توطيد الصلة مع القائد المنتظر:

 

وثالث الأمور التي علينا توطيد صلتنا مع الإمام المغيّب بواسطتها:

 ربط قلوبنا به.

التعاطف مع قضيته.

استشعار وجوده، وحياته.

الدعاء له بالفرج، والأمان والقرار والنصر العاجل.

الحديث معه، والشكوى إليه، كما لو كان أمامنا.

ولقد حدّثتكم فيما سبق عن عطاء هذا الاتصال، ومردودات هذا الارتباط.

إنّ مضامين هذا الارتباط كثيرة.

وسأنقل لكم بعض الصور الحيّة من هذا الارتباط.

هذه الصور الحيّة تجدونها في الأدعية والمناجاة، والزيارات.

لقد وضعها لنا أهل البيت لتعريفنا بطريقة التعامل مع قائدنا المنتظر.

ومهما أبلغ في القول، فإنّي لا أستطيع أن أجسّد لكم الحالة النفسية التي يستشعرها من يمعن في تلكم الأدعية، والمناجاة.

ذلك ما أتركه إليكم، وإلى ممارستكم، أمّا هنا فاستعرض معكم بعض تلك المضامين، بما تحدثه من مردود نفسي عميق.

 

 

تجديد البيعة

 

" اللّهم إنّي أجدّد له في هذا اليوم، وفي كل يوم عهداً، وعقداً، وبيعةً في رقبتي".

" اللّهم إنّي أجدّد له في صبيحة يومي هذا، وما عشت من أيامي، عهداً وعقداً وبيعة, له في عنقي لا أحول عنها، ولا أزول أبداً ".

ماذا تعني هذه البيعة؟

وما يعني هذا العهد والعقد؟

البيعة هنا تعني أنّك ما تزال على درب الحق، مصمّماً على المضي فيه، لا تميل عنه، ولا تتّخذ من دونه بدلاً.

فأنت تعرف قيادتك الحقيقية.

وأنت تعرف أنّك على جادّة الحق المنشود.

فتصمد أمام تيارات الانحراف، أمام اتجاهات الضلال.

من اليمين جاءت أم من الشمال.

أمام كل دعوة غريبة، لا تنتمي إلى جبهة الحق.

أنت لا تعترف بأي قيادة أخرى.

أنت رافض، وكلّّك رفض لقوى الشر والاعتداء في الأرض، المقنّعة بالحرير الأملس.

لا تضع يدك بيد كل أحد سوى قيادتك الرشيدة.

ولا تنتمي إلى أي جبهة سوى جبهة القرآن.

إنّ في عنقك بيعة.

وأنت عضو في جبهة، تحت قيادة صاحب الوعد الإلهي القاطع.

إنّ اتجاهك الذي أنت عليه هو الحق وحده، فلا يأخذك شك ولا يحلّ لك أن تستريب

" أشهد يا مولاي أنّك والأئمّة من آبائك أئمّتي ومواليّ في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد".

" اللهم صلّ على وليّك وابن أوليائك الذين فرضت طاعتهم، وأوجبت حقّهم، وأذهبت عنهم الرجس، وطهرتهم تطهيراً".

إنّك تؤكّد عهدك، وتجدّد عزمك، في هذه الكلمات.

 

 

الرغبة في دولة الإسلام:

 

" اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد، وأنجز لوليّك ما وعدته.

اللّهم أظهر كلمته، واعل دعوته وانصره على عدوّه وعدوك يا رب العالمين.

اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد وأظهر كلمته التامة. اللّهم انصره نصراً عزيزاً، وافتح له فتحاً يسيراً. اللهم وأعزّ الدين به بعد الخمول. اللّهم املأ به الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت ظلماً وجوراً"

" اللّهم إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله".

هذا الدعاء.. ليس فقط دعاء.

وإنّما هو دعاء وهو في ذات الوقت شدّك إلى الإسلام وتوثيق علاقتك به.

وحينما تنشدّ إلى القيادة الإسلامية الرشيدة، المتمثلة في شخص القائد المنتظر، فإنّك بذلك ترتبط بالإسلام وتنشدّ إليه.

فالقضية أوّلاً وأخيراً هي قضية الإسلام.

وأنت في هذا الدعاء تنفتح على الإسلام، فترى الظلم متسلّطاً في كل مكان وفي كل حكومة وتحت كل راية، سوى حكومة الإسلام، وراية الإسلام، ودولة الإسلام.

تلك هي الدولة الكريمة، التي تجسّد كلمة الله في الأرض.

أنت، وأنا، وكل مؤمن، نرغب من الأعماق في تلك الدولة الكريمة لأنّنا نجد فيها العدالة، والمثل الإنسانية وكل خير.

ونحن لا نريد الظلم، بل نريد العدالة.

نريد أن تملأ الأرض بالقسط والعدل، وينزاح كابوس الظلم، الذي يخنق أبناء آدم في كل الأرض.

هذه صورة من طبيعة الدعاء للقائد المنتظر

 

دعوة إلى المشاركة

 

"اللّهم..

اجعلني من أنصاره وأشياعه والذابّين عنه.

اجعلني من المستشهدين بين يديه.

طائعاً غير مكره.

في الصف الذي نعتّ أهله في كتابك فقلت } صَفّاً كَأَنّهُم بُنيانٌ مَرْصَوص [67]{.

"اللهم..

اجعلنا في حزبه، القوّامين بأمره، الصابرين معه.

اجعلنا ممن تنتصر به لدينك، وتعز به وليك.

ولا تستبدل بنا غيرنا، فإنّ استبدالك بنا غيرنا عليك يسير وهو علينا كثير..".

هو وإن كان دعاءً لكنه يعلّمك شيئاً كثيراً من مواصفات الرجل الرسالي.

هو دعاء.. لكنه يعلّمك أنّك مدعو إلى المشاركة والنصرة والتضحية.

العزلة لا مجال لها.

السكون ليس موقف الرجل الرسالي.

كن من أنصار الحق، والدعاة للحق.

لا يسبقك الآخرون فتندم يوم لا ينفع الندم.

} إلاّّ تَنْفِرُوُا يُعَذّبْكُمْ عَذاباً ألِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمَاً غَيْرَكُم.. ْ{[68]

ذلك على الله يسير.

لكنّه يجب أن لا تختاره لنفسك، ولا لوجودك.

يجب أن يكون عليك كبيراً أن تتراجع عن الحق، ويتقدّم غيرك.

كن في صف المناضلين.

في صف الذين لا يخافون في الله لومة اللائمين.

في حزب الله، وحزب القائد المنتظر.

جندياً في الإقدام والبسالة.

قدوة للآخرين.

صابراً على تعب المعركة، وعنائها.

هكذا يعلّمنا الدعاء.

أرأيت حيوية هذا الارتباط بالقائد المنتظر؟!

أنت تدعو.. وأنت تتعلّم في وقت واحد قيم الإسلام، وشرف معركة الإسلام.

 

أنت تدعو.. وأنت تسمو، وتزداد يقيناً وإصراراً على الحق.

 ذلك هو الدعاء العظيم.

 

رفض الطواغيت

 

"اللّهم..

قوّ ناصريه

واخذل خاذليه

ودمدم من نصب له

ودمّر من غشّه

واقتل به جبابرة الكفر، وعمده، ودعائمه

واقسم به رؤوس الضلالة، وشارعة البدع، ومميتة السنة، ومقوية الباطل.

وذلّل به الجبارين.

وأبر به الكافرين، وجميع الملحدين، في مشارق الأرض، ومغاربها، وبرّها، وبحرها، وسهلها وجبلها، حتى لا تدع منهم ديّاراً، ولا تبقي لهم آثاراً.

طهّر منهم بلادك، واشف فيهم عبادك..".

الإسلام يرفض الظلم، والجبابرة، والطواغيت.

والتشيع وحده هضم من الإسلام هذه الخصلة، لأنّ التشيع هو الإسلام بدون تحريف.

ولقد ضرب التشيّع مثلاً رائعاً في الإباء.

وبقي القاعدة الحصينة التي لم تستسلم.

لا يجوز الاستسلام للظلم، ولا السكوت عنه.

لا تربط بيننا وبينه مودّة، ولا عاطفة.

ولئن عجزنا يوماً عن ضربه، فإنّنا لا ننسى بغضنا له، ولا ننسى الرجاء في أن يزول، وتمور به الأرض موراً.

حتى في الدعاء والمناجاة نجسّد إباءنا، وبراءتنا.

إنّنا أحرار ... نعمّق ذلك ونؤكّده حتّى في الدعاء.

لكي نتذكّر دائماً الخصلة التي شرّفتنا، وميّزتنا عن أناس صالحوا الظلم، وخدموه، وهم يدّعون الإسلام.

هذا الدرس تجده في مناجاتك للقائد المنتظر.

فأي مناجاة هذه التي تحوي روائع الدروس.

 

علاقة مودّة

 

أيّها القائد المنتظر

" هل إليك ـ يا ابن أحمد ـ سبيل فتلقى؟

 هل يتّصل يومنا منك بعدة فنحظى؟

متى نرد مناهلك الروّية فنروى؟

متى ننتقع من عذب مائك فقد طال الصدى؟

متى نغاديك ونراوحك فنقرّ عيناً؟

متى ترانا ونراك؟

وقد نشرت لواء النصر..

هذه المناجاة المملوءة بالحب والمودّة، والحنان.

 هذه المناجاة التي هي أشبه بالشعر، وليست بشعر.

هذه المناجاة التي تسكب في النفس أعمق معاني الودّ والإخلاص.

هل تفاعلت معها، لتشعركم تحدث فيك انقلاباً؟

إنّ علاقتك بقائدك المغيّب ليست فقط علاقة هدف، ومبدأ وقيادة.

وإنّما لا بد أن تعيش في نفسك الحب العميق لهذه القيادة.

حتى تحن إليها كما تحن إلى أغلى شيء في حياتك.

إنّها قيادتك التي تنتظر يومها السعيد.

إنّها معقد آمالك.

إنّها تكمن لك الحب والاحترام والتقدير.

إنّها تعيش همّك ومأساتك.

إنها تحمل إليك معنى الأبوّة.

لكنّها مضطرة إلى الاحتجاب عنك.

وهي تشكو من لوعة هذا الاحتجاب.

تنتظر ساعة لقائها مع قواعدها وأنصارها ومحبّيها تحت لواء النصر.

المناجاة هذه المرّة تعطيك شحنة عاطفة وحب.

ترضي خاطرك وتهدّئ عليك من اللوعة.

ما أحلى هذه المناجاة!!

 

 

ثانياً: العمل على صعيد الخارج

 

لقد كان ما مضى حديثاً عن العمل على صعيد ذواتنا، واستطعنا أن نعطي بعض الأضواء حول طبيعة هذا العمل.

السؤال الآن:

ما هو عملنا على صعيد المجتمع والأمّة.

ما هو الدور الذي يجب أن ننفّذه في عملية التمهيد للدولة الإسلامية الكبرى، تلك الدولة التي نقترب يوماً بعد يوم من بزوغ فجرها الأصيل.

أي موقف نتّخذه في داخل جبهتنا، وبعضنا مع البعض الآخر؟

ثم أيّ موقف نتّخذه مع الآخرين من غير جبهتنا؟

إنني ما زلت أشعر بصعوبة الوغول في هذا البحث، وأجد أن ليس بالإمكان إلاّ إعطاء بعض الخطوط العريضة.

ثم إنّي أحاول أن استلهم هذه الخطوط من توجيهات قادتنا أنفسهم، الأئمّة من أهل البيت، ومن مدرسة القرآن، ومحمّد صلى الله عليه وآله.

 

وفي هذا الضوء فإنّ بالإمكان أن نؤكّد على ثلاث من مهامّنا:

 


(67) الصف (61) : 4.

(68) التوبة (9) : 39.