البحث الثالث: هل يعني ذلك امكان

المشاهدة؟

ذلك ما ادعاه، من اهل السنة، بعض اهل الكشف من الصوفية،

وقد ذكر الشيخ الشعراني جماعة راوه بل بايعوه وسمى بعضهم

كالشيخ حسن العراقي ((332)) ونقل الشيخ‏سليمان القندوزي الحنفي (المتوفى سنة 1294 ه)، وهو من شيوخ النقشبندية انه

قال في كتابه «الانوار القدسية‏»: ان بعض مشايخنا قالوا: «نحن بايعنا المهدي (ع)بدمشق الشام وكنا عنده سبعة ايام‏» . ((333))

وروى الشيخ سليمان، ايضا، ان الشيخ عبد اللطيف الحلبي

حدثه، سنة 1273 ه، ان اباه الشيخ ابراهيم، وهو من كبار مشايخ

حلب على الطريقة القادرية، حدثه ان اباه‏الشيخ ابراهيم قال: سمعت بعض مشايخنا من مشايخ مصر يقول: بايعنا الامام

المهدي (ع) ((334)).

وذكر العلماء والمحدثون، ومنهم الشيخ المجلسي ((335))

والشيخ الحر العاملي ((336)) والشيخ النوري الذي الف كتابا

خاصا في ذلك اسماه «جنة الماوى في من فازبلقاء الامام

الحجة (ع) او معجزته في الغيبة الكبرى‏» ((337)) اسماء عدد من العلماء والصلحاء الذين تشرفوا بلقائه (ع)، ولا مجال للتوقف

عند تكذيب من بلغ من‏هؤلاء عن الامام (ع) احكاما تنافي العقيدة او الشريعة، او تعطل العمل بالاحكام الاسلامية كلا او

بعضا، لما سنذكره في الفصل الخامس الاتي ولورود احاديث

حذرت من‏هؤلاء خاصة. بل راى بعضهم تكذيب المبلغ للاحكام عنه في الغيبة الكبرى مطلقا ((338)).

ولكن الامر المشكل لدى هؤلاء العلماء وغيرهم، في ما عدا هؤلاء

ممن ادعى الرؤية دون ما شي‏ء من الدعاوى او التبليغ او الابتداع.

ولا ياتي الاشكال من امكان الرؤية في نفسها او عدم امكانها،

فهي من دون اشكال ممكنة... ولكنه ياتي من ان الامام المهدي

(ع) نفسه كذب من يدعي رؤياه قبل خروج‏السفياني والصيحة، فقد قال في التوقيع الذي تلقاه نائبه الخاص علي بن محمد

السمري في ما رواه الشيخ الصدوق عن ابي محمد الحسن بن

احمد المكتب ((339))الذي كان حاضرا لدى اخراج الشيخ

السمري التوقيع: «فلا ظهور الا بعد اذن اللّه عز وجل، وذلك

بعد طول الامد، وقسوة القلوب، وامتلاء الارض جورا، وسياتي

شيعتي‏من يدعي المشاهدة، الا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر ((340)) ولا حول

ولا قوة الا باللّه العلي العظيم‏» ((341)). ومن جهة اخرى، فان من هؤلاء الذين ادعوا الرؤية اهل علم

ومعرفة واهل دين وصلاح.. وهم من الكثرة بحيث يصعب عدم

الاصغاء اليهم، ولذلك اختلفت مواقف العلماءحول ذلك:

فالشيخ النوري، رحمه اللّه، وهو ممن يميل الى تصديق قصص

الرؤية، كما يبدو من كتابه جنة الماوى، حاول في وجهين

اسقاط قيمة الرواية او اعتبار هذا المنع مقصوراعلى زمنه كما

ورد بلسان شمس الدين محمد في قصة الجزيرة الخضراء

. ((342))

قال، رحمه اللّه، بعد التوقيع السابق بتكذيب مدعي المشاهدة،

وهذا الخبر بظاهره ينافي الحكايات السابقة وغيرها مما هو

مذكور في البحار... والجواب عنه من‏وجوه: الاول: انه خبر واحد مرسل ((343)) غير موجب علما، فلا

يعارض تلك الوقائع والقصص التي يحصل القطع من

مجموعها، بل ومن بعضها المتضمن لكرامات ومفاخر لايمكن

صدورها من غيره، فكيف يجوز الاعراض عنها لوجود خبر

ضعيف لم يعمل به ناقله وهو الشيخ (يعني الطوسي) في

الكتاب المذكور كما ياتي كلامه فيه فكيف‏بغيره والعلماء الاعلام تلقوها بالقبول (يعني القصص) وذكروها في زبرهم

وتصانيفهم معولين عليها مقتنعين بها؟

الثاني: ما يظهر من قصة الجزيرة الخضراء. قال الشيخ الفاضل

علي بن فاضل المازندراني، فقلت للسيد شمس الدين محمد،

وهو العقب السادس من اولاده (ع): يا سيدي‏قد روينا عن مشايخنا احاديث رويت عن صاحب الامر انه قال لما امر بالغيبة

الكبرى: من رآني بعد غيبتي هذه كذب، فكيف فيكم من

يراه؟..

فقال: صدقت انه (ع) انما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة

اعدائه، من اهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العباس، حتى ان

الشيعة يمنع بعضها بعضا عن التحدث بذكره.وفي هذا الزمان

تطاولت المدة، وايس منه الاعداء، وبلادنا نائية عنهم وعن

ظلمهم وعذابهم ((344)).

ويمكن ان يناقش ما اورده الشيخ النوري رحمه اللّه في هذين

الوجهين مع تقديم بعضه كما يفرضه سياق المناقشة على

بعضه الاخر بالاتي:

اولا: ان كون الخبر مرسلا ليس صحيحا، فقد رواه الشيخ

الصدوق (المتوفى سنة 381 ه) ((345)) عن شيخه ابي محمد

الحسن او الحسين على الاصح، وهو عن الشيخ‏السمري مباشرة وعنه الاسناد نفسه رواه الشيخ الطوسي (المتوفي 460 ه)

. ((346))

والمفروض ان ما يصدر عن النواب الخاصين الاربعة بحكم

توثيقهم، والنص عليهم من قبل الامام المهدي (ع) بصورة

مباشرة او غير مباشرة، بمنزلة ما يصدر عن الامام(ع) نفسه

حتى لو كانت هناك كما افترض بعضهم واسطة مجهولة، او

غير مسماة بينهم وبين الامام (ع) دائما او في بعض الاوقات،

لانها ستكون عندئذ (اعني‏الواسطة) اكثر خصوصية بالامام (ع) او لا اقل مساوية للنائب الظاهر من حيث الوثاقة، وقد تكون

احدى الوسائل البارسيكولوجية الواقعة تحت سلطان الامام

(ع).

وان لم نجد اساسا صريحا لوجود هذه الواسطة.. وحتى اذا لم

نعط النائب الخاص ما اشرنا اليه من منزلة وهو خلاف

المفروض فلا اقل من كونه احد الرواة الموثوقين‏عن الامام (ع)، او عمن هو عنه يقينا والا كان رفضا لاصل النيابة الخاصة،

وتشكيكا بالنص على النائب.

ولذلك فلا مجال لاعتبار الخبر مرسلا لوجود الاسناد

والمعاصرة، واللقاء بين الرواة الى ان ينتهي الى الامام (ع)،

ومثل ذلك وصف الخبر بالضعيف من قبل الشيخ رحمه‏اللّه فانه غير مسلم لان الضعيف كما عرفه الشهيد الثاني: «هو ما يشتمل

طريقه على مجروح بالفسق ونحوه، او مجهول الحال او ما دون

ذلك كالوضاع‏» ((347)). وليس في سند هذا الخبر ما هو بهذه الصفة، فالشيخ الصدوق

والشيخ السمري رحمهما اللّه منصوص على عدالتهما ومن

بينهما، وهو الحسن بن محمد المكتب اذا لم‏يكف‏في توثيقهوتعديله كونه احد مشايخ الشيعة، وانه كان شيخا للصدوق روى

عنه في جميع كتبه، وانه كان يعظمه ويتبع ذكره كلما جاء

بالترضي عنه والترحم عليه،واذا لم يكف انه من حضار مجلس

الشيخ السمري رحمه اللّه وانه حضره قبيل وفاته وتلقى التوقيع

الشريف عنه، وذلك ما يكشف عن خصوصيته، قلنا: اذا لم يكف

ذلك‏كله في توثيقه ليكون الخبر من الصحيح فانه لا اقل من كونه من الحسن لان كون المكتب اماميا ممدوحا مما لا شك

فيه ((348)). نقول ذلك تنزلا والا فالخبر من‏الصحيح من دون اشكال ((349)).

ثانيا: ان كون التوقيع خبرا واحدا (ويقصد انه رواية واحدة لا

بالمصطلح الاصولي الذي يقابل المتواتر) اذا كان من حيث

الفاظه، ومن حيث ظهوره في اطلاق التكذيب‏لمدعي المشاهدة الذي يلزم منه امتناعها مطلقا فهو صحيح. وان كان

من حيث الوارد مطلقا في نفي الرؤية لدى الغيبة الكبرى وان

كان من البعيد ان يقصد ذلك آفليس كذلك ان نفس قوله (ع)

في التوقيع الصادر عنه والوارد مضمونه في شانه عن آبائه (ع):

ان الانتفاع به في غيبته كالانتفاع بالشمس اذا غيبتها عن

الابصار السحاب‏دليل على نفي الرؤية مطلقا وان هداه ومد يده يصل الى القلوب من دون رؤية ((350)).

وقد وردت عدة روايات اخرى تنفي الرؤية في الغيبة الكبرى الا

لخاصة مواليه، وهم كما سياتي اخص من خاصة شيعته، مما

ينتهي الى نفيها عمن عداهم او بصورتهاالعامة حتى للخاصة

بمفهومهم المتعارف، وبذلك تلتقي مضمونا بهذا التحليل

مع التوقيع في التكذيب المطلق لمدعي المشاهدة غيرهم

ويقيد اطلاقها بالنسبة لهم‏بها لانها حاكمة. ثالثا: راى الشيخ رحمه اللّه ان هذا الخبر بما سبق ان وصفه به

خبر واحد لا يوجب علما فلا يعارض تلك الوقائع والقصص

التي قال رحمه اللّه انه يحصل القطع من‏مجموعها، بل ومن بعضها والمتضمنة لكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها من

غيره..

ويناقش بان القطع في انهم راوا شخصا وبان كرامة حصلت عند

ذلك لا يعني القطع في انهم راوا الامام (ع) نفسه، فهم لم يروا

شخصه من قبل ليعرفوا صورته بل قد يكون‏راوا من هو عنه من الانس او الجن او من هو بشفاعته او من اجاب للولاية بحبه.

وظهور الكرامة لا يشترط ان يكون الامام (ع) مباشرا، فقد كانت

الكرامات تجري على‏ايدي النواب الاربعة له لا لهم اي بحكم الصلة به، ومقتضيات الدلالة على سفارتهم عنه، وهنا قد يكون

الامر كذلك ((351)). وبخاصة ان اكثر هذه القصص ليس فيها

مايشير الى ان المشاهد هو الامام (ع) الا تصور اصحابها بعدئذ

بدلالة الكرامة، بل ان بعضها يدل بوضوح على نفي كون

المشاهد شخصا بشريا حيا في عالم الدنيا والمادة‏كتلك التي يبرز فيها الشخص فجاة ثم يتلاشى ويغيب فجاة، او يتحول الى

نور او تقتصر رؤيته على شخص من بين عدد من الحاضرين

دون غيره، لان ذلك كله مما ياباه‏الجسم البشري المادي بطبيعته حتى بالنسبة للنبي (ص) او الامام (ع) ولم يحدثنا

تاريخهم بحكم ذلك بنظيره، ولذلك ورد عن الصادق (ع)

انه قال: «لا تراه عين‏في وقت ظهوره الا راته كل عين فمن قال لكم غير هذا فكذبوه‏» ((352)) لان رؤية الجسم البشري المادي متساوية بالنسبة للمبصرين من الناس (وان كانت

للرواية‏دلالة اخرى تتصل بامكانات عصر الظهور سياتي الحديث عنها).

نعم يمكن ان يكون ما اشرنا اليه من الظهور والاختفاء فجاءة

واقتصار رؤيته على فرد دون آخر انما هو للجسم البرزخي او

المثالي المطروح بالارادة لدى الاحياء((353)) او بالموت

الطبيعي..

ومع ان ذلك اعني الحضور بالجسم المثالي مما يمكن ان

يفعله الامام (ع) لو شاء.. وبه يعلل كما يرى بعضهم الحضور

والاستجابة لطالبها او لمن شاء الامام (ع)اينما كان في البر

والبحر، فانه لا دليل عليه في بعض هذه القصص من جهة ولا

يحصل الا لذوي الشفافية والروحيين من اهل الجلاء البصري،

او السمعي من جهة ثانية،ويمكن ان تخالطه امور تبعده عن

الحقيقة ((354)) حتى لدى الصلحاء فضلا عن غيرهم من جهة

ثالثة، لذلك كان ينبغي الحذر منه بل رفضه حين يتضمن ما

هو مناف‏للعقيدة او التشريع وبناء على ذلك فان وقوع مثل هذه الرؤية لا ينافي ما ورد من تكذيب المشاهدة لانها غيرها.

ومن المتيقن به ان اكثر هذه القصص حتى مع صحتهاووثاقة

اهلها تدخل ضمن هذا النوع.

ثم ان هذا المشاهد احيانا بالصورة التي ذكرناها قد يكون

جنيا او ملكا او حتى صورا برزخية او مثالية من اهل العالم الاخر

قد جاءت بامر الامام (ع) ((355)) او بغيرامره(((356)) وانما

باسبابها الكونية كالدعاء وان لم يجاوزه العلم بها بحكم امامته او

جاءت بشفاعته والولاية له وغير ذلك.

وبذلك تخرج اكثر هذه القصص، خلافا لشيخنا رحمه اللّه، عن

حد التواتر الموجب للقطع، لامكان ان تكون الرؤية من نوع ما

اشرنا اليه، ولا يصلح ما بقى منها لمعارضة‏الرواية لانها اقل وثاقة بحكم كونها آحادا لم تؤثر عن معصوم، ولا مكان حملها على ما

لا ينافي المنفي من المشاهدة او بادخال اهلها في خاصة

الموالي الذين استثنتهم‏الروايات الاخرى التي افيد منها تقييد اطلاق التكذيب الذي يلزمه امتناع الرؤية في التوقيع. واظن ان

ما قدمناه يغنينا عن مناقشة ما حاوله الشيخ من تعضيد قيمة

هذه‏الروايات بنقل العلماء لها في كتبهم والعناية بها من قبلهم لانهم في ذلك يجرون على ما هو المتعارف من التسامح في

ايراد المناقب والكرامات من الاحاديث والوقائع‏دونما نظر الى ما تتصف به من قوة وضعف اسنادا ومتنا...

ولذلك فهي لا تدل على عدم عملهم بالرواية، كما سياتي،

والتاشير للشيخ الطوسي رحمه اللّه غير وارد لان قوله: انا لا

نقطع على استتاره عن جميع اوليائه بل يجوز ان‏يبرز لاكثرهم ولا يعلم كل انسان الا حال نفسه امر لا غبار عليه بحكم ان ما

ورد من نفي الرؤية اخبار آحاد لا توجب علما وما يترتب على

عدم القطع بذلك جواز الرؤية،وذلك صحيح نظريا بخاصة وهو

في محل منازعة لخصم، على ان قوله (لاوليائه) يمكن ان

يكون قد قصد بهم اولئك الذين استثنتهم الروايات كما سياتي.

وقد يكون‏نفى من الاستتار ما نفته الروايات التي ضربت له مثلا بالشمس حين يحجبها السحاب فيكون ما يقصده بالبروز ليس

الشخص وانما الاثر. وقد يكون من مؤشرات ذلك‏انه رحمه اللّه لم يورد في ما ساقه من حديث عمن رآه وراى معجزاته من ص

155 الى ص 199 من كتابه الغيبة الا ما كان ضمن الغيبة

الصغرى فقط.

رابعا: اورد الشيخ، رحمه اللّه، ما ورد في قصة الجزيرة الخضراء

من اجابة السيد شمس الدين محمد، لدى سؤال الشيخ فاضل

بن علي له عن كيفية الجمع بين ما ورد من‏احاديث في نفي المشاهدة في الغيبة الكبرى، وبين ادعاء وقوعها لبعضهم بانه

انما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة اعدائه الى آخر ما ذكرناه

في الوجه الثاني.

والذي نراه ان ذلك غير مقبول، فان ما تفرضه التقية من عدم

ذكر الاسم، وعدم الدلالة امر، وتكذيب مدعي الرؤية في هذا

التوقيع امر آخر، فمن الواضح انه لا يتصل بهاتاريخا ومبررات

ومن الاشكالات عليه:

1- ان تكذيب مدعي المشاهدة، مع وقوعها بالفعل، ظلم يتنزه

الامام (ع) عنه.

2- انه لم يصدر عنه ذلك كل مدة الغيبة الصغرى، وهي الاشد

خطرا عليه من الناحية الشخصية.

3- ان التوقيع صدر في آخر ايام نائبه الرابع علي بن محمد

السمري، بل ما قبل وفاته بستة ايام بحيث ان الخطر عليه

شخصيا لم يعد قائما كما في السنين الاولى‏للغيبة. 4- ان التكذيب اذا ما ادعى مدع لا يجدي لدى العدو، لذلك

فليس له في التقية كبير اهمية على ان الوصول للامام (ع) لم

يكن الا لمن يختاره هو فلا يتصور منه البوح بمايكون خطرا

عليه.

5- ان التقية التي فرضت عليه الغيبة الكبرى كانت من قبله،

بوصفه صاحب رسالة، اي انها تعني ان لا مجال لفرض الرسالة

في تلك الظروف. والتوقيع في نظرنا يتصل‏بذلك بما انه يسد الطريق على من يدعي الصلة والبابية له من قبل الذين لا

يبالون ان يفتروا على لسانه ما شاء لهم الشيطان، وقد اثبت

الواقع التاريخي ذلك كما سنرى‏في الجزء الثاني، لذلك لا ينافي التكذيب اطلاقا ان يخرج خاصة مواليه تخصصا او

تخصيصا بالروايات التي ستاتي...

ان كل ما نريد ان نقوله هو: ان ما اورده الشيخ النوري، رحمه

اللّه، في الوجهين الاول والثاني مناقش او غير وارد، من دون ان

يعني ذلك اننا نكذب اصحاب تلك القصص‏او نرفض ما صح منها اذا اخرجنا منها ما اشرنا اليه من احتمالات تبعد بعضها

عن معارضة الرواية موضوعا ((357)) اما ما صح منها مع ما

يبدو مع معارضته اياهافيمكن تفسيره او تفسير المشاهدة في

الرواية بما يرفع المعارضة او بادخال اصحابها في خاصة موالي

الامام (ع) ان كان واقعهم يشهد بذلك، والخاصة هؤلاء

خارجون‏في نظر البعض تخصصا، وفي الروايات الاخرى التي تنفي الرؤية في الغيبة الكبرى الا عن خاصة مواليه خارجون

تخصيصا، ومنها افادوا تقييد الاطلاق في تكذيب‏مدعي المشاهدة في الرواية الاولى بما لا يشملهم بصفتها الحاكمة.

ولعل الوجوه التالية التي ذكرها العلماء واوردها الشيخ النوري،

رحمه اللّه، في آخر كتابه: «جنة الماوى‏» تفصل جميع ما اجملناه من وجوه الجمع بين الرواية وبين ماصح من حصول

الرؤية:

الوجه الاول: ما ذكره الشيخ المجلسي، رحمه اللّه، فقد قال بعد

نقله التوقيع المشار اليه: لعله محمول على من يدعي

المشاهدة مع النيابة، وايصال الاخبار من جانبه (ع) الى‏الشيعة على مثال السفراء ((358))، وهو ما نراه، وما رآه ودلل عليه

بعض العلماء ((359)).

الوجه الثاني: ما ذكره العلامة السيد بحر العلوم، قدس اللّه

نفسه، لدى ترجمته للشيخ المفيد، رحمه اللّه، ونقله التوقيعات

التي تلقاها عن الامام المهدي (ع) فقد قال: «وقديشكل امر هذا

التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى مع جهالة المبلغ، ودعواه

المشاهدة المنافية بعد الغيبة الصغرى، ويمكن دفعه باحتمال

حصول العلم بمقتضى القرائن‏واشتمال التوقيع على الملاحم والاخبار عن الغيب الذي لا يطلع عليه الا اللّه واولياؤه باظهاره

لهم.

قال: «وان المشاهدة المنفية ان يشاهد الامام ويعلم انه الحجة

(ع) حال مشاهدته له، ولم يعلم من المبلغ ادعاؤه لذلك‏» . ((360))

الوجه الثالث: ان تكون المشاهدة المنفية هي البدنية المادية لا

النورية، سواء كانت المشاهدة بالعين لدى تجليه صورة ام

بالبصر الروحي الذي يحصل لذوي الشفافية‏بالخلقة ام بالسعي مما يسمى نظيره في الباراسايكولوجي (الجلاء البصري) كالتي

حصلت للعالم التقي المولى عبد الرحيم الدماوندي في ما نقله

الشيخ رضا الهمداني في‏المفتاح الاول من الباب الثالث من كتاب «مفتاح النبوة‏» ((361)). ويمكن ان يكون كثير من المشاهدات من هذا النوع، وان اختلفت بصورة او باخرى كتلك

التي‏يختفي فيها فجاة كما ظهر ((362)) او يتحول الى نور . ((363))

والفرق بين الرؤيتين ان النورية لا تنافي الغيبة العامة التامة

وانها لا تقبل الا ممن لا يدور حولهم شك عقلا وعلما وتقى،

لجواز ان تكون هلوسة واختلاطا فينتفى‏المحذور في الادعاء بخلاف في الادعاء.

وقد يكون الجلاء سمعيا فقط كالذي حصل للسيد ابن طاووس،

او تكون المشاهدة قلبية مندون صورة من خلال شعور قوي

بالحضور يغمر الكيان كله حتى يصبح اوضح‏مما هو الرؤية، فيفيض اللّه بوساطته ما شاء من العلم والمعرفة، ولعل هذا او

ذاك هو ما قصده السيد بحر العلوم رحمه اللّه بقوله: «وربما

يحصل لبعض حفظة الاسرار من‏العلماء الابرار العلم بقول الامام بعينه على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدة الغيبة، فلا يسعه

التصريح بنسبة القول اليه فيبرزه في صورة الاجماع جمعا بين

الامرباظهار الحق والنهي عن اذاعة مثله بقول مطلق‏» . ((364))

وذكر المحقق الكاظمي، رحمه اللّه، من اقسام الاجماع قسما

غير الاجماع بالمصطلح المعروف قال انه استخرجه من

مطاوي كلمات العلماء وفحوى عباراتهم، وهو ان‏يحصل لاحد سفراء الامام الغائب، عجل اللّه فرجه وصلى عليه، العلم بقوله اما

بنقل مثله اليه سرا، او بتوقيع او مكاتبة او بالسماع منه شفاها

على وجه لا ينافي امتناع‏الرؤية في زمن الغيبة. قال: ويحصل ذلك لبعض حملة اسرارهم، ولا يمكن التصريح

بما اطلع عليه، والاعلان بنسبة القول اليه والاتكال في ابراز

المدعى على غير الاجماع من الادلة الشرعية‏لفقدها، وحينئذ يجوز له، اذا لم يكن مامورا بالاخفاء او كان مامورا بالاظهار لا

على وجه الافشاء، ان يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج بصورة

الاجماع خوفا من الضياع‏وجمعابين امتثال الامر باظهار الحق بقدر الامكان، وامتثال النهي عن اذاعة مثله لغير اهله من ابناء

الزمان، ولا ريب في كونه حجة:

اما لنفسه فلعلمه بقول الامام (ع)، واما لغيره فلكشفه عن قول

الامام ايضا، غاية ما هنا انه يستكشف قول الامام (ع) بطريق غير

ثابت (ع) ((365)) ولا ضير فيه بعد حصول‏الوصول الى ما انيطت به حجية الاجماع.

قال: ولصحة هذا الوجه وامكانه شواهد تدل عليه، ثم ذكر شيئا

من هذه الشواهد ((366)).

ويبدو لي من رسالة السيد ابن طاووس الى ولده محمد

اعتماده على انفتاح هذا الباب من الصلة لخاصة اولياء الامام

(ع) بصورها المختلفة.

قال، رحمه اللّه، بعد حديث جاء فيه ان غيبة الامام (ع) حجة

على مخالفيه: «مع انه (ع) حاضر مع اللّه على اليقين، وانما غاب

من لم يلقه منهم لغيبتهم عن حضرة المتابعة‏لرب العالمين، وان ادركت يا ولدي موافقة توفيقك لكشف الاسرار عليك

عرفتك من حديث المهدي صلوات اللّه عليه ما لا يشتبه

عليك، وتستغني بذلك عن الحجج‏المعقولات وعن الروايات، فانه حي موجود على التحقيق ومعذور عن كشف امره الى ان

ياذن له تدبير اللّه الرحيم الشفيق كما جرت عليه عادة كثير

من الانبياء،والاوصياء، فاعلم ذلك يقينا، واجعله عقيدة ودينا

فان اباك عرفه ابلغ من معرفة ضياء شمس السماء».

وقال رحمه اللّه: «وقد احتجناكم مرة عند حوادث حدثت لك

اليه، ورايناه في عدة مقامات في مناجاة، وقد تولى قضاء

حوائجك بانعام عظيم في حقنا وفي حقك لايبلغ وصفي اليه.

فكن في موالاته والوفاء له وتعلق الخاطر به على قدر مراد اللّه

جل جلاله ومراد رسوله ومراد آبائه ومراده (ع) منك، وقدم

حوائجه على حوائجك عند صلاة الحاجات،والصدقة عنه قبل

الصدقة عنك عمن يعز عليك، والدعاء له قبل الدعاء لك وقدمه

في كل خير يكون وفاء له ومقتضيا لاقباله عليك، واحسانه

اليك واعرض حاجتك‏عليه كل يوم اثنين ويوم خميس من كل اسبوع بما يجب له من ادب الخضوع...» الى ان يقول: «فانه

ياتيك جوابه صلوات اللّه وسلامه عليه‏». ثم يقول، وهنا موضع الشاهد الذي يتصل بما اردناه، وهو يفسر

لنا رؤية السيد التي وردت في هذا النص وغيره او بعضها: «ومما

اقول لك يا ولدي محمد ملا اللّهجل‏جلاله عقلك وقلبك من التصديق لاهل الصدق والتوفيق في معرفة الحق: ان طريق

تعريف اللّه جل جلاله لك بجواب مولانا المهدي صلوات اللّه

وسلامه عليه على‏قدر قدرته جل جلاله ورحمته‏».ومن ذلك ما رواه محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الوسائل

عمن سماه قال: كتبت الى ابي الحسن (ع) ان الرجل يحب ان

يفضي الى امامه ما يجب ان يفضي به الى ربه‏قال: فكتب ان كانت لك حاجة فحرك شفتيك فان الجواب ياتيك، ومن ذلك

ما رواه هبة اللّه بن سعيد الراوندي في كتاب الخرائج عن

محمد بن الفرج قال: قال لي علي‏بن محمد (ع): اذا اردت ان تسال مسالة فاكتبها وضع الكتاب تحت مصلاك ودعه ساعة ثم

اخرجه وانظر فيه.. قال: ففعلت فوجدت ما سالت عنه موقعا

فيه.

وقال رحمه اللّه في آخر كتابه: «ثم ما اوردناه باللّه جل جلاله من

هذه الرسالة ثم عرضناه على قبول واهبه صاحب الجلالة نائبه

(ع) في النبوة والرسالة، وورد الجواب في‏المنام بما يقتضي حصول القبول والانعام والوصية بامرك والوعد ببرك وارتفاع

قدرك‏» ((367)). ولدى قراءة القصص الواردة في مشاهدة الامام (ع) نجد ان

اكثرها يدخل ضمن هذا النوع بما فيه تلك التي رويت فيها

ادعية وزيارات وصيغ من الاستخارة، بل ما يتصل‏بالتوحيد ومعاني الاسماء والصفات والانباء بالمغيبات.

ويتضاءل الاشكال حتى ينعدم حين يكون المكاشف عالما عاقلا

تقيا ورعا يملك الموازين العلمية او المنطقية والشرعية التي

تمكنه من التفرقة بين الحق والباطل‏والصحة والمرض والواقع والخيال، وحين تكون المكاشفة ايضا مما لا علاقة له بالعقيدة

او التشريع لكنه يبرز ويعظم (اعني الاشكال) حين يكون مما لا

يتمتع بما ذكرناه‏من هذه الصفات كلا او بعضا ((368)) او تكون المكاشفة مخالفة للعقيدة والتشريع لما اشرنا اليه، وسياتي من

الصور التي يمكن ان تختلط بالكشف لدى المصابين‏بالهلوسة البصرية او السمعية او المبتلين بالمس والاستحواذ ما يوجب

الحذر والحيطة من الاصغاء لما يدعونه من رؤى ومكاشفات في

كل الاحوال ((369)).

الوجه الرابع: ما ذكره السيد بحر العلوم رحمه اللّه ايضا.

قال: وقد يمنع امتناعها (يعني المشاهدة) في شان الخواص،

وان اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار، ودلالة بعض الاثار

((370)) وقد يكون ما قصده بشهادة الاعتبارما تشير اليه صورة

الكشف ولغته، ومضمونه من جهة ومكانة المكاشف وموقعه

علميا او دينيا في الامة من جهة اخرى، اما ما يعني بشهادة

الاثار فقد يكون ما وردت به‏الروايات من استثناء خاصة الموالي كالتي رواها النعماني بسنده عن المفضل بن عمر عن الصادق

(ع) انه قال:

«لا يطلع على موضعه احد من ولي ولا غيره الا المولى الذي

يلي امره‏» ((371)). وفي رواية الشيخ الطوسي لها: «لا يطلع على موضعه احد من

ولده ولا غيره الا المولى الذي يلي امره‏» ((372)). و«المولى الذي يلي امره‏»، في الرواية، قد لا يكون هنا شخصا واحدا معينا، وانما هو الموصوف بهذه الصفة فيمكن ان يتعدد

بدليل صحة ان تذكر بعده مصاديق متعددة‏فيقال: الا المولى الذي يلي امره كزيد وعمرو وخالد الخ...، او انه المقدم فيهم

الدائم الصلة كما في رواية عبد الاعلى عن الباقر(ع) ((373))،

وذلك للجمع بين هذه‏الرواية والروايات الاخرى ومنها ما رواه الشيخ الكليني رحمه اللّه والنعماني عنه مسندا الى اسحاق بن

عمار عن الامام الصادق (ع) قال: «قال (ع): للقائم

غيبتان:احداهما قصيرة والاخرى طويلة، الغيبة الاولى لا يعلم

بمكانه الا خاصة شيعته والاخرى لا يعلم مكانه الا خاصة

مواليه‏» ((374)). ورواها النعماني رحمه اللّه بطريق آخر عن اسحاق بن عمار

ايضا، وقد جاء بعد صدر الرواية السابق: «فالاولى يعلم بمكانه

فيها خاصة من شيعته والاخرى لا يعلم‏بمكانه فيها الا خاصة مواليه في دينه‏» ((375)). ومن المهم في ما نحن بصدده ملاحظة ما اشارت اليه

الروايتان من الفرق بين خاصة الشيعة الذين يعلمون بمكانه في

الغيبة الصغرى، وبين خاصة الموالي الذين لايعلم بمكانه

سواهم في الغيبة الكبرى مما يشير الى ان خاصة الموالي اخص

مما هم خاصة الشيعة للظاهر من العبارة، ولما تفرضه المناسبة

في الفرق بين الغيبتين. ربماهم كالنواب الاربعة في الغيبة

الصغرى مع فارق هو ان النواب الاربعة كانوا ظاهرين معروفين

من جهة الامة يمكن الرجوع اليهم بخلاف خاصة الموالي في

الغيبة الكبرى،ومع فارق آخر هو انه كان بالامكان ان يلتقي

بالامام (ع) في الغيبة الصغرى ما عدا هؤلاء النواب من خاصة

الشيعة، وهو ما حصل بالفعل، اما في الغيبة الكبرى فانه لامجال

لاحد ان يعرف مكانه عدا خاصة الموالي هؤلاء... وقد يقصد

بالمكان اعم مما هو المكان في الارض الا ان خاصة الموالي

يعرفون مع ذلك طريق الصلة‏به. ولذلك يبقى التوقيع على اطلاقه في تكذيب مدعي الشهادة

من غير هؤلاء، او بغير ما قدمه العلماء من الوجوه السابقة، ولكن

هل هؤلاء الموالي الخاصة الذين يصطفيهم‏الامام (ع) لما لهم من صفات الصلاح والامانة واسطة بينه وبين الناس في ما

يشاء من امر او آخر: غائبون معه، او انهم يعيشون بين الناس الا

انهم غائبون مقاما، وصلة،ودورا؟

كلا الامرين جائز.. وقد يكونون من الاثنين، لان غياب الامام

المهدي (ع) كما تفيد بعض الروايات دائما او في بعض الاوقات

لا يجاوز ما اشرنا اليه من الغياب، فهو يطافرشهم ويمشي في

اسواقهم، ويحضر المواسم، يراهم ولا يرونه، ويعرفهم ولا

يعرفونه. وورد كذلك انه حين يظهر يقول الناس: انهم قد راوه

من قبل ((376)) اي ان‏الغياب لم يكن الا غياب مقام ومنزلة ودور، قبل ان يكون غياب شخص، ومثل ذلك قد يكون خاصة

الموالي.

وقد يسال بعض القراء: كم هم هؤلاء الخاصة من الموالي؟

والجواب هو: لا يوجد ما يحدد العدد الا رواية اوردها الشيخ

الكليني رحمه اللّه بسنده عن ابي بصير عن الصادق (ع) قال:

«لا بد لصاحب هذا الامر من غيبة، ولا بد له في‏غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين من وحشة‏» ((377)). فاذا صحت الرواية وكان المقصود بالغيبة هنا الكبرى فهذا هو العدد.

قال الشيخ النوري رحمه اللّه: «وهؤلاء الثلاثون الذين يستانس

بهم الامام (ع) في غيبته لا بد من ان يتبدلوا في كل قرن، اذا

لم يقدر لهم من العمر ما قدر لسيدهم (ع) ففي‏كل عصر يوجد ثلاثون مؤمنا يتشرفون بلقائه‏» ((378)). ويبدو ان مقام هؤلاء الموالي، من حيث صلتهم بالامام (ع)

وموقعهم منه ومهامهم لديه وعددهم كما حددتهم الرواية، هو

منشا الربط بينهم وبين الابدال الذين عرفهم‏الشيخ الطريحي رحمه اللّه بانهم «قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم اذا مات

واحد ابدل اللّه مكانه آخر» ((379)).

قال الشيخ تقي الدين بن علي الكفعمي: «قيل: ان الارض لا

تخلو من القطب واربعة اوتاد، واربعين بدلا، وسبعين نجيبا

وثلاثمئة وستين صالحا» ((380)).

 

وقال بعدها: «فالقطب هو المهدي (ع) ولا تكون الاوتاد اقل من

اربعة لان الدنيا كالخيمة، والمهدي (ع) كالعمود، وتلك

الاربعة اطنابها، وقد تكون الاوتاد اكثر من‏اربعة، والابدال اكثر من اربعين والنجباء اكثر من سبعين، والصالحون اكثر من

ثلاثمئة وستين‏» ((381)). ولا توجد من هذه التسميات في الاخبار عدا الابدال والنجباء

، واخبارها ضعيفة ومؤشر عليها. ((382))

ويبدو ان الشيخ الكفعمي طبق هذه التسميات التي اوردها

بلفظها، وقيل: ولكن عدد الابدال في ما ذكره مختلف عما ورد

في الرواية السابقة اذا كانوا المعنيين بها، ولاضير فهو يتطابق

مع رواية اخرى عن عبد الاعلى عن الامام الباقر (ع) قال (ع):

يكون لصاحب هذا الامر غيبة وحتى اذا كان قبل خروجه

بليلتين انتهى المولى الذي يكون‏بين يديه حتى يلقى بعض اصحابه فيقول: كم انتم هاهنا؟ فيقول نحو من اربعين رجلا

. ((383))

وعلى كل حال فان ما يهمنا من حيث النتيجة هو ان للمهدي

(ع) خاصة من مواليه يلتقون به ويشاهدونه ويقومون على

خدمته.

والخلاصة مما تقدم حول ما اذا كانت المشاهدة في الغيبة

الكبرى في نظر العلماء تكذب مطلقا ام لا؟

1- انها تكذب اذا ادعى صاحبها السفارة والتبليغ عن الامام

(ع). وهو ما تكاد تجمع على معناه آراء العلماء، بحيث يلجا

المتيقن منهم بحكم الى ابرازه بصورة اخرى.

2- واذا ادعى معرفة الحجة حال لقائه به لانه يمكن ان ينتهى

الى ما نفاه الوجه الاول.

3- واذا كانت دعوى رؤياه له بالصورة البشرية المادية لا

المكاشفة، لان الجمع بين نفي الرؤية وحصولها يحصل بذلك،

ولان المحذور برؤية المكاشفة منفي بحكم عدم‏قبولها وتصديقها الا ممن هو اهل.

4- واذا كان المدعي من غير خاصة الموالي هؤلاء.

ولكن من هم؟ المتيقن ان المبتدعين والبعداء عن اهل البيت

(ع) فكرا ومنهجا وسلوكا وانفاسا ليسوا منهم بل يفتي بعض

العلماء بالتكذيب مطلقا.

لذلك كان السيد محمد مهدي بحر العلوم (قدس اللّه نفسه)،

وهو ممن ادعيت له المشاهدة، بل ادعاها وقال بامكانها

للخواص كما ذكرنا، يفتي رغم ذلك بتكذيب‏مدعي المشاهدة..

ففي ما رواه الشيخ النوري، رحمه اللّه، عن اغا علي رضا

النائيني عن زين العابدين بن العالم الجليل محمد السلماسي

الذي كان من تلامذة السيد رحمه اللّه انه قال: كنت‏حاضرا في محفل افادته، فساله رجل عن امكان رؤية الطلعة الغراء في

الغيبة الكبرى، فسكت وطاطا براسه، وخاطب نفسه بكلام

خفي اسمعه معناه: ما اقول في جوابه،وقد ضمني صلوات اللّه

عليه الى صدره؟ وورد ايضا، في خبر تكذيب مدعي الرؤية في

ايام الغيبة، وكرر هذا الكلام،

ثم قال في جواب السائل: «انه قد ورد في اخبار اهل العصمة

تكذيب من ادعى رؤية الحجة، عجل اللّه فرجه، في ايام الغيبة،

واقتصر جوابه عليه‏» ((384)).