلى أبي محمد عليه السلام والطير ترفرف على رأسه فصاح بطير منها فقال: احمله واحفظه وردّه إلينا في كل أربعين يوماً، فتناوله الطير وطار به في جوّ السماء وأتبعه سائر الطير، فسمعت أبا محمد عليه السلام يقول: استودعك الله الذي أودعته أمّ موسى، فبكت نرجس فقال لها: اسكتي فإنّ الرضاع محرّم عليه إلاّ من ثديك وسيعاد عليك كما ردّ موسى إلى أمه وذلك قول الله عز وجل: ]فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّه كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ[[119].

قالت حكيمة: فقلت: وما هذا الطير ؟ قال: هذا روح القدس الموكّل بالأئمة عليه السلام يوفقهم ويسددهم ويريبهم بالعلم.

قالت حكيمة: فلما كان بعد أربعين يوماً ردّ الغلام ووجّه إليّ ابن أخي عليه السلام فدعاني، فدخلت عليه فإذا أنا بالصبي متحرّك يمشي بين يديه، فقلت: يا سيدي هذا ابن سنتين؟ فتبسم عليه السلام ثم قال: إن أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمة ينشؤون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وإنّ الصبي منّا إذا كان أتى عليه شهرٌ كان كمن أتى عليه سنة، وإنّ الصبي منا ليتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن ويعبد ربه عزوجل وعند الرضاع تطيعه الملائكة وتنزل عليه صباحاً ومساءً.

قالت حكيمة: فلم أزل أرى ذلك الصبي في كل أربعين يوماً إلى أن رأيته رجلاً قبل مضيّ أبي محمد عليه السلام بأيام قلائل فلم أعرفه، فقلت لابن أخي عليه السلام من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال لي: هذا ابن نرجس وهذا خليفتي من بعدي وعن قليل تفقدوني فاسمعي له وأطيعي.

قالت حكيمة: فمضى أبو محمد عليه السلام بعد ذلك بأيام قلائل، وافترق الناس كما ترى، ووالله إني لأراه صباحاً ومساءً وإنّه لينبئني عما تسألون عنه فأخبركم، ووالله إني لأريد أن أسأله عن الشيء فيبدؤني به وإنه ليرد عليّ الأمر فيخرج إليّ منه جوابه من ساعته من غير مسألتي. وقد أخبرني البارحة بمجيئك إليّ وأمرني أن أخبرك بالحق.

قال محمد بن عبد الله: فوالله لقد أخبرتني حكيمة بأشياء لم يطلع عليها أحد إلاّ الله عزوجل، فعلمت أن ذلك صدق وعدل من الله عز وجل، لأن الله عز وجل قد أطلعه على ما لم يطلع عليه أحداً من خلقه.[120]

و الرواية الشريفة تطالعنا بعدة أمور, منها:

إنّ الحمل الذي كان لدى السيدة نرجس لم تعلم به السيدة إلاّ قبيل لحظاتٍ من ولادته الشريفة.  وهي إشارة للسرية التامة.

وقد أخفي أمر حمله حتى على أمه، مما يدلل على أن طلب السلطة له كان حثيثاً وتتبع أخبار حمله وولادته من أهم ما أشغل السلطة في ترتيباتها الأمنية لتطويق ولادة الإمام بالقضاء عليها فوراً ودون علم أحد من الناس، لإحباط المشروع الإلهي وعدم "فاعلية" الأحاديث التي روت ولادته مستقبلاً وتكذيبها، وبذلك "يغلق" ملف هذه الأحاديث وتلغى تماماً.

 هذه هي خطة النظام، إلاّ أنّها غير واقعية تبعاً للاعجاز الذي صاحب ظروف ولادة الإمام الموعود عليه السلام كما سمعنا من الرواية.

2ـ لم تتعرض الرواية الشريفة إلى حالات الولادة الإعجازية بل أحاطت أخبارها بالسرية التامة، فسببُ فقدانِ السيدة نرجس من بين يدي السيدة حكيمة لحظة الولادة الشريفة أمرٌ ساكتة عنه الرواية، ولم يكن للسيدة نرجس في رواية الأحداث دورٌ في هذه الرواية وفي غيرها، حيث لم تتعرض السيدة حكيمة عما رأته السيدة نرجس لحظة احتجابها، لغفلة السيدة حكيمة عن سؤال السيدة نرجس، لتزاحم الأحداث التي رأتها السيدة حكيمة وللإبقاء على السرية التامة لظروف الولادة الإعجازية، كما كان أمر ولادة نبي الله عيسى عليه السلام أمراً مجهول التفاصيل ولم ينقل لنا القرآن الكريم ولا الروايات الشريفة إلاّ مجمل الولادة دون ذكر تفاصيلها.

3ـ تحدثت الرواية الشريفة أنّ الإمام العسكري عليه السلام قال للسيدة نرجس: "اسكتي فإنّ الرضاع محرّم عليه إلاّ من ثديك وسيعاد إليك كما ردّ موسى إلى أمه..." وهي محاولة من الإمام الحسن العسكري عليه السلام لتهدئة روعة السيدة نرجس ومراعاة عاطفة الأمومة التي تكنها السيدة لوليدها الموعود بالرغم مما رأته من الإعجاز، فلا زالت السيدة نرجس تقوم بدور الأمومة بالرغم من دورها الخطير في حفظ الإمام المهدي عليه السلام وكتمان ولادته.

4ـ إنّ دور الوكالة الخاصة للسيدة حكيمة ووساطتها بين الشيعة وبين الإمام عليه السلام على ما يبدو كان بعيد شهادة الإمام الحسن العسكري عليه السلام ولم يشأ للوكيل العمري أن يمارس مهام وكالته بشكلها الطبيعي، وذلك للرقابة التي كانت تفرضها السلطة على تحركات العمري وعلى خاصة الإمام، ولم يكن لهذه المهمة الخطيرة وفي هذه الظروف المحفوفة بالمخاطرات إلاّ السيدة حكيمة وهي امرأة شهد لها الإمام الهادي عليه السلام بالصلاح، وذلك حين خاطبها في الرواية "يا مباركة" إشارة إلى بركات هذه السيدة وجلالة أمرها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ النظام أكد في سعيه عند مراقبته لبيت الإمام وخاصته على أخص أصحابه وهو العمري وغيره، وعلى السيدة نرجس التي أودعها النظام في غرفةٍ خاصة ليراقب حملها كما ادّعت هي إيهاماً منها للنظام بأن المهدي لم يولد منها بعد ومشاغلتها للنظام كذلك عن ملاحقة الإمام عليه السلام.

والنظام لم يتصور بعد ذلك أن تمارس مهمة السفارة امرأة، ولو وشي بالسيدة حكيمة لدى السلطات فإنّ دفع التهمة عن نفسها أمرٌ يسير وذلك من خلال إنكار الأمر وكون المرأة التي تدّعي هذه المهمة الخطيرة لا تصدّق، إذ أن النظام لا يتفاعل مع هذه الأخبار وباستطاعة السيدة حكيمة نفي ما أشيع عنها، وإمكان تصديق النظام ذلك أمرٌ متعارف.

وهذه الحادثة شبيهة بوكالة السيدة زينب عليها السلام في تبليغ الشؤون الخطيرة عن الإمام السجاد بعيد الفاجعة التي من شأنها قتل الإمام السجاد الذي يدعي إمامته بعد أبيه، وهناك روايات أشارت إلى هذه المقارنة كذلك.

5ـ تحدّثت الرواية عن مشاهدة السيدة حكيمة لطيورٍِ كانت فوق رأس الإمام عليه السلام ثم أمر الإمام أحد لطيور بحمل الوليد الجديد، وقالت: "و طار به في جو السماء واتبعه سائر الطيور" وهو أمرٌ إعجازي حقاً، وليس أمامنا إلاّ التسليم لذلك وقبول هذه الفقرة من الرواية كأمرٍ متعارف في حالة الإعجاز، إذ يمكننا أن نتساءل: أننا لو توقفنا عن قبول ذلك فكيف تم انتقال نبي الله عيسى وعروجه إلى السماء لولا هذه الحالة التي أشارت إليها الرواية أو ما يشابهها، وليس الأمر إلاّ أن تكون هناك وسائل لعروج عيسى عليه السلام وليس أمراً آخر، فالأمر إذن في انتقال الإمام عليه السلام إلى مكانٍ غيبي أمرٌ يجب قبوله في ظل ظروف الإعجاز التي أحاطت بولادة الإمام عليه السلام.

6ـ أشارت الرواية الشريفة إلى أن الإمام عليه السلام كان يمشي بين يديه بعد أربعين يوماً، وأجاب الإمام عليه السلام عن تعجب السيدة حكيمة من ذلك "بأن أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمة ينشؤون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وأنّ الصبي منا إذا كان أتى عليه شهر كان كمن أتى عليه سنة.." وهذه الحالة شبيهة بولادة السيدة الزهراء عليها السلام وكيفية نشوئها، إذ صرحت رواية الإمام الصادق عليه السلام بقوله: فكانت فاطمة عليها السلام تنمي في اليوم كما ينمي الصبي في الشهر، وتنمي في الشهر كما ينمي الصبي في السنة.[121]

 



(107) إكمال الدين وإتمام النعمة: 42.

(108) والنظام بهذه الطريقة يؤكد تورطه في اغتيال الإمام عليه السلام، إذ محاولة تبرئته من تصفية الإمام بأنه مات حتف أنفه إشارة إلى ما اعتاده الناس ارتكازاً في أذهانهم أن أئمة أهل البيت عليه السلام يكون مصيرهم المحتوم على يد النظام كما أن مثل عمر الإمام عليه السلام غير متعارف عادةً أن يموت حتف أنفه لولا تدخّل محاولات خارجية لاغتياله، وبهذا فضح النظام نفسه في تدبيره لمحاولة الاغتيال وتصفية الإمام بطرقٍ معهودة لدى الأمة سلفاً.

(109) الصلاة على الإمام عليه السلام كانت من قبل ولده المهدي عليه السلام في روايات كثيرة، وهذه الصلاة التي أشارت إليها الرواية هي صلاة رسمية يزاولها النظام كمحاولاتٍ تشريفية رسمية وليس أكثر من ذلك.

(110) إكمال الدين وإتمام النعمة : 1/49.

(111) تنقيح المقال للمامقاني: 3/ 78

(112) دلائل الإمامة للطبري: 256

(113) تأريخ بغداد للخطيب البغدادي 13 : 32

(114) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: 277

(115) بحار الأنوار: 50/ 309

(116) لقب المؤمنين الذين رفضوا دين الملك وتبعوا إدريس عليه السلام وصدّقوا برسالته

(117) إكمال الدين وإتمام النعمة: 1/ 129

(118) الدر المنثور للسيوطي: 7/ 303

(119) القصص (28) : 13.

(120) إكمال الدين وإتمام النعمة : 426 الحديث 3.

(121) عوالم العلوم للشيخ عبد الله الأصفهاني: :11/55 الحديث 1.