الآية الحادية عشرة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة ص
ايه 88
روى الحافظ القندوزي (الحنفي ) باسناده قال:
عن عاصم بن حميد عن الباقر(عليه السلام)في قوله تعالى:
وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ
قال:لتعلمن نبأه أى:نبأ القائم عند خروجه.( )
الحكاية الحادية عشرة : الحاج مؤمن
ذكر الشهيد السيد عبد الحسين دستغيب في كتابه «القصص العجيبة» قال:حدثنى صاحب مقام
اليقين المرحوم «الحاج عباس علي» المعروف «بالحاج مؤمن» و هو من اهل المكاشفات و
الكرامات قال:في اوائل شبابي،كنت اشتاق كثيراً للتشرّف و زيارة مولاى الامام
الحجّة،حتّى سلبت منّي الرّاحة و الاستقرار شوقا اليه و وصل بي الأمر ان حرّمت على
نفسي الطعام و الشراب حتى احظى بلقائه(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)،(و لا شك في ان
هذا التصميم منّي كان ناشئا عن قلة المعرفة و شدة الاشتياق).
بقيت يومين و ليلتين لم اذق طعاما و لا شرابا،و في الليلة الثالثة اضطررت الى شرب
قليل من الماء،ثم عرضتني حالة غشوة فرأيت في تلك الحالة مولاى الامام الحجّة(عليه
السلام)فاعترض عليّ و قال:لماذا تفعل هذا بنفسك؟سابعث اليك بطعام،فكله.
عدت الى حالتي الطبيعية و كان قد مضى من الليل ثلثه و كنت حينئذ في المسجد(مسجد
مردزك)و كان المسجد مغلقا في تلك الساعة و خاليا من الناس.
و فجأة سمعت طرقات الباب،فتحت الباب فرأيت رجلا قد غطّى رأسه بعباءة،فأخرج ظرفا من
تحت العباءة و كان مملوءا طعاما و قال لي مرتين:كله و لا تعط منه شيئا لأحد.ثم وضع
الظرف تحت منبر المسجد و انصرف.
اغلقت الباب و دخلت الى المسجد فوجدت ان ذلك الاناء مملوء بالرز و الدجاج
المشوي،فأكلت منه و كان لذيذا لا توصف لذته.
و في اليوم الثاني،قبل الغروب جاءني المرحوم الميرزا محمد باقر و هو من الأخيار و
ابرار ذلك الزمان،فطالبني أولا بالاناء،ثم اعطاني مقدارا من النقود كان قد وضعها في
كيس و قال لي:
أنت مأمور بالسفر،فخذ هذه النقود و سافر الى مشهد الامام الرضا(عليه السلام)مع
قافلة السيد هاشم(و هو امام جماعة مسجد سردزك)و ستلتقي في الطريق برجل جليل القدر و
تستفيد منه كثيرا.
يقول الحاج مؤمن:
سافرت بذلك المال مع المرحوم السيد هاشم،و عندما تجاوزنا مدينة طهران،صادفنا شيخا
عجوزا على قارعة الطريق،أشّر لنا بالتوقف،فتوقفنا عن السير و اركبناه في السيارة
بعد الاستئذان من السيد هاشم.
صعد الشيخ و جلس الى جانبي،و تحركت السيارة.في اثناء الطريق علمني الشيخ و كان طيب
القلب نيرّ الضمير،علمني بعض الأمور و الارشادات و المواعظ،كما انه اخبرني ببعض ما
سيجري عليّ الى أواخر حياتى و اخبرنى عن كل ما فيه مصلحتي.و قد حصل كلّ الذي اخبرني
به.
و من جملة ما أمرني به هذا الرجل هو انه نهاني عن الاكل في المطاعم و المقاهي
الكائنة على الطرق الخارجية العامة و قال:ان طعام الشبهة يترك اثرا سيئا على القلب.
و كان مع هذا الرجل سفرة طعام يفرشها متى ما اراد أن يأكل،و كان يخرج منها الخبز
الطازج الشهي حتى ما اشهيت الطعام و كان احياناً يعطيني الكشمش الاخضر.
و لما ان وصلنا الى موضع(قدمگاه) قال لى:
لقد اقترب اجلي،و لن أصل الى مشهد الامام الرضا(عليه السلام)،و اعلم ان تجهيزي
سيكون على يد السيد هاشم.
يقول الحاج مؤمن:لما سمعت ذلك منه،اضطربت كثيرا فقال لي:لا تخف،و اهدأ و لا تخبر
احدا بشيء حتى تكون و فاتي،و سلم أمرك الى اللّه.
و عندما وصلنا الى جبل «طرق» و كان طريق الزوار حينذاك يمرّ من هناك،توقفت السيارة
و نزل المسافرون و اشتغلوا بالسلام على الامام الرضا(عليه السلام) و كان معاون
السائق يرشد الناس الى منظر القبة الذهبيّة السامية للامام(عليه السلام)و يأخذ منهم
الهدية على ذلك.
فىهذه الاثناء،اتجه الشيخ العجوز الى موضع هناك ثم نظر الى قبة الامام الرضا(عليه
السلام)و بعد السلام و التحية على الامام(عليه السلام) بكى كثيرا،ثم قال:
يا مولاى،لم اكن لائقا للوصول الى قبرك الشريف!!.
ثم نام على الارض مستقبلا القبلة و وضع عباءته على رأسه.
بعد لحظات،ذهبت عند رأسه و كشفت العباءة عن وجهه فاذا هو مفارق للحياة.
جلست عند رأسه ابكي و انحب و انوح عليه،فاجتمع المسافرون حولي،و سألوني عن الموضوع
فاخبرتهم بالقصة كاملة و بيّنت لهم بعض احواله فأخذوا بالبكاء و الحسرة.
اخذنا جنازة الرجل الى مشهد الامام الرضا(عليه السلام)،و جهزناها و دفناه في صحن
الامام(عليه السلام) كما أخبرني هو بذلك.
إشارة :
من هذه الحكاية العجيبة،يمكن استفادة امور;
منها:انّه على الرغم من ان السعي الى التشرف بخدمة الامام الحجة(عجل اللّه تعالى
فرجه الشريف) أمر مطلوب بل هو غاية كل مؤمن،الّا انه لا ينبغي للانسان ان يتوسل باي
طريقة للوصول الى ذلك حتى لو كانت تدخل الضرر على نفسه بل هناك سبل يمكن اتّباعها
للتشرف و الفوز بلقائه بعد الاذن منه(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
و منها:ان أولياء اللّه في هذه الارض كثيرون و لكنهم لا يظهرون أنفسهم الّا في
الموارد الضرورية و عندما تكون هناك مصلحة في ذلك،و كما ورد عن امير المؤمنين(عليه
السلام):ان اللّه اخفى اوليائه في عباده،فلا تحتقرن احدا من عباده فقد يكون وليا من
أوليائه.
و لو لا وجود هؤلاء الصالحين و الابدال في هذه الارض،لتغير حال الناس،كما ورد ذلك
في الاخبار و في الآيات القرآنية أيضا فان اللّه عزوجل يرفع العذاب عن اقوام لوجود
امثال هؤلاء الابدال فيهم.
الآية الثانية عشرة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
أُولَئِك حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة المجادلة
الآية 22
اخرج الحافظ القندوزي في ينابيعه،بسنده قال:
عن جابر بن عبد الله الانصاري عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) قال في حديث طويل
عندما يسئل النبي(صلى الله عليه وآله)عن اوصيائه،فعدّهم النبي الاكرم(صلى الله عليه
وآله) الى ان قال:
و من بعده(اي بعد الحسن العسكري) ابنه محمد،يدعى بالمهدى و القائم و الحجّة،فيغيب
ثم يخرج،فاذا خرج يملأ الارض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما طوبى للصابرين في
غيبته،طوبى للمقيمين على محبته اولئك الذين وصفهم اللّه في كتابه و قال:
هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب
و قال تعالى:
…وَ اُولئكَ حِزبُ اَللَّه اِنَّ حِزْبَ اَللَّه هُمُ اَلْمُفْلِحُون( )
الحكاية الثانية عشرة :
السيد بن طاووس(قدس سره)
روى السيد ابن طاووس في «جمال الاسبوع» زيارة أمير المؤمنين(عليه السلام) يوم
الأحد،برواية من شاهد في اليقظة صاحب الزمان(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و هو
يزوره بها.
و الزيارة هى:
«السلام على الشجرة النبوية و الدوحة الهاشمية المضيئة المثمرة بالنبوّة المونقة
بالامامة،و على ضجيعيك آدم و نوح(عليهما السلام)السلام عليك و على أهل بيتك الطيبين
الطاهرين،السلام عليك و على الملائكة المحدقين بك و الحافّين بقبرك،يا مولاى يا
أمير المؤمنين هذا يوم الأحد و هو يومك و باسمك و أنا ضيفك فيه و جارك فأضفنى يا
مولاى و أجرنى فانّك كريم تحبّ الضيافة و مأمور بالاجارة فافعل ما رغبت اليك فيه و
رجوته منك بمنزلتك و آل بيتك عند اللّه،و منزلته عندكم،و بحقّ ابن عمّك رسول اللّه
صلى اللّه عليه و عليكم أجمعين»( )
إشارة :
لعلّ المشاهد هو نفس السيد ابن طاووس(قدس سره) لكنه لم يفصح عن ذلك لورعه،حيث عرفت
عزيزي انَّه نقل ايضا المناجات التي سمعها هو بنفسه عن الحجّة(عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف)في السرداب سحرا،و التي ذكرناها في الحكاية الاولى في هذا الكتاب.
ثم اعلم ان هذه الزيارة للأمير (عليه السلام)،باعتبار تقسيم ايام الاسبوع على
المعصومين(صلوات اللّه عليهم) حيث ان يوم السبت خفيره رسول اللّه (صلى الله عليه
وآله) و يوم الأحد خفيره امير المؤمنين(عليه السلام)و اضاف اليه السيد،مولاتنا
فاطمة الزهراء(عليها السلام)و لعله استفاد ذلك من اخبار اخرى.و تقسيم باقى ايام
الاسبوع على الائمة(عليهم السلام).
و للمحقق النوري تحقيق في هذا الباب.( )
و اعلم حفظك اللّه و رعاك ان ورود هذه الزيارة على لسان المعصومين(عليهم السلام)
انما هي لطف منهم للمؤمنين حيث انهم يعلمونهم ادب مخاطبة هذه الوجودات الطاهرة،و لو
لا ذاك لوقع الناس في محاذير كثيرة في مخاطبتهم للأئمة(عليهم السلام)،و قد يفرّط
البعض و ينتقص من مقامهم السامي ويفرط البعض و يغلو بهم فجاءت زيارتهم على لسانهم
صونا لنا عن ذلك و لله الحمد و الشكر،و لحججه المنة و اللطف علينا ما بقينا و بقي
الليل و النهار.
الآية الثالثة عشرة:
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِاَلْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْكَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة الفتح الآية 28
سورة التوبة الآية 33
سورة القصص الآية 9
اخرج العلامة الكنجي في (البيان) و الشبلنجي في (نور الأبصار)قالا:
جاء في تفسير الكتاب عن سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى:
«ليظهره على الدين كلّه و لو كره المشركون»
قالا:هو المهدي من ولد فاطمة (عليها السلام).( )
و روى الحافظ القندوزي باسناده عن الامام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) فى قوله
تعالى:
هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِاَلْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْكَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
قال(عليه السلام):و اللّه ما يجيء تأويلها حتى يخرج القائم المهدى(عليه السلام).
فاذا خرج (القائم)لم يبق مشرك الا كره خروجه.
و لا يبقى كافر الاّ قتل حتى لو كان كافر في بطن صخرة قالت:
يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني و اقتله.( )
الحكاية الثالثة عشرة : السيد
الرشتي
نقل المحقق الشيخ حسين النوري (قدس سره) في النجم الثاقب هذه الحكاية الشريفة،فقال:
قد تشرّف بزيارة النجف الأشرف جناب المستطاب التقي الصالح السيد احمد بن السيد هاشم
بن السيد حسن الرشتي ساكن رشت أيّده اللّه،قبل سبعة عشر سنة تقريبا.
و قد جائنى الى المنزل مع العالم الرّباني و الفاضل الصمداني الشيخ علي الرشتي ـ
طاب ثراه ـ
فلمّا نهضنا للخروج نبّهني الشيخ الى أن السيد احمد من الصلحاء المسدّدين و لمّح
اليّ انّ له قصّة عجيبة و لم يسمح المجال حينها في بيانها.
و بعد عدّة أيام من اللقاء قال لي الشيخ:انّ السيد قد ذهب،ثم نقل لى جملة من حالات
و أحوال السيد مع قصّته،فتأسّفت لذلك كثيرا لعدم سماعي القصّة منه شخصا، و لو انّ
مقام الشيخ(رحمهم الله) أجلّ من أن ينقل شيئا خلاف ما نقل له.
و بقي هذا الموضوع في ذهني من تلك السنة و حتى جمادى الآخره من هذه السنة حيث كنت
راجعا من النجف الأشرف الى الكاظمين فالتقيت بالسيد الصالح المذكور و هو راجع من
سامراء و كان عازما على السفر الى بلاد العجم،فسألته عن ما سمعته من أحواله و من
جملتها المعهود،فنقل كل ذلك ما طابق النقل الأول،و القضية بما يلي;قال:
عزمت على الحج في سنة ألف و مائتين و ثمانين فجئت من حدود رشت الى تبريز و نزلت في
بيت الحاج صفر علي التاجر التبريزي المعروف و لعدم وجود قافلة فقد بقيت متحيّرا الى
أن جهز الحاج جبارجلودار السدهي الاصفهاني قافلة الى (طربوزن) فاكتريت منه مركبا
لوحدي و سافرت.
و عندما وصلت الى أوّل منزل التحق بي ـ و بترغيب الحاج صفر علي ـ ثلاثة أشخاص
آخرين،أحدهم الحاج الملّا باقر التبريزى،الذى كان يحج بالنيابة و كان معروفا لدى
العلماء،و الحاج سيد حسين التاجر التبريزى و رجل يسمى الحاج علي و كان يشتغل
بالخدمة.
ثم ترافقنا بالسفر الى أن وصلنا الى(أرضروم)،و كنّا عازمين على الذهاب من هناك
الى(طربزون) و في أحد تلك المنازل التي تقع بين هاتين المدينتين جاءني الحاج جبار
جلو دار و قال:بأن هذا المنزل الذي قدامنا مخيف فعجّلوا حتى تكونوا مع القافلة
دائما،و ذلك لأننا كنّا غالبا ما نتخلّف عن القافلة بفاصلة في سائر
المنازل،فتحرّكنا سويّة بساعتين و نصف،أو ثلاث ساعات بقيت الى الصبح ـ على التخمين
ـ و ابتعدنا عن المنزل الذي كنّا فيه مقدار نصف أو ثلاثة أرباع الفرسخ فاذا بالهواء
قد تغيّر و اظلمت الدنيا و ابتدأ الثلج بالتساقط،فحينئذ غطى كل واحد منّا و من
الرفقاء رأسه و أسرع بالسيد.و قد فعلت أنا كذلك لألتحق بهم و لكنّي لم أتمكن على
ذلك فذهبوا و بقيت وحدي.ثم نزلت بعد ذلك من فرسي و جلست على جانب الطريق،و قد
اضطربت اضطرابا شديدا لأنه كان معي قرابة ستمائة تومان لنفقة الطريق.
و بعد أن فكّرت و تأملت بأمري قررت أن أبقى في هذا الموضع الى أن يطلع الفجر،ثم
ارجع الى الموضع الذي جئت منه،و آخذ معي من ذلك الموضع عدّة اشخاص من الحرس فألتحق
بالقافلة مرّة ثانية.
و بهذه الأثناء رأيت بستانا أمامي،و في ذلك البستان فلاح بيده مسحاة يضرب بها
الأشجار فيتساقط الثلج منها،فتقدّم اليّ بحيث بقيت فاصلة قليلة بينه و بيني،ثم
قال:من أنت؟
قلت ذهب اصدقائي و بقيت وحدي و لا أعرف الطريق فتهتُ.
فقال باللغة الفارسية:نافله بخوان تا راه پيدا كنى.
(أىْ صلّ النافلة ـ و المقصود منها صلاة الليل ـ لتعرف الطريق.)
فاشتغلت بصلاة النافلة و بعدما فرغت من التهجد،عاد اليّ مرّة اخرى و قال:
ألم تذهب بعد؟!
قلت و اللّه لا أعرف الطريق.
قال:جامعه بخوان.(اقرأ الجامعة).
و لم أكن احفظ الجامعة و ما زلت غير حافظ لها مع انّي تشرّفت بزيارة العتبات
المقدّسة مرارا … و لكنني وقفت مكاني و قرأت الجامعة كاملة عن ظهر الغيب،ثم جاء و
قال الم تذهب بعد؟!
فأخذتني العبرة بلا ارادة و بكيت و قلت:ما زلت موجودا و لا أعرف الطريق.
قال:عاشورا بخوان.(اقرأ عاشوراء).
و كذلك انّي لم أكن احفظ زيارة عاشوراء و ما زلت غير حافظ لها،فقمت من مكاني و
اشتغلت بزيارة عاشوراء من الحافظة عن ظهر غيب الى أن قرأتها جميعا و حتى اللعن و
السلام و دعاء علقمة،فرأيته عاد اليّ مرّة اخرى و قال: (نرفتي،هستي).ألم
تذهب؟بعدك؟!.
فقلت:لا،فاني موجود و حتى الصباح.
قال:أنا أوصلك الى القافلة الآن(من حالا ترا به قافله مي رسانم).
ثم ذهب و ركب على حمار و وضع مسحاته على عاتقه و جاء فقال،اصعد خلفي على حماري
(برديف من بر الاغ سوار شو).
فركبت و أخذت بعنان فرسي فلم يطاوعني و لم يتحرّك،فقال:(جلو اسب را بمن ده)ناولني
لجام الفرس.فناولته،فوضع المسحاة على عاتقة الأيسر و أخذ الفرس بيده اليمنى و أخذ
بالسير،فطاوعه الفرس بشكل عجيب و تبعه.
ثم وضع يده على ركبتي و قال:(شما چرا نافله نمى خوانيد;نافله،نافله،نافله …)
(لماذا لا تصلّوا النافلة؟النافلة …النافلة …النافلة)قالها ثلاث مرّات.
ثم قال:(شما چرا عاشورا نمي خوانيد؟ …عاشورا …عاشورا …عاشورا)
لماذا لا تقرأون عاشوراء؟عاشوراء …،عاشوراء …عاشوراء …؟قالها ثلاث مرّات.
ثم قال:(شما چرا جامعه نمي خوانيد: جامعه …جامعه …جامعه).
لماذا لا تقرءوا الجامعة؟(الجامعة …الجامعة … الجامعة).
و عندما كان يطوي المسافة كان يمشي بشكل مستدير،فجأة رجع و قال:(آنست رفقاي شما)
هؤلاء اصحابك.
و كانوا قد نزلوا على حافة نهر فيه ماء يتوضون لصلاة الصبح.فنزلت من الحمار لأركب
فرسي فلم أتمكن فنزل هو و ضرب المسحاة في الوفر و أركبني و حول رأس فرسي الى جهة
أصحابي و بهذه الأثناء وقع في نفسى:من يكون هذا الانسان الذي يتكلم باللغة الفارسية
علماً ان اهل هذا المنطقة لا يتكلّمون الّا باللغة التركية،و لا يوجد بينهم غالبا
الّا اصحاب المذهب العيسوي(المسيحيّون)و كيف أوصلني الى أصحابي بهذا السرعة؟!فنظرت
و رائي فلم أر أحدا و لم يظهر لي أثر منه،فالتحقت برفقائي.( )
إشارة :
في هذه الحكاية امور مهمة جدا ينبغى الاهتمام بها كثيرا لكل من اراد قضاء الحوائج
من قاضى الحاجات عزوجل.
الأمر الاول:أهمية صلاة الليل،حيث اكّد الامام(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)على
ضرورتها ثلاثا،و لا غرابة في ذلك بعد التأكيد الحثيث عليها في القرآن الكريم حتى
ورد في فضلها«و من الليل فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا» حيث جعل
الوصول الى المقام المحمود مشروطا بها.
كما ان الروايات الشريفة عن النبي الاكرم(صلى الله عليه وآله) و اهل بيته
الطاهرين(عليهم السلام) وردت في بيان ثمرات هذه الطاعة الكريمة و آنهاوسيلة للرزق و
قضاء الحوائجو بنور الوجه و العزة في الدنيا و الاخرة منهاماورد عنهم(عليه
السلام):(المال و البنون زينة الحياة الدنيا و ركعتان يصليهما المؤمن في جوف الليل
زينة الحياة الاخرة).
الأمر الثاني:اهمية الزيارة الجامعة و شرفها حتى ورد ان كبار علمائنا كانوا لا
يزورون الائمة (عليهم السلام) الّا بها لفضلها و شرفها.
و أمّا التشكيك في سندهاـ نعوذ باللّه ـ فهو من تخرصات قليلي الاطلاع و التوفيق.فقد
ذكر العلامة المجلسي (أعلى اللّه مقامه)«انها من اصح الزيارة سندا و اعمّها موردا و
افصحها لفظا و ابلغها معنى و اعلاها شأنا».
الأمر الثالث:ما يرتبط بزيارة عاشوراء،التي لا تسانخها سائر الزيارات،بل هي كما
يعبِّر عن ذلك المحقق النوري(قدس سره)انها من سنخ الاحاديث القدسية نزلت بهذا
الترتيب من الزيارة و اللعن و السلام و الدعاء من الحضرة الاحدية جلّت عظمته الى
جبرئيل الامين و منه الى خاتم النبيين(صلى الله عليه وآله) و المداومة عليها له
آثار لا تخفى على اهل الايمان فبها يستدفع الضُرّ و البلاء و المرض،و بها يستجلب
الرزق و العافية و العلم و العزّ.
و قد ورد في بيان فضلها و اهميتها حكايات كثيرة جدا فراجع دار السلام للمحقق
النوري(قدس سره).
و اعلم ايها العزيز،ان الأمر من قبل الحجّة(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) بهذه
الأمور الثلاثة مجتمعة،لم يكن بلا دليل و بلا ثمرة لاجتماعها،و حاشاه و حاشا آبائه
الطاهرين من ان يقولوا ما ليس فيه فائدة عظمى و اهمية قصوى،فهم الذين زقّوا العلم
زقّا و هم ابناء مدينة العلم و بابها.
و لا يخفى عليك ان صلوة الليل تهذب الانسان على الاخلاص في الطاعة و العبادة.
و ان الزيارة الجامعة تهذبه عقائديا.
و ان زيارة عاشوراء تهذبه اجتماعيا و سياسيا،لانها ثورة على الظلم و الجور و الفساد
الذي تجسد في بني امية و اتباعهم،و الزائر بهذه الزيارة يتبرأ من هؤلاء و اتباعهم و
يعلن ثورته و لعنه لهم و لاتباعهم.
فزيارة عاشوراء تربى الثوار.
و بضم الجامعة و النافلة،يتخرج هذا الانسان من مدرسة اهل البيت (عليهم السلام)
عابدا مخلصا صحيح الاعتقادات ثائراً على الظلم و الجور،و هذه هي اهم صفات انصار
الامام المهدي(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و لعلّه لهذا و لغيره جاء تأكيد الامام
المهدى (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) ثلاثا على المداومة على هذه الامور الثلاثة
بل و الظاهر من كلامه التأنيب و اللوم على تركها كما هو واضح من تصفح الحكاية
المذكورة.
«اللّهم العن اول ظالم ظلم حقّ محمد و آل محمد و اخر تابع له على ذلك،اللهم العن
العصابة التى جاهدت الحسين (عليه السلام) و شايعت و بايعت و تابعت على قتله اللهم
العنهم جميعا».
آمين يا رب العالمين.
الآية الرابعة عشرة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ السَّاعَةَ أَن تأتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ
أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ اِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرهُمْ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة محمد(صلى الله عليه وآله)
الآية 18
روى السيوطي(الشافعي) في تفسير هذه الآية عن الترمذي،و نعيم بن حماد،عن ابي هريرة
قال:قال رسول الله(صلى الله عليه وآله):
«ينزل بامتى في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم،حتى تضيق عليهم الأرض،فيبعث اللّه
رجلامن عترتي فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا،يرضى عنه ساكن السماء و
الأرض الخ»( )
و في حديث ابن ماجة و الحاكم عن ثوبان،عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله):
«فانه خليفة اللّه المهدى».( )
الحكاية الرابعة
عشرة : الشيخ الحر العاملي(قدس سره)
يقول الشيخ الاجلّ المرحوم الحرّ العاملي المدفون في صحن الامام الرضا(عليه الصلوة
و السلام):
عندما كنت في سن العاشرة من العمر،ابتليت بمرض صعب،عجز الاطباء جميعا عن علاجه،حتى
وصل الأمر ان اقربائي جميعا اجتمعوا حول سريري و هم يبكون على حالي بعد ان يأسوا من
شفائي و تيقنوا موتي كما اخبرهم الاطباء.
و في تلك الليلة رأيت النبي الاكرم و الائمة الاثني عشر(عليهم الصلوة و
السلام)واقفين حولى.
سلمت عليهم و صافحتهم واحدا واحدا،و جرت بينى و بين الامام الصادق(عليه
السلام)مذاكرة نسيت الآن تفاصيلها، و لكنني اتذكر انه دعا في حقي.
و عندما صافحت المولى ولى العصر و الزمان(ارواح العالمين لتراب مقدمه الفداء)،اخذت
بالبكاء و قلت له:سيدي و مولاي اخاف ان اموت في مرضي و لا اوفق لتحصيل العلم و
العمل به.
فقال(عليه السلام): لا تخف،فانك لن تموت من مرضك هذا، فان اللّه سيمنّ عليك بالشفاء
و تعيش عمرا طويلا.
ثم ناولني(عليه السلام)،قدحا من الماء كان بيده المباركة فشربت من ذلك الماء و شفيت
من مرضي فورا.
و في اليوم التالي تعجب الاقرباء و تحيّروا جميعا لشفائي المفاجىء،و بعد عدة ايام
اخبرتهم بالقصة.( )
إشارة :
اعلم انه و ان لم يصّرح الشيخ(قدس سره) بانه رآهم (عليهم الصلوة و السلام) في عالم
اليقظة،الا انه من الواضح و بعد شفائه من مرضه،ان ذلك لم يكن في عالم المنام،فان لم
يكن في عالم اليقظة فهو في عالم غير عالم المنام جزما،و علمُ ذلك العالم عند خالق
العوالم عزوجل.
و ايضا يستفاد من القصة بان هؤلاء الصلحاء انما يطلبون طول العمر من اجل العلم و
تحصيله و العمل به،لا من اجل الالتذاذ بالملذات الدنيوية،و هذا ما ينبغي ان يسعى
اليه كل انسان عاقل،فلا كرامة للحياة مع الجهل،فالجهل موت و العلم حيوة و كما قال
الشاعر:
«الناس موتى واهل العلم احياء»
و قد وفق هذا العالم الجليل لتأليف كتابه النبيل«وسائل الشيعة» الذي هو محل استفادة
طلاب العلم كافة.
الآية الخامسة عشرة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
وَ إِذْ ابْتَلى إِبْرهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَت فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي
جَاعِلُكَ لِلْنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَ مِن ذُرِّيِّتِى قَالَ لَا يَنالُ عَهْدِىْ
اَلْظَّلِمِينَ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة البقرة
الآيه 124
روى الحافظ القندوزي باسناده عن المفضل بن عمر،قال:سألت جعفراً الصادق(عليه
السلام)عن قوله عزوجل:
وَ إِذْ ابْتَلى إِبْرهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَت فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى
جَاعِلُكَ لِلْنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَ مِن ذُرِّيِّتِى قَالَ لَا يَنالُ عَهْدِىْ
اَلْظَّلِمِينَ
قال (ع) :هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه و هو انه قال:
(يا رب اسألك بحق محمد و على و فاطمة و الحسن و الحسين الاّ تبت علىّ).
«فتاب عليه انه هو التواب الرحيم».
فقلت له:يا ابن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فما يعني بقوله «فأتمّهنّ»؟
قال:يعنى،اتمّهنّ الى القائم المهدى اثني عشر اماماً،تسعة من (ولد) الحسين.( )
الحكاية الخامسة عشر : الشيخ
حسين آل رحيم
قال العلامة المحدث النوري في النجم الثاقب:
حدث الشيخ العالم الفاضل الشيخ باقر الكاظمي نجل العالم العابد الشيخ هادي الكاظمي
المعروف بآل طالب انه كان هناك رجل مؤمن في النجف الأشرف من البيت المعروف بـ(آل
رحيم) يقال له الشيخ حسين رحيم.
و حدّثني ايضاً العالم الفاضل و العابد الكامل مصباح الأتقياء الشيخ طه من آل سماحة
العالم الجليل و الزاهد العابد بلا بديل الشيخ حسين نجف و هو امام الجماعة في
المسجد الهندي في النجف الأشرف و مقبول في التقوى و الصلاح والفضل لدى الخواص و
العوام.
و كان الشيخ حسين المذكور رجلا طاهر الطينة و الفطرة و من مقدسي المشتغلين.( )
و كان معه مرض السّعال اذا سعل يخرج من صدره مع الاخلاط دم،و كان مع ذلك في غاية
الفقر و الاحتياج،لا يملك قوت يومه.
و كان يخرج في أغلب أوقاته الى البادية الى الأعراب الذين في أطراف النجف
الأشرف،ليحصل له قوت و لو شعير،و ما كان يتيسر ذلك على وجه يكفيه،مع شدّة رجائه.
و كان مع ذلك المرض و الفقر قد تعلّق قلبه بالتزويج بامرأة من أهل النجف،و كان
يطلبها من أهلها و ما أجابوه الى ذلك لقلّة ذات يده.
و كان في همّ و غمّ شديد من جهة ابتلائه بذلك.
فلمّا اشتدّ به الفقر و المرض،و أيس من تزويج البنت،عزم على ما هو معروف عند أهل
النجف من أنّه من أصابة أمر فواظب الرّواح الى مسجد الكوفة أربعين ليلة
أربعاء،فلابدّ أن يرى صاحب الأمر(عجل الله فرجه)من حيث لا يعلم و يقضى له مراده.
قال الشيخ باقر(قدس سره):قال الشيخ حسين( ):فواظبت على ذلك أربعين ليلة
أربعاء،فلمّا كانت الليلة الأخيرة و كانت ليلة شتاء مظلمة،و قد هبّت ريح عاصفة،فيها
قليل من المطر،و أنا جالس فى الدكّة التي هي داخل في باب المسجد و كانت الدكّة
الشرقيّة المقابلة للباب الأوّل الأيسر،عند دخول المسجد،و لا أتمكن الدّخول في
المسجد من جهة سعال الدّم،و لا يمكن قذفه في المسجد و ليس معي شيء أتّقي فيه عن
البرد،و قد ضاق صدري،و اشتدّ عليّ هميّ و غميّ،و ضاقت الدّنيا في عيني،و افكر انّ
الليالي قد انقضت، و هذه آخرها،و ما رأيت أحدا و لا ظهر لي شيء،و قد تعبت هذا التعب
العظيم،و تحمّلت المشاقّ و الخوف في أربعين ليلة،اجيء فيها من النجف الى مسجد
كوفة،و يكون لي الأياس من ذلك.
فبينما أنا افكّر في ذلك و ليس في المسجد أحد أبدا و قد أوقدت ناراً لاسخّن عليها
قهوة جئت بها من النجف،لا أتمكن من تركها لتعوّدي بها،و كانت قليلة جدّا،اذا بشخص
من جهة الباب الأوّل متوجّها اليّ،فلمّا نظرته من بعيد تكدّرت و قلت في نفسي:هذا
أعرابي من أطراف المسجد،قد جاء اليّ ليشرب من القهوة و أبقى بلا قهوة في هذا الليل
المظلم،و يزيد عليّ همّي و غمّي.
فبينما أنا افكر اذا به قد وصل اليّ و سلّم عليّ باسمي و جلس في مقابلي فتعجبت من
معرفته باسمي،و ظننته من الذين أخرُج اليهم في بعض الأوقات من اطراف النجف الاشرف
فصرت أسأله من أىّ العرب يكون؟ قال:من بعض العرب،فصرت أذكر له الطوائف التي في
أطراف النجف،فيقول:لا،لا،و كلّما ذكرت له طائفة قال:لا لست منها.
فأغضبني و قلت له:أجل أنت من «طريطرة»،مستهزءا«و هو لفظ بلا معنى».
فتبسّم من قولي ذلك،و قال:لا عليك من أينما كنتُ،ما الذي جاء بك الى هنا؟
فقلت:و أنت ما عليك السؤال عن هذه الأمور؟
فقال:ما ضرّك لو أخبرتني؟
فتعجبت من حسن أخلاقه و عذوبة منطقه،فمال قلبي اليه،و صار كلّما تكلّم ازداد حبّي
له،فعملت له السبيل من التتن،و أعطيته،فقال:أنت اشرب فأنا ما أشرب.
و صببت له في الفنجان قهوة و أعطيته،فأخذه و شرب شيئا قليلا منه،ثمّ ناولني الباقي
و قال:أنت اشربه.
فأخذته و شربته،و لم ألتفت الى عدم شربه تمام الفنجان،و لكن كان يزداد حبّي له آنا
فآنا.
فقلت له:يا اخي قد ارسلك اللّه الىّ في هذه الليلة تأنسني أفلا تروح معي لنجلس في
حضرة مسلم(عليه السلام) و نتحدّث؟
فقال:سأروح معك،فحدّث حديثك.
فقلت له:سأحكي لك الواقع أنا في غاية الفقر و الحاجة،مذ شعرت على نفسي،و مع ذلك معي
سعال أتنخّع الدّم،و أقذفه من صدري منذ سنين،و لا أعرف علاجه و ما عندي زوجة،و قد
علق قلبي بامرأة من أهل محلّتنا في النجف الاشرف،و من جهة قلّة ما في اليد ما تيسّر
لي أخذها،و قد غرّني هؤلاء الملّائية( ) و قالوا لي:اقصد في حوائجك صاحب
الزمان(عليه السلام)و بتّ أربعين ليلة اربعاء في مسجد الكوفة،فانّك تراه،و يقضي لك
حاجاتك و هذه آخر ليلة من الأربعين،و ما رأيت فيها شيئا و قد تحمّلت هذه المشاقّ في
هذه الليالي فهذا الذي جاء بى هنا،و هذه حوائجي.
فقال لي و أنا غافل غير ملتفت:«أمّا صدرك فقد برأ،و أمّا الامرأة فتأخذها عن قريب،و
أمّا فقرك فيبقى على حالة حتّى تموت».
كل هذا و أنا غير ملتفت الى هذا البيان أبدا.
فقلت:ألا تروح الى حضرة مسلم؟
قال:قم،فقمت و توجّه امامي،فلمّا وردنا أرض المسجد قال:ألا تصلّي صلاة تحية
المسجد؟فقلت:أفعل.
فوقف هو قريبا من الشاخص الموضوع في المسجد،و أنا خلفه بفاصلة، فأحرمت للصلاة و صرت
أقرأ الفاتحة.
فبينما أنا أقرأ و اذا به يقرأ الفاتحة قراءة ما سمعت أحدا يقرأ مثلها أبدا،فمن حسن
قراءته قلت في نفسي:لعلّه هذا هو صاحب الزمان(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و ذكرت
بعض كلمات له تدلّ على ذلك ثمّ نظرت اليه بعد ما خطر في قلبي ذلك،و هو في الصلوة و
اذا به قد أحاطه نور عظيم منعني من تشخيص شخصه الشريف،و هو مع ذلك يصلّي و أنا أسمع
قراءته،و قد ارتعدت فرائصي،و لا أستطيع قطع الصلاة خوفا منه فأكملتها على أىّ وجه
كان،و قد علا النور من وجه الارض،فصرت أندبه و أبكي و أتضجّر و أعتذر من سوء أدبي
معه في باب المسجد،و قلت له:أنت صادق الوعد،و قد وعدتني الرواح معي الى مسلم.
فبينما أنا اكلم النور،و اذا بالنور قد توجه الى جهة مسلم،فتبعته فدخل النور
الحضرة،و صار في جوّ القبّة،و لم يزل على ذلك و لم أزل أندبه و أبكي حتى اذا طلع
الفجر،عرج النور.
فلمّا كان الصباح التفتّ الى قوله:أمّا صدرك فقد برأ،و اذا أنا صحيح الصدر،و ليس
معي سعال أبدا.
و ما مضى أسبوع الّا وسهّل اللّه علىّ أخذ البنت من حيث لا أحتسب،و بقى فقري على ما
كان كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه و على آبائه الطاهرين.
إشارة :
من هذه القصة يمكن استفادة بعض الامور التي تهم المؤمن في حياته;
منها:ما يرتبط بالرياضات و المواظبة على بعض الاعمال أو الاوراد و الاذكار أربعين
صباحا،فلا شك في انه ورد في بعض النصوص فضل المداومة على بعض الاعمال اربعين صباحا
كالاخلاص في العمل حيث ورد «من اخلص للّه اربعين صباحا جرت ينابيع الحكمة من قلبه
على لسانه.»
أو ما ورد في القرآن الكريم في قصة نبي اللّه موسى بن عمران(عليه السلام) و الميعاد
الذي أتمه عزوجل أربعين ليلة و هو ما تعرّضنا اليه في المقدّمة،كلّ هذا صحيح،و لكن
و كما اشرنا الى ذلك سابقا بان التشرف بلقاء الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف) لا يخضع لهذه الأمور فهو ليس موجودا يمكن احضاره بمجرد القيام بعمل معين
أربعين يوما أو ليلة أو صباحا.
نعم،قد تسمو روح الانسان من خلال الممارسات العبادية و الأذكار و الأوراد،و يعيش
حالة الابتعاد عن التّعلقات الدنيويّة و المشتهيات النفسية،و يصل الى الصفاء الذي
يقربه اكثر فأكثر من الوجود الشريف للامام(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فيُتلطف
عليه بفوز اللقاء،و الله العالم.
و منها:فضل هذه الاماكن المقدسة التي ورد ذكرها في القصة و هي مسجد الكوفة و السهلة
و المقامات التي فيها،فهي مضان تواجده الشريف(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)،و كذا
كل مكان مقدس.
و لذا ينبغي للمؤمن ان لا يترك زيارة هذه الاماكن بنيّةِ التشرف بخدمة و النظر الى
طلعته.
و منها:ان حاجات الانسان التي يتوسل الى اللّه تعالى و يشفّع اوليائه في قضائها،حتى
لو كانت مشروعة،ليس بالضرورة ان تقضى حتى بالتشرف بخدمة المولى(عجل اللّه تعالى
فرجه الشريف).اذ لعلّ في فقدان الانسان لهذه الحاجة مصلحة لا يهتدي اليها نفس
الانسان و امّا قاضي الحاجات فهو اعرف بتلك المصلحة فعدم قضاء الحاجات احيانا يدخل
في مثل هذا المعنى و غيره مما لا مجال لبيانه هنا.
فطلب رفع الفقر و ان كان مشروعا و لكن قد تقتضي المصلحة بقاء الانسان على حالة
فقره،و كم من أولياء اللّه عاشوا حالة الفقر المدقع حتى اضطر بعضهم الى السكنى في
المساجد و الحسينيات العامة لعجزه عن دفع اجرة المنزل.
المهم ان يكون الانسان غنيا بنفسه عزيزاً لا يتذلل للمال و موارده،و ان يكون عزيزاً
بدينه و سجاياه و سلوكه فان الغنى غنى النفس والدين و الاخلاق.
«اللهم ارزقنا العفاف والكفاف».
الآية السادسة عشرة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
يُرِيدُ اَللَّهُ اَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمتِهِ وَ يَقْطَعَ دَابِرَ
الْكافِريِنَ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة الانفال
الآية 7
العياشي( ):عن جابر بن عبد اللّه الانصاري قال:سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن تفسير
هذه الآية في قول اللّه عزوجل: يُرِيدُ اَللَّهَ اَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمتِهِ
وَ يَقْطَعَ دَابِرَ الْكافِريِنَ قال ابو جعفر(عليه السلام):
«تفسيرها في الباطن يريد اللّه فانه شيء يريده و لم يفعله بعد،و اما قوله: يُحِقَّ
الْحَقَّ بِكَلِمتِهِفانه يعني يحقّ حقّ آل محمد،و اما قوله: بِكَلِمتِهِ قال:
كلماته في الباطن،على هو كلمة اللّه في الباطن،و اما قوله: وَ يَقْطَعَ دَابِرَ
الْكافِريِنَ فهم بنو امية،هم الكافرون يقطع اللّه دابرهم،و اما قوله لِيُحِقَّ
الْحَقَّ فانه يعني ليحق حق آل محمد عليهم السلامحين يقوم القائم (عليه السلام)و
اما قوله: وَ يُبطِلَ اَلباطِل يعني القائم عليه السلام،فاذا قام يبطل باطل بني
امية و ذلك قوله: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبطِلَ اَلْباطِل وَ لَو كَرِه
اَلُْمجْرِمُون( )
الحكاية السادسة عشرة : الشيخ
محمد بن عيسى
العلامة المجلسي قال:اخبرني بعض الافاضل الكرام والثقات الأعلام،قال:أخبرني بعض من
أثق به يرويه عمّن يثق به،و يطريه انّه قال:لمّا كان بلدة البحرين تحت ولاية
الافرنج،جعلوا واليها رجلا من المسلمين،ليكون أدعى الى تعميرها و أصلح بحال أهلها،و
كان هذا الوالي من النواصب،و له وزير أشدّ منه يظهر العداوة لاهل البحرين لحبّهم
لأهل البيت(عليهم السلام) و يحتال في اهلاكهم و اضرارهم بكلّ حيلة.
فلمّا كان في بعض الأيام دخل الوزير على الوالي و بيده رمّانة فأعطاها الوالي فاذا
كان مكتوبا عليها«لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه أبو بكر و عمر و عثمان و عليّ
خلفاء رسول اللّه».
فتأمّل الوالي فرأى الكتابة من أصل الرمانة بحيث لا يحتمل عنده أن يكون صناعة
بشر،فتعجّب من ذلك و قال للوزير: هذه آية بيّنة و حجة قويّة على ابطال مذهب الرافضة
فما رأيك في أهل البحرين.
فقال له:أصلحك اللّه انّ هؤلاء جماعة متعصّبون،ينكرون البراهين و ينبغي لك أن
تحضرهم و تريهم هذه الرمانة،فان قبلوا و رجعوا الى مذهبنا كان لك الثواب الجزيل
بذلك،و ان أبوْا الّا المقام على ضلالتهم فخيّرهم بين ثلاث:امّا أن يؤدّوا الجزية و
هم صاغرون،أو يأتوا بجواب عن هذه الآية البيّنة التي لا محيص لهم عنها،أو تقتل
رجالهم و تسبي نساءهم و أولادهم و تأخذ بالغنيمة أموالهم.
فاستحسن الوالي رأيه و أرسل الى العلماء و الأفاصل الأخيار و النجباء و السادة
الأبرار من أهل البحرين و أحضرهم و أراهم الرمانة،و أخبرهم بما رأى فيهم ان لم
يأتوا بجواب شاف،من القتل و الأسر و أخذ الأموال أو أخذ الجزية على وجه الصّغار
كالكفّار.
فتحيّروا في أمرها و لم يقدروا على جواب وتغيّرت وجوههم و ارتعدت فرائصهم.فقال
كبراؤهم:أمهلنا أيّها الأمير ثلاثة أيّام لعلّنا نأتيك بجواب ترتضيه و الّا فاحكم
فينا ما شئت.
فأمهلهم،و خرجوا من عنده خائفين،مرعوبين،متحيّرين،فاجتمعوا في مجلس و أجالوا الرأي
في ذلك،فاتفق رأيهم على أن يختاروا من صلحاء البحرين و زهّادهم عشرة،ففعلوا ثم
اختاروا من العشرة ثلاثة فقالوا لاءحدهم:اخرج الليلة الى الصحراء و اعبد اللّه فيها
و استغث بامام زماننا و حجة اللّه علينا،لعلّه يبيّن لك ما هو المخرج من هذه
الداهية الدهماء.
فخرج و بات طول ليلته متعبّدا خاشعا داعيا باكيا يدعو اللّه و يستغيث بالامام (عليه
السلام)حتى أصبح و لم يَرَ شيئا.
فأتاهم و أخبرهم فبعثوا في الليلة الثانية الثاني منهم،فرجع كصاحبه و لم يأتهم
بخبر،فازداد قلقهم و جزعهم.
فأحضروا الثالث و كان تقيا فاضلا اسمه محمد بن عيسى،فخرج الليلة الثالثة حافيا حاسر
الرأس الى الصحراء و كانت ليلة مظلمة فدعا و بكى و توسّل الى اللّه تعالى في خلاص
هؤلاء المؤمنين و كشف هذه البليّة عنهم،و استغاث بصاحب الزمان(عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف).
فلما كان في آخر الليل اذا هو برجل يخاطبه و يقول:يا محمد بن عيسى!ما لي أراك على
هذه الحالة،و لماذا خرجت الى هذه البريّة؟
فقال له:ايّها الرجل ! دعني فانّي خرجت لامر عظيم و خطب جسيم،لا أذكره الّا
لامامي،و لا أشكوه الاّ الى من يقدر على كشفه عنّي.
فقال:يا محمد بن عيسى أنا صاحب الأمر فاذكر حاجاتك.
فقال:ان كنت هو فأنت تعلم قصّتي و لا تحتاج الى أن أشرحها لك.
فقال له:نعم،خرجت لما دهمكم من أمر الرمّانة و ما كتب عليها و ما أوعدكم الأمير به.
قال:فلمّا سمعت ذلك توجّهت اليه و قلت له:نعم يا مولاي،قد تعلم ما أصابنا و أنت
امامنا و ملاذنا والقادر على كشفه عنّا.
فقال(صلوات الله عليه):يا محمد بن عيسى،انّ الوزير لعنه اللّه في داره شجرة
رمّان،فلمّا حملت تلك الشجرة صنع شيئا من الطين على هيئة الرّمانة و جعلها نصفين و
كتب في داخل كلّ نصف بعض تلك الكتابة ثم وضعها على الرمانة و شدّهما عليها و هي
صغيرة فأثر فيها و صارت هكذا.
فاذا مضيتم غدا الى الوالي فقل له:جئتك بالجواب و لكنّي لا أبديه الّا في دار
الوزير،فاذا مضيتم الى داره فانظر عن يمينك تري فيها غرفة،فقل للوالي:لا اجيبك الّا
في تلك الغرفة،و سيأبى الوزير عن ذلك،و أنت بالغ في ذلك و لا ترضّ الّا
بصعودها،فاذا صعد فاصعد معه و لا تتركه وحده يتقدّم عليك،فاذا دخلت الغرفة رأيت
كوّة فيها كيس ابيض،فانهض اليه و خذه فترى فيه تلك الطينة التي عملها لهذه
الحيلة،ثم ضعها أمام الوالي وضع الرمانة فيها لينكشف له جلّية الحال.
و ايضا يا محمد بن عيسى قل للوالي:انّ لنا معجزة اخرى،و هي أنّ هذه الرمانة ليس
فيها الّا الرماد و الدّخان،و ان أردت صحة ذلك فأمر الوزير بكسرها،فاذا كسرها طار
الرماد و الدخّان على وجهه و لحيته.
فلمّا سمع محمد بن عيسى ذلك من الامام فرح فرحا شديدا و قبّل الأرض بين يدى
الامام(صلوات اللّه عليه) و انصرف الى أهله بالبشارة و السرور.
فلمّا أصبحوا مضوا الى الوالي،ففعل محمد بن عيسى كلّ ما أمره الامام به،و ظهر كلّ
ما أخبره،فالتفت الوالي الى محمد بن عيسى و قال له:من أخبرك بهذا؟
فقال:امام زماننا و حجّة اللّه علينا.
فقال: و من امامكم؟
فأخبره بالائمة واحدا بعد واحد الى أن انتهى الى صاحب الأمر(صلوات اللّه عليه).
فقال الوالي:مدّ يدك فأنا اشهد أن لا اله الّا اللّه و انّ محمّدا عبده و رسوله و
أنّ الخليفة بعده بلا فصل أمير المؤمنين علىّ(عليه السلام)،ثم أقرّ بالائمّة (عليهم
السلام) الى آخرهم و حسن ايمانه،و أمر بقتل الوزير،و اعتذر الى أهل البحرين و أحسن
اليهم و أكرمهم.
قال:و هذه القصّة مشهورة عند اهل البحرين و قبر محمد بن عيسى عنهم معروف يزوره
الناس.( )
إشارة :
في الحكاية الشريفة نكات مهمة;
منها:استمرار عناد الناصبين العداء لأهل البيت (عليهم السلام)و اتباعهم على الرغم
من بيان العلماء للادلة القاطعة على حقانية مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
فهؤلاء المعاندون لا زالوا يتآمرون و ينصبون الفخاخ للقضاء على هذا المذهب و اتباعه
و يحاولون اطفاء هذا النور الذي أبى اللّه الا ان يتمّه و لو كره الكافرون و
المشركون و انت ترى عزيزي القارىْ مدى خبث هؤلاء في محاولاتهم الرامية لتحقيق غرضهم
الدني،و لو انهم صرفوا جزءاً صغيرا من هذا الوقت الذي يصرفونه للتأمر علينا،في
البحث عن الحق لكان خيراً لدينهم و دنياهم،و لكنهم «يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها».
و منها:التجاء أتباع مذهب الحق الى أئمتهم ساعة الشدة و العسر و اعتقادهم الراسخ
بوجود المنجي و المخلّص لهم من الشدائد و الابتلاءات.و هذا ما نحتاجه جميعا و على
الدوام،فهؤلاء الاطهار هم الملاذ و المأمن الذي لابد ان نلجأ اليه دوما لا القوى
التي نتصور أنها عظمى.
فاذا كان هذا ظننا بامامنا المغيّب الغوث (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) فانه بلا
شك سيسرع الى انقاذنا من الويلات التي نعيشها.
و من المعاني اللطيفة في هذه الحكاية ـ طبعا لنقلها الثاني الذي قرأته في مصدر آخر
ـ ان الشيخ محمد بن عيسى و هو ثالث العلماء الذين فزعوا اليه(عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف) سأله في آخر المحاورة التي جرت بينه و بين الامام(عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف) قائلا:سيدي،لماذا لم تدركنا في اول ليلة جئنا فيها للقائك؟
فقال(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف):«لأنّكم استمهلتم هؤلاء ثلاثة أيّام،و لو انكم
استمهلتموهم يوما واحداً،لجئتكم في اليوم الاول»!.
فعلينا عزيزي القاري ان نحسن الظن اكثر فاكثر بائمتنا و خاصة بامامنا المهدى (عجل
اللّه تعالى فرجه الشريف) لانه معنا بكل وجوده الشريف فلابد ان يكون هذا يقيننا.
الآية السابعة عشرة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الْسَّاعَةَ قَرِيْبٌ (17)يَسْتَعْجِلُ بِها اَلَّذِيْنَ
لاَ يُؤمِنُونَ بِهَا وَ الَّذِيْنَ أَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَ يَعْلَمُونَ
أَنَّهَا الْحَقُّ أَلاَ إنَّ الَّذِيْنَ يُمَارُونَ فِى الْسَّاعَةِ لَفِىْ ضَلل
بَعِيْد
صدق اللّه العلي العظيم
سورة الشورى
الآيه 17ـ18
روى الحافظ القندوزي باسناده عن المفضل بن عمر،عن جعفر ابن محمد الصادق(عليه
السلام)في قوله تعالى:
وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الْسَّاعَةَ قَرِيْبٌ
قال:السّاعة;قيام;القائم،قريب.( )
الحكاية السابعة عشرة :
ابن ابي الجواد النعماني
روي العلامة النوري في النجم الثاقب عن كتاب رياض العلماء و حياض الفضلاء في ترجمة
الشيخ ابن ابي الجواد النعماني انه ممن راى القائم(عليه السلام) في زمن الغيبة
الكبرى و روى عنه(عليه السلام).
و رأيت في بعض المواضع نقلا عن خط الشيخ زين الدّين علي بن الحسن بن محمد الخازن
الحائري تلميذ الشهيد انه قد رأى ابن أبي النعماني مولانا المهدى (عليه السلام)فقال
له:
يا مولاي لك مقام بالنعمانية،و مقام بالحلّة فأين (متى) تكون فيهما؟
فقال له:أكون بالنّعمانيّة ليلة الثلاثاء و يوم الثلاثاء،و يوم الجمعة و ليلة
الجمعة أكون بالحلّة،و لكن أهل الحلّة ما يتأدّبون في مقامي،و ما من رجل دخل مقامي
بالأدب يتأدّب و يسلّم عليّ و على الأئمّة و صلّى عليّ و عليهم اثني عشر مرّة ثمّ
صلّى ركعتين بسورتين،و ناجى اللّه بهما المناجاة،الاّ أعطاه اللّه تعالى ما
يسأله،أحدها المغفرة.
فقلت:يا مولاي علّمني ذلك،فقال:قل:
«اللّهم قد أخذ التأديب منّي حتّى مسّني الضرّ و أنت أرحم الراحمين،و ان كان ما
اقترفته من الذّنوب استحقّ به أضعاف أضعاف ما أدّبتني به،و أنت حليم ذو أناة تعفو
عن كثير حتّى يسبق عفوُك و رحمتُك عذابَك»،و كرّرها علي ثلاثا حتّى فهمتها.( )
إشارة :
بعض الأماكن تسمّى بمقام الامام المهدى(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف)،و سبب التسمية
انه (عليه السلام) يظهر في تلك البقعة لبعض شيعته المؤمنين و يقضى حوائجهم،فيؤمها
الناس للتبرك بها و طلب الحوائج فتسمى بمقام الامام المهدى(عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف).
و هذه المقامات كثيرة في العراق و ايران و غيرها من البلدان،مع تعددها في البلد
الواحد ايضا.
و لعلّ تلك الاماكن،في أصلها اماكن شريفة،فتزداد شرفا بقدوم الامام(عجل اللّه تعالى
فرجه الشريف)،حيث اننا ذكرنا سابقا انه (عليه السلام) أعرف ببقاع الأرض و شرفها كما
ورد في مسجد جمكران،و كما سيأتي في قصّة بناء مسجد الامام الحسن(عليه السلام).
و من هنا فان زيارة الاماكن لها ادب خاص لابد من التأدب به قبل الدخول اليها،و
اثناء الكون فيها و حين الخروج منها.
و في القصة أيضا،تعليم منه(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) شيعته و اصحاب الحوائج فى
كيفيّة التوسل الى اللّه عزوجل لقضائها و لا يمكن ان لا يكون ذلك التوسل و المناجات
غير موثر في قضاء الحاجة الاّ اذا كانت هناك مصلحة في عدم قضائها كما هو مذكور في
موضوع الدعاء.
فعلى المرء ان يدعو و أن يأمل من اللّه الاجابة ببركة النبي محمد و آله
الطاهرين(عليهم السلام).
قال تعالى: «ادعوني استجب لكم»
الآية الثامنة عشرة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
فَإِذا نُفِخَ فِى الْصُّورِ فَلاَ اَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَ لاَ
يَتَسآءَلُونَ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة المؤمنون
الآية 101
أبو جعفر محمد بن جرير الطبري،قال:اخبرني ابو الحسين،عن ابيه،عن ابن همام
قال:حدثناسعدان بن مسلم،عن جهم جرهم بن ابي جهمة جهنة قال:سمعت ابا الحسن موسى
(عليه السلام)يقول:
ان اللّه تبارك و تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد الابدان بألفي عام،ثم خلق الابدان
بعد ذلك،فما تعارف منها في السماء تعارف في الأرض،و ما تناكر منها في السماء تناكر
في الأرض،فاذا قام القائم (عليه السلام) ورِّث الاخ في الدين و لم يورث الاخ في
الولادة،و ذلك قول اللّه عزوجل في كتابه:
قد افلح المؤمنون فَإِذا نُفِخَ فِى الْصُّورِ فَلاَ اَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ
وَ لاَ يَتَسْآءَلُونَ ( )
الحكاية
الثامنة عشرة : مسجد الامام الحسن المجتبى(عليه السلام)
نقل العلّامة آية اللّه الشيخ لطف اللّه الصافي في كتابه «أجوبة المسائل
العشرة»قال:
و من الحكايات العجيبة و الصادقة التي وقعت في زماننا هذه الحكاية التي نقلت لي حين
البدء بطبع هذا الكتاب،و لمّا كان فيها بعض النكات و العِبَرْ،ادرجتها في هذا
الكتاب لكي يزداد القرّاء بصيرة.
كما يعرف اهل قم،و المسافرون الذين يقدمون من طهران الى مدينة قم المقدسة،انّ جناب
الحاج«يد اللّه رجبيان» قد بنى مسجدا كبيرا باسم «مسجد الامام الحسن المجتبى(عليه
السلام)» في مكان كان سابقا صحراء خارج مدينة قم على جانب الطريق الواصل بين قم و
طهران،و هذا المسجد الآن عامر بالمصلّين حيث تعقد فيه الجماعة و المراسم الاسلامية.
في ليلة الربعاء المصادفة للثاني و العشرين من شهر رجب المبارك،سمعت هذه الحكاية
المرتبطة بهذا المسجد من نفس صاحب الحكاية و هو جناب السيد احمد العسكري
الكرمانشاهي و هو من الاخيار الساكن لسنوات طوال في طهران،سمعتها منه في بيت الحاج
رجبيان و بحضوره و بحضور بعض المحترمين.
يقول السيد العسكري:قبل حوالي سبعة عشر عاما و في يوم الخميس،كنت مشتغلا بتعقيبات
صلوة الفجر،فدُقَّت باب المنزل.
فتحت الباب فوجدت ان ثلاثة شبّان و كلهم يعملون في حقل ميكانيك السيارات،جاءوا
بسيارة لهم و قالوا:نلتمس منك ان تأتي معنا اليوم الى مسجد جمكران في قم،فأليوم
الخميس و هو يوم مبارك،و نريد ان تأتي معنا لتدعو لنا هناك فان لنا حاجة شرعيّة
مهمّة.
«الفت نظركم الى انني كنت اعقد جلسة في المسجد اجمع فيها الشباب لتعليم الصلوة و
القرآن و هؤلاء الثلاثة كانوا من جملة اولئك الشباب الذين يجتمعون في المسجد».
خجلت كثيرا من طلبهم،فطأطأت برأسي الى الارض و قلت لهم:ومن اكون حتى تطلبون منّي
الدعاء لكم بقضاء الحاجة؟
و على أىّ حال،و بعد اصرار شديد منهم،رأيت ان المصلحة في عدم ردّ طلبهم فوافقت على
السفر معهم.
ركبنا في السيارة و تحركنا باتجاة مدينة قم المقدسة.
و لما وصلنا بالقرب من مدينة قم،لم يكن في وقتها هذه المباني الكائنة الآن،و انما
كان هناك محطة قديمة و خربه فقط باسم «مقهى علي الاسود».
و على مقربة من هذا المكان الذي بنى فيه الحاج رجبيان مسجد الامام الحسن المجتبى
(عليه السلام)،انطفأ محرك السيارة و توقفت عن الحركة!.
و لما كان رفقائي الثلاثة من اهل الاختصاص و الخبرة في تصليح السيارات،هبّوا
ثلاثتهم لمعرفة العطل فيها.
في هذه الاثناء اخذت مقدارا من الماء من احدهم و كان يدعى علي،و اتجهت الى الصحراء
على قارعة الطريق لقضاء الحاجة و التطهير.
و عندما وصلت الى قطعة الارض التي هي الآن مكان المسجد الفعلي،رأيت سيدا جميلا
جدا،بهيّاً جميل الوجه،ازجّ الحاجبين،أبيض الاسنان،على وجهه المبارك خال،و كان
يرتدي ملابس بيضاء،و عباءة رقيقة تحكي ما تحتها و نعلين صفراوين و على رأسه عمامة
خضراء كعمائم الخراسانيين اليوم،واقف و بيده رمح طويل بقدر ثمانية او تسعة امتار و
هو يخطط الارض.
قلت في نفسي:ما بال هذا الرجل،قد جاء مبكرا الى هذه البيداء التي لا تخلوا من خطر
الاعداء المارّين على هذا الطريق،و هو قابض على هذا الرمح بيده؟!
قال السيد العسكري (و كان يعتذر و يندم على تلك العبارات التي كان قد قالها في ذلك
الوقت):
قلت:يا هذا،اليوم يوم الدبابات و المدافع و الذرّة،فماذا تفعل بهذا الرمح،اذهب و
اقرأ دروسك!
قلت له ذلك،و ذهبت الى زاوية لقضاء الحاجة،فصاح بي من بعيد:يا سيد عسكري لا تجلس في
هذا المكان فانني قد خططت لمسجد هنا.
و لم التفت الى انه من اين عرف اسمي،و انما ائتمرت بأمره كالطفل الصغير و بدون
مناقشة،أطعت كلامه و قلت:نعم سأقوم.
فقال لي اذهب خلف ذلك المرتفع.
ذهبت الى المكان الذي أشار اليه،و قلت في نفسي:حين اعود اقول له يا حبيبي يبن رسول
اللّه اذهب و اقرأ دروسك.
و فكرت في نفسي بثلاثة اسئلة اطرحها عليه هي:
1ـ لمن تريد بناء هذ المسجد،للجن ام للملائكة،حتى قمت في هذا الصباح الباكر و جئت
الى هذه الصحراء لتخطط لبناء مسجد،أمهندس انت،بدون دراسة؟!
2ـ ما دام المسجد بعد لم يُبْنَ،لماذا تمنعني من قضاء الحاجة هنا؟
3ـ من الذي سيبني هذا المسجد،الجن ام الملائكة؟
أعددت هذه الأسئلة في ذهني،و تقدمت اليه لأسلّم عليه،فبادرني هو بالسلام،و ركّز
الرمح في الارض،و احتضنني الى صدره الشريف،و كنت اود المزاح معه،حيث انه كلما كنّا
نواجه سيدا حَرِكاً كنا نمزح معه و نقول له:يا سيد هل اليوم يوم أربعاء؟
فقررت في ذهني ان اقول له يا سيد اليوم ليس أربعاء انما هو الخميس،و لكن و قبل ان
ابدأ بالكلام معه قال لي مبتسما:اعلم ان اليوم الخميس و ليس أربعاء،فما هي اسئلتك
الثلاثة هاتها لنرى!
لم التفت الى انه من اين عرف ان في ذهني ثلاثة اسئلة قبل ان اتفوه بحرف واحد.
قلت:يا سيد،يبن رسول اللّه،تركت درسك و جئت الى هذه البيداء،ألم تعلم ان الزمن زمن
الدبابات و المدافع،فاخذت هذا الرمح بيدك و جئت الى هذه المنطقة التي يرتادها
الصديق و العدو،اذهب،اذهب و اقرأ درسك!
ابتسم (روحى فداه) و اشار بعينه الى الارض و قال:
انى اخطط لبناء مسجد هنا.
قلت:للجن ام للملائكة؟
قال:للبشر.
قلت:أخبرني من فضلك،لماذا منعتني من قضاء الحاجة في ذلك الموضع،و بعدُ لَم يُبنَ
المسجد؟
قال:ان احد اعزاء فاطمة الزهراء(عليها السلام)،و قد سقط في ذلك الموضع شهيداً،و قد
خططت ذلك المستطيل ليكون محرابا للمسجد.
و هنا،سقطت قطرات دمه،و سيكون هذا الموضع مكان وقوف المصلّين المؤمنين.
و هناك ستكون المرافق الصحيّة،حيث سقط اعداء اللّه و رسوله.
ثم أدار وجهه و حولني الى جهة الوراء و قال:
«و هنا ستبنى حسينية».و تقاطرت دموعه من عينيه فبكيت انا ايضا.
ثم قال:مشيرا الى موضع آخر:و هنا ستقام مكتبة فهل تتبرع انت بكتبها؟
قلت:بثلاث شروط يبن رسول الله،الأول:ان ابقى حيّا الى ذلك الوقت،قال:انشاء اللّه.
الشرط الثاني:ان يبنى مسجد هنا،قال:بارك الله.
الشرط الثالث:ان يكون ذلك بقدر استطاعتي و ان كان كتابا واحدا،و ذلك استجابة لامرك
لانك ابن رسول الله،و لكن ارجوك ان ترجع و تقرأ درسك.
يا سيد اطرد هذه الافكار عن مخيلتك!!
فتبسم ثانية،و ضمني الى صدره.
فقلت له:لم تخبرني بعد،من الذي سيبني هذا المسجد؟
قال(عليه السلام):يد اللّه فوق ايديهم.
قلت:يا سيدي،ان دراستي تؤهلني لان أعرف معنى هذه الآية.
قال:سترى بنفسك في آخر الأمر،و عندما ستراه مبنيا،ابلغ سلامي لبانيه.
ثم ضمني مرّة اخرى الى صدره و قال:جزاك اللّه خيرا.
رجعت الى رفقائي،فوجدت بانهم اصلحوا السيارة،فسألتهم عن سبب العطل؟
قالوا:وضعنا عود كبريت تحت هذا الشريط الكهربائي و عندما رجعت انت اشتغل المحرّك،و
لكن اخبرنا مع من كنت تتحدث تحت الشمس؟!
قلت:ألم تشاهدوا هذا السيد المهيب بهذا الرمح الطويل الذي بيده؟كنت اتحدث معه.
قالوا:ايّ سيد هذا الذي تتحدث عنه؟!
قال العسكري:ادرت وجهي،لاشير لهم اليه،فلم ار سيداً،و رأيت الأرض مسطّحة بدون
تعاريج و لا تلال و لا أحد هناك.
انتفضت من غفلتي،و دخلت و جلست في السيّارة و لم اتفوه بكلمة واحدة.
ذهبنا الى حرم السيدة فاطمة بنت الامام موسى بن جعفر (عليها السلام)و لم ادر كيف
صلّيت صلاة الظهر و العصر،و اتجهنا الى مسجد جمكران.
و على اي حال،وصلنا الى جمكران،فتغدينا هناك،و لكني كنت مضطربا،فكان رفقائي يتكلمون
معي و لكني لم اكن اسمع ما يقولون و لا اقدر على جوابهم.
و في مسجد جمكران جلست في زاوية و كان قد جلس على احد جانبّي شيخ كبير و على الجانب
الآخر أحد الشباب و انا جالس وسطهما أبكي و اناجي.
أدّيت صلاة المسجد،و اردت الى اسجد السجدة الواردة بعد الصلوة بذكر الصلوات على
محمد وآل محمد(صلى الله عليه وآله)،فرأيت سيداً تفوح منه رائحة طيّبة،فقال
لى:السلام عليك يا سيد عسكرى،ثم جلس الى جنبي و اخذ يقدم لي النصيحة.
لقد كان صوته نفس صوت السيد الذي رأيته صباحا الى جانب الشارع.
اشتغلت بالسجود والذكر،و لكن كان بالي قد اشتغل به،فصممت ان أرفع رأسي من السجود
وأسئله عن نفسه وانه من أين يعرف اسمي؟
و لكن ما ان رفعت رأسي لم اجده الى جانبي.
سألت ذلك الشيخ الذي كان الى جانبي عن السيد الذي كان يكلمني و اين ذهب؟
فقال الشيخ:ما رأيت احدا،و سألت الشاب الذي بجنبي،فانكر وجوده ايضا.
و هنا كأنّ زلزلة أصابتنى فعلمت ان ذلك السيد هو المهدى(عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف) فتغير حالي و اغمي علي فجاء رفقائي و رشوا الماء على وجهي،و سألوني عن
القضية.
المهم أديت اداب المسجد،و قفلنا راجعين الى طهران سريعا.
التقيت لدى وصولي الى طهران مباشرة بالمرحوم الحاج الشيخ جواد الخراساني،و حكيت له
القصة،فسألني عن اوصاف السيد،فوصفته له،فقال:لقد كان المهدى (عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف) فأصبر لنرى هل سيشير المسجد في المكان الذي وصفه ام لا.
قبل فترة،توفي والد أحد اصدقائنا،فحملنا جنازته بمعية رفقاء المسجد و اتجهنا الى
مدينة قم لدفنه و لما وصلنا الى ذلك المحل،رأيت ان بناءاً قد شُيِّد في ذلك
المكان،فسألت عنه فقيل لي انه مسجد باسم مسجد الامام الحسن المجتبى(ع)،يقوم ابناء
الحاج حسين السوهاني ببنائه.(و كانوا قد اشتبهوا في الاسم.)
وردنا مدينة قم،و أخذنا الجنازة الى المقبرة و دفنّاها،و كنت مضطربا،فقلت
للأصدقاء،اسمحوا لي ان اذهب لحاجة ما دمتم مشغولين باكل الغداء.
استأجرت سيارة و ذهبت الى دكان أولاد الحاج حسين السوهاني.
وصلت الى هناك،و سألت ابن الحاج حسين قائلا:أصحيح انكم مسئولون عن بناء مسجد في
طريق طهران القديم؟
قال:لا.
قلت:اذن من المسئول عن بناء ذلك المسجد؟
قال:الحاج يد الله رجبيان!
و ما ان نطق بكلمة(يد اللّه) انتاب قلبي الخفقان،و اضطربت!
فقال لي:ماذا حصل؟
و جاء بكرسي،و اجلسني عليه،بينما كان العرق يتصبب من جبيني و قلت في نفسي:يد اللّه
فوق ايديهم،انه الحاج يد الله رجبيان.و لم اكن الى ذلك الوقت قد تعرفت على هذا
الرجل.
رجعت الى طهران،و اخبرت المرحوم الحاج الشيخ جواد الخراساني بالقضية،فقال:اذهب الى
الحاج يد الله رجبيان و تابع الموضوع.
فسافرت الى قم،بعد أن اشتريت اربعمائة كتاب و اتجهت الى محل عمل الحاج رجبيان و هو
معمل نسيج.
سألت الحارس عن الحاج رجبيان فأخبرني انه ذهب الى منزله.فالتمست منه أن يتصل
هاتفيّا بالحاج و يخبره بان شخصا جاء من طهران للقائه.
اتصل الحارس بالحاج،و تحدثت معه هاتفياً و قلت:لقد جئت من طهران و قد اوقفت
اربعمائة نسخة كتاب لمكتبة المسجد،فلمن اسلمها؟
قال الحاج يد الله رجبيان:و كيف فعلت ذلك،و كيف تعرّفت علينا؟
قلت:يا حاج انها وقف للمسجد.
قال:لابد ان تخبرنى عن مصدر هذه الكتب.
قلت:لا يمكنني هاتفياً.
قال:اذن،انتظرك ليلة الجمعة القادمة،فهات الكتب الى منزلنا.
و اعطاني عنوان المنزل.
رجعت الى طهران،و ارزمت الكتب رُزَما رُزَما.و يوم الخميس جئت الى قم بسيارة احد
الاصدقاء حاملا تلك الكتب و قصدت منزل الحاج.
قال لي الحاج:لا يمكنني ان اقبل هذه الكتب ما لم تخبرني بقصّتك.
و على اي حال،اخبرته بقصتي و دفعت اليه الكتب.
ذهبت الى المسجد،و صليت ركعتي صلوة الحجة(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) و بكيت
كثيراً.
رأيت ان المسجد و الحسينية قد بنيا طبق المخطط الذي رسمه الامام(عجل اللّه تعالى
فرجه الشريف).
قال لي الحاج يد الله رجبيان:جزاك الله خيرا;لقد وفيت بعهدك.
هذه حكاية مسجد الامام الحسن (ع).
ومضافا الى هذه الحكاية،نقل الحاج يد الله رجبيان حكاية لطيفة اخرى ترتبط بهذا
المسجد،انقلها اليكم باختصار.
قال الحاج رجبيان:طبقا للمعمول في اعمال البناء و هو ان اجور العمال تدفع لهم ليلة
الجمعة،وذات ليلة جمعة كنت قد عزلت المال اللازم لدفع اجور العمّال فجاء رئيس
العمّال طبقا للعادة لأخذ اجور عملته،و قال:
جاء اليوم احد السادة بباب المسجد و اعطاني هذه الورقة المالية من فئة خمسين
تومان،تبرعاً منه للمسجد.
فقلت له:ان باني هذا المسجد لا يقبل مالا من احد فقال لي السيد بحدّة:خذها فانه
سيقبلها:
اخذت منه الورقة المالية و كان قد كتب عليها لمسجد الامام الحسن المجتبى(عليه
السلام)!
يقول الحاج رجبيان:اخذت الورقة المالية،و بعد يومين أو ثلاثة،جاءت امرأة تستعطي و
شرحت لي حالها و حاجتها و حاجة يتيميها الى المال،فادخلت يدي في جيبي فلم اجد فيها
شيئاً من المال و كأنّي غفلت عن اخذ شىء من المال من منزلي،فاضطررت الى ان اعطيها
تلك الورقة المالية(الخمسون تومانا)و قلت في نفسي:سأضع من مالي عوضا عنها لبناء
المسجد.و اعطيت للمرأة لكي تأتي الي أُساعدُها باكثر من هذا المقدار.
أخذت المرأة الورقة و انصرفت و لم تَعُدْ بعد ذلك مع اني أعطيتها العنوان لمراجعتي.
و لكني تأسّفت و ندمت على اعطاءها.الورقة المالية لانها كانت مخصصة للمسجد.
و في الاسبوع اللاحق،جاء كبير العملة لأخذ اجور العمّال،و قال لي:يا حاج،عندي اليك
حاجة،فان وعدتني بقضائها اخبرتك عنها.قلت له:قل،و ساقضي حاجتك ان كان بوسعي ذلك.
قال:يمكنك ذلك.
قلت له:قل حتى اعدك بقضائها.
و هكذا استمر الاخذ و الرّد بيني و بينه.
و أخيرا قلت له:قل،فاني سأفعل.
و بعد ان أخذ مني العهد على ذلك قال:
اريد تلك الورقة المالية التي جئتك بها الاسبوع الماضي،و التي دفعها ذلك السيد
لبناء المسجد.
قلت:يا استاذ،لا تصب الزيت على ناري،لقد جددت جرحي(لاني ندمت كثيرا بعد اعطاء
الورقة لتلك المرأة و بقيت لمدة سنتين،كلما وقعت في يدي ورقة مالية من فئة الخمسين
تومانا،دققت النظر فيها علّها تكون تلك الورقة التي فرطت فيها بسهولة.
قلت لأستاذ البنّائين:في تلك الليلة لم تشرح لي جيدا قصة هذه الورقة المالية،و
اليوم اطلب منك ذلك.
قال:نعم،لقد كان الوقت حوالي الساعة الثالثة و النصف بعد الظهر،و كان الطقس حارا
جدا،وكنا مشغولين بالبناء انا و بعض العملة،و فجاة رأيت سيّداً ورد من احد ابواب
المسجد،و كان نورانيا جذابا،تبدو عليه الهيبة و الجلال،فاختطف قلبي،و لم تعد يدي
تطاوعني للعمل،و انما كنت فقط اريد التمتع بمشاهدة جماله.
جاء السيد و دخل الى صالة المسجد و اخذ يتمشى فيها،ثم تقدم نحوي و كنت على منصة
العمل فادخل يده تحت عباءته و اخرج ورقة نقدية و قال:يا استاد خذ هذا المال و اعطه
لباني المسجد.
قلت:يا سيد ان باني المسجد لا يقبل مالا من احد و اخشى ان آخذ المال منك و لا يقبله
أيضا،و يغضب عليّ.
فقال:قلت لك خذها،و انه سيقبلها.
ائتمرت بامره و اخذت المال منه،و خرج من الصالة الى الخارج.
قلت في نفسي:ترى من يكون من هذا السيد الذي جاء في هذا الطقس الحار؟
ناديت أحد العملة باسم(مشهدي علي)و قلت له:اذهب خلف هذا السيد و انظر الى اين يذهب
و مع من و بأيّ واسطة نقل جاء الى هنا.
ذهب مشهدي علي،و مضت اربعة دقائق،و خمسة دقائق و لم يعد مشهدي علي،فتشتّتت افكاري
جدا،فناديت مشهدي علي و كان واقفا خلف اسطوانه في المسجد،قلت له:لماذا لا تأتي؟
قال:انا واقف اتفرج على هذ السيد.
قلت:تعال.
و عندما جاء قال:لقد ذهب السيد.
قلت:بأي وسيلة نقل ذهب؟هل كانت سيارة؟
قال:لا،ليس من وسيلة نقل،انما ذهب ماشياً.
قلت:فلماذا وقفت و لم ترجع لتخبرني؟
قال:كنت واقفا اتمتع بمشاهدته.
قال الحاج رجبيان:هذه قصة الخمسين تومانا،و لكن صدّقوني لقد كان لهذه الورقة
النقدية اثراً بالغا في بناء المسجد،و لم اكن واثقاً انّي استطيع بمفردي اكمال بناء
هذا المسجد بهذه الهيئة،و من حين وصول هذه الورقة النقدية بيدي تركت اثرا كبيرا على
عمل المسجد و على عملى الشخصى ايضا.
نهاية الحكاية.( )
إشارة :
عند تتبّع سيرة اهل البيت (عليهم السلام)،نجد و يجد معنا كلُّ منصف مهما كان مذهبه
و عقيدته،انهم ما دعوا الاّ الى مكارم الاخلاق،و الى الخير و الى كلّ ما من شأنه ان
يؤدى بهذا الانسان الى السعادة و الكمال.
فاذا ما اخذت كتابا،اىّ كتاب،ذكرت فيه حياتهم الشريفة،ما وجدت فيه الاّ العلم،و
الورع،و التقوى،و الصدق،و الوفاء،و الاحسان،و العفو،و الايثار،و السماح،و الشجاعة،و
الاباء،و الانتصار للمظلوم،لن تجد و لن يجد احدٌ مهما دقق في سيرتهم،منقصة يمكن ان
تنسب اليهم(عليهم السلام)،هذا اذا كان منصفا،حتى لو كان عدواً.
فها هو معاوية بن ابي سفيان،الدُّ اعداء امير المؤمنين(عليه السلام) لم يجد الى
النيل من شخصية علي بن ابي طالب(عليه السلام)،سبيلا مما اضطره الى اللعن و الشتم و
هي حيلة العاجز،فماذا يقول؟هل يصف علياً بالكذب؟حاشا للّه.هل يصفه بالجبن؟هل يصفه
بالكفر؟هل يصفه بالبخل؟هل يصفه بعدم الوفاء؟
لا يقدر معاوية على ذلك،و لا يجرؤ عاقل على ذلك مهما كان عداؤه شديداً لامير
المؤمنين(عليه السلام)لان نسبة هذه الامور الى علي(عليه السلام)،ينكره كل عاقل بعد
ان شهد اللّه لعلي(عليه السلام) بانه الصراط المستقيم،و انه النبأ العظيم و انه باب
حطة من دخله كان آمنا و انه شرى نفسه للّه،و انه صدق ما عاهد اللّه عليه. و انه …و
انه ….
كلّ هذا واضح للجميع،للشيعي و للسنّي،للمسلم و لغير المسلم،و لم نات بجديد اذا ما
ذكرنا ذلك.
و حينئذ يحق لنا أن نتساءل قائلين:ترى اذا كان أمير المؤمنين علي بن ابي طالب(عليه
السلام)،يتصف بكل ذلك،اذن لماذا هذا العداء السافر له؟
و لماذا هذا العداء السافر لاولاده؟
فعلى مرّ التاريخ،و كلّما جاءت حكومة،صبّت حِمَمَ غضبها على رؤوس اولاد علىّ(عليه
السلام)، فاضطهدوهم …و طاردوهم … و شردوهم …و سجنوههم … و صادروا أموالهم …و قتلوهم
جماعات جماعات،بشتى انواع القتل.
فالتاريخ ينقل لنا صور مروّعة لعمليات قتل جماعي اقدم عليها خلفاء بني العباس و
غيرهم،لاولاد علي(عليه السلام).
و ها هي الارض،على سعتها تضمّ اجساداً طاهرة هنا و هناك،لاولاد علي الذين فرّوا من
نير ظلم الحكّام،الذين طاردوهم تحت كل حجر و مدر.
الحكاية السابقة،تبين جانباً من هذه الجرائم فالعشرات من اولاد الامام علي(عليه
السلام)قتلوا و بقيت قبورهم مجهولة،و مخفية لعشرات السنين او لمئات السنين،الى ان
شاءت الارادة الالهية،الكشف عن تلك القبور لتكون مزارا لاهل الحق و الحقيقة،و لتكون
شاهدا على ظلم الجاحدين للقيم و المبادىء الاسلامية.
فنجد في الحكاية كيف ان الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) قد كشف انّه قد
سقط في هذا المكان احد اولاد فاطمة و علي (عليهما السلام) شهيدا مضرجا بدمه و صار
موضع استشهاده محرابا يعبد به اللّه عزوجل و ان تلك الارض التي سقطت عليها قطرات
دمه الزّاكي،ستكون موضع وقوف المصلّين لربهم تعالى،ذاكرين آلاء الرحمن و متذكرين
مظلومية اهل البيت (عليهم السلام).
«يريدون ليطفئوا نور اللّه بافواههم و اللّه متِمُّ نوره و لو كره الكافرون»( )
الآية التاسعة عشرة :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيرٌ لَّكُمْ اِن كُنتُمْ مُؤمِنِينَ
صدق اللّه العلي العظيم
سورة هود
الآية 86
اخرج السيد المؤمن الشبلنجي في (نور الابصار) و ابن الصباغ المالكي قال:عن أبى
جعفر(قدس سره)قال ـ في حديث طويل ذكره، و فيه:
(فاذا خرج (يعني:المهدى)أسند ظهره الى الكعبة،و اجتمع اليه ثلاثمأة و ثلاثة عشر
رجلا من أتباعه،فاوّل ما ينطق به هذه الآية: بَقِيَّة اللَّهِ خَيرٌ لَّكُمْ اِن
كُنتُمْ مُّؤمِنِينَ ثم يقول:«أنا بقيّة اللّه،و خليفته،و حجته عليكم»،
فلا يسلِّم عليه أحد الا قال:
«السّلام عليك يا بقيّة الله في الأرض» …الخ.( )
الحكاية التاسعة عشرة : عبد
الغفار الخوئي
في زمن المرحوم الحاج الشيخ محمد حسين المحلّاتي جدُّ المرحوم آية اللّه الحاج
الشيخ بهاء الدّين المحلّاتي،ورد رجل بلباس مندرس مدرسة «خان شيراز» في مدينة
شيراز،و طلب من خادم المدرسة ان يسمح له بالسكن في احدى غرف تلك المدرسة.
قال له الخادم:ان هذا الأمر بيد متصدي المدرسة و ليس بيدي،فاذهب اليه - و كان
المتصدي في ذلك الوقت رجل يدعى سيد رنگرز - و اطلب منه ذلك.
يراجع الرجل متصدي المدرسة و يطلب منه غرفة للسكن فيها فيقول له المتصدي:هذه مدرسة
و لا نُعطي غرفة الا لطلاب العلوم الدينيّة.
فيقول الرجل:أعلم ذلك،ولكنني اريد منك غرفة لاسكن فيها لعدّة أيّام فقط.
و أمر متصدي المدرسة - بلا ارادة - خادم المدرسة بان يعطي هذا الرجل غرفة في
المدرسة ليرتاح فيها!
و يدخل الرجل في غرفته،و يغلق الباب على نفسه و لا يعاشر احداً في تلك المدرسة.
كان خادم المدرسة و طبعا للمعمول في المدارس يغلق باب المدرسة مساءاً و يقفله ولكنه
عندما يستيقظ صباحا يجد بان الباب مفتوح.
و يتكرر ذلك عدة ايام،فيتحيّرالخادم بذلك و يخبر متصدي المدرسة بالأمر،فيأمره
المتصدي بان يقفل الباب هذه الليلة و يعطيه المفتاح بيده ليرى من الذي يفتح القفل
كل ليلة و يخرج من المدرسة.
و في الصباح،يجد المتصدي ان الباب قد فتح أيضا و ان شخصا قد خرج من المدرسة.
و لان هذا الأمر بدأ يحدث من حين ورود ذلك الرجل الغريب الى المدرسة،اتجهت الشكوك
نحوه،فيقول متصدي المدرسة لنفسه:لابدّ ان هناك سرّا مّا في هذا الرجل الغريب.
و مع ذلك فان متصدي المدرسة يخفي هذا في نفسه و يحاول التقرب الى الرجل العجوز
لاكتشاف ذلك السرّ،فأخذ يتردد على غرفته و يلاطفة و يظهر حبه له،و يطلب منه ان
يعطيه ملابسه ليغسلها له و ان يعاشر طلاب المدرسة،و لكن الرجل رفض كل ذلك و كان
يقول:لا احتاج لأحد.
و مرّت فترة على هذا المنوال.
و ذات ليلة دعى الرجل الغريب كُلاً من المرحوم الحاج الشيخ محمد حسين المحلاتى و
متصدي المدرسة،الى حجرته،و قال لهما:لما كانت منيتي قد دنت،فاني احب ان اقصَّ
عليكما قصتي و ارجوا منكما ان تدفناني في محل لائق بعد موتي.
قال:اسمي عبد الغفّار،و شهرتي المشهدي الخوئي،من اهل خوي و انا جندي.
عندما كنت في الخدمة العسكرية،كان هناك ضابط سنّي تجاسر على مولاتي فاطمة
الزهراء(عليه السلام)فلم اتمالك نفسي و كان الى جانبي سكّين و كنت انا و الضابط
لوحدنا،فاخذت السكين و قتلت الضابط و فررت من خوي و عبرت الحدود الى العراق و ذهبت
الى كربلاء.بقيت مدة من الزمن في كربلاء ثم في النجف ثم في الكاظمين و سامراء.
ذات يوم فكّرت في الرجوع الى ايران و الاقامة في مشهد المقدسة جنب قبر الامام علي
بن موسى الرضا(عليه السلام) الى آخر عمري.
و في طريق العودة وصلت الى شيراز و أخذت غرفة في هذه المدرسة كما تلاحظون.
في اواخر الليل و عندما كنت اقوم للتهجد،كنت ارى قفل و باب المدرسة ينفتحان لي فكنت
اخرج الى جنب جبل القبلة و اصلّى صلوة الصبح خلف مولاى ولى العصر روحي فداه،و اني
لاسف جدا لاهل هذا البلد،إذ من بين كل هؤلاء السكّان لا يخرج الاّ خمسة افراد
للصلوة خلف امام الزمان(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف).
و هنا ينبري المرحوم شيخ محمد حسين المحلاتي و متصدي المدرسة و يقولان له;دفع الله
عنك البلاء انشاء الله و ستبقى حيّا،و خاصة و انك لا تشكو من علّة.
فيقول الرجل في جوابهما:محالٌ ان يخطأ قول مولاى ولى العصر(عجل اللّه تعالى فرجه
الشريف) فانه اخبرني اليوم باني ساموت في هذه الليلة.
و على اي حال،اوصى الرجل بوصاياه،و غطى رأسه بلحاف و نام،و ما هي الاّ لحظة حتى
فارق الدنيا.
و في اليوم الثاني،يخبر المرحوم الشيخ محمد حسين المحلاتي علماء شيراز بالقضية،و
يعلن هو و المرحوم الحاج شيخ مهدي الكجوري عن تعطيل البلد تجليلا لذلك الرجل،و
يُشيِّع جثمانه الطاهر بكل احترام و تجليل،فيدفن في مقبرة دار السلام في شيراز في
الطرف الشرقي،و مدفنه اليوم مزار لخواص أهل شيراز،حتى ان البعض يتوسلون به الى الله
لقضاء الحوائج،كما ان علماء شيراز و مراجع التقليد كالمرحوم المحلاتي كانوا على
الدوام يزورون قبره.
و قبره في شيراز معروف بقبر الجندي أو «الطوبچي».
إشارة :
ورد عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب(عليه السلام) انه قال في ضمن ما قال:
«ان اللّه اخفى اولياءه في عباده،فلا تحتقرنّ احدا من عباده،فقد يكون وليا من
أوليائه».
و هذه حقيقة واضحة من خلال الوجدان،و كل كلام امير المؤمنين(عليه السلام) حقيقة لا
تقبل الشك.
و هذا الأمر يرتبط بامور منها;ان اولياء اللّه قد وصلوا الى مرتبة من الكمال تعصمهم
عن الرياء و حب الظهور و الاستعلاء على الناس،و مثل هذه الامراض الروحيّة انّما هي
شأن الجهّال و النّاقصين الّذين يحاولون سدّ النقص فيهم عن طريق الاستعلاء و
التغطرس على الاخرين بامور لم تكن يوما ما مقياسا للكمال،كالملابس و المساكن و
المناصب و حتى العبادات الظاهرية المجرّدة عن الروح و الخشوع.
امّا الاولياء،فيتسترون على عباداتهم و طاعاتهم،و فضائلهم،و قدراتهم،و لا يبدون ذلك
للناس،بل ان التستر و التكتم و الابتعاد عن الظهور،يعدّ واحدا من اهم الاصول عندهم
في السير و التكامل.
و من هنا تجد ان سيرة هؤلاء و مقاماتهم تبقى خافية على عامة الناس،حتى يرحل هؤلاء
من الدنيا فيظهر شيء قليل من مقاماتهم على لسان هذا أو ذاك الشخص الذي اعطى تعهداً
بعدم افشاء الاسرار مادام ذلك الولي على قيد الحياة الظاهرية.
و للوقوف على هذه الحقيقة اكثر فاكثر،يكفي مطالعة بعض المؤلفات التي تناولت حياة
هؤلاء الاولياء الذين وصل بعضهم الى مقام الانسان الكامل.
و قد قرأنا في الحكاية السابقة كيف ان هذا الولي قد وصل الى مقام يؤهله للصلوة
يومياً خلف الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) في زمن الغيبة الكبرى و هو
شرف لا يناله الاّ الاوحدي من الناس.
الآية العشرون :
بِسْمِ اَللَّهِ الْرَّحْمنِ اَلْرَّحِيْمِ
قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِى إِلَى رُكْن شَديد
صدق اللّه العلي العظيم
سورة هود
الآية 80
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) باسناده قال:عن جعفر الصادق(عليه السلام) انه قال:
ما كان قول لوط (عليه السلام) لقومه:
قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِى إِلَى رُكْن شَديد
الا تمنيا لقوة(القائم المهدى) و شدة أصحابه،و هم الركن الشديد،فان الرجل منهم
يُعطى قوة أربعين رجلا،و ان قلب رجل أشد من زبرالحديد،لو مروا بالجبال الحديد
لتدكدكت،لا يكفون سيوفهم حتّى يرضى اللّه عزّوجل.( )
الحكاية العشرون : السيد
بحر العلوم(قدس سره)
نقل العلّامة النوري في جنّة المأوى قال:
حدّثني العالم الصالح المتدين التقي جناب الميرزا حسين اللاهيجاني الرشتي المجاور
بالنجف الأشرف و هو من أعزّة الصلحاء و الأفاضل الأتقياء و الثقة الثبت عند العلماء
قال:
حدّثني العالم الربّاني و المؤيد من السماء المولى زين العابدين السلماسي المتقدّم
ذكره،قال:
ان السّيد الجليل بحر العلوم طاب ثراه ورد يوما في حرم أمير المؤمنين عليه آلاف
التحيّة و السّلام فجعل يترنم بهذا المصرع:
(چه خوش است صوت قرآن*** زتو دل ربا شنيدن)
كم هو جميل صوت القرآن من***لسانك انه حقا يخطف القلوب.
فسُئل رحمه اللّه عن سبب قرائته هذا المصرع،فقال:
لما وردت في الحرم المطهر رأيت الحجّة (عليه السلام)جالسا عند الرأس يقرأ القرآن
بصوت عال،فلمّا سمعت صوته قرأت المصرع المزبور،و لما وردت الحرم ترك قراءة القرآن،و
خرج من الحرم الشريف.( )
إشارة :
كثير من الناس يقرأ القرآن الكريم،و لكنه لا يلتفت حتى الى معانيه،و انما يعجبه فيه
انه كلام بديع،جميل،انيق.
و مثل هؤلاء لا يستفيدون من القرآن الاّبهذا المقدار.
و بعض الناس يقرأ القرآن و يعجبه فيه تلك الحقائق الرائعة التي يبينها القرآن،من
علوم و قصص و أمثال و يقف عند هذا الحدّ و هو مبلغه من الاستفادة منه.
و القليل من الناس،يتفاعل مع القرآن الكريم و يعيش مع هذا القانون و المنهج الالهي
العظيم و يجعله دستورا لحياته،و كلما ازداد علما بحقائق القرآن و علومه،كلما ازداد
شرفاً و كمالاً بتطبيقه.
و امّا المعصوم،فعلاقته بالقرآن الكريم،تتجاوز كلّ ذلك،فالمعصوم لا ينفك لحظة عن
القرآن الكريم في كل حركاته و سكناته،فهو القرآن المجسّد و الناطق،و اذا قرأ
المعصوم القرآن،فليس فقط يقف عند كل آية و يتفكر في سبب نزولها و تفسيرها و تأويلها
بل ان المعصوم عندما يقرأ القرآن،كأنه يسمع القرآن مشافهة من صاحب القرآن.
فالقران كلام اللّه و المعصوم يقرأ كلام اللّه الذي يسمعه بكل وجوده،لا بعينيه و
لسانه فقط،و يرى حقيقة القرآن من خلال معرفته بحقيقة اللّه الصفاتية،و من ثمّ تجد
ان دعاء المعصوم و مناجاته و تضرعه الى اللّه تختلف كل الاختلاف عن دعاء و مناجات
سائر اولياء اللّه،بل لا يمكن المقايسة بينهما،و من ثمّ،اذا سمعت المعصوم يقرأ كلام
اللّه،تجد ان قراءته تختلف عن قراءة سائر الاولياء بل لا يمكن المقارنة بينهما.
و لذا نجد ان السيد بحر العلوم مع ما اوتي من علم و فضل و تقوى و كمال،يقف مبهوتا
عندما يسمع قراءة الامام الحجة (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) للقرآن
الكريم،فيترنّم بقراءة ذلك المصرع من الشعر.
و من هذه الحكاية و من غيرها من الحكايات المرتبطة بتشرف هذا السيد الجليل بلقاء
الامام الحجة(عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) نستكشف ان السيد بحر العلوم كان اذا رأى
الامام (عليه السلام)،عرفه،و هذا يدل على كثرة تشرفاته بلقاء الامام(عجل اللّه
تعالى فرجه الشريف).
فهنيئا له هذا الشرف الذي ما ناله الاّ بالتقوى و الجد و الاخلاص في الطاعات،و بفضل
اهل البيت (عليهم السلام)عليه.