|
طبيعة هذا الدين
أوّل انعكاسات هذه القضية أمر يتّصل بفهمنا لطبيعة هذا الدين. ويبدو لي الآن أنّ الأخطاء التي ارتكبها البسطاء من الناس في طريقة فهمهم لفلسفة رسالة السماء تجد مصدرها حين نصير للحديث عن قضية الزعيم المحتجب. فإنّه تحت وطأة الضربات التي سدّدت للوجود الإسلامي عموماً، وللوجود الشيعي بالخصوص بوصفه القاعدة الحصينة والأساسية لهذا الدين. وبفعل المردود النفسي الذي يخلّفه الانهزام في كل مرّة، طاب لعدد من الناس أن ينفضوا أيديهم ورؤوسهم من غبار المعركة، ثم يمسحوها بمناديل الانهزام، تاركين الساحة خلف ظهورهم، قائلين مقالة من سبقهم: )فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُوُنَ([4]. لكن جماعتنا هؤلاء كانوا أكثر حياءً من أن يفوهوا بهذا القول، الذي اتّخذه القرآن مثلاً، غير أنّك لو دخلت قلوبهم لم تجد سوى هذا المنطق بدلاً، فقد عقدوا نيتهم عليه في الوقت الذي غامرهم الخجل من أن تنطق به شفاههم. كيف أصبح هؤلاء يفهمون الدين؟ وأيّ نمط من المعاذير يتمحّلون بها؟ إنّ علينا ـ لكي نفهم تصوّرهم ـ أن ننصت لحكايتهم: إنّ لهذا الدين ربّ يحميه. وإيّاك أن تلقي بنفسك في التهلكة. وإنّ ما عليك ليس إلاّ السكوت، لأنّ الناس مخادعون يراوغون، فاحذر أن تثق بهم وتعتمد عليهم. والعدو شرس فتّاك لا يرحم، وما عددنا إلاّ قليل. وإذا كان الله قد وعد بنصرة هذا الدين فلا داعي للقلق على مصيره، ولا تقدّم نفسك ضحية. والحسين عليه السلام حينما ثار كان إماماً معصوماً، تأتيه الأوامر من الله ولسنا مثله، فليس علينا جهاد، ولا تضحية. إنّ واجبنا أن ندعو بالفرج، ليظهر قائم آل محمّد صلى الله عليه وآله، ويؤدّي مسؤوليته. وإذا اشتدّت علينا العوادي، فإنّ علينا أن نشتد في الدعاء، قابعين في البيوت. وإذا رأيت بعض الناس يدافع عن الحق، فاحذر أن يستهويك، فتلك فتنة، وقد قال علي عليه السلام: "كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب"[5]. ويواصلون حكايتهم: إنّنا نريد الشهادة مع صاحب الزمان، فنحن لا نهاب الموت، وإنّما نطلب أن نموت مع الإمام لا مع غيره، فنحن هاهنا منتظرون. تلك حكايتهم، ولا أشك أنّ مثلها يروق لقلوب النساء. وحين كنت أكتب هذه الحكاية مرّ في ذكري موقف يشبه هذه الحكاية: إنّه موقف " أبي موسى الأشعري" الوالي على الكوفة، حين بويع لعلي عليه السلام. فلقد أوعز الإمام علي عليه السلام إلى الناس أن يتجهّزوا لحرب معاوية، ومضى الناس يتجهّزون، أمّا الأشعري فقد كان شديد الامتناع عن التجهّز، وليته خلّى السبيل لغيره، لكي يخرجوا للحرب، ولم يقم فيهم خطيباً وهم حشود، يخذّلهم عن نصرة علي، حتى أرسل الإمام عليه السلام الحسن وعمّار والأشتر فنحّوه عن ولايته. لقد كانت حجّة الأشعري أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ستأتي عليكم الفتن القاعد فيها خير من القائم!! لكن مالك الأشتر سحبه من يده قائلاً: إن كنت سمعت ذلك فنحن لم نسمعه. الحقيقة أنّ هذا الدين رسالة السماء لأهل الأرض، ولابن الأرض. وعلى ابن الأرض ـ لا على ابن السماء ـ تقع مسؤولية نصرة هذا الدين. إنّ هذا الدين هو المنحة الإلهية التي سخت بها يد السماء لتضعها في يد البشر، وعلى هذه اليد أن تحتفظ بهذه المنحة، وتدفع عنها بكل سخاء. إنّ ابن الأرض هو الذي يحدّد مصير هذا الدين، كما يحدّد مصير أيّ مبدأ من المبادئ. فهذا الدين ذو طبيعة بشرية، وأقصد أنّه لا يعتمد ـ بالأساس ـ في تقرير مصيره على الغيب، وعلى جنود السماء، إنّما أبطال الأرض هم وحدهم الذين أنيطت بهم مسؤولية تقرير مصير ومستقبل هذه الرسالة. وحينما هبطت رسالات السماء على الرسل والأنبياء، عرفوا جيداً أنّ عبء المسؤولية صار في أعناقهم، وانطلقوا من هذه المعرفة لمصارعة الباطل ومطاردته، مهما كلّفهم ذلك من تضحيات. إنّ من الخطأ الفاحش أن ننتظر من الملائكة الهبوط إلى الأرض، وترسيخ دعائم الدين. ولو كان هذا الانتظار صحيحاً لكان من العبث والغباء أن تعرق جبين واحد من الأنبياء والأولياء من أجل دفع العجلة إلى الأمام وإفساح المجال أمام الحق ليغطّي أكبر مساحة ممكنة من الأرض ومن البشر. في الوقت الذي نرى في طول تأريخ الأديان أنّ أتباع الدين هم الذين يكتبون مستقبله، من خلال الصراع العنيف مع جيش الضلال. } وَلَوْ يشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ{[6]. وحينما نمشي مع طريقة العجائز في فهم طبيعة هذا الدين، نجد أنفسنا قد ارتكبنا عدّة هفوات. وسوف نصطدم بأكثر من تشريع، وبأكثر من آية قرآنية. إنّ تشريع الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يدلّل على الحقيقة التي شرحناها. والقرآن صريح جدّاً في هذه الحقيقة, حيث يقول: } وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيْعٌ..{[7]. وتأريخ الأديان حافل بالصراع الإنساني من أجل الحق. أمّا هؤلاء الذين يريدون أن يصادروا هذا الدين من البشر، ويسلبوهم حقّ تقرير مصيره، ويرفعوا عنهم مسؤولية الانتصار له، فأنا لا أدري بأيّ عين ينظرون إلى التأريخ، وكيف يفهمون الإسلام بوصفه رسالة للبشر؟! وأنا أفهم أنّ الحسين عليه السلام، وعلياً عليه السلام ، ومحمّداً رسول الله صلى الله عليه وآله، كان معصوماً، لكن من يقول لي: هل كان أبو ذر، وحجر بن عدي، وسليمان بن صرد، والتوّابون، وزيد بن علي، والنفس الزكية، وميثم التمّار... معصومين؟! صحيح أنّ الإمام كان معصوماً، فهل أنّ الجهاد والدعوة والتبليغ من مختصّاته وواجباته وحده؟ أليس كلّفنا القرآن بالاقتداء بهم، أم كان ذلك فارغاً من أيّ معنى؟ وإذا كان الله قد وعد بنصرة هذا الدين، فإنّ ذلك لا يكون مبرّراً لتقاعسنا، ولا يبرّئ ساحتنا. فالنصر الإلهي ليس مطلقاً وبلا حدود. وإنّما مشروط بتجهيز قوانا أوّلاً من أجل الحق. والتقدّم لنصرة كلمة الله في الأرض. } يا أيُّها الّذِيْنَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أقْدامَكُمْ { [8]. أمّا إذا كانت أقدامنا لا تشاء إلاّ الهزيمة فهل يقسرها الله على الثبات؟
* * *
وإذا كان هذا الدين يتطلّب تضحيات، فهل يجوز لنا أن لا نميّز بين التضحيات والتهلكات، فنزعم أنّ كل تضحية هي تهلكة؟ إنّ من حقّي أن أسأل: لماذا اختصّت هذه القاعدة بنا، نحن أتباع الدين، فصارت التضحية بالنسبة لنا تعني التهلكة؟ أكان ذلك من شؤم الأديان، أم من سوء حظّّها العاثر!! إنّ الدفاع عن المال والنفس والعرض لم يعتبر في الإسلام تهلكة، فهل يكون الدفاع عن كلمة الله تهلكة؟ ففي الحديث عن الصادق عليه السلام: "من قتل دون ماله فهو شهيد"[9]. ولو شئت أن أشرح الفرق بين التضحية والتهلكة لقلت ـ رغم أنّي أجد أنّ أبسط الناس يفهم هذا الفرق، سوى الذين لا يريدون أن يفهموا ـ: حينما يكون الإقدام بلا نتيجة وبلا عطاء فذاك تهلكة وخسارة. وحينما يكون الإقدام مصدر خير وعطاء وأرباح فذاك تضحية وليس تهلكة. وفي ضوء هذا المقياس لم تكن شهادات أبطال الإسلام على طول التأريخ القاسي تهلكة, لأنّها وحدها التي حصّنت هذا الدين من التحريف، ومصادرة السلطات الغاشمة له. بينما كان منطق أبي موسى الأشعري، تخاذلاً، ونكوصاً، وإجراماً.
* * *
والتقية... هل هي لغز لا نفهمه؟ إنّ كل مذهب، وكل حركة سياسية حين تجد أنّها غير قادرة على تحصين قواعدها ووجودها إلاّ بأن تعيش تحت الأرض، وتعمل تحت جنح الظلام، وبعيداً عن عيون الأعداء، فإنّها ستفعل ذلك ريثما تستعد للبروز على الساحة يوماً ما. التقية ليست لغزاً لا يمكن كشف القناع عنه. إنّما هي العمل في السر، ومواصلة الجهد في خفاء. فهي موقف إيجابي وليست موقفاً سلبياً. وهي مبدأ عام تلتزمه كل المبادئ، وكل الحركات، وحينما يكون الإسلام قد أقرّه فإنّ علينا أن نفهمه بالصيغة التي شرحناها. أمّا أن نجعل منه حجّة للتخاذل والانهزامية، فإنّنا سنرتكب خطأ في فهمنا لهذا المبدأ. التقية لا تعني أن نتخلّى عن العمل والمسؤولية. وإنّما هي أسلوب من أساليب العمل والعطاء والجهاد. ففي حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "المؤمن علوي ـ إلى أن قال ـ والمؤمن مجاهد, لأنّه يجاهد أعداء الله عزّ وجل في دولة الباطل بالتقية، وفي دولة الحق بالسيف"[10]. فالتقية إذن أداة في عملية الجهاد، وأسلوب من أساليبه. وهذا الأسلوب المرحلة هي التي تقرّره، فهذا أسلوب غير ثابت وإنّما تفرضه المرحلة، وترفعه المرحلة أيضاً. " التقية في كل ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به" هكذا حدّث الإمام الباقر عليه السلام [11]. ولقد تورّط كثيرون ـ بعمد أو بغير عمد ـ في مخالفة هذه الحقيقة. وفي الحديث: أنّ الرضا عليه السلام جفا جماعة من الشيعة وحجبهم، فقالوا: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ما هذا الجفاء العظيم، والاستخفاف بعد الحجاب الصعب؟
قال: لدعواكم أنّكم شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وأنتم في أكثر أعمالكم مخالفون، ومقصّرون... وتتّقون حيث لا تجب التقية، وتتركون التقية حيث لا بدّ من التقية"[12]. والذين يطيب في أفواههم طعم كلمة التقية، دافعين عن أنفسهم ما تخفيه من الجبن، والانهزامية، وروح الخذلان، هؤلاء.. كم تكون كلمة الجهاد مرّة في مطعمهم، وربّما ودّوا لو كانت هذه الكلمة محذوفة من قاموس الإسلام. والذين ينتظرون الفرج وهم في أحضان نسائهم سيكونون أوّل المتخاذلين عن القائد المنتظر يوم يهفّ إليه الرجال الأبطال، وعساهم يقولون يومذاك: إنّ من حوله من الرجال يكفيه! ما أكثر من يطلب الشهادة بين يدي القائد المنتظر، محتجباً عن العمل الإسلامي، بعيداً عن الساحة، مبرّراً موقفه بالتقية، لكن الإمام الصادق عليه السلام يشرح لك حقيقة هؤلاء، فيقول: " وأيم الله لو دعيتم لتنصرونا، لقلتم لا نفعل إنّما نتّقي، ولكانت التقية أحبّ إليكم من آبائكم وأمّهاتكم، ولو قد قام القائم ما احتاج إلى مسائلتكم عن ذلك، ولأقام في كثير منكم من أهل النفاق حدّ الله "[13]. إنّ موقف اليوم يدلّّل على موقف الغد. ومن يخاف حرّ السيف، فإنّه لا يفرق عنده كان الإمام معه أم لم يكن! أليس يشبه منطق هؤلاء، منطق بني إسرائيل في الحكاية التي نقلها عنهم القرآن الكريم؟ } أَلَمْ تَرَ إلى المَلأِ منْ بَنِي إسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى؟ إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبيلِ الله
قالَ: هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألاّ تُقاتِلوا!؟ قالوا: وما لَنا ألاّ نُقاتِلَ في سَبِيلِ الله، وَقَدْ اُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأبْنائِنا؟ فَلمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَولّوا إلاّ قَليلاً مِنْهُم، والله عَليِمٌ بِالظالمِين{[14]
* * *
إنّّ مبدأ "التقية" مبدأ صحيح، ولكن يجب أن نستعمله بالطريقة التي قدّمها لنا أهل البيت عليهم السلام لا بطريقة أخرى. والقيادة الإسلامية هي التي تشخّص لنا المرحلة والموقف، وليس مصالحي الشخصيّة أو حالاتي المزاجيّة! وإذا كانت المرحلة هي مرحلة عمل وعطاء ودفاع عن الدين, فإنّه سوف لا يكون من حقّنا الانسحاب عن المسؤولية بحجّة التقيّة.
* * *
والآن أصبح من حقّنا العودة إلى قضية الإمام المنتظر عليه السلام. فلقد قلت: إنّها ترتبط بشكل وثيق بفهمنا لطبيعة هذا الدين. إنّ قضية القائد المنتظر تدلّل على أنّ طبيعة هذا الدين طبيعة بشرية. وإنّ تقرير مصير هذا الدين ومستقبله وتحديد ظروفه بيد البشر أنفسهم، وخاضع لمقدار الجهد المبذول في هذا السبيل } إنّ الله لا يُغَيّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ {[15] لقد اضطرّ الإمام المهدي عليه السلام للاختفاء، وتغييب وجهه عن الساحة، وما زالت الظروف السياسية تفرض عليه ذلك إلى أن يحين موعد الفرج العظيم. والسؤال الآن: بماذا نفسّر هذه الغيبة ؟ وما الذي تعبّر عنه؟ الإمام هنا تفاعل مع الظرف السياسي، واضطر للاختفاء تحت تأثيره. فلقد عجزت قوى التشيّع عن تحصينه وحفظ سلامته، بينما كانت قوى الانحراف تشدّد قبضتها، وتواصل مطاردتها للوجود الشيعي. وهنا وجد الإمام أنّه لا بدّ من الاختفاء! من قرّر هذا المصير للإمام؟ إنّّ حصيلة الصراع بين طرفي القوى البشرية، بين أتباع الحق، وجيش الباطل، هي التي فرضت هذا المصير. ولو كان تقرير مستقبل هذا الدين لا يخضع لقوى البشر بمقدار ما يخضع لقوى الغيب وجند السماء، فهل كان الإمام سيضطر إلى أن يغيب؟ أليست كانت قوى السماء قادرة على حمايته، ودرء الخطر عن وجوده، فيمارس نشاطه العلني بكلّ أمان؟! لقد مرّ الوجود الديني بعدّة منعطفات، حسب ما تفرضه طبيعة الصراع في ضوء حدود القوى المناصرة والمعادية، وكان احتجاب القائد المنتظر واحداً من تلك المنعطفات، وبالطبع كان خاضعاً أيضاً لظروف المرحلة، وإيديولوجيّة العمل فيها. إنّ النصر قد يأتي من السماء، وقد تتدخّل يد الغيب ضمن ضوابط يأتي الحديث عنها، إلاّ أنّ ذلك على العموم لا يؤتي نصراً مجانياً وبغير ثمن. إنّ راية هذا الدين يحملها الإنسان، وعلى الإنسان نفسه أن يكافح من أجل نصرها وعزّها، ولا ينتظر من السماء أن تمنحه النصر إلاّ بعد أن يقدّم كل جهوده، ويستنفذ آخر طاقاته. ومرّة أخرى نسأل: لماذا لا يخرج القائد المنتظر؟ أليس في ذلك شهادة على أنّ مصير هذا الدين يحدّده أتباعه أنفسهم؟ ومن حيث إنّنا نمرّ بظرف سياسي لا يسمح بانتفاضة القائد المنتظر، فقد ظلّّ محتجباًً إلى الوقت الذي تتجهّز قوى الحق للاكتساح العام الشامل والنصر المبين، وعسى أن يكون ذلك قريباً.
طبيعة التدخّل الإلهي
في تأريخ الأديان على العموم، نجد ظاهرة ترتسم على أكثر من صفحة، وتتكرّر أكثر من مرّة، هذه الظاهرة هي ما نطلق عليه " ظاهرة التدخّل الإلهي"[16]. فرغم أنّ طبيعة هذا الدين بشريّة ـ كما أسلفنا القول فيه ـ إلاّ أنّنا ما نزال نرى صوراً عديدة للتدخّل الإلهي في تقرير مصير هذا الدين. قصّة إبراهيم عليه السلام صورة من صور التدخّل الإلهي، حيث أضحت النار برداً وسلاماً على إبراهيم. وقصّة موسى عليه السلام هي صورة أخرى لهذا التدخّل، حيث انفلق له البحر، بينما غرقت فيه جنود فرعون. ومن تلك الصور، قصة محمّد صلى الله عليه وآله وهو مختف في الغار حين هاجر إلى المدينة، فالعنكبوت التي نسجت بيتها، والحمامة التي وضعت بيضها لتغطية وجود محمّد صلى الله عليه وآله ما هي إلاّ تعبير عن التدخّل الإلهي في تقرير مصير هذا الدين. وعلى طول التأريخ نلتقي بنماذج من هذا التدخّل. وقضية الإمام المنتظر نفسها واحدة من هذه الصور والنماذج، كما سنرى في ختام هذا الحديث. الحديث الآن عن طبيعة هذا التدخّل وحدوده. هل يخضع لضوابط معيّنة؟ وإذا كان فما هي تلك الضوابط؟
*
* * دعنا نرجع في فهم الموضوع أكثر إلى استعراض بعض صور التدخّل الإلهي، التي نلتقي بها في تأريخ الأديان. واحدة من تلك التدخّلات قصّة إبراهيم عليه السلام. لقد وجدنا كيف امتدّت يد الغيب لتنقذ إبراهيم عليه السلام من موت محتم. فالنار التي أعدّت له ها هو يسقط في أعماقها، وها هي ألسنة النار المرتفعة تجرّ إليها إبراهيم. إنّه لا يملك شيئاً في الحال. ولو اجتمع الإنس والجن على أن ينقذوه وهو يرتمي في أحضان تلك النار لما وجدوا لذلك سبيلاً. هنا تدخّلت السماء وتدخّل الغيب ليحمي هذا النبي من لهب النار، فكانت عليه برداً وكانت عليه سلاماً. ولكن كيف حدث ذلك، وضمن أية ظروف؟
أوّلاً: لقد دعا إبراهيم قومه. أوضح لهم سبيل الحق، وكشف لهم زيف الباطل. تحمّل في ذلك كل عناء، وتجرّع كل مأساة. ولكن إصراره على الدعوة كان يواجه إصراراً على الباطل، وعناداً عن الحق. ماذا يصنع إبراهيم؟ لقد استخدم كل وسيلة، وهاهم يبتعدون عنه إلى غير رجعة. خابت آمال إبراهيم، فأشاح عنهم بوجهه, وإنّه ليقول: } أُفٍّ لَكُمْ وَلما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، أَفَلا تَعْقِلُون {[17]. فهنا جهاد غير يسير، وعناء غير قليل، وعمل دائب متّصل لم ينقطع عنه إبراهيم.
ثانياً: ولقد ظلّ إبراهيم وحده، لم يستجب له من قومه حتى الأقربون: لا يملك جنداً، ولا يملك أتباعاً. هو وحده في المسير الصعب، لا أحد يخلفه في المسير إذا هو انتهى. وها هو الآن وشيك أن تأكله النار. لقد كان يعني موت إبراهيم موت الدعوة كلّها. ولقد كان ارتحاله يعني ارتحال شريعة الله من الأرض. هنا جاء النداء: } يا نارُ كُوني بَرْداًً وَسَلاماًً على إِبْراهيِمَ {[18]، وتدخّل الغيب فسجّل كلمته في أفق الكون. }وأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرين{[19]. إنّ هذا العرض يكشف لنا عن ضابطين في التدخّل الإلهي: الأوّل: أن تبذل قوى الحق آخر إمكانياتها، وتدفع إلى الصراع كل طاقاتها، لا تكسل، ولا تقعد، ولا تعترف للجبن، ولا تخلد إلى راحة. الثاني: أن تصل قوى الحق إلى الطريق المسدود، ويتعذّر عليها أن تحمي وجودها، وتدفع عنها شبح الموت الساحق. حينذاك يكون الظرف قد حان لتدخّل غيبـي مباشر، فحين تعجز جنود الأرض، تشترك جنود السماء.
* * *
ومهما مشينا في دراستنا لنماذج التدخّل الإلهي فإنّنا سنعثر على هذين الضابطين. خذوا قصّة موسى... كم دعا موسى قومه؟ وكم هي الأتعاب التي تحمّلها في هذا السبيل؟ إنّ شيئاً من طاقته لم يبق جامداً، لقد استنفذ كل ما عنده في سبيل الحق، ولم يؤمن له من قومه إلاّ القليل. لقد طاردهم فرعون إلى عرض البحر، حتى لقد استراب أصحاب موسى، وملكهم القلق: } فَلَمّا تَرائَى الجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسَى إنّا لمَُدْرَكُونَ، قال كلاّ إنّ مَعي رَبِّي سَيهْدينِ {[20]. انظروا إلى الثقة التي يتحدث بها موسى، فهو عارف بأنّ جماعته لا يمكن أن تسحق، فضوابط التدخّل الإلهي متوفّرة. إنّه دعا قومه، ولم يأل في ذلك جهداً. وإنّ جبهته اليوم على خطر، ولئن سحقت لا يخلفها أحد في الطريق. فالقضاء عليها كان يعني القضاء على الحق كاملاً. ولقد استبان للغيب أنّ موسى صائر إلى الموت، لو لا أن تدركه رحمة من ربّه، فجنود فرعون على الأثر، وما موسى ومن معه إلاّ قليل. وهنا قيل لموسى: } اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلّ فِرْقٍ كالطَّودِ العَظِيم. وَأزْلَفْنا ثَمّ الآخرين
وأنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أجْمَعِينْ، ثُمّ أغْرَقْنا الآخَرين{[21].
* * *
ومن تأريخ الإسلام، وتأريخ الرسول الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله نقتطع أكثر من قضية برز فيها التدخّل الإلهي واضحاً. ففي معركة بدر كان وعداً إلهياً قاطعاً قد تجسّد.
} بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا، ويأتُوُكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يمُدِدْكُمْ رَبّكُمْ بِخَمْسَة آلافٍ مِنَ الملائِكَةِ مُسَوّمين[22]{ ونزلت جنود السماء لتقطع طرفاً من الذين كفروا، أو تكبتهم فينقلبوا خائبين. لقد كانت الثقة تملأ قلب رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو يعرف ضوابط التدخّل الإلهي. فالمسلمون جهّزوا بسخاء كل قواهم لمواجهة المعركة، والدخول فيها. ولقد كانوا من قبل قد أبلوا بلاءً حسناً في تحمّل مسؤولية الدعوة وتثبيت دعائم هذه الرسالة الجديدة. وهم اليوم في أخطر مواجهة. عددهم لا يتجاوز الثلاثمائة إلاّ قليلاً. وعدّتهم تقلّ فيها السيوف، ويكثر فيها سعف النخيل. وعرف الله منهم الإخلاص، فهم يحملون في صدورهم إيماناً لا يثنيه شيء. وعزماً لا يزعزع منه خوف. والمواجهة خطرة، خطرة. والقوى غير متكافئة. ولئن خسر المسلمون اليوم، لن يبقى لهم على الأرض وجود. فهي معركة حياة وموت. لقد رفع رسول الله صلى الله عليه وآله صوته داعياً ربّه: " إن تهلك هذه العصابة لا تعبد"[23]. إنّ محمّداً صلى الله عليه وآله في هذا الدعاء يعلن عن توفّر ضوابط التدخّل الإلهي. فلقد وصلت قوى الحق إلى نقطة الحسم، وها هي عاجزة عن المواجهة لولا أن تسعفها السماء بالعون. إنّ أحداً لن يبقى ليواصل المسير لو هلكت هذه العصابة. فهم كل ما يملك الإسلام من جند، ونبيّهم معهم. فمصير الرسالة يتحدّد في هذه السويعات المعدودات. ومن هنا كان واثقاً بالنصر، كل النصر. وهبط الملائكة آلافاً مردفين، وصدق الله وعده، وهزمت فلول الشرك.
* * *
إنّ الآية نفسها تشرح لنا ضوابط التدخّل الإلهي لقد قالت: } إنْ تَصْبِرُوا، وَتَتّقُوا..{. وهذا هو الضابط الأوّل. أن يصبر المؤمنون على البلاء. يعدّوا عدّة الجهاد. يسيروا أبطالاً متمرّسين، غير عابئين بسوى الله والحق في دروب التضحية. } وَيَأتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا..{. تلميح بالضابط الثاني. أن يصير الحق في محنة، وأن يقع موقع الحرج. أن تنفذ من المسلمين آخر طاقة، ولا يعودوا قادرين على حفظ الرسالة.
فالمعركة بالنسبة لهم مفاجئة، وورطة، وجيوش الشرك لا قبل لهم بها. حينذاك: } يُمْدِدْكُم رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مَنْ الملائِكَةِ مُسَوِّمين {.
* * *
هناك آية أخرى احتوت ضوابط التدخّل الإلهي وحدوده، ففي سورة الأنفال قال تعالى: } الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ، وَعَلِمَ أنّ فِيكُم ضَعْفاً فإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مائةٌ صابِرَةٌَ يغْلِبُوا مائَتَيْنِ، وإنْ يَكُنْ مُنْكُم ألْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذْنِ الله، واللهُ مَعَ الصّابِرين {[24].
متى جاء هذا القرار الإلهي؟ لقد جاء هذا القرار بعد أن علم الله صدق النية، من خلال التضحيات والبطولات التي جسّدها المسلمون بكل صبر وبسالة. وبعد أن علم الله أنّ طاقات المسلمين محدودة، والقوى التي تشترك في المعركة غير متكافئة، فالمسلمون قلّة في العدد، وضعاف في العدّة. بينما المشركون أضعافهم عدداً وعدّة. إذن فالمسلمون بحاجة إلى عون.
لا يمكن أن يتركوا لوحدهم، وإلاّّ اصطلمهم العدو، وسحقهم، وبذلك تسقط راية الحق إلى الأبد. حينذاك أعطي هذا القرار، وهبطت إلى مسامع وأفئدة المسلمين بشرى تزف إليهم النصر. إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين. لأنّ اليد الإلهية تشترك معهم في المعركة، والعزيمة تنفثها السماء في جنود الأرض، ليقلعوا أعمدة الشرك، ويزعزعوا حصونه وقواعده بإذن الله، والله مع الصابرين.
* * *
وفي آية النصر يتّضح جداً الضابط الأوّل للتدخّل الإلهي.
} إنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ { فالنصر الإلهي ليس مطلقاً، وبلا ضابط. النصر الإلهي رهين بأن يقدّم أنصار الحق أوّلاً كل طاقاتهم من أجل نصرة الحق، وضمان حياته. النصر الإلهي رهين بأن يتقدّم أنصار الحق خطوات، ويزجّوا أنفسهم في قلب المعركة، ومن ثمّ يثبّت الله الأقدام، وينصر جيوش الحق. ومن الخطأ أنّ نفهم التدخّل الإلهي بوصفه عملاً ارتجالياً لا يخضع لقانون. وأكثر منه خطأ أن ننتظر في معركة الحق أن يهبط علينا الجند من السماء، ونحن قابعون في البيوت، وأن ينصرنا الله قبل أن ننصر رسالته، وأن يثبّت أقدامنا قبل أن نتقدّم بها في طريق النضال.
* * *
ولنعد الآن إلى قضية الإمام المهدي عليه السلام. كيف تمثّل هذه القضية صورة من صور التدخّل الإلهي؟ وهل توفّرت فيها شروط قانون التدخّل ؟ إنّ غيبة الإمام المهدي، وإفلاته من المطاردة الشديدة، لم يكن أمراً طبيعياً، وبالأخص لشخص لا يجاوز عمره خمس سنوات. كما أنّ امتداد هذه الغيبة لمئات من السنين هو الآخر ليس طبيعياً، ولا ميسوراً ضمن الظروف الاعتيادية. ومن هنا فالقضية في فهمنا تعكس تدخّلاً إلهياً. إنّها قضية إعجاز، وتجاوز لقوانين الطبيعة المألوفة. ولست هنا بصدد البرهنة على معقولية هذا الإعجاز، فما دمنا نضع هذه القضية في قائمة قضايا التدخّل الإلهي، والإعجاز الغيـبي، إذن لم يعد غريباً أو معسوراً، أن تحقق القدرة الإلهية هذا النمط من الإعجاز. فالقدرة الإلهية لا تضيق ولا تعجز عن الامتداد بعمر شخص إلى آلاف السنين. أليست القدرة الإلهية هي التي أنطقت عيسى وهو في المهد؟! وحافظت على حياة أهل الكهف أكثر من ثلاثمائة عام، دون أن ينالوا فيها طعاماً أو شراباً؟!. أليست القدرة الإلهية هي التي عرجت بالنبي محمّد إلى السماء، ورفعت عيسى من عالم الشهادة إلى عالم الغيب واختفى على الناس؟ إذا كنّا لا نجد حرجاً في التصديق بكل ذلك، فإنّه ليس من حقّنا أن نتحرّج في قبول قضية القائد المنتظر، فهي صورة من صور الإعجاز، بل ومن أبسط تلك الصور. ومهما يكن فما أقصده الآن بالحديث هو التعرّف إلى الظروف التي دعت إلى هذا التدخّل. هل توفرّت ضوابط التدخّل الإلهي في هذه القضية؟ الحقيقة هي ذلك. فمن جانب كانت القوى الشيعية المناصرة للإمام عاجزة كل العجز عن حمايته، وتحصين وجوده. ومن جانب آخر فإنّ خط التشيع الذي يمثل الإسلام الأصيل لم يعد قادراً على تحمّل نكبة جديدة، بفقدان زعيمه الإمام المعصوم، فلا أحد يمكن أن يخلفه في هذه الزعامة، ويكون بمستوى المرحلة الحرجة. فلم يكن رجال الشيعة آنذاك مهيّئين في كافّة المجالات للقيادة والزعامة. والظروف الحرجة العصيبة التي كانت تحيط بالتشيّع تتطلب قيادة في قمّة النضج، والاستيعاب، أو بالأحرى قيادة معصومة،وهذا ما لم يكن متوفراً لدى أحد من رجال الشيعة. ومن هنا كان لا بد أن يبقى الإمام المهدي وراء الخطوط، وإلاّ فإنّ التشيع كان قريباً إلى التفتيت. لكن في ذات الوقت كان الوضع السياسي، وحالة المطاردة العنيدة لا تسمح للإمام أن يبرز تحت الشمس، لا بدّ أن يعمل تحت الستار.
وهكذا كانت الضرورة تقضي على الإمام بما يلي: إنّ عليه أن لا يترك الخط الشيعي، بل يبدأ بتجهيز وخلق القادة الأكفّاء لمواصلة العمل، وللقيام بمهام القيادة جميعاً، وفي خلال هذا الوقت يكون الإمام قد مشى بالتشيّع شوطاً آخر، يسمح له بترك القيادة ظاهراً لهؤلاء. ومن ناحية ثانية فإنّ عليه أن يمارس هذا العمل في خفاء، وبعيداً عن عيون الرقابة المنتشرة. وهذا ما تحقّق تأريخياً. ففي عهد الغيبة الصغرى التي دامت أكثر من سبعين عاماً، توفّر الإمام خلالها على تهيئة القدرة لدى الخط على تحمل مسؤولية القيادة تماماً. في الوقت الذي كان يمارس قيادته طوال هذه الفترة متستّراً، وعن طريق نوّابه الأربعة: عثمان بن سعيد. محمّد بن عثمان الخلاّني. الحسين بن روح. علي بن محمّد السمري.
* * *
كيف لم يكن رجال التشيع قادرين على قيادة الخط لوحدهم؟ كما حدث ذلك فيما بعد، في عهد الغيبة الكبرى، حيث بدأ فقهاء الشيعة يمارسون قيادة الخط بالاستقلال؟! إنّ الإجابة التفصيلية على هذا السؤال تفرض عليّ تناول الوضع التأريخي للتشيع، وطبيعية المرحلة يومذاك. غير أنّي سأوجز حديثي هنا لأقول: إنّ حالة الإرباك السياسي، واستخدام كل أساليب القمع والتصفية، ومطاردة الوجود الشيعي في كل الأصقاع، وتحت كل ظل، لم يكن يسمح بنمو قيادات شيعية بارزة، ومتمكّنة من تجاوز كل هذه الصعوبات، والتغلّب على كل هذه المحن، وعدم الانصدام نفسياً والانهيار تحت هذه الضغوط. ومن زاوية ثانية فإنّ الكفاءة العلمية بالمستوى القادر على مواجهة الأسئلة الكثيرة والمستجدة،وعلى كل الثغرات، أمر لم تتّخذ له تدابير سابقة. وفي مجموع هذه الملابسات كانت حياة الإمام عليه السلام مهدّدة بالخطر. ولو لم تقدّر له الغيبة، والخلاص من مخالب القوى المعادية، لكانت ساعة الموت قد أزفت بالنسبة للمذهب كله، وبذلك تسقط آخر قلعة من قلاع الإسلام، التي ظلت محافظة على وجودها طوال هذه الفترة. إذن فقد كان التدخّل الإلهي أمراً حتمياً، من أجل صيانة خط التشيع. وبالفعل فقد ضاع الإمام المهدي عليه السلام على الخصوم، بينما ما برحت اتصالاته برجال التشيع غير منقطعة قرابة سبعين عاماً. وقد كانت هذه الاتصالات بما تحمله من توجيه علمي، أو سياسي، بمثابة الهواء الذي تتنفسه رئة التشيع، ومن دون ذلك فإنّ شجرة التشيع المهزوزة يومذاك لم تكن قادرة على الثبات في الأرض أمام الهزات العنيفة.
* * *
والتدخّل الإلهي لا يتجسّد فقط في غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه. إنّ نهضته المظفّرة في اليوم الموعود مدعومة بيد الغيب، مسدّدة بنصر السماء. لكن متى يكون هذا التدخّل ؟ ومتى يكون ذلك النصر؟ إنّه يخضع لنفس القانون الذي شرحناه في التدخّل الإلهي حينما تقذف جبهة الحق كل عدّتها. وحينما يتفاعل المؤمنون في معركة الحق، ويبذلون بسخاء كل الإمكانيات، ويرحّبون بكل التضحيات. غير كاسلين، ولا جازعين. يدافعون عن الحق بكل قوّة، وكل حرارة،وكل إخلاص. يتقدّمون بالراية خطوات، يثبتون الأقدام في المواقع. لا ترهبهم كثرة العدو، ولا توهن من عزمهم قلة الصديق. هم أصدقاء الحق، والحق وحده. وحين تنتهي طاقتهم، ويحتاجون إلى عون السماء يتدخّل الغيب. } حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوُا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنا [25] { هذا هو قانون التدخّل الإلهي.
وفي ضوء هذا القانون تَتحدّد النهضة الكبرى لقائدنا المنتظر.
* * *
لقد بقي علينا سؤال واحد ما هو سرّ بقاء الإمام حياً إلى اليوم؟ ما هو العطاء الذي تقدّمه هذه القضية؟ وما أرجوه الآن هو السماح لي في تأجيل الإجابة عن هذا السؤال إلى فصل لاحق، ريثما نواصل ـ فعلاً ـ الحديث عن انعكاسات قضية القائد المنتظر.
|
||