البحث الثاني: ما الحكمة من ذلك

اذا كان المقصود بالسؤال عن الحكمة في ان يكون للعالم

مهدي منتظر اصلا، وهو ما يقوله بعضهم، مع ما يحتفظ به من

تراث الرسالات السماوية، بما فيها رسالة خاتم‏الانبياء محمد (ص) وما بينه ضمن آفاقها اوصياؤه الاثنا عشر من اهل

البيت (ع) ومع ما وصل اليه بحث الانسان ونظره وتجاربه من

انجازات فكرية وعلمية وتقنية...فالجواب:

اولا: ان نسال عما اذا كان ذلك كله قد انهى مشكلة الانسانية،

وما عانته وتعانيه على امتداد تاريخها من انحرافات فكرية،

وفساد اخلاقي، ومن اختلافات، وحروب وظلم‏بكل ما يقع تحت هذا العنوان من عناوين وممارسات، وحين يكون الجواب كما

يمليه الواقع في كل اقطار الارض وتحت كل قوانين اهلها: لا.

وحين لا نامل ان نرى وضعا مختلفا في المستقبل مهما طال..

فان الحكمة في ظهور المهدي المنتظر (ع) تصبح مفهومة.

ثانيا: اننا مع الاعتراف بما حصلت عليه البشرية من تقدم في

الاتجاه المشار اليه فان قوله تعالى: (وما اوتيتم من العلم الا

قليلا) [الاسراء: 85]. سيظل حقيقة مطلقة‏بالنسبة للانسان، اي انه سيبقى جاهلا مهما حصل من العلم ((320)).

وقد تحقق العلماء من ذلك بالفعل واعترفوا به ((321)) بعد

ادعاءات عريضة.

واذا كان لا مجال لان تغنى البشرية بحال عن هدى الهي

بحجة للّه موصول به علما، بحكم ما يميزه به ابتداء من رتبة

وجودية سامية من حيث المبدا والمعاد، فان الحكمة‏في الامام المهدي المنتظر (ع) تصبح مفهومة كذلك.

ان عصر وصول الانسان من السعة في العلم الى الدرجة التي

يكتشف فيها جهله ازاء اسرار الكون القائمة بخالقها سعة وعمقا

وتعقيدا هو العصر المؤهل لظهور المهدي(ع) استلهاما لقوله

سبحانه: (سنريهم آياتنا في الافاق، وفي انفسهم حتى يتبين

لهم انه الحق) [فصلت: 53].

وهو، كما يبدو لي، بعض اسباب هذه الغيبة الطويلة...

ان لانقياد العلماء من الشان عند الناس ما كان لانقياد

سحرة فرعون من لاثر، اما ما وراؤهم من الناس فليسوا الا تبعا...

وذلك لو حصل من اهم اسرار النصر الشامل‏لدى الظهور مضافا لما يحمله الامام (ع) من علم يخضع فيه له امثال هؤلاء

العلماء...

اما اذا كان السؤال عن الحكمة قد قصد به الحكمة في ان يكون

هذا المهدي المنتظر بدوره المستقبلي العظيم المعروف

كما صورته الروايات هو الامام الثاني عشر (ع)نفسه، من دون

غيره ممن يمكن ان يولد في المستقبل؟ كما هو في النظرية

الاخرى.

فقد تقدمت الاجابة عنه في السؤال الاول الذي جاء بهذه

الصيغة نفسها، ولا حاجة لاعادة ذلك. واذا تمت تلك الاجابة...

وهي في الحقيقة ليست الا تفسيرا لما وردت به‏الاحاديث المتواترة عن الرسول (ص) والائمة الاثنا عشر من اهل البيت

(ع) من كون المهدي المنتظر هو الامام الثاني عشر (ع) نفسه

لا غيره. فان بقاءه حتى القيام بذلك‏الدور يكون مفروضا، ولا معنى للسؤال عن الكيفية في ما هو شان ومشيئة الهية.

واذا قصد بالسؤال عن الحكمة الحكمة في الغيبة اصلا، او بهذا

الطول، فالجواب كما قدمناه في الغيبة الصغرى هو التقية

بمعنى معاداة الظرف للامام (ع) ليس بوصفه‏شخصا كما هو في الغيبة الصغرى بل بوصفه صاحب رسالة... واذا كانت الظروف

اللاحقة في علم اللّه بل وبملاحظة ما اشرنا اليه بالتحليل

الموضوعي لا تختلف بشي‏ءفان الغيبة يجب ان تقع، وان تستمر هذه المدة.

فالامام المهدي (ع) نفسه قد قضى، بين الناس، في غيبته

النسبية الصغرى، ما يعادل عمرا بشريا طبيعيا من دون ان يبلغ

ضمن الظروف شيئا قياسا بما قدره اللّه له ووعده‏به بعد الغيبة الكبرى. ان استمرار الغيبة وطولها من دون تقدير لمدى محدد

او وقت معلوم من قبل المعصومين (ع) يفرضه انتظار ان

يتمخض مسار العالم وتطوره عن‏الظرف المؤهل لاستقبال الامام (ع). ومن المعروف ان عوامل تقدير الظرف وحصوله

تدخل فيه اسباب منها الاختيارات الانسانية في ما هو سلب

وما هو ايجاب وفي‏طول العالم وعرضه، ولذلك فان من الممكن ان يتقدم او يتاخر طبقا لما يحدث من بداءات

. ((322))

ومما يدل على صحة المضمون العام لبعض ما ورد في الاجابات

السابقة ما هو معلوم من ان الرسول (ص) والائمة من اوصيائه

الاثني عشر (ع) من بعده كانوا يريدون كماشاء اللّه طرح

الحقائق الكونية ذات العلاقة بالانسان من حيث صلته باللّه،

ومن حيث علاقته بالقوانين الكونية بما فيها تلك التي تتصل

بالاثار الوضعية لفكره ونواياه‏وافعاله سلبا او ايجابا. ثم وضع الاطار الاخلاقي والتشريعي المنسجم مع هذه

الحقائق لحياته الخاصة والعامة.. ولكنهم لم يجدوا في هذه

المرحلة من الناس من يرتفع في مستوى ادراكه،واستيعابه

وعلمه الى القدر الذي يمكن به بلوغ الغاية، وذلك طبيعي في

مرحلة التاسيس في مثل ذلك العصر، ولذلك تضمن القرآن

الكريم وسنة الرسول (ص) والائمة‏الاثني عشر الاوصياء من بعده مستويين في الطرح في ما لا يمكن تعقله وفهمه لدى

الكثير من الناس بحكم المرحلة طرح عام وآخر خاص

. ((323))

ان طرح ما هو اعمق مما هي اللغة العامة والفكر العام ابتداء

في رسالة عامة الا للخاصة مما ينافي الحكمة قطعا، ولذلك

ورد عن الامام الصادق (ع) انه قال: لا واللّه ماكلم رسول اللّه

العباد بكنه عقله قط، قال رسول اللّه (ص): «انا معاشر الانبياء

امرنا ان نكلم الناس على قدر عقولهم‏» ((324)) وقال الامام علي (ع) في حديثه لكميل بن‏زياد: «ان هاهنا لعلما جما لو اصبت له حملة، بلى اصبت لقنا غير مامون عليه مستعملا آلة

الدين للدنيا، ومستظهرا بنعم اللّه على عباده، وبحججه على

اوليائه، او منقادالحملة الحق لا بصيرة له في احنائه ينقدح

الشك في قلبه لاول عارض من شبهة‏» ((325)). ومثل ذلك ورد عن آخرين من ائمة اهل البيت (ع) ومما يؤيده

ويشهد له ما نعرفه من نوع اسئلة الناس واشكالاتهم

ومنازعاتهم ومستواها، بدءا من عصر الرسول (ص)حتى آخر

اوصيائه (ع).

لذلك كان لا بد وقد استكملت ركائز الرسالة الاسلامية نظريا

خلال المراحل التاريخية لوجود الرسول (ص)، واوصيائه والتي

امتداد اكثر من ثلاثة قرون من دون ان‏تبلغ الامة بها الغاية، او ما يقرب منها كان لا بد ان تقطع الصلة الظاهرية بالامام (ع)

بصورتها المفتوحة والنسبية، لتتفاعل الامة ضمن السلب

والايجاب مع الرسالة‏فكرا ومعايشة وفي الداخل والخارج حتى يتبلور الفهم الصحيح او الاقرب للصحة، وبذلك تنضج الظروف

الموضوعية عبر مخاض طويل لظهور الامام (ع) ليس

على‏مستوى المسلمين فقط بل على مستوى العالم. ولا شك في ان ذلك بطبيعة الحال يتطلب زمنا طويلا كما قلنا وهو

ما انذرت به الروايات.

وهناك امر آخر صرحت به كثير من الروايات، وهو ان ظهور

الامام (ع) نذير بين يدي الساعة، فان رحمة اللّه بخلقه التي

اوجبت ارسال الرسل من قبل هي التي اقتضت بعدختم النبوة

بمحمد (ص) وانتقال احد عشر من اوصيائه (ع) الى الدار

الاخرة ان يظل الثاني عشر من اوصيائه (ع) الحجة الباقية في

الارض، وان يظهر قبيل الساعة بعدطول الامد وقسوة القلوب.

ولذلك سمي ب«النذر الاكبر»، ومنحه اللّه من الايات ما يؤدي به

هذه المهمة كصلاة المسيح خلفه واحتفافه بالملائكة وبداية

البعث الجزئي المسمى بالرجعة في زمنه‏ك‏آية بين يدي البعثالشامل. وقد ذكر الشيخ المفيد رحمه اللّه انه بعد رحيل الامام

(ع) باربعين يوما تقوم القيامة الكبرى، واذا كان الامر كذلك

فان القيامة مربوطة‏بتقديرات كونية كبرى تتصل بالمجموعة الشمسية، فلا مجال للاخبار عنها لا يجليها لوقتها الا هو،

لكنهم ذكرواعلامات كلبوث الفلكوطول السنين وغير ذلك.