|
على أنّ هناك حالات ظهرت على الإمام المهدي منذ حمله إلى ولادته تشابه الحالات التي ظهرت لدى عيسى عند ولادته كذلك. ولعل تشابه الصفات يوحي إلى تشابه المهمة بين الوليدين، فالروايات الصحاح التي رواها الفريقان تؤكد أن ظهور الإمام المهدي عليه السلام يتزامن مع نزول عيسى عليه السلام وسيصلي عيسى خلفه، أي أن الله تعالى ادّخر عيسى لمهمة المهدي الإلهية، وبهذا فإنّ التشابه بينهما سيكون سبباً في التشابه بين المهمتين، فإذا صدقنا ما في عيسى عليه السلام فإنّ ما في المهدي من إعجاز سيكون أمراً مقبولاً، أي أن حالات عيسى عليه السلام الإعجازية حجةً علينا في قبول الحالات الإعجازية لدى الإمام عليه السلام عند ولادته: 1ـ ذكرت الرواية السابقة أن السيدة نرجس عليها السلام لم تعلم بالحمل إلاّ قبيل الولادة بلحظات، وأهل الأخبار ذكروا أن مريم عليه السلام لم تر الحمل إلاّ بسبع أو تسع ساعات، فلم تظهر عليها آثاره. أخرج ابن عساكر عن الحسن قال: بلغني أن مريم حملت لسبع أو تسع ساعات، ووضعته من يومها. وعن ابن عباس قال: حين حملت وضعت.[122] 2ـ إنّ السيدة حكيمة حينما قرأت على السيدة نرجس سورة "ِإنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" قالت: فكان الجنين يقرأ معي، وكان عيسى عليه السلام في بطن أمه يكلمها. أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم عن مجاهد قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس سبّح في بطني وكبّر وأنا أسمع.[123] 3ـ ذكرت الرواية أن المهدي عليه السلام عند ولادته أودعه أبوه لدى إحدى الطيور التي كانت على رأسه وأمر أحدها أن يأخذه ويودعه فطار به إلى جو السماء واتبعه سائر الطير، ثم بيّن الإمام عليه السلام أن هذا روح القدس الموكّل بالأئمة عليه السلام، في حين نرى في قصة عيسى عليه السلام وعروجه إلى السماء أن الله كساه ريشاً فطار مع الملائكة. قال القرطبي في تفسيره: أما المسيح فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة.[124] 4ـ إن غيبة عيسى عليه السلام إذا أذعنّا بها وصدقناها فإنّ غيبة الإمام المهدي عليه السلام ستكون أمراً ممكناً حيال تشابه مهمتي السيدين عليهما من الله السلام التام. 5ـ المعاناة التي لاقتها السيدة نرجس في حملها وإخفاءها لسرّ الوليد الموعود وما جرى عليها من رجال السلطة بالتضييق عليها وحبسها ومطالبتها إخبارهم بأمر الوليد ومن ثم ثباتها وصمودها أمام هذه المحن دون أن تحصل السلطة على أدنى اعتراف منها، وبذلك شاركت السيدة نرجس ولدها المهدي في حفظ المهمة الإلهية وإنجاحها، فانّ السيدة مريم عليها السلام كذلك لاقت من بني إسرائيل ما لا تحتمله أية امرأة عفيفة طعنوا فيها واتهموا عفتها وهي لا تزال صامدة أمام حملات هؤلاء الذين وصفهم الإمام الصادق عليه السلام بأن مريم لم تجد من قومها رجلاً رشيداً، كل هذا لم يثنها عن إتمام مهمتها والمحافظه على رسالة السيد المسيح وإيصالها إلى غايتها المرجوة.
ثالثاً: الغيبة بُعيد شهادة والده عليهما السلام تعد هذه المرحلة من أهم المراحل في تأريخ الغيبة، فهي المرحلة الحاسمة التي تحددت من خلالها معالم غيبة الإمام عليه السلام ويمكن تقسيمها إلى مرحلتين[125] حسب معالم كل مرحلة، وبالتالي قابلية الاتصال بالإمام عليه السلام في كل منهما وإمكانية قواعده من ذلك. فقد عُرفت مرحلة غيبة الإمام منذ ولادته حتى آخر سفير من سفرائه عليه السلام بالغيبة الصغرى، وتتحدد معالم هذه الغيبة بما يلي: 1ـ بُعيد ولادته عليه السلام لم يظهر إلاّ إلى بعض خاصة والده الإمام الحسن العسكري عليه السلام، فقد حدد الإمام العسكري إمكانية مشاهدته على عدد محدود جداً كما سيأتي في محله. فقد نوّع الإمام العسكري عليه السلام مجالات مشاهدته حسبما تقتضيه الظروف وقابلية الشخص المشاهِد، فمنهم من دعاه الإمام عليه السلام لمشاهدته، ومنهم من زار الإمام العسكري ووجد عنده الإمام المهدي عليه السلام وكلّمه مباشرة وجرى بينه وبين الإمام المهدي الحديث، ومنهم من كتب الإمام العسكري عليه السلام كتاباً يخبره بولادة الموعود، ومنهم من حدث لديه علمٌ بالولادة بما وصله من الإمام العسكري عليه السلام بعض الخبز واللحم، كما في الرواية التالية. وهكذا فإنّ غيبة الإمام المهدي منذ ولادته تكفّل بترتيبها الإمام الحسن العسكري عليه السلام واشترك في رؤيته عدد يعتد به من خاصّته.
طرق مشاهدة الإمام المهدي عليه السلام إبّان ولادته المباركة قلنا أن أساليب المشاهدة للإمام عليه السلام قد تعددت حسبما يقتضيه حال المشاهِد والظروف المحيطة لذلك، وبإمكاننا أن نقف على ذلك بالروايات التالية:
كان أحد أساليب معرفة ولادة الموعود إبّان فترة ولادته بطرق المراسلة التي اعتمدها الإمام العسكري عليه السلام مع أصحابه، كما في رواية أحمد بن إسحاق القمي قال: لما ولد الخلف الصالح عليه السلام ورد من مولانا أبي محمد الحسن بن علي على جدي أحمد بن إسحاق كتاب، وإذا فيه مكتوب بخط يده عليه السلام الذي كان يرد به التوقيعات عليه: ولد المولود فليكن عندك مستوراً وعن جميع الناس مكتوماً، فإنّا لم نظهر عليه إلّا الأقرب لقرابته والمولى لولايته أحببنا إعلامك ليسرّك الله به كما سرّنا والسلام.[126]
ثانياً: أسلوب المشاهدة المباشرة عن طريق الإمام العسكري عليه السلام فقد عمد الإمام العسكري عليه السلام إلى تعريف الوليد إلى خاصة أصحابه ووصيتهم به. 1ـ روى الصدوق بسنده عن محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه ومعاوية بن حكيم ومحمد بن أيوب بن نوح قالوا: عرض علينا أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام ونحن في منزله وكنّا أربعين رجلاً فقال: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما إنّكم لا ترونه بعد يومكم هذا. قالوا: فخرجنا من عنده فما مضت إلّا أيامٌ قلائل حتى مضى أبو محمد عليه السلام.[127] 2ـ وروى الشيخ المفيد بسنده عن محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر ـ وكان أسنّ شيخ من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله بالعراق ـ قال: رأيت ابن الحسن بن علي بن محمد عليهم السلام بين المسجدين وهو غلام.[128] 3ـ وروى عن عمرو الأهوازي قال: أرانيه أبو محمد وقال: هذا صاحبكم.[129] 4ـ وروى القندوزي الشافعي في ينابيع المودة عن الخادم الفارسي قال: كنت بباب الدار خرجت جارية من البيت ومعها شيء مغطيّ، فقال لها أبو محمد: اكشفي عمّا معك، فإذا غلام أبيض حسن الوجه فقال: هذا إمامكم من بعدي، قال: فما رأيته بعد ذلك.[130] 5ـ وروى الطوسي في غيبته بسنده عن أبي سليمان داود بن غسان البحراني قال: قرأت على إسماعيل بن علي النوبختي قال: مولد محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين، ولد عليه السلام بسامراء سنة ست وخمسين ومائتين، وأمه صقيل، ويكنى أبو القاسم، بهذه الكنية أوصى النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: اسمه كاسمي وكنيته كنيتي، لقبه المهدي وهو الحجة وهو المنتظر وهو صاحب الزمان عليه السلام. قال إسماعيل بن علي: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام في المرضة التي مات فيها وأنا عنده إذ قال لخادمه عقيد، وكان الخادم أسوداً نوبياً قد خدم من قبله علي بن محمد، وهو ربى الحسن عليه السلام [131] فقال له: يا عقيد اغل لي ماءً بمصطكي، فأغلى له ثم جاءت به صقيل الجارية أم الخلف عليه السلام. فلما صار القدح في يديه وهمّ بشربه فجعلت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن، فتركه من يده، وقال لعقيد: ادخل البيت فإنك ترى صبياً ساجداً فائتني به، قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلت أتحرّى فإذا أنا بصبي ساجد رافع سبابته نحو السماء، فسلّمت عليه فأوجز في صلاته، فقلت: إن سيدي يأمرك بالخروج إليه، إذ جاءت أمه صقيل، فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن عليه السلام. قال أبو سهل: فلما مثل الصبي بين يديه سلّم وإذا هو درّي اللون، وفي شعر رأسه قطط، مفلّج الأسنان، فلما رآه الحسن بكى وقال: يا سيد أهل بيته اسقني الماء فإني ذاهب إلى ربي، وأخذ الصبي القدح المغليّ بالمصطكي بيده ثم حرّك شفتيه ثم سقاه، فلما شربه قال: هيئوني للصلاة فطرح في حجره منديل فوضأه الصبي واحدة واحدة ومسح على رأسه وقدميه. فقال له أبو محمد عليه السلام: أبشر يا بني فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيي وأنا ولدتك، وأنت م ح م د بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ولدك رسول الله وأنت خاتم الأئمة الطاهرين، وبشّر بك رسول الله وسمّاك وكنّاك، بذلك عهد إليّ أبي عن آبائك الطاهرين صلى الله على أهل البيت ربنا إنّه حميد مجيد، ومات الحسن بن علي من وقته صلوات الله عليهم أجمعين.[132] 6ـ عن أحمد بن إسحاق قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام وأنا أريد أن أسأله عن الخلف بعده فقال لي مبتدئاً: يا أحمد بن إسحاق إن الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم ولا تخلو إلى يوم القيامة من حجة لله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزل الغيث، وبه يخرج بركات الأرض. قال: فقلت: يا ابن رسول الله فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض عليه السلام فدخل البيت ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين فقال: يا أحمد بن إسحاق لولا كرامتك على الله وعلى حججه، ما عرضت عليك ابني هذا، إنه سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيّه الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاًَ كما ملئت جوراً وظلماً، يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الأمة مثل الخضر عليه السلام ومثله كمثل ذي القرنين، والله ليغيبنّ غيبة لا ينجو فيها من التهلكة إلاّ من يثبته الله على القول بإمامته ووفقه للدعاء بتعجيل فرجه. قال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي هل من علامة يطمئن إليها قلبي؟ فنطق الغلام عليه السلام بلسان عربي فصيح فقال: أنا بقية الله في أرضه، والمنتقم من أعدائه فلا تطلب أثراً بعد عين يا أحمد بن إسحاق. قال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسروراً فرحاً، فلما كان من الغد عدت إليه فقلت له: يا ابن رسول الله لقد عظم سروري بما أنعمت عليّ، فما السّنة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟ فقال: طول الغيبة يا أحمد، فقلت له: يا ابن رسول الله وإنّ غيبته لتطول؟ قال: أي وربّي حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به، فلا يبقى إلّا من أخذ الله عهده بولايتنا وكتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه. يا أحمد بن إسحاق هذا أمر من أمر الله وسرّ من سرّ الله وغيب من غيب الله، فخذ ما آتيتك واكتمه وكن من الشاكرين، تكن غداً في عليين.[133] 7ـ عن يعقوب بن منفوس قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام وهو جالس على دكان[134] في الدار وعن يمينه بيت عليه ستر مسبل فقلت له: سيدي من صاحب هذا الأمر؟ فقال: ارفع الستر، فرفعته، فخرج إلينا غلام خماسي له عشر أو ثمان أو نحو ذلك[135]، واضح الجبين، أبيض الوجه، درّي المقلتين، شثن الكفين، معطوف الركبتين، في خده الأيمن خال وفي رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمد عليه السلام فقال: هذا صاحبكم، ثم وثب فقال له: يا بنيّ ادخل إلى الوقت المعلوم، فدخل البيت وأنا أنظر إليه، ثم قال لي: يا يعقوب انظر من في البيت فدخلت فما رأيت أحداً.[136]
مشاهدة الإمام الغائب عليه السلام عند شهادة والده عليه السلام كانت مشاهدة الإمام المهدي عليه السلام وقت شهادة والده عليه السلام أمراً حاسماً، ففي فترةٍ تعد أحرج الفترات التي تمر بها مسألة الإمامة، وعدم وضوح الخلف من بعد الإمام عند الكثير من الشيعة، كما أن جعفراً قد تهيا لدعوى الإمامة بواسطة السلطة العباسية التي تعد من جعفر بديلاً " رسمياً " عن الإمام، وقد حاولت السلطة أن تستفيد من هذه الفترة أمرين: أولاهما: كشف حال الإمام الغائب عند شهادة والده عليه السلام، فإنّ كان موجوداً نفّذت السلطة خطتها في تصفيته، وإن كان غير موجود فهو ما تطمح إليه السلطة وتحاول إشاعته ذلك وإنهاء "ملف" الإمامة من الأساس، فلا أحدٌ بعد ذلك يشكّل تهديداً خطيراً حقيقياً لها، وبذلك تحقق السلطة العباسية آمالها في إقصاء آل البيت عليهم السلام من مناصبهم الإلهية. ثانيهما: تنصيب جعفر بن علي عمّ الإمام المهدي عليه السلام إماماً "رسمياً" من قبل السلطة وذلك لمحاولة استغلال ظرف غياب الإمام الشرعي وتوجيه الأنظار إلى جعفر الذي عرف بعدم التزامه وارتكابه محرمات الشريعة، لتوهم الناس بأن أئمة آل البيت الذين تعتقدون إمامتهم هم في مستوى عدم الالتزام الشرعي وغياب مقومات الإمامة عنهم وعدم أهليتهم لذلك، لذا فقد كان جعفراً يشكل بادرة خطيرة إبّان الغيبة الصغرى، وهو أحد أهم عوائق ظهور الإمام المهدي عليه السلام في غيبته الصغرى لشيعته، كون جعفراً يترصد وجوده ويحاول تمويه الناس بعدم ولادته، ومن ثم دعوى إمامته الباطلة. هاتان المحاولتان لم تتجح في استغلالهما السلطة، فإنّ الإمام المهدي عليه السلام ظهر بصورة مفاجئة في اللحظات الأخيرة التي تمت بها محاولة النظام في التمويه على عدم وجوده، فقد باغت الإمام عليه السلام السلطة بظهوره والصلاة على أبيه، وأحبط محاولاتها ومحاولات عمّه جعفر وأسقط ما في أيدي جعفر من الدعاوى الكاذبة وأثبت لشيعته وجوده ومحاولة أخذ زمام المبادرة في اللحظات الأخيرة من مشاهد "السيناريو" الذي حاول إيجاده النظام بواسطة جعفر. وبهذا فقد أثبت الإمام وجوده لشيعته أولاً وللسلطة ولعمّه ثانياً دون أدنى خطرٍ على حياته، حيث بعد أدائه الصلاة غاب بشكلٍ أفشل محاولات القبض عليه وتصفيته. والرواية التالية تحكي لنا مشاهد اللحظات الحاسمة.
بعد أن وضعت جنازة الإمام العسكري عليه السلام همّ أخوه جعفر للصلاة عليه فلم يمهله الإمام المهدي عليه السلام بأن باغته بالخروج والصلاة على أبيه وتولي شؤون إمامته والاتصال بشيعته سراً، كما في الرواية التالية: روى المجلسي: " قال أبو الحسن علي بن محمد بن حباب: حدثنا أبو الأديان قال: كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام[137] وأحمل كتبه إلى الأمصار، فدخلت إليه في علته التي توفي فيها صلوات الله عليه فكتب معي كتباً[138]و قال: تمضي بها إلى المدائن فإنك ستغيب خمسة عشر يوماً فتدخل إلى سرّ من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل. قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي فإذا كان ذلك فمن؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي، فهو القائم بعدي؟ فقلت: زدني، فقال: من يصلي عليّ فهو القائم بعدي، فقلت: زدني، فقال: من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي. ثم منعتني هيبته أن أسأله ما في الهميان؟ وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها ودخلت سرّ من رأى يوم الخامس عشر، كما قال لي عليه السلام، فإذا أنا بالواعية في داره وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار، والشيعة حوله يعزونه ويهنئونه. فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد حالت الإمامة، لأني كنت أعرفه بشرب النبيذ، ويقامر في الجوسق، ويلعب بالطنبور، فقدمت فعزّيت وهنّيت، فلم يسألني عن شيء ثم خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفّن أخوك فقم للصلاة عليه[139]، فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمّان والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة. فلما صرنا بالدار إذا نحن بالحسن بن علي عليه السلام على نعشه مكفّناً، فتقدّم جعفر بن علي ليصلي على أخيه فلمّا هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجذب رداء جعفر بن علي وقال: تأخر يا عمّ فأنا أحق بالصلاة على أبي فتأخر جعفر، وقد اربدّ وجهه، فتقدّم الصبي فصلّى عليه، ودفن إلى جانب قبر أبيه. ثم قال: يا بصري هات جوابات الكتب التي معك، فدفعتها إليه، وقلت في نفسي: هذه اثنتان بقي الهميان، ثم خرجت إلى جعفر بن علي وهو يزفر، فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي مَن الصبي؟ ليقيم الحجة، فقال: والله ما رأيت قط ولا عرفته. فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم، فسألوا عن الحسن بن علي فعرفوا موته فقالوا: فمن؟ فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلّموا عليه وعزّوه وهنؤوه، وقالوا: معنا كتب ومال، فتقول ممن الكتب؟ وكم المال؟ فقام ينفض أثوابه ويقول: يريدون منّا أن نعلم الغيب. قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان وفلان وهميان فيه ألف دينار، عشرة دنانير منها مطلية فدفعوا الكتب والمال، وقالوا: الذي وجّه بك لأجل ذلك هو الإمام. فدخل جعفر بن علي على المعتمد وكشف له ذلك فوجّه المعتمد خدمه، فقبضوا على صقيل الجارية وطالبوها بالصبي، فأنكرته وادّعت حملاًَ بها لتغطي على حال الصبي فسلّمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، وبغتهم موت عبيد الله بين يحيى بن خاقان فجأة، وخرج صاحب الزنج بالبصرة، فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم والحمد لله رب العالمين لا شريك له.[140]
جعفر بن علي بادرة سيئة وظاهرةٌ خطيرة قلنا أن حركة جعفر بن علي كانت بادرة سيئة تستفتح الغيبة تأريخها بها وهو وإن كان ساذجاً في تصرفاته إلا أنه شكّل ظاهرةً خطيرة امتدت آثارها إلى مديات طويلة، فقد كشف ستراً كما في تعبير بعض الروايات، وأفشى سراً كما في روايات أخرى، ثم هو يشكل حالة الانحطاط الفكري التي كان يتميزبها بعضهم وعدم وعيهم بمسؤولياتهم الحقيقية، كما أنه مثّل نموذجاً سيئاً لحالات الانحراف التي تكمن في دواخل البعض، ومن جهته فإنّ دوافع حبّ الرئاسة والجاه غير المشروع كان الأساس في ارتكاب مثل هذه الاختراقات. وهذه الظاهرة وإن كان لها أثرها السيئ إلا أن لها أهميتها كذلك، فهي ظاهرة أغلقت الباب على محاولات البعض من تصوير الانحرافات التي صدرت من بعض الشيعة بأنها مسألةً عامة يبتلى بها أكثر أتباع الأئمة، حيث دعوى السفارة والوكالة الكاذبة عن الإمام عليه السلام يصورها البعض أنها إحدى سلبيات الطائفة، في حين أن هذه الدعوى لها مثيلها في عم الإمام عليه السلام وهو ابن إمام وأخو إمام إلا أن دوافع حبّ الجاه لا يخص أحداً دون أحد إذا استمكن من نفس الإنسان ومشاعره بحيث يطغى على قلبه وفكره فينسيه ما هو فيه. كما أن هذه المحالات تكشف عن خللٍ في بعض جوانب المدّعي لم تسد فكرياً، ونقصٍ في التزامه الديني لم يعالجه في حينه فاستفحل عليه، واستجاب لأدنى شبهةٍ عرضت في نفسه. فلا غرابة إذن أن يتصرف بعضهم بمواقف سلبية وخروقاتٍ دينية، فإنّ لهذه الحالات مثيلاتها من قبل جعفر عم الإمام وليس هذا عيباً يطغى على الطائفة كأتباع لهم علاقتهم المقدسة مع أهل البيت عليهم السلام.
و لم يكن بداً من غيبة الإمام في ظل هذه الظروف الأمنية الحرجة والرقابة المشددة التي اشترك في ممارستها حتى أقرب الناس من أهله، وهو عمّه الذي كان من المفترض أن يكون عنصراً مهماً في مهمته وليس ظاهرة سلبية تعرّض الإمام عليه السلام إلى الخطر وشيعته المخلصين إلى التصفية الجسدية كذلك. وهل تعني غيبته عليه السلام عزلته عن الناس عامة وعن شيعته خاصة؟ وهل يبرر التهديد الذي لاقاه الإمام عليه السلام من السلطة بالقتل أن تنقطع ارتباطاته بقواعده؟ أم لابد من استحداث شيء آخر لم يعهد في عصر آبائه الطاهرين عليه السلام بل بدأت بوادره إبّان عهد جده الإمام علي بن محمد عليه السلام حين عيّن له وكيلاً يرعى بعض مصالح مهمته ولتكون بداية مهمة لأسلوب الوكالة يألفها الناس إبّان غيبة الإمام المهدي عليه السلام. لذا فإنّ الوكيل للإمام الهادي عليه السلام كان عثمان بن سعيد العمري وهو الوكيل كذلك للإمام الحسن العسكري عليه السلام وقد عرف بصلاحه وورعه وتقواه لدى الخاصة والعامة. إذن فأسلوب الوكالة أو السفارة للإمام المهدي عليه السلام صار أمراً مألوفاً في الوسط الشيعي، فهم تعاملوا مع سفير جده الإمام الهادي عليه السلام ومع سفير والده الإمام العسكري عليه السلام، ولم يكن بعد ذلك أسلوب السفارة أمراً جديداً تثار من خلاله الريبة بل هي الطريقة التي عهدها الشيعة وألفوها.
(131) أي قام على شؤونه وتكفّل خدمته، وليس من المقصود ربّاه بمعنى التزم تربيته ونشأته، فإن الإمام يختص بأمره إمام مثله، وعلمه اللدني الغيبي يغنيه عن أي عمل آخر، فلاحظ. )135) الخماسي من هوفي سن الخامسة ثم قوله له عشر أو ثمان أي من العمر، والظاهر أن الراوي أراد القول أن عمره خمس سنوات إلا أن له هيئة سن العاشرة أو الثمان سنوات في هيئته عليه صلوات الله. (137) الملاحظ في أكثر الروايات أنها تذكر نسب الإمام المهدي عليه السلام أو نسب أبيه وذلك للتأكيد على أنه هو الإمام المهدي المولود من الحسن العسكري عليهما السلام وليس أمراً آخر يدعيه بعضهم للتمويه على غيبة الإمام المهدي وفلسفة ظهوره ووجوده بين ظهراني شيعته. (138) لعل هذه إحدى القنوات التي كان الإمام الحسن العسكري عليه السلام يقيم بواسطتها اتصاله بشيعته ويأمرهم بأوامره ويفرض عليهم تكاليفهم عند غيبة الإمام المهدي عليه السلام وتعريفهم بأمر شهادته الوشيكة وغيبة ولده من بعده وشرح أحوال إمامته. (139) تقدّم أن عقيد الخادم يعرف بولادة الإمام المهدي عليه السلام ولديه أسرار ولادته وغيبته ولعل دعوته جعفراً للصلاة على الإمام عليه السلام مع علمه الحال محاولة من عقيد وغيره لفضح موقف جعفر وانكشاف الأمر الذي كان جعفر يحاول التغطية عليه والتمويه كذلك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى دقة أتباع أهل البيت(ع) من شيعتهم في التسليم لأمرهم وانتظار ما الله تعالى فاعله في إظهار الحق، لذا فهو لم يتردد في دعوة جعفر منتظراً أمر الله في تسديد وليه عليه السلام وبيان حجته، ولعل ذلك عهد الإمام الحسن العسكري(ع) لعقيد الخادم باتباع الأمور الطبيعية في معرفة أمر الإمام المهدي عليه السلام لدى الشيعة والنظام كذلك.
|
||