الأربعون
في
المهــدي
عجل اللّه تعالى فرجه
و قصة الجزيرة الخضراء
السيد جلال الموسوي
بِسْمِ اَللَّهِ
الْـرَّحْمنِ اَلْـرَّحِيْمِ
اَللّهُمَّ
كُنْ لِّوَلِيِّكَ اَلحُجَّة بنِ اَلحَسَنِ صَلَواتُكَ عَلَيهِ وَ عَلى آبائِهِ في
هذِهِ اَلسّاعِةِ وَ فى كُلِّ ساعَة وَلِيّاً و حَــافـِظـاً وَ قـائِـداً وَ
نـاصـِراً وَ دَلـيـلاً وَ عَـيـنـاً حَتّى تُسكِنَهُ اَرضِكَ طَوعاً وَتُمَتِّعَهُ
فيها طَويلاً بِرَحمَتِكَ يا اَرحَمَ اَلرّاحِمينَ
الإهداء
اليك يبن السّادة المــقـرّبـيــن
يبن النجباء الاكرمـيـــن
يبن الهداة المـهديــيــن
يبن سيدة نساء العالمين
ايها المهدي اهدي هذا الجهد المتواضع قائلا:
«يَا أيُّها اَلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَ أهْلَنَا الضُّرُّ وَ جِئْنَا بِبِضعَة مُزْجة
فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنَا اِنَّ اللَّهَ يَجْزِى
اَلْمُتَصَدِّقِينَ»
بحق عمّك الُمحسن(عليه السلام)
المقدمة:
بِسْمِ اَللَّهِ
الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
الحمد للّه و الصّلواة و السّلام على رسول اللّه و على آله آل اللّه و اللّعن على
اعدائهم اعداء اللّه.
روى الشيخ الطوسي(قدس سره) في كتاب الغيبة،و الطبرسي في الاحتجاج ،انه خرج التوقيع
الى ابي الحسن السمري النائب الرابع للامام الحجة ابن الحسن(عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف)،في الغيبة الصغرى،جاء فيه:
«يا علي بن محمد السمري أعظم اللّه اجر اخوانك فيك فانك ميّت ما بينك و بين ستّة
أيام.فاجمع أمرك و لا توصي الى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامّة(
)،فلا ظهور الاّ بعد اذن اللّه تعالى ذكره و ذلك بعد طول الامد،و قسوة القلوب،و
امتلاء الارض جورا،و سيأتي الى شيعتي من يدّعي المشاهدة،ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل
خروج السفياني و الصيحة فهو كذّاب مفتر و لا حول و لا قوّة الاّ باللّه العلي
العظيم»
وقع هذا الخبر الشريف مثاراً للجدل و النقاش و خصوصاً في كيفية الجمع بينه و بين
عشرات الحكايات التي تدل على مشاهدة الجمال الانور لمولانا صاحب العصر و الزمان(عجل
اللّه تعالى فرجه الشريف) في عالم اليقظة لا النوم،خاصة و ان كبار علمائنا كالشيخ
الانصاري و العلامة بحر العلوم و السيد ابو الحسن الاصفهاني و المقدس الاردبيلي و
غيرهم،كانوا من جملة من تشرف بلقائه (صلوات اللّه عليه و على آبائه الطاهرين).
فمن جهة لا نحتمل ادنى احتمال،كذب هؤلاء المقدّسين في دعواهم،و من جهة اخرى فان
الحديث يكذّب مدعي المشاهدة،فكان لابد من الجمع بينهما بنحو من انحاء الجمع.
و قد تصدى جمع من علمائنا الابرار للجمع بينهما و ذكروا وجوها عديدة لذلك،ورعاية
للاختصار نذكر وجهاً واحدا مضافاً الى ما قيل في تضعيف هذا الخبر من جهة جهالة
الراوي و هو ابو محمد الحسن بن أحمد المكتب.( )
توجيه الخَبَر:
ذكر العلامة المجلسي(قدس سره) في البحار( ) في خصوص هذا الخبر ما يلي:
«لعلّه محمول على من يدّعي المشاهدة مع النيابة و ايصال الاخبار من جانبه(عليه
السلام)الى الشيعة على مثال السفراء».
اذن،فالمراد من المشاهدة التي يكذّب مدعيها في زمن الغيبة الثانية (الكبرى) هو
المشاهدة مع ادّعاء النيابة الخاصة التي انتهت بصريح الرواية بموت النائب الرابع
علي بن محمد السمري،و توضيح هذا الوجه كما يلي:
النيابة أو السفارة الخاصة للامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)تحتاج الى
تعيين من قبله(عليه السلام)،و هكذا كان بالنسبة للنائب الأول و هو عثمان بن سعيد.
و حينما دنى اجل عثمان بن سعيد اخبره الامام(عليه السلام) بذلك و أمره بالوصية الى
محمد بن عثمان الخلاّني ليخلفه في النيابة الخاصة،فاضحى الاخير،النائب الثاني
للامام في الغيبة الصغرى و كان يشاهد الامام (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و يتلقى
منه الأوامر و التعليمات و اجوبة المسائل التي كانت توجه اليه.
و حينما دنى اجل محمد بن عثمان نعيت اليه نفسه من قبل الامام (عليه السلام) و أمر
بالوصية الى الحسين بن روح ليكون النائب الخاص الثالث.
و هكذا الأمر بالنسبة الى الحسين بن روح حيث أوصى بامر من الامام(عليه السلام)الى
علي بن محمد السمري الذي صار النائب الرابع للامام(عليه السلام) و السفير الخاص في
الغيبة الصغرى التي استمرت لسبعين عاماً تقريباً،حيث بدأت من وفاة الامام
العسكري(عليه السلام) في أوائل سنة 260 هـ الى وفاة السمري سنه 329.
و النكتة المهمة هنا هي انه في كلّ مرّة كان يخرج توقيع من الامام (عليه السلام)
للنائب الفعلي يبيّن له النائب اللاحق و لم يرد في ايّ من تلك التواقيع مسألة تكذيب
مدّعي المشاهدة الاّ التوقيع الاخير الذي ادرجناه في اول المقدمة.
و من ثَمّ تتضح لنا اهمية تضمين التوقيع الشريف فقرة تكذيب مدعي المشاهدة،فان ذلك
انّما هو لسدّ باب افتراء النيابة الخاصة و تضليل الشيعة و اغوائهم.
اذن،فمن أخذ هذه الفقرة بدون ملاحظة ظروف صدور التوقيع و مناسباته،فانه سيقع حتما
في ذلك التوهّم و هو تكذيب مدّعي المشاهدة المجرّدة عن النّيابة الخاصّة و أمّا لو
لوحظت الفقرة منظمّة الى صدر الخبر مضافاً الى تلك القرائن السياقيّة،فانه لن يشتبه
الأمر على أحد في امكان التشرف بخدمته من دون ادعاء النيابة او السفارة الخاصة.
و لعلّه،يمكن لنا من خلال التدقيق في نفس هذا الخبر ان نستكشف أنّ المراد من
المشاهدة هنا هو «الـظـهـور» و انتهاء أمد الغيبة الكبرى،خصوصا اذا علمنا ان من
العلامات القريبة من الظهور هو خروج السفياني و الصيحة.
فتكذيب مدعى المشاهدة قبل هاتين العلامتين،يعني عدم تكذيبه بعدها،فيكون المراد من
المشاهدة،المشاهدة زمن الحضور بعد الغيبة الكبرى،و هو منفيّ في كل الحكايات التي
نقلت عن تشرفات العلماء بلقاء الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فلا يدعي
احد منهم انتهاء الغيبة الكبرى.
و اللّه العالم.
إشارة :
ورد في بعض الاخبار عن النبي(صلى الله عليه وآله) انه شبّه استفادة الناس من الامام
المهدي(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في غيبته باستفادتهم من الشمس اذا حجبتها
الغيوم.
و هذا التشبيه منه(صلوات اللّه عليه) قد يكون ناظرا الى نكتة من جملة نكات اخرى
ذكرها العلماء في خصوص هذا التشبيه.
و هذه النكتة هي ان للشمس غروبان،غروب اصغر و غروب اكبر،و يتحقق الغروب الاصغر
بمجرد اختفاء قرصها،و لكن يبقى الناس يستفيدون من نورها حتى ذهاب الحمرة المغربية
حيث يبدأ الغروب الاكبر للشمس.
و هكذا بالنسبة الى المهدي من آل محمد(صلوات اللّه و سلامه عليه) فقد كان له غيبة
صغرى استمرت زهاء السبعين سنة و كان الناس يستفيدون من وجوده الشريف على الرغم من
غياب شخصه،و ذلك عن طريق سفرائه الاربعة،و استمرت تلك الغيبة حتى وفاة النائب
الرابع و بدأت الغيبة الكبرى.
ثم ان للشمس شروقان،اصغر و اكبر،و يبدأ الشروق الاصغر بالفجر الصادق،و شيئا فشيئا
تضيء السماء و ان كان قرص الشمس بعد لم يظهر للانظار،و يستمر ذلك حتى ظهور القرص
فيبدأ الشروق الاكبر.
و هكذا الحال بالنسبة للمهدي من آل محمد(صلوات اللّه و سلامه عليهم اجمعين) فان له
ظهورٌ اكبر يسبقه ظهور اصغر كالشمس بالضبط،و ظهوره الاكبر يبدأ بظهور شخصه الشريف
بجسده الظاهري،و يسبق ذلك ظهور أصغر يقترن بغياب شخصه عن عامة الناس،الاّ ان بعض
المؤمنين يتشرف بزيارته و لقائه و الاستفادة منه.
و في الحقيقة ان هذه المرحلة،برزخ بين الظهور الاكبر و الغيبة الكبرى التامّة.
و يعتقد بعض العلماء ان عصرنا الحاضر هو نفس هذه المرحلة البرزخيّة أو الظهور
الاصغر.
و يمكن الاستشهاد لهذه الدعوى ببعض القرائن و المعالم،منها:
انتشار فكرة المهدوية على مدى واسع في الفكر الاسلامي بل و حتى في الفكر غير
الاسلامي بعنوان المصلح الاكبر للعالم الخاضع تحت هيمنة الظلم و الجور.و هذا ما لم
يكن موجوداً قبل مائتي سنة،مثلاً.
و منها تسمية الناس اولادهم باسم:مهدي و منتظر،و تسمية المؤسسات و المراكز الثقافية
و التعليمية و غيرها بمثل تلك الاسماء و العناوين،و بالنتيجة نشر هذا الاسم الشريف
على مستوى واسع في العالم،و هذا الأمر لم يكن موجوداً قبل عقود من الزمن.
و منها ازدياد عدد الاشخاص الذين يتشرفون بلقائه و الاستفاضة من وجوده الشريف،في
اماكن متعددة و مختلفة،حتى قيل بان اصل نشوء الاسلام في أميركا كان على يد رجل تشرف
بلقاء المهدي(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
هذه الامور و غيرها من القرائن تكشف عن ان هذا العصر،هو عصر الظهور الاصغر،الذي
سيتصل قريباً بالظهور الاكبر انشاء اللّه تعالى.
الاربعون:
كما سيتضح للقارى الكريم،فاننا ذكرنا في هذا الكتاب اربعين آية،و اربعين رواية،و
اربعين حكاية و اربعين اشارة،و ذلك تيمناً بهذا الرقم فانه رقم متميز،و لعلّ فيه
خصوصيات لها تاثيرها في عالم التكوين،و قد ذكرت بعض الشواهد على امتياز هذا العدد
او شرفه،في بعض كتب علمائنا الابرار،مضافاً الى وروده في بعض الروايات الشريفة.
فقد ورد:
في النبوي المروي في كتاب لبّ اللباب للقطب الراوندي:
«من اخلص العبادة للّه أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه».
و ورد:
ان آدم بكى على خطيئته اربعين عاما حتى غفر اللّه له.
و ورد:
في الكافي:«ما اخلص عبد الايمان باللّه اربعين صباحاً الاّ زهّده اللّه في الدنيا و
بصره داءها و دواءها و اثبت الحكمة في قلبه و انطق بها لسانه».
و ورد:
ان بهلول النباش التجأ الى بعض جبال المدينة اربعين يوماً يستغفر و يتضرع حتى قبلت
توبته في اليوم الاربعين و نزلت فيه آية من القرآن.
و ورد:
ان داود بكى على الخطيئة اربعين يوماً.
و ورد:
ان النبى الاكرم(صلى الله عليه وآله) بعث و هو ابن اربعين سنة.
و ورد:
في الذكر الحكيم ان اللّه تعالى جعل ميقات نبيّة موسى بن عمران(عليه السلام)،اربعين
يوماً.
و ورد:
في النبوي ان موسى ما اكل و ما شرب و لا نام و لا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه و
مجيئه اربعين يوماً شوقاً الى ربّه.
و ورد:
ان النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله) أُمر ان يهجر خديجة اربعين يوماً قبل بعثته.
و ورد:
ان من ترك اكل اللحم اربعين صباحا ساء خلقه،و من اكل اللحم اربعين صباحا ساء خلقه.
و ورد:
ان من اكل الزيت و ادّهن به لم يقربه الشيطان اربعين يوماً.
و ورد:
في اكمال الدين للصدوق في ولادة المهدي(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) «انه(عليه
السلام)لما ولد و سجد و شهد بالتوحيد و الرسالة و امامة آبائه (عليهم السلام) ،قالت
حكيمة:فصاح ابو محمد الحسن(عليه السلام)فقال:يا عمّة تناوليه فها تيه.قالت:فتناولته
و اتيت به نحوه فلما مثلت بين يَدَي ابيه و هو على يدي،سلّم على أبيه،فتناوله
الحسن(عليه السلام) و الطير ترفرف على رأسه،فصاح بطير منها فقال:احمله و احفظه
وردّه الينا في كلّ اربعين يوماً( )».
و ورد:
عن كشّاف الحقائق الامام الصادق(عليه السلام) انه قال:«من دعا الى اللّه تعالى
اربعين صباحاً بهذا العهد كان من انصار قائمنا(عليه السلام)،فان مات قبله،اخرجه
اللّه من قبره و اعطاه بكل كلمة الف حسنة و محى عنه الف سيئة،و هو:
«اللّهم رب النور العظيم و رب الكرسي الرفيع … الخ»( ).
و ورد:
ان الامام الحجة بن الحسن(عليه السلام)،يظهر و هو ابن اربعين سنة.
و هناك عشرات الموارد التي ذكر فيها هذا الرقم و لا يسع المجال لاحصائها هنا،كلها
تدلّ على امتياز هذا العدد.
لا مؤاخذة:
قد يعترض علينا بأن هذا الكتاب لم يأت بجديد،و انما نقل الموجود في بطون الكتب
المعروفة و غير المعروفة لعامة الناس.
قلت:
نعم،الحكايات الواردة في هذا الكتاب،ليست من نسج خيالي و فكري و انما هي من الكتب
المعتبرة عندي و عند القارىء العزيز،فهذا صحيح،و لكن;
اولاً:
لم يرد مثل هذا الترتيب و الجمع في كتاب آخر،حيث ذكرت في الكتاب اربعين آية من آيات
الذكر الشريف ترتبط بالامام المهدي(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) أو بعصره و
اصحابه.
ثم اربعين رواية عن النبي و اهل بيته (عليهم السلام) في نفس الجهة.
ثم نقلت اربعين حكاية تشرف بلقاء الامام المهدي(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) مع
اشارة مختصرة عقيب كل حكاية.
و هذا الترتيب لم نجده في مصنف آخر.
ثانياً:
ان الحكايات التى اوردتها في الكتاب هي حكايات تشرف مشاهير علمائنا،الا ما ندر
كحكاية كريمة الشيخ الاراكي(قدس سره) و التى نقلها نفس سماحة آية اللّه العظمى
الشيخ محمد علي الاراكي و حكاية الحاج علي البغدادي.
و هذه ميزة يمتاز بها هذا الكتاب،حيث جمع بعض حكايات العلماء خاصة.
ثالثاً:
ان هذه الحكايات،نقلت من عدّة كتب قد يصل عددها الى العشرة،و جمعها في كتاب واحد
يغنى القارىء العزيز عن الرجوع الى تلك الكتب المتفرقة،و التى يصعب على عامة الناس
اقتناؤها خصوصاً ان بعضها غير معرّب.
السيد جلال
الموسوي
15 شعبان 1422
الآية الأولى :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
الــم(1) ذَلِكَ ألكِتَبُ لَا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ(2)ألَّذِينَ
يُؤمِنُونَ بِألغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنفِقُونَ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة البقرة
الآية 1-3
ابن بابويه( ) قال:حدثنا علي بن أحمد بن محمد الدقاق (رضى اللّه عنه)قال:حدثنا
محمد(أحمد) بن ابي عبد الله الكوفي قال:حدثنا موسى بن عمران الحنفي عن عمه الحسين
بن يزيد عن علي ابن حمزة عن يحيى بن(ابي)القاسم قال سئل الصادق(عليه السلام)عن قول
الله عزوجل«الــم(1) ذَلِكَ ألكِتَبُ لَا رَيْبَ فيهِ هُدىً
لِّلْمُتَّقِينَ(2)ألَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِألغَيْبِ» فقال:المتقون شيعة عليّ(عليه
السلام)و الغيب فهو الحجة (الغائب) و شاهد ذلك قول تعالى:«وَ يَقُولُونَ لَو لا
اُنزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ اِنَّما اَلْغيبِ لِلَّه فَانْتَظِرُوا
إنّى مَعَكُمْ مِن المُنْتَظِرِينْ»( ).
الحكاية الاولى : السيد بن طاووس
ذكر في ملحقات كتاب انيس العابدين نقلا عن السيد ابن طاووس(رضى)انه قال:
سمعت سحراً في السرداب( ) عن صاحب الأمر(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)كان يناجي و
يقول:
«اللهمَّ انَّ شيعتنا خلقت من شعاع أنوارنا و بقيّة طينتنا و قد فعلوا ذنوباً
كثيرةً اتكالاً على حبّنا و ولايتنا فان كانت ذنوبهم بينك و بينهم فاصفح بينهم و
قاصّها عن خمسنا و ادخلهم الجّنة و زحزحهم عن النار و لا تجمع بينهم و بين أعدائنا
في سخطك».
إشارة :
في هذه المناجات و الدعاء نكات مهمة:
الاولى:ترتبط بخلقة شيعة اهل البيت(عليه السلام) حيث تصرّح الفقرة الاولى من
المناجات ان خلقتهم متميزة عن خلقة سائر الناس،فهم مخلوقون من فاضل طينة ائمتهم
الاطهار و شعاع انوارهم المطهرة،و هذا الأمر كما يكون مدعاة لافتخار الشيعة بخلقهم
ينبغي ان يكون محفزا لهم على التأسي باهل البيت(عليهم السلام)و التخلق باخلاقهم
الفاضلة و تطبيق الشريعة الاسلامية كما كان اهل البيت(عليهم السلام) يفعلون.
الثانية:ان بعض الشيعة قد يتكل على حبه و ولائه لاهل البيت(عليهم السلام) فتنزل
قدمه عند المغريات فينخدع بزينة الدنيا و زخارفها و هذا و ان كان مكروها
للائمة(عليهم السلام) الّا انهم(عليهم السلام);لبعث الامل في نفوس شيعتهم و رحمة
منهم بهم يتوسلون الى الله للتشفع لهم عنده و لزحزحتهم عن النار و ادخالهم الجنّة
بعيداً عن اعداء الله الكائنين في سخطه،فانه لا توجد مسانخة بين انوار أهل
البيت(عليهم السلام) و طينتهم و بين النار،و كذا شيعتهم.
و بطبيعة الحال فان هذا لا يعني ان هناك تشجيعا على التفريط بالخوف و لكنّه من باب
الموازنة بين الخوف و الرجاء كما امرنا به في الذكر الحكيم و الروايات الشريفة.
الآية الثانية :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
سَنُريهِم آياتِنا في الافاق وَ فيانْفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم اَنَّهُ
اَلحَقُّ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة حم.سجده
الآية 53
محمد بن عباس قال:حدثنا جعفر بن محمد بن مالك عن القاسم بن اسماعيل الانباري عن
الحسن بن علي بن ابي حمزة عن ابيه عن ابراهيم عن ابي عبد الله (عليه السلام)في قوله
تعالى:
سَنُريهِم آياتنافي اَلآفاقوَ فياَنفُسهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم اَنَّهُ اَلحَقُّ
قال:في الافاق انتقاص الاطراف عليهم،و في أنفسهم بالمسخ حتى يتبيّن انّه الحق اي
انّه القائم(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).( )
و روى الحافظ القندوزي،باسناده عن ابي بصير قال:سئل الباقر(عليه السلام) عن هذه
الآية:
سَنُريهِم آياتنا في اَلآفاق وَ فياَنفُسهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم اَنَّهُ
اَلحَقُّ
قال:يرون قدرة اللّه في الافاق،و في انفسهم الغرائب و العجائب،حتى يتبيّن لهم ان
الخروج(القائم)هو الحق في اللّه عزوجل يراه الخلق لابد منه.( )
الحكاية الثانية: السيد
محمد مهدي بحر العلوم
نقل جناب المولى السلماسي طاب ثراه قال:صلّينا مع جنابه(السيد بحر العلوم)في داخل
حرم العسكريين (عليها السلام) فلما اراد النهوض من التشهد إلى الركعة الثالثة عرضته
حالة فتوقف هنيئة ثم قام.
و لما فرغنا تعجبنا كلنا،و لم نفهم ما كان وجهه و لم يتجرأ احدٌ منّا على السوأل
عنه الى ان أتينا المنزل فاشار إليّ بعض السادة من اصحابنا ان اسأله عنه فقلت:لا،و
انت اقرب منّا،فالتفت السيد رحمة الله عليه إلىّ و قال:فيمَ تقاولون؟
قلت(و كنت أجسر الناس عليه):انهم يريدون الكشف عمّا عرض لكم في حال الصلوة.
فقال:ان الحجّة (عجل الله تعالى فرجه الشريف) دخل الروضة للسلام على ابيه (عليه
السلام)فعرضني ما رأيتم من مشاهدة جماله الانور الى ان خرج منها.( )
إشارة :
السيد محمد مهدي الطباطبائي «بحر العلوم» من علماء الشيعة الفطاحل،تشرف مراراً
بخدمة ولي اللّه الاعظم الامام الحجة بن الحسن العسكرى المهدى(عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف)و قد نقل المحدث القمي(ره) في كتاب رجاله ثمان حكايات ترتبط بكرامات هذه
العالم الجليل و تشرفاته بخدمة ناموس العصر(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ورد في
احداهما ان الامام(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ولفرط حبّه و لطفه و كرمه
بالسيد،احتضنه و ضمّه الى صدره الشريف.
فهنيئاً له و قدس الله نفسه و نور رمسه.
الآية الثالثة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
وَ ذَكِّرْهُمْ بِاَيَّامِ اَللَّه
صدق اللّه العلي العظيم
سورة ابراهيم
الآية 5
الصدوق،قال:
حدثنا أبي قال:حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال:حدثنا ابراهيم بن هاشم عن محمد
بن ابي عمير عن مثنى الحنّان عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام)قال:
أيام الله (عزّوجل) ثلاثة:«يوم يقوم القائم و يوم الكرّة و يوم القيامة»( )
الحكاية
الثالثة: الشيخ الاعظم مرتضى الانصاري (قدس سره)
نقل السيد حسن الابطحي في كتابة الكمالات الروحية الجزء الثاني أنّ احد تلامذة
الشيخ الانصاري قال:خرجت ذات ليلة من منزلي في مدينة كربلاء المقدسة بعد منتصف
الليل،و كان الظلام دامسا و الازقة مملوءة بالوحل على أثر هطول المطر،و كنت احمل
معي سراجا.
و بينما انا سائر في الطريق،رأيت من بعيد شخصاً يقترب،فدقّقت النظر فعرفت انه
الاستاذ الشيخ الانصاري(ره) و برؤيته في ذلك الظلام تسائلت مع نفسي ترى الى اين
يذهب الاستاذ في هذا الليل المظلم و في هذه الازقة الموحلة مع ما به من ضعف في
البصر؟
و تخوفا عليه من ان يكون قد كمن له احد في الطريق مشيت خلفه دون ان يشعر.
و سار الشيخ حتى وصل الى باب دار و وقف عندهاا و أخذ يقرأ الزيارة الجامعة بخشوع.
و بعد ان اتمّ قراءة الزيارة فُتِحَتْ له الباب و دخل الى داخل الدار،فلم أعُدْ ارى
شخصه و لكنّي سمعته يتحدث مع شخص في داخل الدار.
بعد ساعة تشرفت بزيارة الحرم المطهر و رأيت الشيخ هناك.
و في ما بعد و عندما زرت سماحته سألته عن قصّته تلك الليلة،و بعد اصرار كثير أجابني
قائلاً:
أحيانا احصل على اذن للتشرف بخدمة امام العصر(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و
لقائه،فأذهب واقف الى جنب تلك الدار و ازوره بالزيارة الجامعة،فان صدر اذن
ثان،تشرفت بزيارته في تلك الدار وسألته عن بعض المطالب و أستمدّ منه العون و اعود.
ثم إن الشيخ(قدس سره) أخذ مني عهداً على عدم افشاء هذا الأمر مادام هو على قيد
الحياة.
إشارة :
يستفاد من هذه القضية امور;
منها:مقام الشيخ الانصاري (قدس سره)،فهو مضافا الى كونه من كبار علماء الطائفة حتى
صارت مصنفاته متوناً تدور حولها أبحاث الخارج فقهاً و اصولاً،مضافاً الى ذلك نجده
قد وصل الى درجة عالية من التقوى و الورع و الزهد حتى حظى باذن ولي اللّه
الاعظم(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) لزيارته و التشرف بخدمته و الاستفادة من
علومه،و لعمرى انه لمقام شامخ.
و منها:اعتبار الزيارة الجامعة من جهة انه (قدس سره) لم يستأذن للدخول الى ساحة
الامام الشريفة الّا بهذه الزيارة العالية سنداً و متنا رغم وجود من يحاول التشكيك
فيها لعدم توفيقه لدرك معانيها السامية و اللطيفة.
و منها:ان للامام(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) بيتا في كربلا،و لا يستبعد ان يكون
له بيتاً ايضا في النجف و الكاظمين و سامراء و المدينة المنورة و مكة المكرمة بل و
في غيرها من البلاد و لكن هذه البيوت لا يهتدي اليها الا من حظى بتوفيق الهي للتشرف
بخدمته (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و الا فانه لن يهتدي الى ذلك المكان مهما
حاول و بحث عنه.
نسأل الله سبحانه و تعالى ان يوفقنا لطاعته و اجتناب معصيته و يؤهلنا للوصول الى
مقام خدام خدام مولانا و مولى الكونين أبى القاسم الحجة ابن الحسن العسكرى(عجل
اللّه تعالى فرجه الشريف)آمين.
الآية الرابعة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
يَسْئَلُوْنَكَ عَنِ اَلْسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاها قُلْ إِنَّما عِلْمُهَا
عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِهآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِى اَلْسَّموَاتِ وَ
اَلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَاَنَّكَ حَفِّىٌ
عَنْهَا قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اَللَّهِ وَ لَكِنَّ اَكثَرَ اَلْنَّاسِ لاَ
يَعْلَمُونَ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة الأعراف
الآية 187
روى الحافظ سليمان القندوزي في قوله تعالى:
يَسْئَلُوْنَكَ عَنِ اَلْسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاها
قال:روى المفضل ابن عمر عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال:ساعة قيام القائم.( )
الحكاية
الرابعة: السيد ابو الحسن الاصفهاني (قدس سره)( )
كان أحد علماء بلاد اليمن و يلقب بـ(بحر العلوم)و هو زيدي المذهب ينكر الوجود
المقدس لمولانا صاحب العصر و الزمان(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
و كان هذا العالم قد كتب رسائل كثيرة الى علماء الشيعة في زمانه طالبا منهم الادلة
المقنعة على اثبات وجوده الشريف و لكنه لم يقتنع باجوبتهم و ادلتهم.
فكتب اخيراً رسالة مفصلة الى سماحة الحجة آية الله السيد ابو الحسن الاصفهانى(قدس
سره)و الذي كان في النجف الاشرف،طالباً منه الادلة القاطعة على اثبات وجود الامام
الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
اجابه السيد ابو الحسن الاصفهانى برسالة جاء فيها:اقدم الى النجف الاشرف و سأُجيبك
شفاهة عن مسألتك.
و لما كان هذا العالم الزيدي طالبا للحقيقة في واقع الأمر،لذا شدّ الرحال مع ولده
سيد ابراهيم و جمع من مريديه الى النجف الاشرف.
و عندما وصل الى النجف التقى السيد الاصفهانى و قال له:لقد جئت إلى النجف كما
دعوتنى و آمل ان تجيبني كما وعدتني.
قال له السيد:نعم،تعال غداً مساءً إلى منزلى و سأُجيبك عن سؤالك.
و في مساء اليوم الثاني جاء بحر العلوم اليماني مع ولده الى منزل السيد الاصفهاني،و
بعد تناول طعام العشاء و البحث في بعض المطالب العلمية حول وجود المولى صاحب العصر
و الزمان(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)،انصرف بقيّة الضيوف و بقى بحر العلوم و ولده
عند السيد مع بعض الخواص.
و بعد انتصاف الليل قال المرحوم السيد الاصفهانى لخادمه (مشهدي حسين):احمل السراج
وتعال معنا.
و قال للسيد بحر العلوم و ولده:هيّا بنا نذهب لترون بانفسكما صاحب الزمان(عجل اللّه
تعالى فرجه الشريف).
يقول السيد مير جهاني:كنّا حضورا هناك فاردنا ان نذهب معهم فلم يقبل السيد
الاصفهاني و قال:ليأت بحر العلوم و ولده فقط.
فذهبوا و لم نعرف الى أين يذهبون،و لكن في اليوم الثاني و عندما التقينا ببحر
العلوم و ولده سالناه عمّا جرى في الليلة السابقة فقال:
بحمد اللّه،لقد تشرفنا باعتناق مذهبكم و نحن الان نعتقد بوجود ولّى العصر و
الزمان(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) قلت:و كيف ذاك؟
قال:لقد أرانا السيد الاصفهاني الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
فسألته:و كيف اراكم بقية الله(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)؟
قال:عندما خرجنا من المنزل لم نكن ندري الى اين يذهب بنا السيد،حتى وصلنا الى وادي
السّلامو في وسط الوادي محل يقال له «مقام صاحب الزمان(عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف)» عندما وصلنا الى المقام،اخذ السيد الاصفهاني السراج من مشهدي حسين و اخذنى
معه الى داخل المقام و هناك جدد وضوءه و صلى اربع ركعات في المقام و تلفّظ ببعض
الكلمات التى لم افهمها في حين كان ابني يضحك على افعاله تلك.
و فجأة اضاء الفضاء.
و هناك يقول ابراهيم ابن بحر العلوم:في هذه الاثناء كنت خارج المقام و كان ابي و
السيد ابو الحسن الاصفهاني داخل المقام و بعد عدة دقائق سمعت صوت ابي الذي كان يصيح
بصوت عال ثم أُغمي عليه.
اقتربت منه فرأيت السيد الاصفهاني يمرّغ له كتفيه حتى افاق.
و عندما رجعنا من هناك قال لى ابى:لقد رأيت حضرة بقية الله و ولى العصر (عجل اللّه
تعالى فرجه الشريف) و قد شرّفني باعتناق المذهب الشيعي الاثني عشري،و لم يقل أبي
اكثر من ذلك.
بعد عدة ايام رجع بحر العلوم و ولده و من معهم الى اليمن و صار سبباً في تشيّع
اربعة الاف يماني زيدي و اعتقادهم بالمذهب الاثني عشري.
إشارة :
لا يخفى ان الاسلوب الذي اتبعه السيد ابو الحسن الاصفهاني مع بحر العلوم اليمني
لاثبات وجودالحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) هو من افضل اساليب الاقناع و لكن
ليس هو الاسلوب الوحيد بل هناك أساليب كثيرة، يمكن اعتمادها في هذا المجال،و لعلّ
السيد الاصفهاني كان قاطعاً بان تلك الاساليب لا تنفع مع هذا الرجل و لان هناك
فائدة كبيرة في اقناعة بوجود الحجة(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) كتشيّع آلاف
الناس،بتشيّعة اضطر السيد لاستعمال هذا الاسلوب،و لا شك فىانه انما تمّ باجازة
الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و الّا فان الامام الحجة(عجل اللّه
تعالى فرجه الشريف) ليس روحا يمكن احضارها و تسخيرها متى ما شاء الاخرون-نعوذ بالله
من مثل هذه التصورات-بل لا يمكن لأحد ان يراه و يتعرف عليه إلا بارادة الله تعالى.
فكل ما جرى إذَن،انما جرى لحكمة و مصلحة الهية و قد لا تتوفر هذه المصلحة في
الموارد الاخرى.
اللّهم أحينا حياة محمد و آل محمد (صلى الله عليه وآله) و امتنا مماتهم و توفنا على
ملتهم انك سميع الدعاء.
الآية الخامسة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
وَ لَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا
عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة الأنبياء
الآية 105
روى الحافظ القندوزي في عقد الدرر باسناده عن الامام الباقر و الامام الصادق
(عليهما لاسلام) في قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ
الذِّكْرِ أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ انه (عليه السلام) قال:
«هم القائم و اصحابه»( )
الحكاية الخامسة :
ذكر الشيخ الجليل امين الاسلام الفضل بن الحسن الطبرسي (صاحب تفسير مجمع البيان)في
كتابه كنوز النجاح قال:
دعاءٌ علّمه صاحب الزمان عليه سلام اللّه الملك المنان،أبا الحسن محمد بن أحمد بن
ابي الليّث (رحمة الله تعالى عليه)في بلدة بغداد في مقابر قريش.
و كان ابو الحسن هذا قد هرب الى مقابر قريش و التجأ اليها خوفا من القتل فنجّي منه
ببركه هذاالدعاء.
قال ابو الحسن المذكور انه علّمنى ان اقول:
«الّلهمَ عظمَ البلاء و برح الخفاء و انقطع الرجاء و انكشف الغطاء و ضاقت الارض و
منعت السماء و اليك يا ربى المشتكى و عليك المعّول فى الشدّة و الرخاء اللّهم فصلّ
على محمد و آل محمد أولى الأمر الّذين فرضت علينا طاعتهم و عرّفتنا بذلك منزلتهم
ففرّج عنّا بحقّهم فرجاً عاجلا قريبا كلمح البصر او هو اقرب يا محمد يا على اكفيانى
فانكما كافياى و انصرانى فانكما ناصراى يا مولاى يا صاحب الزمان الغوث الغوث(الغوث)
ادركنى ادركنى ادركنى».
قال الرّاوى:انه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) عند قوله «يا صاحب الزمان»كان يشير
الى صدره الشريف.( )
إشارة :
هذه الحكاية و ان لم يرد فيها تفاصيل اللقاء و التشرف الّا ان نقل الطبرسي لها و
ذكر هذا الدعاء يدل على قبوله لها.
و المستفاد من هذه الحكاية ان الامام(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) يتلطف على شيعته
و مواليه عندما نضيق بهم الامور.
و هذا المعنى يستفاد من كثير من الحكايات،كما انه هو المستفاد من القابه و كناه
صلوات الله عليه حيث يلقب بـ «الغوث».
الآية السادسة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
وَ لَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّة مَّعْدُودَة لَّيَقُولُنَّ
مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَ حَاقَ
بِهِم ما كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة هود
الآية 8
روى الحافظ القندوزي «الحنفي » باسناده الى الامام محمد الباقر(عليه السلام) و
الامام جعفر الصادق(عليه السلام)في قوله تعالى: وَ لَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ
الْعَذَابَ إِلَى أُمَّة مَّعْدُودَة لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ
يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَ حَاقَ بِهِم ما كَانُواْ بِهِ
يَسْتَهْزِءُونَ
انهما قالا:
الامّة المعدودة هم اصحاب المهدى(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في آخر الزمان
ثلاثمأة و ثلاثة عشر رجلاً كعدّة أهل بدر،يجتمعون في ساعة واحدة كما يجتمع قزع
الخريف.( )
الحكاية السادسة :
آية الله العلامة الحلّي (قدس سره)
نقل السيد الشهيد القاضى نور الله الشوشتري (قدس سره) في «مجالس المؤمنين»انه اشتهر
عند اهل الايمان ان بعض علماء اهل السّنة ممّن تتلمذ عليه العلاّمة في بعض
الفنون،ألّف كتابا في ردّ الامامية و يقرأه للناس في مجالسه و يضلّهم و كان لايعطيه
أحداً خوفاً من ان يردُّه أحد من الامامية.
فاحتال العلامة رحمه اللّه في تحصيل هذا الكتاب الى ان جعل تتلمذة عليه وسيلة لاخذه
الكتاب منه عارية،فالتجأ الرجل و استحيى من ردّه و قال:
اني آليت على نفسي ان لا أعطيه احداً ازيد من ليلة واحدة،فاغتنم الفرصة في هذا
المقدار من الزمان.
فاخذه منه العلامة واتى به الى بيته لينقل منه ما تيسر منه للردّ عليه.
فلما اشتغل بكتابته و انتصف الليل،غلبه النوم فحضر الحجة(عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف)و قال:
ولّني الكتاب و خُذْ في نومك.
فانتبه العلّامة و قد تمّ الكتاب باعجازه(عليه السلام).
و في بعض المؤلفات انه كتب في آخر الكتاب: «كتبه الحجة».
إشارة :
من هذه الحكاية يستفاد امور;
الاول:
عناد المخالفين و اصرارهم على الكيل و النيل من اتباع اهل البيت(عليه السلام)على
الرغم من كل ما ورد في كتبهم في أحقية مذهب اهل البيت عليهم الصلوة و السلام.
فهؤلاء و لتعصبهم الاعمى على مرّ الازمنة و ليوم الناس هذا يحاولون اطفاء نور الله
بافواههم و اقلامهم حتى ان هذا المعاند الوارد ذكره في القصة سطَّر بزعمه الفي دليل
على ابطال الحق!!فردّه.العلّامة(قدس سره)بالفي دليل لاثبات مذهب الحق و سمّى الكتاب
بالالفين.
الثانى:
جِدُّ اتباع المذهب كالعلامة و غيره و تحملهم العناء من اجل نصرة المذهب و الحق حتى
اضطر العلّامة ان يحتال و يتتلّمذ عند هذا الشخص الذي لا يليق لان يكون تلميذا عند
العلامة،كل ذلك من اجل الدفاع عمّن امرنا بمودتهم و متابعتهم في القران الكريم و
الذين جعلهم النبى الاكرم محمد(صلى الله عليه وآله)عِدلْ القرآن.
الثالث:
لطف الامام الحجة(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)بهؤلاء العلماء و بالشيعة و الطائفة
الحقّة و الفرقة المحقة،و لا شك في ذلك و هو مظهر الرحمة الالهية و اللطف الربانيّ
حيث رأيت كيف انه(سلام اللّه عليه)تدخل بنفسه الشريف لنصرة اتباع مذهب اجداده
الطاهرين (عليهم السلام).
الآية السابعة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
يُعْرَفُ الُْمجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فيُؤْخَذُ بِاَلنَّوَصِي وَ الْأَقْدَامِ(41)
فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة الرحمن
الآية 41-42
روى محمد بن الحسن الصفّار عن ابراهيم بن هاشم عن سليمان الديلمي عن معاوية الدهني
عن ابي عبد اللّه (عليه السلام)في قول اللّه تبارك و تعالى:
يُعْرَفُ الُْمجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فيُؤْخَذُ بِاَلنَّوَصِى وَ الْأَقْدَامِ
فقال(عليه السلام):يا معاوية ما يقولون في هذا؟
قلت:يزعمون ان اللّه تبارك و تعالى يعرف المجرمين بسيماهم في القيامة،فيأمر بهم
فيؤخذبنواصيهم و اقدامهم فيلقون في النار.
فقال (عليه السلام) لي:و كيف يحتاج تبارك و تعالى الى معرفة خلق انشأهم و هو خلقهم؟
فقلت:جُعلت فداك و ما ذاك (ذلك)؟
قال (عليه السلام):(ذلك)لو قام قائمنا (عليه السلام) اعطاه اللّه السّيما فيأمر
بالكافر فيؤخذ بنواصيهم و اقدامهم ثم تُخْبَط بالسيف خبطا.
و قرأ ابو عبد الله (عليه السلام):هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان تصليانها لا
تموتان و لا تحييان.( )
الحكاية السابعة : السيد محسن
الجبل عاملي
نقل صاحب كتاب «آثار الحجة(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)» قال:
قال جناب الحاج ميرزا علي الحيدري:سمعت هذه القضية من حجة الاسلام و المسلمين الشيخ
اسحاق الرشتي ابن المرحوم آية الله الشيخ حبيب الله الرشتي.
و في سفري الى الشام لزيارة مرقد العقيلة زينب بنت امير المؤمنين (عليها
السلام)،التقيتُ بجناب المرحوم آية الله الحاج السيد محسن الجبل عاملى و سمعت قصته
من لسانه،قال:
تشرفت بزيارة بيت الله الحرام أيّام حكومة الشريف علي على ارض الحجاز،و كنت سلفا قد
عرفت اني سأتشرف بخدمة حضرة بقية الله الاعظم ارواحنا فداه،في موسم الحج.
و لذا عندما كنت اُؤدي مناسك الحج كنت دائم الفكر في المولى(عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف) و لكن لم اوفق لشرف لقائه في ذلك الموسم.
فكّرت في الرجوع الى وطني،فوجدت ان الطريق بين مكة و لبنان طويل جداً،ففضلت البقاء
في مكة المكرمة برجاء ادراك توفيق زيارته(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في السنة
القابلة.
و لكني لم اوفق لذلك في السنة الثانية و لا الثالثة و الرابعة و حتى الخامسة أو حتى
السابعة(و الترديد بين الخامسة و السابعة من جناب الحالج ميرزا علي الحيدري).
و في هذا البين تعرفت على حاكم مكة (الشريف علي) و كنت اتردد عليه احيانا.
و الشريف علي من سادات و شرفاء مكة المكرمة و كان زيدي المذهب (يعتقد بامامة زيد بن
علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب،فهو متوقف عند الامام الرابع).
و في السنة الاخيرة،و بعد اداء مناسك الحج،و بعدما وجدت اني لم اوفق في هذه السنة
أيضا لشرف لقاء ولى العصر و الزمان(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) تألّمت و اضطربت
فخرجت من مكة الى احد الجبال المحيطه بها.
و لما وصلت الى اعلى الجبل،شاهدت واحةً خضراء جميلة مزروعة بالثّيل لم أرها قبل ذلك
الوقت،فَلِمْتُ نفسي على عدم المجيء الى هذا المكان طيلة تلك السنوات التي قضيتها
في مكة!!
و عندما وصلت الى تلك الواحة الخضراء شاهدت خيمة قد اقيمت في وسط تلك الحديقة
الغنّاء و قد جلس جمعٌ من الرجال في تلك الخيمة يتوسطهم رجل تبدو عليه آثار الجلالة
و الهيبة و العلم،كأنه يلقى عليهم الدرس،و قد سمعته يقول:
«ان أولاد و ذراري جدّتنا حضرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) يُلَقَنون الايمان و
الولاية ساعة الاحتضار و لا يخرج احدُهم من الدنيا الاّ على المذهب الحق و الايمان
الكامل».
و في هذه الاثناء،جاء شخص من جهة مكة،و قال لذلك السيد الجليل:
ان الشريف في حال احتضار،فتفضل و شرّف.
عندما سمعت هذا الكلام من ذلك الشخص أسرعت على الفور في الرجوع الى مكة،و دخلت
مباشرة الى قصر الملك فوجدت الشريف في حال الاحتضار و قد اجتمع حوله العلماء و
القضاة من أهل السنّة و هم يلقنونه بحسب مذهبهم،و لكنه كان صامتا لم يتفوه بحرف
واحد،وكان ابنه بجوار سريره متأثرا مغتما لذلك.
و فجأة،دخل علينا ذلك السيد الجليل الذي كان جالسا وسط الخيمة و هو يُدرِّس اولئك
النفر من الرجال،فجلس عند رأس«الشريف علي» و لكن بدا لي ان احدا غيري لم يلتفت بل
لم يشعر بدخوله و وجوده عند رأس الشريف،ذلك لاننى كنت انظر اليه و لكن الاخرين
كانوا غافلين تماما عن وجوده.هذا و قد سلبت عني قدرة التكلم معه و السلام عليه
تماما حتى كأن حواسي قد خرجت عن اختياري و لم اكن اقدر حتى على الحركة و لو خطوة
واحدة.
التفت ذلك السيد الى الشريف علي و قال:
«قل اشهد ان لا إله الا الله»
فقال الشريف:«اشهد ان لا اله الا الله»
قال ذلك السيد:«قل اشهد ان محمدا رسول الله»
فقال الشريف:«اشهد ان محمدا رسول الله»
قال السيد:«قل اشهد ان عليا حجة الله»
قال الشريف:« اشهد ان عليا حجة الله»
و هكذا على هذا المنوال،اخذ السيد يُلَقِّن الشريف و يُشْهدُه على ولاية
الأئمة(عليهم السلام)واحدا بعد واحد حتى وصل الى الاقرار بامام الحجة بن الحسن
العسكرى(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
فقال للشريف:«يا شريف قل اشهد انك حجة اللّه».
فقال الشريف علي لذلك السيد:«اشهد انك حجة اللّه».
و هنا علمت اني تشرفت مرّتين بلقاء حضرة بقيّة اللّه (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)
و لكن للأسف كانت القدرة قد سلبت منى تماما فلم اتمكن حتى من السلام عليه و الكلام
معه.
توفي المرحوم آية اللّه السيد محسن الجبل عاملى، سنة 1371(هـ.ق) و دفن في صحن
السيدة زينب بنت امير المؤمنين(صلوات الله و سلامه عليها).
إشارة :
يستفاد من هذه الحكاية امور;
منها:
ان الامام(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)يكون موجودا كل عام في موسم الحج،و يكون معه
بعض أصحابه الذين يتشرفون بخدمته و الاستفادة من علومه الالهية،و لعلّ هذه
الاستفادة لا تنحصر بموسم الحج و انما يكون ذلك في مناطق و مناسبات اخرى عندما
يحظون بالفوز بلقائه(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
و منها:
شدة شوق بعض العلماء الى التشرف بخدمته حتى ان البعض يكرر السفر الى الحج مرات و
مرات كي يفوز بلقائه كما في قضية على بن مهزيار الآتية في هذا الكتاب،كما ان بعضهم
ممن عاش في الازمنة السابقة حيث صعوبة السفر و طول مدته،كان يبقى في مكة المعظمة
الى العام القادم في ما لو فاته ادراك الموسم كما حكى عن السيد محمد مهدي بحر
العلوم،او فاته الهدف من سفره كما في هذه الحكاية.
فلمثل هذا فليتنافس المتنافسون.
و منها:
ما قاله(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)في قضية اولاد و ذراري امّ الأئمة فاطمة
الزهراء (عليه السلام)و انهم لن يخرجوا من الدنيا حتى يقرّوا بولاية الأئمة الاثني
عشر(صلوات الله عليهم اجمعين)،ليردوا الى القيامة على عقيدة صحيحة سليمة كاملة،و
كلّ ذلك كرامة لفاطمة بنت محمد(صلوات الله و سلامه عليها).
و ليس ذلك على اللّه بعزيز و هو الذي خلق الخلق لاجلها كما روي في الحديث القدسي
الشريف:
«يا محمد لو لاك لما خلقت الافلاك و لو لا علي لما خلقتك و لو لا فاطمة لما
خلقتكما».
الآية الثامنة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
وَ جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَرَكْنَا فِيهَا قُرىً
ظَاهِرَةً وَ قَدَّرْنَا فِيْهَا ألسَّيرَ سِيرُوا فِيْها لَيَالِىَ وَ أَيَّاماً
ءَامِنِينَ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة سبأ
الآية 18
الشيخ الطوسي،في الغيبة،قال:روى محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري،عن أبيه عن محمد
بن صالح الهمداني قال:
كتبت الى صاحب الزمان(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ان أهل بيتي يؤذونني و يقرعوني
بالحديث الذي روي عن آبائك(عليهم السلام) انهم قالوا:خدّامنا و قوّامنا شرار خلق
الله.
فكتب (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف):
«و يحكم ما تقرأون ما قال الله تعالى:«وَ جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى
الَّتِي بَرَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً» فنحن و اللّه القرى التى بارك (اللّه)
فيها و انتم القرى الظاهرة.( )
و في رواية ابن بابوية في غيبته باسناده الى الصادق(عليه السلام) انه قال:«يا أبا
بُكير،سيروا فيها ليالي و اياما آمنين»قال:مع قائمنا اهل البيت (عليهم السلام).
الحكاية الثامنة : المقدّس
الاردبيلي(قدس سره)
يقول احد خواص تلامذة المقدس الاردبيلي (و هو بدوره من علماء زمانه البارزين و
واقفا على خصوصيّات حياة استاذه):
ذات ليلة كنت اتمشى في صحن امير المؤمنين علي ابن ابي طالب(عليه السلام) و كان
الليل قد تجاوز منتصفه بعد ان أعيتني المطالعة.
و فجأة و في ذلك الفضاء النوراني،رأيت شخصا من بعيد يتقدم نحو الحرم الشريف في حين
كانت أبواب الصحن و الحرم مغلّقة بالاقفال!فدفعنى حبّ الاطلاع على تعقيبه،فرأيت ان
هذا الشخص كلما اقترب من أحد الابواب انفتح له القفل و فتحت الباب و دخل الرجل
منها،فكلما وضع يده على باب انفتحت الى ان وصل بكل وقار و سكينة الى جنب الضريح
الشريف للامام (عليه السلام).
وقف هناك و سلّم على امير المؤمنين(عليه السلام)،و قد سمعت جواب سلامه و من ثمّ بدأ
بالحديث مع صاحب ذلك الصوت.
لم تمض برهه من كلامهما حتى خرج ذلك الرجل من الصحن الشريف متجهاً نحو مسجد الكوفة.
و سرت خلفه بحيث لايراني،للوقوف على حاله.
وصل الرجل الى مسجد الكوفة،و تقدم الى المحراب و رأيته يتحدث مع احد الاشخاص و لم
اسمع ما كانا يقولان.
و بعد ان تمّت محادثتهما رجع صاحبي الى النجف و لما اقترب من بوابتها كان الفجر قد
حان لتوّه و بدأت حركة الناس في ازقة المدينة.
في هذه الاثناء اعترضتني حالة عطاس لم اقدر على الحدّ منها،فسمعنى ذلك الرجل و نظر
اليّ،و لمّا نظرت في وجهه فاذا هو استاذي المرحوم آية الله المقدس الاردبيلي.
سلّمت عليه و اديت التحيّة و الاحترام و قلت له:
لقد كنت طوال الليلة معك،منذ لحظة دخولك الى الحرم الشريف و الى الآن،فتفضل عليّ و
اخبرني مع من كنت تتحدث في الحرم الشريف و في مسجد الكوفة؟
في البدء أخذ الاستاذ مني العهد على ان لا افشي سرَّه هذا مادام حيّا،ثم قال:
يا ولدي،احيانا تشكل عليّ بعض المسائل فاعجز عن حلّها،فاتشرف بزيارة حلّال المشكلات
علي ابن ابي طالب(عليه السلام) و أخذ اجوبة تلك المسائل منه.
و في الليلة الماضية احالني امير المؤمنين(عليه السلام) الى ولده صاحب الزمان(عجل
اللّه تعالى فرجه الشريف)و قال لي:
«ان ولدى المهدى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في مسجد الكوفة الآن و هو امام
زمانك،فاذهب اليه و تعلم مسائلك منه».
و لذا فقد ذهبت الى مسجد الكوفة بامره(عليه السلام)،و تشرفت بخدمة مولانا المهدي
(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)و سألته مسائلي و هو الذي كان واقفا في محراب المسجد.
إشارة :
المقدس الاردبيلي عالم جليل القدر عُرِفَ بالعلم و الورع و التقوى و العبادة حتى
صار مضربا للمثل في التقوى و الورع.توفي سنة 993(هـ.ق).
اشتهر عنه ما ورد في هذه الحكاية و انه كان يتوسل بامير المؤمنين(عجل اللّه تعالى
فرجه الشريف) محلِّ المشكلات و المسائل،و لا غرابة في ذلك،فعليّ(عليه السلام)هو باب
مدينة العلم و لن يلج احد المدينة الّا من بابها،و كل علم لم يؤخذ من علي فهو جهل.
فما احرانا ان نحاول و نحاول التقرب الى هذا المنهل الصافي العذب الفرات و نغترف من
نميره المعين و لا شك ان ذلك لايحصل الاّ بالجدّ و المثابرة في الطاعات و التقوى و
الاجتهاد في طلب العلم و المعرفة.
انشاء اللّه تعالى.
الآية التاسعة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
فَلَآ أُقْسِمُ بِاَلْخُنَّسْ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة التكوير
الآية 15
روى الحافظ القندوزي في ينابيعه قال:
رُوي عن هاني عن الباقر(عليه السلام) في قوله تعالى:
« فَلَآ أُقْسِمُ بِاَلْخُنَّسْ » قال:
الخنّس:امامٌ يخنس اي:يرجع من الظهور الى الغيبة سنة ستين و مأتين،ثم يبدو كالشهاب
الثاقب.( )
الحكاية التاسعة : مسجد جمكران
ذكر العّلامة النوري (قدس سره) في النجم الثاقب في احوال الامام الحجة الغائب(عجل
اللّه تعالى فرجه الشريف)ّلجزء الثاني،الباب السابع،الحكاية الاولى قال:
نقل الشيخ الفاضل حسن بن محمد بن حسن القمّي المعاصر للصدوق في كتابه (تاريخ قم) عن
كتاب(مؤنس الحزين في معرفة الحق و اليقين) من مصنفات الشيخ ابي جعفر محمد بن بابويه
القمي:باب ذكر بناء مسجد جمكران بأمر الامام الحجة المهدى (عليه صلوات الله الرحمن)
سبب بناء المسجد المقدس في جمكران بأمر الامام(عليه السلام) على ما اخبر به الشيخ
العفيف الصالح حسن بن مثله الجمكراني قال:
كنت ليلة الثلاثاء السابع عشر من شهر رمضان المبارك سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمئة
نائما في بيتي فلمّا مضى نصف من الليل فاذا بجماعة من الناس على باب بيتي
فأيقظوني،و قالوا:قم وأجب الامام المهدى صاحب الزمان(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)
فانّه يدعوك.
قال:فقمت و تعبّأت و تهيّأت،فقلت:دعوني حتّى ألبس قميصي،فاذا بنداء من جانب
الباب،«هو ما كان قميصك» فتركته و أخذت سراويلي،فنودي «ليس ذلك منك،فخذ سراويلك»
فألقيته و أخذت سراويلى ولبسته،فقمت إلى مفتاح الباب أطلبه فنودي:«الباب مفتوح».
فلمّا جئت إلى الباب،رأيت قوما من الأكابر،فسلّمت عليهم،فردّوا و رحّبوا بي،و ذهبوا
بى إلى موضع هو المسجد الآن،فلمّا أمعنت النظر رأيت أريكة فرشت عليها فراش حسان،و
عليها و سائد حسان و رأيت فتى في زيّ ابن ثلاثين متكأّ عليها،و بين يديه شيخ،و بيده
كتاب يقرؤه عليه،و حوله أكثر من ستّين رجلا يصلّون في تلك البقعة،و على بعضهم ثياب
بيض،و على بعضهم ثياب خضر.
و كان ذلك الشيخ هو الخضر(عليه السلام) فأجلسنى ذلك الشيخ(عليه السلام)و دعاني
الامام(عليه السلام)باسمي،و قال:اذهب الى حسن بن مسلم،و قل له:انّك تعمر هذه الأرض
منذ سنين و تزرعها و نحن نخرّبها،زرعت خمس سنين،و العام ايضا انت على حالك من
الزراعة و العمارة و لا رخصة لك في العود أليها و عليك ردّما انتفعت به من غلّات
هذه الأرض ليبنى فيها مسجد،و قل لحسن بن مسلم انّ هذه أرض شريفة قد اختارها الله
تعالى من غيرها من الأراضي و شرّفها،و أنت قد أضفتها الى أرضك،و قد جزاك اللّه بموت
ولدين لك شابّين،فلم تنتبه عن غفلتك،فان لم تفعل ذلك لأصابك من نقمة اللّه من حيث
لا تشعر.
قال حسن بن مثلة:قلت:يا سيّدي لابدّ لي في ذلك من علامة،فان القوم لا يقبلون ما لا
علامة و لا حجّة عليه،و لا يصدّقون قولي.قال:انّا سنعلِّم هناك فاذهب و بلّغ
رسالتنا،و اذهب الى السيّد أبي الحسن و قل له:يجىء و يحضره و يطالبه بما أخذ من
منافع تلك السنين،و يعطيه الناس حتى يبنوا المسجد،و يتمّ ما نقص منه من غلّة دهق
ملكنا بناحية أردهال و يتمّ المسجد،و قد وقفنا نصف دهق على هذا المسجد ليجلب غلّته
كل عام و يصرف الى عمارته.
و قل للناس:ليرغبوا الى الموضع و يعزّروه و يصلّوا هنا أربع ركعات للتحية في كلّ
ركعة يقرأ سورة الحمد مرّة،و سورة الاخلاص سبع مرّات و يسبح في الركوع و السجود سبع
مرّات،و ركعتان للامام صاحب الزمان (عليه السلام) هكذا:يقرأ الفاتحة،فاذا وصل
الى«ايّاكَ نَعْبُدُ وَ اِيَّاكَ نَسْتَعِين» كرّره مائة مرّة ثم يقرؤها الى آخرها
و هكذا يصنع في الركعة الثانية في الركوع و السجود سبع مرّات،فأذا اتمّ الصلوة
يهلّل،و يسبح تسبيح فاطمة الزهراء(عليها السلام)،فاذا فرغ من التسبيح يسجد و يصلي
على النبي و آله مائة مرّة.ثم قال(عليه السلام)ما هذه حكاية لفظه:فمن صلّاها
فكأنّما صلّى في البيت العتيق.
قال حسن بن مثله:قلت في نفسى:كأنّ هذا موضع أنت تزعم انّما هذا المسجد للامام صاحب
الزمانمشيرا الى ذلك الفتى المتكى على الوسائل،فأشار ذلك الفتى الىّ أن اذهب.
فرجعت،فلما سرت بعض الطريق دعاني ثانية،و قال:انّ في قطيع جعفر الكاشاني الراعي
معزا يجب ان تشتريه،فان أعطاك أهل القرية الثمن تشتريه و الّا فتعطي من مالك،و تجىء
به الى هذا الموضع،و تذبحه الليلة الآتية،ثمّ تنفق يوم الأربعاء الثامن عشر من شهر
رمضان المبارك لحم ذلك المعز على المرضى و من به علّة شديدة فانّ اللّه يشفي
جميعهم،و ذلك المعز أبلق،كثير الشعر،و عليه سبع علامات سود و بيض،ثلال على جانب و
أربع على جانب،سود و بيض كالدراهم.
فذهبت فأرجعونى ثالثة،و قال(عليه السلام):تقيم بهذا المكان سبعين يوما أو سبعا،فان
حملت على السبع انطبق على ليلة القدر و هو الثالث و العشرون و ان حملت على السبعين
انطبق على الخامس و العشرين من ذي القعدة،و كلاهما يوم مبارك.
قال حسن بن مثلة:فعدت حتى وصلت الى داري و لم أزل الليل متفكرا حتى أسفرّ الصبح
فأدّيت الفريضة،و جئت الى عليّ بن المنذر،فقصصت عليه الحال،فجاء معي حتىّ بلغت
المكان الذي ذهبوا بي اليه البارحة،فقال:و اللّه انّ العلامة التي قال لي
الامام(عليه السلام)واحد منها ان هذه السلاسل و الأوتاد ههنا.
فذهبنا الى السيد الشريف أبي الحسن الرّضا فلما وصلنا الى باب داره رأينا خدّامه و
غلمانه يقولون:انّ السيد أبا الحسن الرضا ينتظرك من السحر،أنت من جمكران؟
قلت:نعم،فدخلت عليه الساعة:و سلّمت عليه و خضعت فأحسن في الجواب و أكرمني و مكّن لي
في مجلسه،و سبقني قبل أن احدّثه و قال:يا حسن بن مثله انّي كنت نائما فرأيت شخصا
يقول لي:انّ رجلا من جمكران يقال له حسن بن مثله يأتيك بالغدوّ،و لتصدّقنّ ما
يقول،و اعتمد على قوله،فانّ قوله قولنا،فلا تردنّ عليه قوله،فانتبهت من رقدتي،و كنت
أنتظرك الآن.
«فقصّ عليه الحسن بن مثلة القصص مشروحا،فأمر بالخيول لتسرج،و تخرّجوا فركبوا فلمّا
قربوا من القرية رأوا جعفر الراعي و له قطيع على جانب الطريق فدخل حسن بن مثلة بين
القطيع،و كان ذلك المعز خلف القطيع فأقبل المعز عاديا الى الحسن بن مثلة فأخذه
الحسن ليعطي ثمنه الراعي و يأتي به فأقسم جعفر الراعي:انّي ما رأيت هذا المعز قطّ،و
لم يكن في قطيعي الّا انّي رأيته و كلّما اريد أن آخذه لا يمكنني،و الآن جاء
اليكم،فأتَوْا بالمعز كما أمر به السيد الى ذلك الموضع و ذبحوه.
و جاء السيد أبو الحسن الرضا(رضى اللاه عنه) الى ذلك الموضع،و أحضروا الحسن بن مسلم
و استردّوا منه الغلّات و جاؤا بغلّات دهق،و سقّفوا المسجد بالجذوع و ذهب السيد
أبوا الحسن الرضا(رضي الله عنه)بالسلاسل و الأوتاد و أودعها في بيته فكان يأتي
المرضى و الأعلّاء و يمسّون أبدانهم بالسلاسل فيشفيهم اللّه تعالى عاجلا و يصحّون.
قال أبوا الحسن محمد بن حيدر:سمعت بالاستفاضة انّ السيد أبا الحسن الرضا الساكن في
المحلّة المدعوّة بموسويان من بلدة قم،قد مرض بعد وفاته ولد له،فدخل بيته و فتح
الصندوق الذي فيه السلاسل و الأوتاد،فلم يجدها.
إشارة :
في الحكاية نكات لطيفة;
منها:
ان هناك مواضع في هذه الارض،مقدسة و شريفة لايهتدي اليها أحد الّا بتعليم الامام
الحجة(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فهو العارف باسرار الكون و ما فيه،و منها هذه
البقعة المباركة التى اضحت الآن مسجدا و مزارا يقصده الآلاف من المؤمنين كل ليلة
اربعاء و ليلة الجمعة و يومها و بقية الايام،و من كافة الاقطار للتبرك به و لنيل
المطالب،و على أمل التشرف بلقاء بقية الله الاعظم ارواحنا فداه.
و الكرامات التي حصلت في هذا المقام و المسجد الشريف كثيرة جدا،و للوقوف على بعضها
يراجع مكتب ادارة هذا المكان الشريف.
و منها:
ان هناك بعض الصالحين يكونون مع الامام(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في كثير من
الاوقات و الاماكن و منهم الخضر (عليه السلام)حيث رأينا كيف انه يمثُل بين يدى
الامام(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و يقرأ عليه كتابا،فيأخذ العلوم و المعارف
عنه(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
و منها:
ان بعض الناس يتجاوز بعض الحقوق المفروضة عليه كما ورد في (حسن بن مسلم) المزارع في
اراضي اهل البيت(عليهم السلام)، وقد ابتلاه الله بولديه و لكنه لم يلتفت:و لم يتنبه
من غفلته،فما اكثر الغافلين مع كثرة ما يبتلون به من مصائب.
و منها:
الاستشفاء بتلك السلاسل الحديدية التي مسّتها يد الرحمة الالهية،فاذا كان هذا الأثر
حاصلا من مجرد المماسة لهذا العنصر،فكيف بمن يتشرف بتقبيل يده الشريفة(صلوات الله و
سلامه عليه و على آبائه).
و منه يعلم صحة ما يقوم به الشيعة و المؤمنون بالتمسح باضرحتهم الشريفة و التوسل
الى الله بحقهم طلبا للشفاء من الامراض الصعبة و العلل الشديدة.
«اللهم اني لو وجدت شفعاء اقرب اليك من محمد و اهل بيته الاخيار لجعلتهم
شفعائي،اللهم بحقهم الذي اوجبت لهم عليك اسئلك ان تدخلني في جملة العارفين بهم و
بحقهم و في زمرة المرحومين بشفاعتهم انك ارحم الراحمين و صلّى اللّه على محمد و آله
الطاهرين».
الآية العاشرة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
أَمَّنْ يُجِيْبُ اَلْمُضْطَرَ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ
خُلَفآءَ اَلْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اَللَّهِ قَلِيْلاً مَا تَذَكَّرُونَ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة النمل
الآية 62
محمد بن عباس عن حميدأحمد بن زياد عن الحسين بن محمد بن سماعة عن ابراهيم بن عبد
الحميد،عن ابى عبد الله(عليه السلام)قال:
انّ القائم (عليه السلام) اذا خرج دخل المسجد الحرام فيستقبل القبلة الكعبة و يجعل
ظهره الى المقام ثم يصلي ركعتين ثم يقوم فيقول:
يا ايها الناس أنا اولى الناس بادم(عليه السلام) ،يا ايها الناس أنا اولى الناس
بابراهيم(عليه السلام)،يا ايها الناس انا اولى الناس باسمعيل عليه السلام،يا ايها
الناس انا اولى الناس بمحمد(صلى الله عليه وآله).
ثم يرفع يديه الى السماء و يدعوا و يتضرع حتى يقع على وجهه،و هو قول اللّه عزّوجل:
أَمَّنْ يُجِيْبُ اَلْمُضْطَرَ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ
خُلَفآءَ اَلْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اَللَّهِ قَلِيْلاً مَا تَذَكَّرُونَ ( )
الحكاية العاشرة
: السيد محمد مهدي بحر العلوم(قدس سره)
نقل جناب المولى السلماسي(طاب ثراه) عن ناظر أموره في أيام مجاورته بمكّة
قال:كان(رحمه اللّه)مع كونه في بلد الغربة منقطعا عن الأهل و الأخوة،قويّ القلب في
البذل و العطاء،غير مكترث بكثرة المصارف.
فاتّفق في بعض الأيام أن لم نجد الى درهم سبيلا فعرّفته الحال،و كثرة المؤنة،و
انعدام المال،فلم يقل شيئا.
و كان دأبه أن يطوف بالبيت بعد الصبح و يأتي الى الدار،فيجلس في الغرفة المختصّة به
و نأتي اليه بغليان فيشربه،ثم يخرج الى غرفة اخرى يجتمع فيها تلامذته،من كلّ
المذاهب فيدرس لكلّ على مذهبه.
فلمّا رجع من الطواف في اليوم الذي شكوته في أمسه نفوذ النفقة،و أحضرت الغليان على
العادة،فاذا بالباب يدقّه أحد،فاضطرب أشدّ الاضطراب،و قال لي:
خذ الغليان و أخرجه من هذا المكان.
و قام مسرعا خارجا عن الوقار و السكينة و الآداب،ففتح الباب و دخل شخصٌ جليل في
هيئة الأعراب،و جلس في تلك الغرفة و قعد السيد عند بابها،في نهاية الذلّة و
المسكنة،و أشار اليّ أن لا اُقرِّب اليه الغليان.
فقعدا ساعة يتحدّثان،ثمّ قام،فقام السيد مسرعا و فتح الباب،و قبّل يده و أركبه على
جمله الذي أناخه عند الباب،و مضى لشأنه و رجع السيد متغير اللون و ناولني براة و
قال:هذه حوالة على رجل صرّاف،قاعد في جبل الصفا،فاذهب اليه و خذ منه ما أحيل عليه.
قال:فأخذتها و أتيت بها الى الرجل الموصوف،فلمّا نظر اليها قبّلها و قال:عليّ
بالحماميل،فذهبت و أتيت بأربعة حماميل فجاء بالدارهم من الصنف الذي يقال له ريال
فرانسة،يزيد كلّ واحد على خمسة قرانات العجم و ما كانوا يقدرون على حمله،فحملوها
على أكتافهم،و أتينا بها الى الدار.
و لمّا كان في بعض الأيّام، ذهبت إلى الصرّاف لأسأل منه حاله،و ممّن كانت تلك
الحوالة فلم أر صرّافا و لا دكّانا.
فسألت من بعض من حضر في ذلك المكان عن الصرّاف،فقال:ما عهدنا في هذا المكان صرّافا
أبدا و انّما يقعد فيه فلان.
فعرفت انّه من أسرار الملك المنّان،و ألطاف وليّ الرحمان.
و حدّثني بهذه الحكاية الشيخ العالم الفقيه النحرير المحقّق الوجيه،صاحب التصانيف
الرائقة،و المناقب الفائقة،الشيخ محمد الكاظمي المجاور بالغرىّ(أطال الله بقاه)عمّن
حدّثه من الثقات عن الشخص المذكور.( )
إشارة :
ذكر في سبب بقاء السيد بحر العلوم في مكة المكرمة انه سافر اليها قاصدا الحج فلم
يدرك الموسم،فاختار المكث فيها الى العام القابل،لصعوبة السفر آنداك و استغراقه مدة
طويلة،هذا في ظاهر الحال.
و لعلّ هناك اسباب اخري حقيقية هي التي دفعت السيد الى البقاء،و قد يكون ذلك بامر
من ولي اله (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) لكي ينتفع الناس من هذا البحر الزاخر
الذي هو قطرة من علم الأئمة(عليهم افضل الصلوة و السلام).
و لا يخفى عليك عزيري القارىء الالطاف التي حظي بها هذا السيد من قبل الامام(عجل
اللّه تعالى فرجه الشريف)كما ذكر في الحكاية.
و باعتقادنا،ان مراجعنا العظام و مروجي المذهب الحق يعيشون دائما في ظل الطاف
الامام الحجة(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)و انه يتلطف عليهم باستمرار،فما احرانا
بتجليل مراجعنا و اكبارهم و الانقياد لنصائحهم و ارشاداتهم فانهم حجّة الامام(عجل
اللّه تعالى فرجه الشريف)علينا.
اللّهم ارحم الماضين منهم و احفظ الباقين و ايدهم بتأييداتك الوافرة.