البحث الثالث: الامام المهدي (ع) وعقيدة
الرجعة ((588))
ترتبط عقيدة الرجعة لدى الامامية الاثني
عشرية بالامام
المهدي المنتظر (ع) شخصا، وزمانا،
وامرا..، من دون اختلاف
بينهم في ذلك على ان الاراء المطروحة
فيمعناها عندهم ثلاثة:
الراي الاول: والقائلون به قلة منهم:
«قول قوم تاولوا ما ورد في
الرجعة فراوا بان معناها رجوع الدولة
والامر والنهي الى اهل
البيت (ع) بظهور الامام المنتظر (ع)
دونرجوع اعيان الاشخاص، واحياء الموتى» ((589)). وذكر الشيخ الطبرسي والحر
العاملي رحمهما اللّه: «ان سبب
قولهم بهذا الراي انهم ظنوا ان الرجعة
تنافي التكليف ((590))
بفهم ان موتهم ورؤيتهم العالم الاخر لا
تجعلامامهم مدى او فرصة في غير الطاعة... وان التكليف يقتضي الاختيار، وهو
منتف بالنسبة لهم كما ظنوا ورد عليهم بان
الامر ليس كذلك.
لانه كما يقول الشيخالطبرسي: ليس فيها
ما يلجى الى فعل الواجب والامتناع عن القبيح، والتكليف يصح معها كما يصح مع
ظهور المعجزات الباهرة والايات القاهرة
كفلق البحر وقلب
العصاثعبانا وما اشبه ذلك» ((591)). ويعني،
رحمه اللّه، ان هذه الايات تعطي اليقين بصدق الرسل، وبالتالي صدق انذارهم كما هي
الرجعة، ومع ذلك فان الاختيار
والقدرة على مخالفة التكليف لم يسلبا
منمشاهديهما بشهادة الواقع.
والحقيقة ان هناك فرقا كبيرا بينهما لو
ان الراجع من الموت
فقط تذكر ما راى بعده بوضوح شان المسافر
والراجع من سفره
في عالم الدنيا، لان الرؤية الحسية
والتجربةتعطيان تحققا وطمانينة لدى بعضهم اكثر مما هو البرهان العقلي مباشرا
او غير مباشر، ربما بسبب التذكر لما
شاهده بيسر وحضور الواقع
فيها من دون كلفة وبوضحخلافا للاخر. وفي
قوله تعالى لابراهيم (ع) حين طلب احياء الموتى:
(اولم تؤمن فقال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي)
[البقرة: 260]
شاهد على ذلك، وان اعطيت الاية تفسيرا
آخر، لكن استبطان
الانسان لحالته بين الحس والبرهنة
العقليةيعطي ما اشرنا اليهمن الفرق حتى مع التساوي في الاثبات، ثم لان هناك من
لا
يفرق بين المعجزة والسحر. وكان خوف موسى،
كما ورد في
تفسير قوله تعالى: (فاوجسخيفة موسى)
[طه: 67]، بسبب ذلك، وربما كان سيتحقق خوفه لولا سجود السحرة انفسهم.
وفي قوله تعالى: (ولو فتحنا عليهم بابا
من السماء فظلوا فيه
يعرجون لقالواانما سكرت ابصارنا بل نحن
قوم مسحورون)
[الحجر: 15] شاهد آخر على ذلك، وان
الواقع التاريخي
والحاضر يقدمان شواهد كثيرة على عدم
تفرقة العامة من
الناسبين المعجزة والسحر. لكن الراجع من
الموت لا يذكر من تجربته في الحياة الاخرى
الا كما يذكر الحالم في النوم من حلمه،
او لا يتذكر شيئا على
الاطلاق، فهو لا يشعر بالزمن ولا بتفاصيل
ما مربه من احداث،
ولا يصحب حالته السابقة فيها، وفي قوله
تعالى: (ويوم تقوم
الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة)
[الروم: 55]. وقوله
تعالى: (ولو ردوا لعادوا لمانهوا عنه)
[الانعام: 28]. شاهد كاف
لما ذكرناه،...
وسواء كان الامر كذلك ام لم يكن، فان ما
رآه الطبرسي والحر
العاملي رحمهما اللّه من عدم علاقة
الاختيار الذي يصحح
التكليف باليقين امر حق، والا كان
الرسلواوصياؤهم (ع) مجبورين ولا احد يقول بذلك.
ان اليقين والعلم يعطيان العصمة التي
تعني اختيار الطاعة من
دون ان تعني الجبر او انتفاء القدرة على
المقابل حتى ولو لم
يفعله بحكم هذا العلم، شان الطبيب الذي
يعلمالاثار الضارة لبعض المواد والافعال مثلا، فيتجنبها بحكم هذا العلم مع
قدرته على الفعل.
وقد نوقش اهل هذا الراي، اعني التاويل
لمعنى الرجعة، بعد
ابطال حجتهم كما مر بمناقشات منها:
اولا: بان اكثر ما ورد فيها نصوص في
معناها كما سياتي بعضها
في ما يساق من الكتاب او السنة وليس من
الظواهر، ولذلك فلا
سبيل الى تاويلها بوجه.
ثانيا: اجماع الامامية الاثني عشرية على
معناها من دون تاويل
والعلم بامتداد هذا الاجماع الى عصر
المعصوم (ع) ودخوله فيه
مما يوجب حجيته، وسياتي الحديث عنذلك. الراي
الثاني: ان الامام المهدي المنتظر (ع) هو من يرجع بعد
ان توفاه اللّه ورفعه اليه شان المسيح
(ع)، ليمكث في الارض
بعد نزوله مرة اخرى المدة التي يشاء
اللّهللقيام بالمهمة
المنوطة به.
ذكر الشيخ الطوسي رحمه اللّه ان الامام
(ع)، كما ورد في بعض
الاخبار: «يموت ثم يعيش او يقتل ثم
يعيش» ((592)). وذكر من هذه الاخبار ما رواه الفضل بن شاذان عن موسى بن
سعدان عن عبداللّه بن قاسم الحضرمي عن
ابي سعيد
الخراساني قال: قلت لابي عبداللّه (ع)
لاي شيء سميالقائمقال (ع): لانه يقوم بعد ما يموت، انه يقوم بامر عظيم، يقوم
بامر
اللّه.
ومنها ما روي عن محمد بن عبداللّه بن
جعفر الحميري عن
ابيه عن يعقوب بن يزيد عن علي بن الحكم
عن حماد بن
عثمان عن ابي بصير قال: سمعت ابا جعفر
(ع) يقول:مثل امرنا
في كتاب اللّه مثل صاحب الحمار، اماته
اللّه مئة عام ثم بعثه.
ومنها ما روي ايضا عنه عن ابيه عن جعفر
بن محمد الكوفي
عن اسحاق بن محمد عن القاسم بن الربيع عن
علي بن حطاب
مؤذن مسجد الاحمر قال: سالت ابا عبداللّه
(ع):هل في كتاب
اللّه مثل للقائم (ع)؟ فقال (ع): نعم آية
صاحب الحمار اماته اللّه
مئة عام ثم بعثه .((593))
وهناك روايات اخرى.
وقد اضاف بعضهم الاخبار التي تضرب للامام
المهدي (ع) مثلا
بعيسى (ع) الذي «قالوا عنه مات ولم يمت»
كما ورد في حديث عن الامام الباقر (ع) ((594)) او«وقدر غيبته تقدير غيبة
عيسى»، كما ورد عن الامام الصادق (ع)
((595)). مع ان القرآن قد نص على وفاته، قال تعالى: (اذ قال اللّه يا
عيسى اني متوفيك ورافعك الي) [آل عمران:
55].
وقال تعالى: (واذ قال اللّه: يا عيسى بن
مريم اانت قلت للناس
اتخذوني وامي الهين من دون اللّه. قال:
سبحانك ما يكون لي
ان اقول ما ليس لي بحق ان كنت قلته
فقدعلمته... (الاية الى قوله)... وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت
انت الرقيب عليهم وانت على كل شيء شهيد)
[المائدة: 116 و117].
بل ان القرآن نفسه قال، في آية ثالثة، ما
يشير الى ان عيسى لم
يمت قال تعالى: (وان من اهل الكتاب الا
ليؤمنن به قبل موته)
[النساء: 159] وهذا ما لم يتم قطعا
فيوفاته الاولى فقد كان مطاردا مضطهدا حتى حاولوا صلبه لولا انه شبه لهم.
ولذلك لا بد، للجمع بين الايتين
السابقتين وبين هذه الاية،
من ان يكون المقصود فيها موته الثاني لدى
نزوله الى الارض
مرة اخرى مع الامام المهدي (ع) وصلاته
خلفهكما سبق الحديث عنه في البحثين: الاول والثاني من الفصل الاول، وهو
ما لا خلاف فيه لدى المسلمين فقد روته
جميع الصحاح.
فيكون الحديثان السابقان: الحديث الذي
قال انهم قالوا: «مات
ولم يمت» والاخر الذي عبر عن موته
بالغيبة. وتكون الاية التي اغفلت وفاته الاولى التي لم يؤمن له فيها اهل
الكتاب متجاوزة الوفاة الاولى الى
الثانية التي ستكون بعد
النزول... وقد نظر فيها الى ان حقيقة
الموتليست اعداما ولا انقطاعا، وانما هي انتقال الى مستوى سماوي تنتفي فيه
الحاجة الى الجسد فالحياة قائمة بعده،
ولذلك قال تعالى: (وان
الدار الاخرة لهي الحيوان)[العنكبوت:
64].
وبهذا الاعتبار فكانه مع كونه لم يكن.
قال الامام علي (ع) ان
الرسول (ص) قال: «يموت الميت منا وليس
بميت ويبلى البالي
وليس ببال» ((596)). وبناء عليه فان شان
الامام المهدي المنتظر (ع) بحكم
التنظير والتمثيل بعيسى (ع) لا بد من ان
يكون كشانه في
ذلك.
ومثل ذلك الاحاديث التي تضرب مثلا لطول
عمره بالخضر (ع)
فان الاحاديث، والقصص الواردة في حياته
مع عدم رؤيته
وتمثله وغيابه تشهد جميعا انها حياة
سماويةروحية... وما اكثر ما يروي اهل الكشف والصوفية لقاءه بهم وتعليمه اياهم.
اما لماذا خصوا الامام المهدي وعيسى
والخضر (ع) بالحديث
عنهم كاحياء من دون غيرهم من الانبياء
والرسل والائمة
الاخرين مع انهم احياء سماويا وروحيا كما
هم،فالجواب ان
ذلك بحكم ان لهم ادوارا ارضية، او تعلقا
وارتباطا بمهمات
رسالية استمرارا بالفعل كما هو بالنسبة
للامام المهدي (ع)
والخضر (ع) او في المستقبل كما هوبالنسبة
لعيسى (ع) لدى
نزوله، ولهذه الخصوصية اكدوا على حياتهم
من دون الاخرين
ليفهم الناس الذين يتصورون الموت انقطاعا
بقاء صلتهم
بالارض. والا فان الرسلوالاوصياء
واولياء اللّه من اتباعهم شهداء او كالشهداء احياء عند ربهم يرزقون، وفي الزيارة
«اشهد انك
تسمع الكلام وترد الجواب». ويبدو ان هذه
المشكلة لا تاتي من قضية الموت والحياة بما
هما في ذاتهما وانما من مفهومهما لدى
العامة من الناس، طبقا
للواقع المادي النسبي، لذلك فالقول انه
ماتوانه في الوقت نفسه حي صحيح بالمفهوم الحقيقي لهما، كما تدل النصوص
الواردة في ذلك في الكتاب والسنة، وكما
يدل الواقع الذي
يعرفه الروحيون قدماءومحدثين.
بقي ان اللّه تعالى ذكر ان بين الاموات
او المنتقلين الى الدار
الاخرة، وبين اهل الدنيا بحكم الرتبة
اللامادية للحياة السماوية
برزخ يمنع على المستوى العام امكان
الصلةبينهم قال سبحانه: (ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون) [المؤمنون: 100].
لكن الثابت ايضا ان ما هو ممنوع على
المستوى العام ليس
ممنوعا على المستوى الخاص. والصلة حاصلة
تاريخيا وفي
الواقع كما يذكر العرفانيون
والبارسايكولوجيون اما بتمثل اهل الحياة السماوية (بشرا سويا) [مريم: 17] منظورا
((597))
او بعروج اهل الارض الى آفاقهم ((598)).
وفي القرآن الكريم
وفي السنة الشريفة ما يدلعلى وقوع هذه
الصلة بصورتيها. ولذلك لا مجال، مع انفتاح هذه الصلة، للاشكال بما اثبته العقل
والنقل من عدم خلو الارض من حجة، الامر
الذي يقتضي بقاء
الصلةبالامام المهدي (ع) لان بقاء الصلة
لا يقتضي قطعا بقاءه بالجسد المادي فان الصلة والتسديد والرعاية والتعليم لا تفرض
ذلك كما هو الامر بالنسبة لجبرائيل مثلا
(ع) معالرسل... ولذلك فهذا الراي لدى من يتبناه لا ينافي ما ورد من كون
الامام (ع) حيا، ولا ينافي اضطلاعه بشؤون
الامامة بالحدود
التي تكون في الغيبة، ولا ينافي
ظهورهالمنتظر كما هو الامر في المسيح (ع).
وقد ذكروا ايضا ان الدنيا، كما ورد في
الحديث، سجن المؤمن
وجنة الكافر، وبقاء الامام (ع) فيها
منتظرا مهمة ارضية قرونا لا
يعلم احد عددها قد لا يناسب منزلته
معامكان عودته متى شاء، اذا كان اللّه اراد له ذلك.
قد يكون موتهم اراديا
قالوا: وقد يكون انتقال الامام (ع)
والخضر (ع) وعيسى (ع) الى
المستوى السماوي او موتهم اراديا لا
طبيعيا استثناء من
القانون العام، وان الخالع لجسده او
الميت بارادتهيملك ان يرجع متى شاء، والخروج من الجسد او العروج الى الرتب
السماوية خصوصية يملكها الرسل والانبياء
واوصياؤهم (ع)
بالدرجة الاولى مع اجتباء وعصمة...وفي
حديث الرسل (ع)
وحديث سيدهم رسول اللّه محمد (ص) وما ورد
عن الائمة من
اهل البيت (ع) شواهد على ذلك.
ويملك الحكماء الكبار مع اختلاف في
الدرجة تتحدد بمبدا
الذات ومعادها اصلا... هذه الخصوصية
كذلك.
وقد نقل العلامة الشيخ مرتضى رحمه اللّه
ان الفيلسوف
الاشراقي السهرودي قال: «نحن لا نعتبر
الحكيم حكيما حتى
يستطيع بارادته ان يخلع بدنه فيصبح ترك
الجسمبالنسبة اليه امرا عاديا، وسهلا بل يصبح ملكة له..».
قال: «وينقل نظير هذا عن الحكيم المحقق
المير الداماد»
. ((599))
ويتحدث عدد كبير من الفلاسفة والعرفانيين
والمتصوفة
((600)) والبراسايكولوجيين المعاصرين عن
تجارب كثيرة
توجب، لتواترها وخضوع بعضها للتحقيق،
القطعبصحتها اجمالا . ((601))
ونقل الطبرسي عن بعضهم ان عيسى لم يمت
وانه رفع الى
السماء من غير وفاة وتعرضوا لتاويل
الايات الواردة في موته
بالحمل على وفاة النوم.. ((602)).
قالوا: وان كون حياة الامام (ع) كحياة
الخضر او كحياة عيسى
سماوية من غير ان يستوجب ذلك انقطاع دوره
الحاضر بوصفه
امام الزمان او المستقبل لما انيط به من
دورعظيم في الظهور
يمكن ان ينهي او يقرب وجهات النظر في بعض
ما يتصل بشانه
(ع).
اولا: لان اغلب المسلمين يؤمنون بحياة
الخضر (ع) ونزول
عيسى (ع) كما ذكرنا، فيكون شان الامام
(ع) في ذلك
كشانهما ويكون انكار بقائه وظهوره بهذه
الصورة تفرقةدونما اساس.
ثانيا: يفسر لنا هذا الراي اقتران نزول
المسيح (ع) بظهور الامام
المهدي (ع) ربما للصورة المشتركة في
المجيء عن العالم نفسه وبالكيفية نفسها ولرسالة واحدة.
ثالثا: يفسر لنا ايضا ما ورد من تسمية
الامام (ع) في الاخبار ب
«النذر الاكبر»، او بالقيامة الصغرى او
الساعة... وان من الامور
الكائنة في ظهوره لبوث الفلك او
بطءدوران الكواكب في مجموعتنا حول نفسها مما ينشا عنه طول الايام والشهور
والسنين حتى ان السنة لتساوي سبع سنين او
عشر سنين،
ويشير بطء دوران الكواكب حولنفسها وحول
محورها الىضعف مقاومتها لجاذبية المركز، وبالتالي قرب ارتطامها
ببعضها، وقد سجل علم الفلك فناء بعض
المجرات ووقوع
قيامتها، وسجل فناء بعضالمجاميع الشمسية
في مجرتنا. فهو النذر الاكبر من حيث ما يؤديه من رسالة بصورة رجوعه
وبتعليمه معا بعد طول الامد وقسوة القلوب
وقرب القيامة
الكبرى وابتداء البعث جزئيا.
رابعا: يدعم ما اشرنا اليه ما ذكره الشيخ
المفيد رحمه اللّه من
«ان اكثر الروايات تشير الى انه لن يمضي
صاحب الامر (ع) الا
قبل القيامة باربعين يوما يكون فيها
(يعنيولايته (ع)) الفرج، وعلامات خروج الاموات، وقيام الساعة للحساب والجزاء.
خامسا: ربما وان كان قد قدمنا لذلك
تفسيرا آخر يتصل
باسباب التقدير ((603)) ان ذلك هو السبب
وراء عدم التوقيت
وقول من سئل منهم (ع) عن ذلك: انه
(ع)كالساعة لا يجليها
لوقتها الا هو.
سادسا: ان ذلك ايضا يكشف لنا الفرق بين
غيبته الصغرى التي
كان يمكن للخلص من شيعته خلالها الصلة
به، والتشرف
بخدمته، حتى وصل عدد من احصوهم ممن
رآه(ع) في اثنائها
وهي (74) عاما، (304) اشخاص، كما قدمنا،
وبين الغيبة
الكبرى التي قررنا، باعتبار من جاء الى
شيعته فيها مدعيا
المشاهدة، كذابا مفتريا.
سابعا: وبذلك ايضا نستطيع ان نفهم سر
امكان اجابته لمن
استشفع به او استنجد به من المؤمنين
اينما كانوا في البر
والبحر ووراء الاسوار كما ورد في القصص
التي قالالشيخ النوري رحمه اللّه في جنة الماوى انها متواترة توجب القطع،
وكيف انه كما بينا في بحث «الغيبة
الكبرى» تحت عنوان «هل يعني ذلك امكان المشاهدة؟»،انه يظهر فجاة، ويغيب فجاة بل
يتحول بعد التمثل الى نور لا يرى ثم
يختفي ((604)) وقد يرى
من قبل بعضهم فقط بالجلاء البصري او
السمعي او القلبي،
وفي ما نقلناهعن ابن طاووس ما يشير الى
شيء من ذلك مما لايمكن تصوره لو كان في جسده المادي.
ثامنا: يفسر لنا ذلك لماذا جعل الامام
(ع) له قنوات خاصة
محدودة للصلة تتمثل بخاصة اوليائه الذين
هم اخص من
خاصة شيعته، بحكم توفر الشروط الخاصة
فيهم مندون غيرهم كما سبق في البحث المشار اليه آنفا.
تاسعا: يعطي هذا الراي دليلا مضافا
للرجعة يتصل بدليل ظهور الامام (ع) ونزول عيسى (ع) ويجعلها مفهومة اكثر مما لو
كانت
لمجرد عقوبة ومثوبة بعضهم، مما يمكنتحقيقه
بالبعث الشامل.
وعلى كل حال، فان جميع ما ذكرناه هنا لا
يعني القطع بهذا
الراي بل ولاحتى ترجيحه على الراي الذي
يقول: انه حي
بالحياة الارضية وبجسده المادي كما هم
بقية الناس،فوقوع
هذا تحت القدرة الالهية كذاك من غير فرق،
واهل الايمان باللّه
لا يرون ان احد الامرين اقرب من الاخر
لديهم من هذه الجهة...
والحكم الحق في ذلك الى الادلةالنقلية
عن اهل البيت (ع)، فاذا قضت باحدهما فهو الحق، وانما اطلنا الوقوف عنده لورود
الاخبار فيه عنهم (ع) ولانه كان موضع
مناقشة بيني وبين
بعض الاخوان، فاردتان اجلوه بما يرفع
الشبهة فيه في قضية حياة الامام (ع) واستمرار امامته وظهوره وانه لا ينافي شيئا
من ذلك والا فهو اعني وفاته بالصورة
الاولى، اي الطبيعة، مما
رفضهالعلماء وعامة الشيعة في الراي
المشهور عندهم. اما الصورة الثانية، اعني ما يسمى: الموت الارادي، فهو لا يختلف
عن الراي المشهور بشيء، ولذلك بنينا
الكتابعرضا واستدلالافي الفصول السابقة على الراي الاخر الذي هو المشهور
المتسالم عليه لدى علماء الامامية، رحمهم
اللّه، الذين ناقشوا ما
ورد من الروايات في وفاة الامام(ع)
واولوها.
قال الشيخ الطوسي رحمه اللّه، بعد ان ساق
بعض الاخبار التي
ذكرناها اساسا لهذا الراي: «فالوجه في
هذه الاخبار وما شاكلها
ان نقول بموت ذكره، وباعتقاد اكثر الناس
انهبليت عظامه، ثم يظهره اللّه كما اظهر صاحب الحمار بعد موته الحقيقي، وهذا
وجه قريب في تاويل الاخبار على انه لا
يرجع باخبار آحاد لا
توجب علما عما دلت العقولعليه وساق
الاعتبار الصحيح اليه وعضدته الاخبار المتواترة التي قدمناها بل الواجب التوقف في
هذه والتمسك بما هو معلوم» ((605)). قال:
«وانما تاولنا بعد تسليم صحتها (اي الاخبار الواردة في
ذلك) على ما يفعل في نظائرها».
قال: «ويعارض هذه الاخبار ما ينافيها»
((606)).
ورغم اننا لا نشارك الشيخ، رحمه اللّه،
رايه في كون هذا التاويل
قريبا بل لا مجال لقبوله في بعضها وان
الدليل العقلي الذي
عضدته الاخبار المتواترة والذي يعني به
عدمخلو الارض من حجة لا يصلح للمعارضة، بعد اثبات امكانية الصلة المفتوحة
بينه وبين اهل الارض رغم حياته السماوية.
ولا يصلح للمعارضة ايضا التعبير بالغيبة
الذي ذكره بعض
الاعلام لصحة اطلاقها على المتوفى، وقد
وردت عنهم (ع) في
شان عيسى (ع) كما تقدم، ولكن الذي
يصلحللمعارضة ما اشار اليه رحمه اللّه في آخر كلامه في ذلك، وهو وجود الاخبار
المنافية، كتلك التي تبدو صريحة في كون
حياته (ع) حياة
ارضية وبجسمه المادي، ومنهاالتي تضرب له
في طول عمره
مثلا بنوح (ع)، وتلك التي تقول انه يحضر
مجالسهم ويمشي
في اسواقهم، وانه لا يبقى احد حين يخرج
الا قال: قد رايته
وغير ذلك مماذكرنا بعضه في البحث الثاني
من الفصل الاول،
ولان الموت بصورته الاولى اي الموت
الطبيعي ينافي بقاء
التكليف كما قال بعض الاعلام والاضطلاع
بالامامة التيهي مهمة مستمرة للامام (ع) تكليف لا مجال لبقائه معه.
الراي الثالث في الرجعة: ما ذكره استاذنا
المظفر رحمه اللّه،
وهو «ان اللّه تعالى يعيد قوما من
الاموات الى الدنيا في صورهم
التي كانوا عليها فيعز فريقا، ويذل
فريقا،ويديل المحقين من
المبطلين، والمظلومين من الظالمين، وذلك
عند قيام
المهدي من آل محمد عليه وعليهم افضل
الصلاة والسلام، ولا
يرجع الا من علت درجته فيالايمان، او من
بلغ الغاية من الفساد، ثم يصيرون بعد ذلك الى الموت، ومن بعده الى النشور
وما يستحقونه من الثواب والعقاب)
((607)).
قال رحمه اللّه: «والقول في الرجعة يعد،
عند اهل السنة، من
المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها، وكان
المؤلفون منهم
في رجال الحديث يعدون الاعتقاد بالرجعة
منالطعون في الراوي والشناعات عليه التي تستوجب رفض روايته وطرحها.
ويبدو انهم يعدونها بمنزلة الكفر والشرك
بل اشنع، فكان هذا
الاعتقاد من اكبر ما تنبز بهالشيعة
الامامية، ويشنع به عليهم».قال: «ولا شك ان هذا من التهويلات التي تتخذها الطوائف
الاسلامية في ما غير ذريعة لطعن بعضها في
بعض، والدعاية
ضده» ((608)). ومن المؤسف ان ما اشار
اليه الشيخ ما زال مستمرا رغم انا في عصر يسر سبل التحقيق والمعرفة واعطى كما
يفترض من سعة الافق لدى اهله ما يجعلهم اقرب الىالعدل والموضوعية، ولا نريد ان
نعد اسماء، فضع يدك على من شئت ممن كتب من
غير الامامية عنهم في التاريخ والعقائد
والفرق.
لقد خلط بعضهم بين الرجعة وبين التناسخ
ولا صلة بين
الاثنين فالتناسخ «هو انتقال النفس من
بدن الى آخر منفصل
عن الاول». اما الرجعة فتعني معادا
جسمانيا خاصا ومحدودا يسبق المعاد
الجسماني الشامل لكل الاموات، ومن يعود
فيها يعود بشخصه
وبكل خصوصياته واوصافه البدنية
والنفسية((609)).
وارجع بعضهم قول الشيعة الامامية فيها
الى التاثر باليهود كان
وحدة بعض الافكار والمفاهيم بين الاديان
السماوية
ومصدرها واحد الا ما حرف منها امر يعز
على الفهموكانه لا يفسر الا بتاثر هذه بتلك، وهو جهل وسوء فهم لا يغتفر، فنحن
نقول، مثلا، ان موسى وعيسى رسولان من
اللّه ونؤمن بما جاءا
به من عند اللّه.. لان ذلك هو الحق
كماجاء به كتابنا ونبينا من
دون تاثر باحد، وتلك كهذه من غير فرق.
والاشكال لدى من لا يؤمن بالرجعة، كما
يفرض حسن الظن
لا يرد من جهة كونها مستحيلة، او غير
مقدورة للّه تعالى، والا
كان المشكل كافرا باللّه تعالى،
ومكذبابكتابه،فقد تحدث الكتاب
عن وقوعها جزئيا في الماضي، وتحدث عن
وقوعها في
المستقبل ثم ان القول بعدم امكانها يعني
الكفر بالمعاد، وهو
اصل من اصول الدين لدىالمسلمين من دون
خلاف. واذا فالاشكال انما يرد فقط من تصور عدم وجود دليل قاطع
على وقوعها قبل المعاد او الحشر، ولذلك
فسنذكر، في ما ياتي،
من الادلة على ذلك في الكتاب والسنة مالا
يوجد بعضه في
كثير من المسائل التي يراها اكثر
المسلمين جزءا لا يشكون
فيه من الدين وبما نرى انه كاف لرد
القائل فيها دونما علم
وان اغلب هؤلاء بل كلهم آمهما كبروا
القابا وشهرة ناقلون لا
محققون كما سيثبت لك بالمقارنة بين ما
قالوه في الرجعة
وبين ما يسوقه الامامية من الادلة عليها
في الكتاب والسنة
الواردة عن اهلالبيت (ع).