الفصل الثاني: ولادة الامام المهدي (ع) وغيبته الصغرى

البحث الاول: اخفاء ولادة الامام المهدي (ع)

وغيبته الصغرى

 

1- اخفاء ولادته

فسح اخفاء امر ولادة الامام المهدي (ع) الا عن الخاصة المجال

ليثير بعضهم التشكيك بولادته اصلا. ومن هؤلاء عمه جعفر

الكذاب ويكفي لدحض هذه الشبهة:

اولا: ما ورد من الروايات المتواترة المبشرة به والتي اثبتنا في

البحث الثاني من الفصل الاول امثلة منها.

ثانيا: التنبيه المتقدم من المعصومين (ع) على ان ولادته

ستخفى تقية، خشية عليه من عمه جعفر الكذاب من جهة،

ومن السلطة الحاكمة من جهة اخرى.

ومنها ما ذكرناه، في البحث الثاني من الفصل السابق، من رواية

عن الامام الحسن السبط (ع) قال فيها: «ان اللّه يخفي ولادته

ويغيب شخصه‏». وما ورد عن الامام الحسين (ع) في الحديث عن المهدي (ع)

فقد قال: «هو صاحب الغيبة وهو الذي يقسم ميراثه وهو حي‏». وما ورد عن الامام علي بن الحسين (ع) فقد قال (ع): «كاني

بجعفر الكذاب قد حمل طاغية زمانه على تفتيش امر ولي اللّه

والمغيب في حفظ اللّه، والموكل بحرم ابيه‏جهلامنه بولادته‏».وكالرواية الثالثة عن الامام محمد الباقر (ع)، وقد ذكر ان في

المهدي (ع) بعضا من سنن الانبياء السابقين الى ان قال: «واما

سنته من موسى فدوام خوفه، وخفاءولادته‏». والرواية الثالثة عن الامام جعفر الصادق (ع) قال: «وهو الذي

يشك الناس في ولادته، منهم من يقول هو حمل ومنهم يقول

ما ولد».

وقال (ع) في الرواية السادسة: «وقدر مولده تقدير مولد موسى

(ع) واوضح الامام (ع) معنى ذلك بما يتصل بسر اخفاء ولادته

فقال (ع): «فان فرعون لما وقف على ان‏زوال ملكه على يده، امر باحضار الكهنة فدلوه على نسبه وانه يكون من بني اسرائيل،

حتى قتل في طلبه نيفا وعشرين الف مولود، وتعذر عليه

الوصول الى قتل موسى(ع) بحفظ اللّه تبارك وتعالى اياه.

كذلك بنو امية، وبنو العباس لما وقفوا على ان زوال ملك

الامراء والجبابرة على يد القائم منا ناصبونا العداوة ووضعوا

سيوفهم في قتل آل الرسول (ص) ويابى اللّهعزوجل ان يكشف

امره لواحد من الظلمة الا ان يتم نوره‏». وفي الرواية الثالثة عن الامام الرضا (ع) قال (ع)، في اجابة لمن

رجاله ان يكون القائم من آل محمد (ص) قائلا: «ما منا احد

اختلفت اليه الكتب وسئل عن المسائل،واشارت اليه الاصابع الا

اغتيل او مات على فراشه حتى يبعث اللّه عز وجل لهذا الامر

رجلا خفي المولد والمنشا».

وورد عن الامام محمد الجواد، وهو يجيب عن سؤال حول

القائم (ع) قائلا: «هو الذي تخفى عن الناس ولادته ويغيب

عنهم شخصه‏». وهناك روايات اخرى كثيرة بهذا المعنى...

ثالثا: ان اخفاء ولادة الامام (ع) كان نسبيا، فقد اراه ابوه الامام

الحسن (ع) لعدد كبير من شيعته، كما مر في الروايات الواردة

عنه من الثالثة حتى الثامنة وكثيرغيرها((175)).

وعرفه ونص على امامته امامهم وانه صاحب الزمان، كما في

الرواية الثالثة عنه وروايات اخرى، ومنها ما كان عند وفاته، كما

عن اسماعيل بن علي النوبختي، وننقلهاكما هي من دون

تصرف قال: «دخلت على ابي محمد الحسن بن علي (ع) في

المرضة التي مات فيها وانا عنده اذ قال لخادمه عقيد، وكان

الخادم اسود نوبيا قد خدم‏من قبله علي بن محمد (الهادي) (ع) وهو ربى الحسن فقال: يا عقيد اغل لي ماء بمصطكي،

فاغلى له ثم جاءت به صقيل الجارية ام الخلف (ع) ((176)).

فلما صار القدح‏في يده وهم بشربها اخذت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن (ع) فتركه من يده وقال لعقيد: ادخل

البيت فانك ترى صبيا ساجدا فاتني به قال ابو سهل: قال

عقيد:فدخلت اتحرى فاذا انا بصبي ساجد رافع سبابته

نحوالسماء، فسلمت عليه فاوجز في صلاته فقلت: ان سيدي

يامرك بالخروج اليه وجاءت امه فاخذت بيده واخرجته الى‏ابيه الحسن (ع) قال ابو سهل: فلما مثل الصبي بين يديه سلم واذا

هو دري اللون وفي شعر راسه قطط مفلج الاسنان فلما رآه

الحسن (ع) بكى وقال: يا سيد اهل بيته اسقني‏الماء فاني ذاهب الى ربي واخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكي بيده ثم حرك

شفتيه ثم سقاه فلما شربه قال: هيئوني للصلاة فطرح في

حجره منديل فوضاه الصبي‏واحدة واحدة ومسح على راسه وقدميه، فقال له ابو محمد (ع): ابشر يا بني فانت صاحب

الزمان وانت المهدي وانت حجة اللّه على ارضه، وانت ولدي

ووصيي واناولدتك وانت محمد بن الحسن بن علي بن محمد

بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن

علي بن ابي طالب (ع) ولدك رسول اللّه وانت خاتم

الائمة‏الطاهرين وبشر بك رسول اللّه وسماك وكناك بذلك عهد الي ابي عن آبائك الطاهرين صلى اللّه ربنا على اهل البيت

انه حميد مجيد.

قال: ومات الحسن بن علي من وقته صلوات اللّه عليهم

اجمعين‏» ((177)). رابعا: ارى الامام المهدي (ع) نفسه لعدد من شيعته في حياة

ابيه، واعلن لهم انه حجة اللّه وبقيته في ارضه.

ومن الروايات التي تفيد ذلك ما رواه الطوسي بسنده عن

طريق ابي نصر خادم الامام الحسن العسكري (ع) قال: «دخلت

عليه يعني صاحب الزمان (ع) فقال:علي‏بالصندل الاحمر، قال: فاتيته به فقال (ع): هل تعرفني؟ قلت: نعم.

فقال (ع): من انا؟

فقلت: انت سيدي، وابن سيدي.

فقال (ع): ليس عن هذا سالتك. فقلت: جعلني اللّه فداك. فسر

لي.

فقال (ع): «انا خاتم الاوصياء، وبي يدفع اللّه البلاء عن اهلي

وشيعتي‏» ((178)). وفي بقية الرواية الثالثة مما اوردناه عن الامام الحسن

العسكري (ع)، ذكر احمد بن اسحاق الاشعري انه حين جاء

الامام الحسن (ع) وعلى عاتقه ابنه، وهو ابن ثلاث سنين‏فقال: يا احمد بن اسحاق، لولا كرامتك على اللّه وعلى حججه، ما

عرضت عليك ابني هذا، انه سمي رسول اللّه (ص) ثم حدثه عن

غيبته.

قال احمد: فقلت: يا مولاي فهل من علامة يطمئن اليها قلبي؟

فنطق الغلام بلسان عربي فصيح فقال:

«انا بقية اللّه في ارضه، والمنتقم من اعدائه ولا تطلب اثرا بعد

عين يا احمد بن اسحاق‏» ((179)). وعن نسيم خادم ابي محمد (الحسن) (ع) قالت: «دخلت على

صاحب الزمان بعد مولده بعشر ليال فعطست عنده فقال (ع):

يرحمك اللّه. ففرحت بذلك‏»(الرواية)((180)). وروى الطوسي عن السياري قال: حدثتني نسيم ومارية قالتا:

«لما خرج صاحب الزمان من بطن امه سقط جاثيا على ركبتيه

رافعا سبابته نحو السماء ثم عطس فقال:الحمد للّه رب العالمين

وصلى اللّه على محمد وآله عبدا داخرا للّه غير مستنكف ولا

مستكبر ثم قال: زعمت الظلمة ان حجة اللّه داحضة ولو اذن لنا

في الكلام لزال‏الشك‏»((181)).وروى بسنده عن ابي نعيم محمد بن احمد الانصاري قال:

«وجه قوم من المفوضة والمقصرة كامل بن ابراهيم المدني الى

ابي محمد (الحسن) (ع) قال كامل: فقلت في‏نفسي اساله: لا يدخل الجنة الا من عرف معرفتي وقال بمقالتي.

قال: فلما دخلت على سيدي ابي محمد (ص) وذكر حديثا الى

ان قال: فسلمت وجلست على باب عليه ستر مرخي، فجاءت

الريح فكشفت طرفه، فاذا انا بفتى كانه فلقة قمرمن ابناء اربع

سنين، او مثلها.

فقال لي: يا كامل بن ابراهيم، فاقشعررت من ذلك والهمت ان

قلت: لبيك يا سيدي.

فقال (ع): جئت الى ولي اللّه وحجته وبابه تساله هل يدخل

الجنة الا من عرف معرفتك وقال بمقالتك؟

فقلت: اي واللّه.

قال (ع): اذن واللّه يقل داخلها، واللّه انه ليدخلها قوم يقال لهم

الحقية. قلت: يا سيدي، ومن هم؟

قال: قوم من حبهم لعلي (ع) يحلفون بحقه، ولا يدرون ما حقه

وفضله، ثم سكت صلوات اللّه عليه عني ساعة ثم قال (ع):

وجئت تساله عن مقالة المفوضة؟ كذبوا بل قلوبنااوعية

لمشيئته فاذا شاء شئنا واللّه يقول: (وما تش‏آؤون الا ان يشاء اللّه) [الانسان: 30].

ثم رجع الستر الى حالته فلم استطع كشفه. فنظر الي ابو

محمد (ع) مبتسما. فقال: يا كامل ما جلوسك وقد انباك

بحاجتك الحجة من بعدي فقمت، وخرجت ولم اعاينه‏بعد ذلك ((182)).

واظهر الامام المهدي (ع) البرهان على امامته بين يدي ابيه

وبامره بحضور سعد بن عبداللّه القمي واحمد بن اسحاق، من

خلال الاخبارات الغيبية المفصلة والاجابات‏العلمية المحكمة . ((183))

واذا كان في ما ذكرناه من الادلة وما سياتي مضافا اليها ما يكفي

لدحض ما اثير من تشكيك بعضهم بولادته ووجوده، فان امرا

آخر يبقى مثارا للتشكيك لدى الكثيرين،وهو ان الامام المهدي

(ع) استمر طوال مدة امامته غائبا بصورة عامة عن شيعته الا

عن الخاصة منهم، وهو ما سنتحدث عنه وعن اسبابه في هذه

الفقرة.

2- الغيبة الصغرى

والغيبة الصغرى تتصل باخفاء ولادة الامام (ع) من حيث اسبابها

المرتبطة بظروف التقية، فهي امتداد لا اكثر، والفصل بينهما

في العنوان ليس الا لمناقشة التشكيك‏بولادته ولانها مرحلة ما قبل امامته الفعلية زمنيا، اي في حياة ابيه (ع)، فالحديث له

بعض الخصوصية من حيث صلته بهما معا.

ولذلك فقراءة ما ذكر من اسباب اخفاء ولادته هو نفسه التفسير

لاسباب غيبته الصغرى وورد في البحث الثاني من الفصل

الاول ما يشير اليها، وبخاصة في الروايات‏الواردة عن آبائه (ع) وقد نظروا لها (ع) بما حدث لبعض الانبياء (ع).

جاء في الحديث الثالث عن الامام محمد الباقر (ع) ص 90،

المروي عن محمد بن مسلم: ان في القائم من اهل بيت محمد

(ص) سنة من خمسة رسل. وذكر منهم يوسف بن‏يعقوب. فقال (ع): واما سنة من يوسف بن يعقوب فالغيبة من خاصته وعامته،

واختفاؤه من اخوته، واشكال امره على ابيه يعقوب النبي مع

قرب المسافة بينه وبين ابيه،واهله وشيعته.

وجاء في الحديث الرابع عن سدير عن الامام جعفر الصادق (ع)

قال: «في القائم شبه من يوسف. قلت: كانك تذكر حيرة او

غيبة، فقال الامام (ع): ما تنكر من ذلك هذه‏الامة....». ان اخوة يوسف كانوا اسباطا اولاد انبياء تاجروا بيوسف وباعوه،

وهم اخوته وهو اخوهم فلم يعرفوه حتى قال لهم: انا يوسف.

فما تنكر هذه الامة ان يكون اللّه عز وجل، في وقت من الاوقات،

يريد ان يستر حجته‏». (الحديث) ((184)). وهناك روايات اخرى كثيرة في هذا الموضوع نذكر منها بعض

ما نص فيها على ان له غيبتين قصيرة وطويلة.

روى النعماني بسنده عن اسحاق بن عمار قال: قال ابو عبداللّه

(الصادق) (ع): للقائم غيبتان احداهما قصيرة والاخرى طويلة.

الاولى لا يعلم بمكانه الا خاصة شيعته‏والاخرى لا يعلم بمكانه الا خاصة مواليه في دينه ((185)).

وبسنده عن المفضل بن عمر قال: سمعت ابا عبداللّه (الصادق)

(ع) يقول: ان لصاحب هذا الامر غيبتين في احداهما يرجع الى

اهله والاخرى يقال: هلك في اي واد سلك‏قلت: فكيف نصنع اذا كان ذلك؟ قال: ان ادعى مدع فاسالوه عن تلك العظائم

التي يجيب فيها مثله ((186)).

وبسنده عن المفضل بن عمر الجعفي عن ابي عبداللّه

(الصادق) (ع) قال: «ان لصاحب هذا الامر غيبتين احداهما

تطول حتى يقول بعضهم: مات، وبعضهم يقول: قتل،وبعضهم

يقول: ذهب، فلا يبقى على امره الا نفر يسير، ولا يطلع على

موضعه احد من ولي ولا غيره الا المولى الذي يلي امره‏» . ((187))

وروى بسنده عن عبيد بن زرارة قال (ع): «يفتقد الناس اماما

يشهد المواسم يراهم ولا يرونه‏» ((188)). وبسنده عن زرارة قال: سمعت ابا عبداللّه (الصادق) (ع) يقول:

ان للقائم غيبتين يرجع في احداهما والاخرى لا يدري اين هو

يشهد المواسم يرى الناس ولايرونه‏»((189)). وبسنده عن المفضل بن عمر قال: سمعته يقول يعني ابا

عبداللّه (ع) قال ابو جعفر محمد بن علي الباقر (ع): اذا قام

القائم قال: «ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي‏حكما وجعلني من المرسلين‏» ((190)). وبهذه الروايات نرى ان السر وراء هذه الغيبة هو التقية وانها

غيبة نسبية لا مطلقة وقد احصوا ممن رآه في هذه الغيبة

(304) ثلاثمائة واربعة اشخاص من شيعته ((191)). وسنقدم

في ما ياتي.

بعض الامثلة ممن رآه وراى دلائل امامته في الغيبة الصغرى

وسنذكر هذه الامثلة ممن رآه من غير النواب الاربعة الذين

سنتحدث عنهم في البحث التالي، وسنسوق مما اوردوه هنا

اربع روايات باسلوب اصحابها من دون تصرف‏لبيان ما ذكرناه من كون هذه الغيبة نسبية وان الاتصال به لم يقتصر على

النواب الاربعة رضوان اللّه عليهم وانما حصل لعدد كبير اشرنا

اليه آنفا، وان من هؤلاء من شهدالبرهان على امامته.

1- روى الصدوق بسنده عن ابي الاديان قال: كنت اخدم

الحسن بن علي (ع) احمل كتبه الى الامصار، فدخلت عليه في

علته التي توفى فيها صلوات اللّه عليه، فكتب معي‏كتبا وقال: امض بها الى المدائن فانك ستغيب اربعة عشر يوما، وتدخل الى

سر من راى يوم الخامس عشر، وتسمع الواعية في داري

وتجدني على المغسل فقلت: ياسيدي فاذا كان ذلك فمن؟

قال (ع): من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي.

فقلت: زدني.

فقال (ع): من يصلي علي فهو القائم من بعدي.

فقلت: زدني.

فقال (ع): من اخبر بما في الهميان فهو القائم من بعدي.

قال: ثم منعتني هيبته ان اساله عما في الهميان. وخرجت

بالكتب الى المدائن، واخذت جواباتها، ودخلت سر من راى يوم

الخامس عشر كما قال لي (ع) واذا انا بالواعية‏في داره، واذا به على المغسل، واذا انا بجعفر الكذاب بن علي (ع) اخيه بباب

الدار. والشيعة من حوله يعزونه ويهنئونه...

فقلت في نفسي: ان يكن هذا الامام فقد بطلت الامامة لاني

كنت اعرفه بشرب النبيذ، وكان يقامر في الجوسق ويلعب

بالطنبور ((192)) فتقدمت، فعزيت، وهنيت فلم‏يسالني عن شي‏ء ثم خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفن اخوك. فقم فصل عليه، فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمان

والحسن بن علي المعروف بسلمة،فلما صرنا في الدار اذا نحن

بالحسن بن علي صلوات اللّه عليه على نعشه مكفن. فتقدم

جعفر بن علي ليصلي على اخيه، فلما هم بالتكبير خرج صبي

صلوات اللّه عليه‏وعلى آبائه الطاهرين بوجهه سمرة، بشعره قطط، باسنانه تفليج، فجذب برداء جعفر بن علي وقال:

تاخر يا عم فانا احق بالصلاة على ابي...

فتاخر جعفر وقد اربد وجهه واصفر. وتقدم الصبي فصلى عليه

ودفن الى جنب ابيه (الهادي) (ع).

ثم قال: (يعني الامام المهدي (ع)): يا بصري هات جوابات

الكتب التي معك فدفعتها اليه، فقلت في نفسي: بقي الهميان

(يعني العلامة الثالثة) ثم خرجت الى جعفر بن‏علي وهو يزفر.. قال له حاجز الوشا ليقيم عليه الحجة: يا سيدي من الصبي؟

فقال: واللّه ما رايته قط، ولا اعرفه...

فنحن جلوس اذ قدم نفر من قم فسالوا عن الحسن بن علي

(ع) فتعرفوا موته.. فقالوا: فمن نعزي؟ فاشاروا الى جعفر بن

علي فسلموا عليه وعزوه وهنوه. وقالوا: معنا كتب‏ومال. فتقول: ممن الكتب؟ وكم المال؟ (وذلك اختبارا لامامته) فقام ينفض

اثوابه.. ويقول: تريدون منا ان نعلم الغيب؟!

قال: فخرج الخادم (يعني خادم الامام المهدي (ع)) فقال:

معكم كتب فلان وفلان وهميان فيه الف دينار وعشرة دنانير

منها مطلية.

فدفعوا اليه الكتب والمال.. وقالوا: الذي وجه بك لاجل ذلك هو

الامام ((193)).

2- وروى الصدوق بسنده عن ابي الحسن علي بن سنان

الموصلي قال: حدثنا ابي لما قبض سيدنا ابو محمد الحسن بن

علي العسكري (ع)، وقدم من قم والجبال وفودبالاموال التي

كانت تحمل على الرسم والعادة، فلما وصلوا الى سر من راى

سالوا عن سيدنا الحسن (ع) فقيل لهم: انه قد فقد. قالوا: ومن

وارثه؟ قالوا: اخوه جعفر بن علي‏فسالوا عنه فقيل لهم: انه قد خرج متنزها وركب زورقا في دجلة يشرب ومعه المغنون. قال:

فتشاور القوم. وقالوا: هذه ليس من صفة الامام.

وقال بعضهم لبعض: امضوا بنا حتى نرد هذه الاموال على

اصحابها.

فقال ابو العباس محمد بن جعفر الحميري: قفوا بنا حتى

ينصرف هذا الرجل ونختبر امره..

فلما انصرف (يعني جعفر) دخلوا اليه فسلموا عليه.

فقال: اين هي؟ قالوا: معنا. قال: احملوها الي، فذكروا له ان هذه

الاموال تجمع ويكون فيها من عامة الشيعة الدينار والديناران

ثم يجعلونها في كيس ويختمون عليه، وكنااذا وردنا بالمال

على سيدنا ابي محمد الحسن بن علي (ع) يقول: جملة المال

كذا وكذا دينار. من عند فلان كذا ومن عند فلان كذا حتى

ياتي على اسماء الناس كلهم،ويقول ما على نقش الخواتيم،

فقال جعفر: كذبتم تقولون على اخي ما لا يفعله! هذا علم

الغيب، ولا يعلمه الا اللّه.

فلما سمع القوم كلام جعفر، جعل بعضهم ينظر الى بعض فقال

لهم: احملوا هذا المال الي، فقالوا: انا قوم مستاجرون وكلاء وانا

لا نسلم المال الا بالمعلومات التي كنا نعرفهامن سيدنا الحسن

بن علي (ع)، فان كنت الامام فبرهن لنا والا رددنا الاموال الى

اصحابها يرون فيها رايهم.

وتذكر الرواية ان جعفرا شكاهم الى الخليفة، ولما امرهم

بتسليم المال اليه ذكروا له عذرهم السابق فقبله منهم.

وقال: القوم رسل وما على الرسول الا البلاغ المبين.

ولما خرجوا من البلد خرج اليهم غلام من احسن الناس وجها

كانه خادم، فصاح: يا فلان، يا فلان بن فلان، اجيبوا مولاكم.

فقالوا: انت مولانا. قال: معاذ اللّه انا عبد مولاكم فسيروا اليه.

قال: فسرنا اليه حتى دخلنا دار مولانا الحسن (ع) فاذا ولده

سيدنا القائم (ع) قاعد على سرير كانه فلقة قمر عليه ثياب

خضر، فسلمنا عليه فرد علينا السلام. ثم قال:

جملة المال كذا وكذا دينارا، حمل فلان كذا وحمل فلان كذا

ولم يزل يصف حتى وصف الجميع، ثم وصف ثيابنا ورحالنا وما

كان معنا من الدواب. فخررنا سجدا للّه عزوجل‏شكرا لما عرفنا وقب لنا الارض بين يديه وسالناه عما اردنا فاجاب فحملنا اليه

الاموال.

وامرنا القائم (ع) ان لا نحمل الى سر من راى بعدها شيئا من

المال، وانه ينصب لنا ببغداد رجلا تحمل اليه الاموال وتخرج

من عنده التوقيعات. قالوا: فانصرفنا من‏عنده. ودفع الى ابي العباس محمد بن جعفر الحميري شيئا من

الحنوط والكفن فقال له: اعظم اللّه اجرك في نفسك.

قال: فما بلغ ابو العباس عقبة همدان حتى توفى رحمه اللّه.

وذكرت الرواية: ان الاموال كانت تحمل بعد ذلك الى النواب

المنصوبين من قبله (ع) ((194)).

3- روى الصدوق بسنده عن محمد بن صالح بن علي بن

محمد بن قنبر الكبير مولى الرضا (ع) قال: خرج صاحب الزمان

(ع) على جعفر الكذاب من موضع لم يعلم به‏عندما نازع في الميراث بعد مضي ابي محمد (ع)، فقال له: يا جعفر مالك

تعرض في حقوقي؟ فتحير جعفر فبهت. ثم غاب عنه فطلبه

جعفر بعد ذلك في الناس فلم يره..فلما ماتت ام الحسن (ع)

الجدة امرت ان تدفن في الدار فنازعهم، وقال: هي داري لا

تدفن فيها فخرج (ع) فقال: يا جعفر ادارك هي؟ ثم غاب عنه

فلم يره بعد ذلك ((195)).

4- روى الطوسي بسنده عن محمد بن يونس الصنعاني قال:

دخلت على علي بن ابراهيم بن مهزيار فسالته عن آل ابي

محمد (ع) فقال: يا اخي لقد سالت عن امر عظيم‏حججت عشرين حجة كلا اطلب به عيان الامام (ع) فلم اجد الى ذلك

سبيلا، فبينما انا ليلة نائم في مرقدي اذ رايت قائلا يقول: يا

علي بن ابراهيم قد اذن اللّه لي في‏الحج. فلم اعقل ((196)) ليلتي حتى اصبحت، فانا مفكر في امري

ارقب الموسم ليلي ونهاري، فلما كان وقت الموسم اصلحت

امري، وخرجت متوجها نحو المدينة، فما زلت‏كذلك حتى دخلت يثرب فسالت عن آل ابي محمد (ع) فلم اجد له اثرا، ولا

سمعت له خبرا فاقمت مفكرا في امري حتى خرجت من

المدينة اريد مكة فدخلت الجحفة،واقمت بها يوما، وخرجت

منها متوجها نحو الغدير وهو على اربعة اميال من الجحفة، فلما

ان دخلت المسجد صليت، وعفرت، واجتهدت في الدعاء،

وابتهلت الى اللّه لهم،وخرجت اريد عسفان فما زلت كذلك

حتى دخلت مكة فاقمت بها اياما اطوف البيت، واعتكفت

فبينما انا ليلة في الطواف اذ انا بفتى حسن الوجه، طيب

الرائحة يتبخترفي مشيته طائف حول البيت فاحس قلبي به

فقمت فحككته، فقال لي: من اين الرجل؟ فقلت: من اهل

العراق من الاهواز. فقال لي: تعرف بها الخصيب ((197)).

فقلت:رحمه اللّه. دعي‏فاجاب. فقال: رحمه اللّه فما كان اطول ليلته، واكثر تبتله، واغزر

دمعته! افتعرف علي بن ابراهيم بن المازيار؟ فقلت: انا علي بن

ابراهيم. فقال: حياك اللّه ابا الحسن. ما فعلت‏بالعلامة التي بينك وبين ابي محمد الحسن بن علي (ع)؟

فقلت: معي. قال: اخرجها، فادخلت يدي في جيبي فاستخرجتها، فلما ان رآها لم يتمالك ان تغرغرت عيناه

بالدموع، وبكى منتحبا حتى ب ل اطماره ثم قال: اذن لك

الان‏يابن مازيار صر الى رحلك، وكن على اهبة من امرك حتى اذا لبس الليل جلبابه، وغمر الناس ظلامه سر الى شعب بني

عامر فانك ستلقاني هناك، فسرت الى منزلي‏فلما ان احسست بالوقت اصلحت راحلتي، وقدمت راحلتي وعكمته شديدا

وحملت وصرت في متنه، واقبلت مجدا في السير حتى وردت

الشعب فاذا انا بالفتى قائم‏ينادي: يا ابا الحسن الي، فما زلت نحوه فلما قربت بداني بالسلام، وقال لي: سر بنا يا اخ فما زال

يحدثني واحدثه حتى تخرقنا جبال عرفات، وسرنا الى جبال

منى، وانفجرالفجر الاول ونحن قد توسطنا جبال الطائف. فلما

ان كان هناك امرني بالنزول، وقال لي: انزل فصل صلاة الليل.

فصليت، وامرني بالوتر فاوترت، وكانت فائدة منه. ثم‏امرني بالسجود والتعقيب ثم فرغ من صلاته، وركب، وامرني بالكوب،

وسار وسرت معه حتى علا ذروة الطائف فقال:

هل ترى شيئا؟ فقلت: نعم ارى كثيب رمل عليه بيت شعر

يتوقد البيت نورا. فلما ان رايته طابت نفسي فقال لي: هناك

الامل والرجاء. ثم قال: سر بنا يا اخ.

فسار وسرت بمسيره الى ان انحدر من الذروة، وسار في اسفله.

فقال: انزل منها هنا يذل كل صعب ويخضع كل جبار.. ثم قال:

خل عن زمام الناقة. قلت: فعلى من‏اخلفها؟ فقال: حرم القائم (ع) لا يدخله الا مؤمن ولا يخرج منه الا

مؤمن.

فخليت عن زمام راحلتي وسار وسرت ثم قال لي: ادخل هناك

السلامة. فدخلت فاذا انا به جالس قد اتشح ببردة، واتزر باخرى،

وقد كسر بردته على عاتقه. ومضى يصفه‏الى ان قال: سمح سخي تقي نقي ليس بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللاصق بل

مربوع القامة صلت الجبين ازج الحاجبين، اقنى الانف سهل

الخدين على خده الايمن خال‏كانه فتات مسك على رضراضة عنبر ((198)).

فلما رايته بدرته بالسلام، فرد علي باحسن مما سلمت عليه،

وشافهني وسالني عن اهل العراق. فقلت: سيدي قد البسوا

جلباب الذلة وهم بين القوم اذلاء.

فقال لي: يابن المازيار: لتملكونهم كما ملكوكم وهم يومئذ

اذلاء.

فقلت: سيدي لقد بعد الوطن، وطال المطلب.

فقال: يابن المازيار، ابي ابو محمد عهد الي ان لا اجاور قوما

غضب اللّه عليهم ولعنهم ولهم الخزي في الدنيا والاخرة، ولهم

عذاب اليم، وامرني ان لا اسكن من الجبال الاوعرها، ومن

البلاد الا عفرها، واللّه مولاكم اظهر التقية فوكلها بي. فانا في

التقية الى يوم يؤذن لي فاخرج.

فقلت: يا سيدي متى يكون هذا الامر؟ فقال: اذا حيل بينكم

وبين سبيل الكعبة، وذكر له (ع) علامات خروجه بعد الغيبة

الكبرى.

قال: فاقمت عنده اياما، واذن لي بالخروج بعد ان استقصيت

لنفسي، وخرجت نحو منزلي، واللّه لقد سرت من مكة الى

الكوفة ومعي غلام يخدمني فلم ار الا خيرا وصلى‏اللّه على محمد وآله وسلم تسليما ((199)).