البحث الثالث: انتظار الفرج والدعاء بتعجيله

اما الاول: اعني انتظار الفرج، فلانه ما تمليه العقيدة ببقاء الامام

(ع) وغيبته وظهوره، وهو بهذا اللحاظ وما يصحبه من تحمل

للظروف النفسية والموضوعية عبادة‏وجهاد. وقد وردت روايات كثيرة في اهمية الانتظار، ومكانته، وثوابه، منها ما ورد عن

الحرث بن المغيرة عن الامام (الباقر) (ع) قال: قال (ع):

«العارف منكم هذا الامر، المنتظر له، المحتسب فيه، كمن

جاهد واللّه مع قائم آل محمد بسيفه. ثم قال: بل واللّه

كمن استشهد مع رسول اللّه (ص) في فسطاطه‏»((447)). وعن ابي بصير عن الامام (الصادق) (ع) انه قال: «ان لنا دولة

يجي‏ء اللّه بها اذا شاء». ثم قال: «من سره ان يكون من اصحاب القائم (ع) فلينتظر، وليعمل بالورع‏ومحاسن الاخلاق وهو منتظر، فان مات وقام القائم بعده كان له من الاجر مثل اجر

من ادركه‏» ((448)). وعن ابي بصير عن ابي عبداللّه الصادق انه قال (ع) ذات يوم:

«الا اخبركم بما لا يقبل اللّه عز وجل عملا الا به؟

فقلت: بلى. فقال (ع): شهادة ان لا اله الا اللّه، وان محمدا عبده

ورسوله، والاقرار بما امر اللّه، والولاية لنا، والبراءة من اعدائنا،

والتسليم لامرنا، والورع، والاجتهاد،والطمانينة، والانتظار

للقائم (ع)» ((449)).

وعن علي بن حاتم عن ابيه عن ابي جعفر (ع) قال: «ما ضر من

مات منتظرا لامرنا الا يموت في وسط فسطاط المهدي (ع)

وعسكره‏» ((450)). وعن الامام علي (ع) قال: «انتظروا الفرج ولا تياسوا من روح

اللّه، فان احب الاعمال الى اللّه عز وجل انتظار الفرج‏». وقال (ع): «الاخذ بامرنا معنا في حظيرة القدس، والمنتظر

لامرنا كالمتشحط بدمه في سبيل اللّه» ((451)).

الدعاء بتعجيل الفرج

واما الثاني: اي الدعاء بتعجيل الفرج، فان ما ورد من الحث

عليه، وما ورد من الادعية المنشاة من قبل الائمة من اهل

البيت (ع) واوليائهم فيه اكثر من ان نورده هنا، وقدكتب

العلامة الحجة السيد محمد تقي الموسوي الاصفهاني في ذلك

سفرا كبيرا اسماه «مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (ع)»،

ويكفي في ذلك ما جاء عن الامام‏المهدي (ع) قال: «واكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فانه فرجكم‏» ((452)). واذا عرفنا ان الدعاء يدخل ضمن الاسباب الكونية المؤثرة في

التقدير ((453))، واذا تذكرنا حديثنا في البداء في ما تعطيه

العلاقة بين المقتضي والمانع من الاسباب‏يتضح لنا ما يمكن ان يسهم به الدعاء في تهيئة الظرف المؤهل لاستقبال الامام (ع)

ومعنى ان يهتم الائمة من اهل البيت (ع) به بالصورة التي اشرنا

اليها عدا كونه ترديدالهذه العقيدة وايحاء بها يؤدي الى تركيزها

في نفس المؤمن. فاقرا منها ما ورد في دعاء السجاد (ع) في

عرفة ((454)). وما ورد في آخر دعاء الافتتاح المروي عن

الامام‏المهدي (ع) ((455)). وما رواه الشيخ ابو علي بن همام رحمه اللّه عن الشيخ العمري رضوان اللّه عليه قال: انه املاه

عليه وامره ان يدعو به في غيبة القائم (ع) واوله: (اللّهم‏عرفني نفسك فانك ان لم تعرفني نفسك لم اعرف نبيك اللّهم عرفني نبيك فانك ان لم تعرفني نبيك لم اعرف حجتك) ((456)).

الانتظار لا يعني ترك العمل الانتظار او الترقب حالة نفسية

لدى من يؤمن بمجي‏ء (موعود) ويتبعها تلقائيا الاستعداد بما هو المفروض لدى حضوره عادة، لذلك فهو حالة‏طبيعية واقعية لدى المؤمنين، وما ورد من الاخبار عن الائمة من اهل

البيت (ع) ليس دعوة له، بمقدار ما هو ثناء وبشارة للمنتظرين

وتطمين لمن خشي ان يدركه الموت‏قبل الظهور: بانه قد ادرك ما امله من المنزلة والفضل، بنفس الانتظار ولا علاقة

للانتظار اصلا، ولا لما ورد فيه كما قد تصور البعض في ان

يكون تخديرا، او دعوة‏للسلبية، بل على العكس فان الانتظار للموعود يدعو بطبيعته الى الاستعداد المناسب له، وذلك

يعني العمل سواءا ما اتصل منه بالذات او بالاخرين، وحين

يكون‏الموعود هو ظهور الامام (ع) فلا بد ان يكون الاستعداد هو العمل على ان نكون في وضع مؤهل عقائديا وروحيا واخلاقيا

لاستقباله والكون في خدمته على مستوى‏النصرة. ويبدو ان من يتصور ان الانتظار يناقض العمل هو ممن يرى: ان

العمل ينحصر في العمل السياسي الذي ينشط بسبيل الثورة،

وتسلم السلطة، ومقاليد الحكم شان اية‏جماعة سياسية اخرى وهي رؤية ضيقة جدا لمفهوم العمل وغاياته من زاوية

اسلامية عامة، والاخذ به يعني اخراج المعصومين الاثنى عشر

(ع) في فترة من حياتهم‏بالنسبة للبعض كما في علي (ع) والحسنين (ع) او في حياتهم كلها بالنسبة للبعض الاخر: من

ساحة العاملين والمجاهدين، ولا اظن ان احدا يجرا على ان

يرى‏ذلك. وفي مقارنة سريعة بين مردود عملهم العلمي والتربوي

وقيامهم كقدوة ونموذج في الروح والفكر والسلوك والمواقف

الذي ظل يمثل حتى الان قواعد ومنارات للامة‏كلها وبين مردود تلك الثورات التي قام بها الزيديون مثلا ليس الان بل

حتى في وقتها يبدو لنا الفرق واضحا وكبيرا لا يقبل القياس

وهي ردنا الفاحم على من يحصرالعمل في كل ظرف بالعمل

السياسي.

ان السلطة ليست في نظر اهل البيت (ع) واوليائهم من

المؤمنين الا وسيلة لتسويد القيم، والمبادى‏ء والاحكام الاسلامية، وحين يكون العمل لها، او بها خارج نطاق‏هذه القيم والمبادى‏ء او ينتهي بصورة او اخرى الى ذلك بحكم فقدان القاعدة المتمثلة للرسالة رؤية وخلقا وعملا وبحكم تشظ‏ي الامة، فسيكون الخسار في العمل لهااكثر قطعا، وفرق كبير بين

حركات سياسية تقبل من الانصار نماذج ممن يتحرك بدافع

كم تهب لنا؟ كما قال جورج جرداق وبين حركات لا تقبل

الا من يعمل للّهولغرض الرسالة كما وعاها وعاشها فكرا وخلقا

دونما النظر لما ياتي به الحكم من مكاسب شخصية.

ان استيعاب الامكانات في الواقع هو الذي يملي الانتظار، وهو

ليس تركا بل رفض للاستعجال فيه. الاستعجال الذي لا يضع

اشتراطات العمل الرسالية الحق كما هو في‏الاسلام الحق اسلوبا وتعاملا وغاية في الحساب، مما يجعله في هذه الحالة

يستملي العاطفة والحماس وحب الظهور واهواء الامة اكثر مما

يستوحي المبادى‏ء ومصلحة‏الرسالة.واذا فالخلاف ليس في اصل المسالة بل في ظروفها وشروطها.

وذلك ما اشارت اليه غيبتا الامام المهدي (ع) الصغرى

والكبرى، وما اشارت اليه الروايات الواردة في‏ذلك عن اهل البيت (ع) ايضا لدى اجابتهم من دعاهم من الحركات لتزعمها.

فحين عرض ابو مسلم الخراساني على الامام الصادق ذلك قال

له: «ما انت من رجالي ولاالزمان زماني‏» ((457)). وبمثل ذلك اجاب المتحمسين من اوليائه ((458)) والروايات في ذلك

كثيرة. قال الامام الباقر (ع) لجابر وهو يلفته الى ما اشرنا اليه

من‏خلال تقويمه للظرف ولامكانات الرسالي الملتزم اسلوبا وتعاملا وغاية فيه ازاء ما تملكه القوى الاخرى:

«مثل من خرج منا اهل البيت (ع) قبل قيام القائم (ع) مثل فرخ

طار ووقع من وكره فتلاعبت به الصبيان‏» ((459)). وفي روايتي ابي بصير عن الامام الصادق (ع) اللتين قدمناهما

آنفا تحت عنوان (انتظار الفرج) يتبين لنا الاتجاه الذي اراده

الائمة من اهل البيت (ع) في فترة الانتظاربسبيل ايجاد

القاعدة الموطئة لظهور الامام (ع)، وقد ذكر المحدثون من

المسلمين سنة وشيعة: ان الرسول (ع) بشر بطائفة من الامة

يوطؤون للمهدي (ع) ويكونون من‏انصاره وقد عقد السلمي الشافعي المتوفى سنة 685 الباب الخامس من قلائد الدرر

لايراد ما جاء حول ذلك ((460)).

ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن معاذ

بن جبل رحمه اللّه قال: قال رسول اللّه (ص): «لا تزال طائفة

من امتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من‏ناواهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال‏» ((461)).في رواية مسلم عن جابر بن عبداللّه بعد صدر الحديث

(ظاهرين الى يوم القيامة) ((462)).

يقول الاستاذ الحجة الشيخ محمد رضا المظفر قدس اللّه نفسه:

«ومما يجدر ان نعرفه في هذا الصدد ونذكر انفسنا به انه: ليس

معنى انتظار المصلح المنقذ المهدي (ع) ان‏يقف المسلمون مكتوفي الايدي في ما يعود الى الحق من دينهم، وما يجب

عليهم من نصرته والجهاد في سبيله، والاخذ باحكامه، والامر

بالمعروف والنهي عن المنكر.بل المسلم ابدا مكلف بالعمل بما

انزل من الاحكام الشرعية وواجب عليه السعي لمعرفتها على

وجهها الصحيح بالطرق الموصلة اليها حقيقية، وواجب عليه ان

يامربالمعروف، وينهي عن المنكر ما تمكن من ذلك وبلغت اليه

قدرته (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته) ((463)). ولا

يجوز له التاخر عن واجباته بمجرد الانتظارللمصلح المهدي

والمبشر الهادي (ع) فان هذا لا يسقط تكليفا ولا يؤجل عملا»

. ((464))