[121]


أقول : وقال ابن أبي الحديد في شرح خطبة أوردها السيد الرضي في نهج البلاغة وهي مشتملة على ذكر بني امية : هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السير وهي متداولة منقولة مستفيضة وفيها ألفاظ لم يوردها الرضي .
ثم قال : ومنها فانظروا أهل بيت نبيكم فان لبدوا فالبدوا وإن استنصروكم فانصروهم ليفرجن الله برجل منا أهل البيت بأبي ابن خيرة الاماء لايعطيهم إلا السيف هرجا هرجا موضوعا على عاتقه ثمانية حتى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا فيغريه الله ببني امية حتى يجعلهم حطاما ورفاتا ملعونين أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا .
ثم قال ابن أبي الحديد : فان قيل من هذا الرجل الموعود ؟ قيل أما الامامية فيزعمون أنه إمامهم الثاني عشر وأنه ابن أمة اسمها نرجش وأما أصحابنا فيزعمون أنه فاطمي يولد في مستقبل الزمان لام ولد وليس بموجود الآن .
فان قيل : فمن يكون من بني امية في ذلك الوقت موجودا حتى يقول عليه السلام في أمرهم ما قال من انتقام هذا الرجل منهم ؟ قيل أما الامامية فيقولون بالرجعة ويزعمون أنه سيعاد قوم بأعيانهم من بني امية وغيرهم إذا ظهر إمامهم المنتظر وأنه يقطع أيدي أقوام وأرجلهم ويسمل عيون بعضهم ويصلب قوما آخرين وينتقم من أعداء آل محمد عليهم السلام المتقدمين والمتأخرين .
وأما أصحابنا فيزعمون أنه سيخلق الله تعالى في آخر الزمان رجلا من ولد فاطمة عليها السلام ليس موجودا الآن وينتقم ( به ) وأنه يملا الارض عدلا كما ملئت جورا وظلما من الظالمين وينكل بهم أشد النكال وأنه لام ولد كما قد ورد في هذا الاثر وفي غيره من الآثار وأن اسمه كاسم رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه يظهر بعد أن يستولي على كثير من الاسلام ملك من أعقاب بني امية وهو السفياني الموعود به في الصحيح من ولد أبي سفيان بن حرب بن امية وأن الامام الفاطمي يقتله وأشياعه من بني امية وغيرهم وحينئذ ينزل المسيح عليه السلام من السماء وتبدو أشراط الساعة و تظهر دابة الارض ويبطل التكليف ويتحقق قيام الاجساد عند نفخ الصور كما

[122]


نطق به الكتاب العزيز .
24 كا : أحمد بن محمد الكوفي ، عن جعفر بن عبدالله المحمدي ، عن أبي روح فرج بن قرة ، عن جعفر بن عبدالله ، عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : خطب أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله ثم قال : أما بعد فان الله تبارك وتعالى لم يقصم جباري دهر إلا من بعد تمهيل ورخاء ولم يجبر كسر عظم ( من ) الامم إلا بعد أزل وبلاء أيها الناس في دون ما استقبلتم من عطب واستدبرتم من خطب معتبر وما كل ذي قلب بلبيب ، ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ذي ناظر عين ببصير عباد الله أحسنوا فيما يعنيكم النظر فيه ثم انظروا إلى عرصات من قد أقاده الله بعلمه كانوا على سنة من آل فرعون أهل جنات و عيون ، وزروع ومقام كريم ثم انظروا بما ختم الله لهم بعد النضرة والسرور والامر والنهي ولمن صبر منكم العاقبة في الجنان والله مخلدون ولله عاقبة الامور .
فيا عجبا ومالي لا أعجب من خطاء هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها لايقتفون أثر نبي ولا يعتدون بعمل وصي ولا يؤمنون بغيب ولا يعفون عن عيب المعروف فيهم ماعرفوا ، والمنكر عندهم ما أنكروا ، وكل امرء منهم إمام نفسه آخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات فلا يزالون بجور ولن يزدادوا إلا خطأ لاينالون تقربا ولن يزدادوا إلا بعدا من الله عزوجل انس بعضهم ببعض وتصديق بعضهم لبعض كل ذلك وحشة مما ورث النبي صلى الله عليه وآله ونفورا مما أدى إليهم من أخبار فاطر السموات والارض .
أهل حسرات ، وكهوف شبهات ، وأهل عشوات ، وضلالة وريبة ، من وكله الله إلى نفسه ورأيه فهو مأمون عند من يجهله غير المتهم عند من لايعرفه فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها .
وواأسفا من فعلات شيعتنا من بعد قرب مودتها اليوم كيف يستذل بعدي بعضها بعضا وكيف يقتل بعضها بعضا ؟ المتشتة غدا عن الاصل النازلة بالفرع ، المؤملة الفتح من غير جهته كل حزب منهم آخذ منه بغصن أينما مال الغصن مال معه مع

[123]


أن الله وله الحمد سيجمع هؤلاء لشر يوم لبني امية كما يجمع قزع الخريف يؤلف الله بينهم ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنتين سيل العرم حيث نقب عليه فارة فلم تثبت عليه أكمة ولم يرد سننه رص طود ، يذعذهم الله في بطون أودية ثم يسلكهم ينايبع في الارض يأخذ بهم من قوم حقوق قوم ويمكن بهم قوما في ديار قوم تشريدا لبني امية ولكي لايغتصبوا ماغصبوا يضعضع الله بهم ركنا وينقض بهم طي الجنادل من إرم ويملا منهم بطنان الزيتون .
فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليكونن ذلك وكأني أسمع صهيل خيلهم وطمطمة رجالهم وأيم الله ليذوبن مافي أيديهم بعد العلو والتمكين في البلاد كما تذوب الالية على النار ، من مات منهم مات ضالا وإلى الله عزوجل يفضي منهم من درج ويتوب الله عزوجل على من تاب ولعل الله يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم لهؤلاء وليس لاحد على الله عز ذكره الخيرة ، بل لله الخيرة والامر جميعا .
أيها الناس إن المنتحلين للامامة من غير أهلها كثير ولو لم تتخاذلوا عن مر الحق ، ولم تهنوا عن توهين الباطل ، لم يتشجع عليكم من ليس مثلكم ولم يقو من قوي عليكم ، وعلى هضم الطاعة وإزوائها عن أهلها ، لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى عليه السلام .
ولعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي أضعاف ماتاهت بنو إسرائيل ولعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدة سلطان بني امية لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة وأحييتم الباطل وأخلفتم الحق وراء ظهوركم ، وقطعتم الادنى من أهل بدر ووصلتم الابعد من أبناء الحرب لرسول الله صلى الله عليه وآله ولعمري أن لو قد ذاب مافي أيديهم لدنا التمحيص للجزاء وقرب الوعد وانقضت المدة وبدا لكم النجم ذو الذنب من قبل المشرق ولاح لكم القمر المنير فاذا كان ذلك فراجعوا التوبة واعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق سلك بكم منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله فتداويتم من العمى والصمم والبكم وكفيتم مؤنة الطلب والتعسف ، ونبذتم الثقل الفادح

[124]



عن الاعناق ولا يبعد الله إلا من أبى وظلم واعتسف ، وأخذ ما ليس له " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " ( 1 ) .
بيان : الازل " الضيق " والشدة .
و " الخطب " الشأن والامر ويحتمل أن يكون المراد بما استدبروه ماوقع في زمن الرسول صلى الله عليه وآله من استيلاء الكفرة أولا وغلبة الحق وأهله ثانيا وبما استقبلوه ماورد عليهم بعد الرسول صلى الله عليه وآله من أشباهها ونظائرها من استيلاء المنافقين على أمير المؤمنين عليه السلام ثم رجوع الدولة إليه بعد ذلك فان الحالتين متطابقتان ويحتمل أن يكون المراد بهما شيئا واحدا وإنما يستقبل قبل وروده ويستدبر بعد مضيه والمقصود التفكر في انقلاب أحوال الدنيا وسرعة زوالها وكثرة الفتن فيها فتدعو إلى تركها والزهد فيها ويحتمل على بعد أن يكون المراد بما يستقبلونه ماهو أمامهم من أحوال البرزخ وأهوال القيامة و عذاب الآخرة وبما استدبروه ما مضى من أيام عمرهم وما ظهر لهم مما هو محل للعبرة فيها .
" بلبيب " أي عاقل " بسميع " أي يفهم الحق ويؤثر فيه " ببصير " أي يبصر الحق ويعتبر بما يرى وينتفع بما يشاهد " فيما يعنيكم " أي يهمكم وينفعكم وفي بعض النسخ يغنيكم ( والنظر فيه ) الظاهر أنه بدل اشتمال لقوله فيما يعنيكم ويحتمل أن يكون فاعلا لقوله يعنيكم بتقدير النظر قبل الظرف أيضا .
" من قد أقاده الله " يقال : أقاده خيلا أي أعطاه ليقودها ولعل المعنى من مكنه الله من الملك بأن خلى بينه وبين اختياره ولم يمسك يده عما أراده " بعلمه " أي بما يقتضيه علمه وحكمته من عدم إجبارهم على الطاعات ويحتمل أن يكون من القود والقصاص ويؤيده أن في بعض النسخ بعمله فالضمير راجع إلى الموصول " على سنة " أي طريقة وحالة مشبهة ومأخوذة " من آل فرعون " من الظلم والكفر والطغيان أو من الرفاهية والنعمة كما قال " أهل جنات " فعلى الاول حال وعلى الثاني بدل من قوله على سنة أو عطف بيان له " بما ختم الله " الباء بمعنى في أو إلى أو زائدة و " النضرة " الحسن والرونق .

________________________________________________________________
( 1 ) راجع روضة الكافى ( ج 8 ) ص 63 .

[125]


وقوله عليه السلام : " مخلدون " خبر لمبتدأ محذوف والجملة مبينة ومؤكدة للسابقة أي هم والله مخلدون في الجنان " ولله عاقبة الامور " أي مرجعها إلى حكمه كما قيل أو عاقبة الملك والدولة والعز لله ولمن طلب رضاه كما هو الانسب بالمقام " فيا عجبا " بغير تنوين وأصله ياعجبي ثم قلبوا الياء ألفا فان وقفت قلت : ياعجباه أي ياعجبي أقبل هذا أوانك أو بالتنوين أي ياقوم اعجبوا عجبا أو أعجب عجبا والاول أشهر وأظهر " في دينها " الظرف متعلق بالاختلاف أو بالخطاء أو بهما على التنازع " بغيب " أي بأمر غائب عن الحس مما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله من الجنة والنار وغيرهما " ولا يعفون " بكسر العين وتشديد الفاء من العفة والكف أو بسكون العين وتخفيف الفاء من العفو أي عن عيوب الناس .
" المعروف الخ " أي المعروف والخير عندهم ما يعدونه معروفا ويستحسنونه بعقولهم الناقصة وإن كان منكرا في نفس الامر أو المعنى أن المعروف والمنكر تابعان لارادتهم وميول طبائعهم وشهواتهم فما اشتهته أنفسهم وإن أنكرته الشريعة فهو المعروف عندهم " بعرى وثيقات " أي يظنون أنهم تمسكوا بدلائل وبراهين فيما يدعون من الامور الباطلة .
" وأسباب محكمات " أي يزعمون أنهم تعلقوا بوسائل محكمة فيمن يتوسلون بهم من أئمة الجور " انس بعضهم " على الفعل أو المصدر والثاني أظهر " وحشة " أي يفعلون كل ذلك لوحشتهم ونفورهم عن العلوم التي ورثها النبي صلى الله عليه وآله آهل بيته " أهل حسرات " بعد الموت وفي القيامة وفي النار " وكهوف شبهات " أي تأوي إليهم الشبهات لانهم يقبلون إليها ويفتتنون بها وفي بعض النسخ " وكفر وشبهات " فيكونان معطوفين على حسرات .
وقال الجوهري : العشوة أن يركب أمرا على غير بيان ويقال أخذت عليهم بالعشوة أي بالسواد من الليل " فهو مأمون " خبر للموصول والمعنى أن حسن ظن الناس والعوام بهم إنما هو لجهلهم بضلالتهم وجهالتهم ويحتمل أن يكون المراد بالموصول أئمة من قد ذمهم سابقا لا أنفسهم " من فعلات شيعتي " أي من يتبعني اليوم

[126]


ظاهرا و " اليوم " ظرف للقرب " المتشتة " أي هم الذين يتفرقون عن أئمة الحق ولا ينصرونهم ويتعلقون بالفروع التي لاينفع التعلق بها بدون التشبث بالاصل كاتباعهم المختار وأبا مسلم وزيدا وأضرابهم بعد تفرقهم عن الائمة عليهم السلام " من غير جهته " أي من غير الجهة التي يرجى منها الفتح أو من غير الجهة التي امروا بالاستفتاح منها فان خروجهم بغير إذان الامام كان معصية .
" لشر يوم " إشارة إلى اجتماعهم على أبي مسلم لدفع بني أمية وقد فعلوا لكن سلطوا على أئمة الحق من هو شر منهم وقال الجزري وفي حديث علي : فيجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف أي قطع السحاب المتفرقة وإنما خص الخريف لانه أول الشتاء والسحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم ولا مطبق ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك وقال : الركام ، السحاب المتراكم بعضه فوق بعض .
أقول : نسبة الجمع إليه تعالى مجاز لعدم منعهم عنه وتمكينهم من أسبابه وتركهم واختيارهم " ثم يفتح لهم " فتح الابواب كناية عما هيئ لهم من أسبابهم وإصابة تدبيراتهم واجتماعهم وعدم تخاذلهم .
و " المستثار " موضع ثورانهم وهيجانهم ثم شبه عليه السلام تسليط هذا الجيش عليهم بسوء أعمالهم بما سلط الله على أهل سبأ بعد إتمام النعمة عليهم لكفرانهم وإنما سمي ذلك بسيل العرم لصعوبته أي سيل الامر العرم أي الصعب أو المراد بالعرم المطر الشديد أو الجرذ أضاف إليه لانه نقب عليهم سدا ضربت لهم بلقيس وقيل اسم لذلك السد وقد مرت القصة في كتاب النبوة .
والضمير في " عليه " إما راجع إلى السيل فعلى تعليلية أو إلى العرم إذا فسر بالسد .
وفي بعض النسخ " بعث " وفي بعضها " نقب " بالنون والقاف والباء الموحدة فقوله " فارة " مرفوع بالفاعلية وفي النهج " كسيل الجنتين حيث لم تسلم عليه قارة ولم تثبت له أكمة " والقارة الجبل الصغير والاكمة هي الموضع الذي يكون أشد ارتفاعا مما حوله وهو غليظ لايبلغ أن يكون حجرا والحاصل بيان شدة السيل المشبه به بأنه أحاط بالجبال وذهب بالتلال ولم يمنعه شئ .
والسنن الطريق

[127]


و " الرص " التصاق الاجزاء بعضها ببعض " والطود " الجبل أي لم يرد طريقه طود مرصوص .
ولما بين عليه السلام شدة المشبه به أخذ في بيان شدة المشبه فقال : " يذعذعهم الله " أي يفرقهم في السبل متوجهين إلى البلاد " ثم يسلكهم ينابيع في الارض " من ألفاظ القرآن أي كما أن الله تعالى ينزل الماء من السماء فيسكن في أعماق الارض ثم يظهره ينابيع إلى ظاهرها كذلك هؤلاء يفرقهم الله في بطون الاودية وغوامض الاغوار ثم يظهرهم بعد الاختفاء كذا ذكره ابن أبي الحديد ، والاظهر عندي أنه بيان لاستيلائهم على البلاد ، وتفرقهم فيها ، وتيسر أعوانهم من سائر الفرق ، فكما أن مياه الانهار ووفورها توجب وفور مياه العيون والآبار ، فكذلك يظهر أثر هؤلاء في كل البلاد ، وتكثر أعوانهم في جميع الاقطار ، وكل ذلك ترشيح لما سبق من التشبيه " يأخذهم من قوم " أي بني امية " حقوق قوم " أي أهل بيت عليهم السلام للانتقام من أعدائهم وإن لم يصل الحق إليهم " ويمكن من قوم " أي بني العباس " لديار قوم " أي بني امية وفي بعض النسخ " ويمكن بهم قوما في ديار قوم " وفي النهج " ويمكن لقوم في ديار قوم " والمآل في الكل واحد " تشريدا لبني امية " التشريد التفريق والطرد ، و " الاغتصاب " الغصب ولعل المعنى أن الغرض من استيلاء هؤلاء ليس إلا تفريق بني امية ودفع ظلمهم .

-بحار الانوار مجلد: 47 من ص 127 سطر 17 الى ص 135 سطر 17 وقال الفيروزآبادي : ضعضعه هدمه حتى الارض و " الجنادل " جمع جندل وهو مايقله الرجل من الحجارة أي يهدم الله بهم ركنا وثيقا هو أساس دولة بني امية و ينقض بهم الابنية التي طويت وبنيت بالجنادل والاحجار من بلاد إرم وهي دمشق والشام إذ كان مستقر ملكهم في أكثر زمانهم تلك البلاد لاسيما في زمانه صلوات الله عليه .
وقال الجزري : فيه ينادي مناد من بطنان العرش أي من وسطه وقيل من أصله وقيل البطنان جمع بطن وهو الغامض من الارض يريد من دواخل العرش .
وقال الفيروزآبادي : الزيتون مسجد دمشق أو جبال الشام وبلد بالصين

[128]


والمعنى أن الله يملا منهم وسط مسجد دمشق أو دواخل جبال الشام والغرض بيان استيلاء هؤلاء القوم على بني امية في وسط ديارهم والظفر عليهم في محل استقرارهم وأنه لاينفعهم بناء ولا حصن في التحرز عنهم .
و " طمطمة رجالهم " الطمطمة اللغة العجمية ورجل طمطمي في لسانه عجمة وأشار عليه السلام بذلك إلى أن أكثر عسكرهم من العجم لان عسكر أبي مسلم كان من خراسان " وأيم الله ليذوبن " الظاهر أن هذا أيضا من تتمة بيان انقراض ملك بني امية وسرعة زواله ويحتمل أن يكون إشارة إلى انقراض هؤلاء الغالبين من بني العباس " وإلى الله عزوجل يقضى " من القضاء بمعنى المحاكمة أو الانهاء والايصال كما في قوله تعالى " وقضينا إليه ذلك الامر " وفي بعض النسخ " يفضي " بالفاء أي يوصل " ودرج الرجل " أي مشى ودرج أيضا بمعنى مات ويقال درج القوم أي انقرضوا و الظاهر أن المراد به هنا الموت أي من مات مات ضالا وأمره إلى الله يعذبه كيف يشاء ويحتمل أن يكون بمعنى المشي أي من بقي منهم فعاقبته الفناء والله يقضي فيه بعلمه " ولعل الله يجمع " إشارة إلى زمن القائم عليه السلام .
" وليس لاحد على الله عز ذكره الخيرة " أي ليس لاحد من الخلق أن يشير بأمر على الله أن هذا خير ينبغي أن تفعله بل له أن يختار من الامور ما يشاء بعلمه وله الامر بما يشاء في جميع الاشياء " عن مر الحق " أي الحق الذي هو مر أو خالص الحق فانه مر واتباعه صعب وفي النهج عن نصر الحق " والهضم " الكسر وروي الشي ء عنه أي صرفه ونحاه ولم أطلع على الازواء فيما عندي من كتب اللغة وكفى بالخطبة شاهدا على أنه ورد بهذا المعنى .
" كما تاهت بنو إسرائيل " أي خارج المصر أربعين سنة ليس لهم مخرج بسبب عصيانهم وتركهم الجهاد فكذا أصحابه صلوات الله عليه تحيروا في أديانهم وأعمالهم لما لم ينصروه ولم يعينوه على عدوه كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه .

[129]


" أضعاف ما تاهت " يحتمل أن يكون المراد بالمشبه به هنا تحير قوم موسى بعده في دينهم ويحتمل أن يكون المراد التحير السابق وعلى التقديرين إما المراد المضاعفة بحسب الشدة وكثرة الحيرة أو بحسب الزمان فان حيرتهم كان إلى أربعين سنة وهذه الامة إلى الآن متحيرون تائهون في أديانهم وأحكامهم " الداعي إلى الضلالة " أي الداعي إلى بني العباس " وقطعتم الادنى من أهل بدر " أي الادنين إلى النبي صلى الله عليه وآله نسبا الناصرين له في غزوة بدر وهي أعز غزوات الاسلام يعني نفسه وأولاده صلوات الله عليهم " ووصلتم الابعد " أي أولاد العباس فانهم كانوا أبعد نسبا من أهل البيت عليهم السلام وكان جدهم عباس ممن حارب الرسول صلى الله عليه وآله في غزوة بدر حتى اسر " مافي أيديهم " أي ملك بني العباس " لدنا التمحيص للجزاء " أي قرب قيام القائم والتمحيص الابتلاء والاختبار أي يبتلي الناس ويمتحنون بقيامه عليه السلام ليخزي الكافرين ويعذبهم في الدنيا قبل نزول عذاب الآخرة بهم ويمكن أن يكون المراد تمحيص جميع الخلق لجزائهم في الآخرة إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا " وقرب الوعد " أي وعد الفرج " وانقضت المدة " أي قرب انقضاء دولة أهل الباطل .
" وبدا لكم النجم " هذا من علامات ظهور القائم عليه السلام كما سيأتي وقيل إنه إشارة إلى ما ظهر في سنة تسع وثلاثين وثمانمائة هجرية والشمس في أوائل الميزان بقرب الاكليل الشمالي كانت تطلع وتغيب معه لاتفارقه ثم بعد مدة ظهر أن لها حركة خاصة بطيئة فيما بين المغرب والشمال وكان يصغر جرمها ويضعف ضوؤها بالتدريج حتى انمحت بعد ثمانية أشهر تقريبا وقد بعدت عن الاكليل في الجهة المذكورة قدر رمح لكن قوله عليه السلام " من قبل المشرق " يأبى عنه إلا بتكلف وقد ظهر في زماننا في سنة خمس وسبعين وألف ذو ذؤابة مابين القبلة والمشرق وكان له طلوع وغروب وكانت له حركة خاصة سريعة عجيبة على التوالي لكن لا على نسق ونظام معلوم ثم غاب بعد شهرين تقريبا كان يظهر أول الليل من جانب المشرق وقد ضعف حتى انمحى بعد شهر تقريبا وتطبيقه على هذا يحتاج إلى تكلفين كما

[130]


لايخفى " ولاح لكم القمر المنير " الظاهر أنه استعارة للقائم عليه السلام ويؤيده مامر بسند آخر " وأشرق لكم قمركم " ويحتمل أن يكون من علامات قيامه عليه السلام ظهور قمر آخر أو شئ شبيه بالقمر .
" إن اتبعتم طالع المشرق " أي القائم عليه السلام وذكر المشرق إما لترشيح الاستعارة السابقة أو لان ظهوره عليه السلام من مكة وهي شرقية بالنسبة ( إلى المدينة ) أو لان اجتماع العساكر عليه وتوجهه عليه السلام إلى فتح البلاد إنما يكون من الكوفة وهي شرقية بالنسبة إلى الحرمين وكونه إشارة إلى السلطان إسماعيل أنار الله برهانه بعيد " والتعسف " أي لاتحتاجون في زمانه عليه السلام إلى طلب الرزق والظلم على الناس لاخذ أموالهم " ونبذتهم الثقل الفادح " أي الديون المثقلة ومظالم العباد أو إطاعة أهل الجور وظلمهم " ولا يبعد الله " أي في ذلك الزمان أو مطلقا " إلا من أبى " ( أي ) عن طاعته عليه السلام أو طاعة الله و " ظلم " أي نفسه أو الناس " واعتسف " أي مال عن طريق الحق أو ظلم غيره .
25 نهج : من خطبة له صلوات الله عليه ( في ذكر الملاحم : يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي .
منها : حتى تقوم الحرب بكم على ساق باديا نواجذها مملوءة أخلافها حلوا رضاعها علقما عاقبتها ) .
ألا وفي غد وسيأتي غد بما لا تعرفون يأخذ الوالي من غيرها عمالها على مساوي أعمالها وتخرج له الارض أفاليذ كبدها ، وتلقي إليه سلما مقاليدها ، فيريكم كيف عدل السيرة ويحيي ميت الكتاب والسنة .
( بيان : الساق الشدة أو بالمعنى المشهور كناية عن استوائها .
وبدو النواجذ كناية عن بلوغ الحرب غايتها كما أن غاية الضحك أن تبدو النواجذ ويمكن أن يكون كناية عن الضحك على التهكم ) .
أيضاح : قال ابن أبي الحديد : " ألا وفي غد " تمامه قوله عليه السلام " يأخذ الوالي " وبين الكلام جملة اعتراضية وهي قوله عليه السلام " وسيأتي غد بما لا تعرفون " والمراد تعظيم