[171]
الكافر قائما والمعرفة مرتفعة دل على أن المعرفة ليست لطفا على كل حال لانها
لو كانت كذلك لكان نقضا .
وجوابنا في الامامة كجوابهم في المعرفة من أن الكافر لطفه قائم بالمعرفة و
إنما فوت ( على ) نفسه بالتفريط في النظر المؤدي إليها فلم يقبح تكليفه فكذلك نقول :
الرئاسة لطف للمكلف في حال الغيبة وما يتعلق بالله من إيجاده حاصل وإنما ارتفع
تصرفه وانبساط يده لامر يرجع إلى المكلفين فاستوى الامران والكلام في هذا المعنى مستوفى أيضا بحيث ذكرناه .
وأما الكلام في الفصل الثالث من قوله إن الفائدة بالامامة هي كونه مبعدا
من القبيح على قولكم وذلك لم يحصل مع غيبته فلم ينفصل وجوده من عدمه فإذا
لم يختص وجوده غائبا بوجه الوجوب الذي ذكروه لم يقتض دليلهم وجوب وجوده
مع الغيبة ، فدليلكم مع أنه منتقض حيث وجد مع انبساط اليد ولم يجب انبساط
اليد مع الغيبة فهو غير متعلق بوجود إمام غير منبسط اليد ولا هو حاصل في هذه الحال .
فانا نقول : إنه لم يفعل في هذا الفصل أكثر من تعقيد القول على طريقة
المنطقيين من قلب المقدمات ورد بعضها على بعض ولا شك أنه قصد بذلك التمويه
والمغالطة وإلا فالامر أوضح من أن يخفى متى قالت الامامية إن انبساط يد الامام
لايجب في حال الغيبة حتى يقول : دليلكم لا يدل على وجوب إمام غير منبسط اليد
لان هذه حال الغيبة ، بل الذي صرحنا دفعة بعد اخرى أن انبساط يده واجب في
الحالين في حال ظهوره وحال غيبته غير أن حال ظهوره مكن منه فانبسطت يده
وحال الغيبة لم يمكن فانقبضت يده لا أن انبساط يده خرج من باب الوجوب وبينا
أن الحجة بذلك قائمة على المكلفين من حيث منعوع ولم يمكنوه فاتوا من قبل
نفوسهم ، وشبهنا ذلك بالمعرفة دفعة بعد اخرى .
وأيضا فانا نعلم أن نصب الرئيس واجب بعد الشرع لما في نصبه من اللطف
لتحمله القيام بما لايقوم به غيره ، ومع هذا فليس التمكين واقعا لاهل الحل
والعقد من نصب من يصلح لها خاصة على مذهب أهل العدل الذين كلامنا معهم
[172]
ومع هذا لا يقول أحد إن وجوب نصب الرئيس سقط الآن من حيث لم يقع
التمكين منه ، فجوابنا في غيبة الامام جوابهم في منع أهل الحل والعقد من اختيار
من يصلح لامامة ولا فرق بينهما فانما الخلاف بيننا أنا قلنا علمنا ذلك عقلا وقالوا
ذلك معلوم شرعا وذلك فرق من غير موضع الجمع .
فان قيل : أهل الحل والعقد إذا لم يتمكنوا من اختيار من يصلح للامامة
فإن الله يفعل مايقوم مقام ذلك من الالطاف فلا يجب إسقاط التكليف وفي الشيوخ
من قال إن الامام يجب نصبه في الشرع لمصالح دنياوية وذلك غير واجب أن يفعل
لها اللطف .
قلنا : أما من قال نصب الامام لمصالح دنياوية قوله يفسد لانه لو كان كذلك
لما وجب إمامته ولا خلاف بينهم في أنه يجب إقامة الامامة مع الاختيار على أن ما
يقوم به الامام من الجهاد وتولية الامراء والقضاء ، وقسمة الفئ ، واستيفاء الحدود
والقصاصات امور دينية لايجوز تركها ، ولو كان لمصلحة دنياوية لما وجب ذلك
فقوله ساقط بذلك وأما من قال : يفعل الله مايقوم مقامه باطل لانه لو كان كذلك
لما وجب عليه إقامة الامام مطلقا على كل حال ولكان يكون ذلك من باب التخيير
كما نقول في فروض الكفايات وفي علمنا بتعيين ذلك ووجوبه على كل حال دليل
على فساد ما قالوه .
على أنه يلزم على الوجهين جميعا المعرفة بأن يقال : الكافر إذا لم يحصل له
المعرفة يفعل الله له ما يقوم مقامها فلا يجب عليه المعرفة على كل حال أو يقال
إنما يحصل من الانزجار عن فعل الظلم عند المعرفة أمر دنياوي لايجب لها المعرفة
فيجب من ذلك إسقاط وجوب المعرفة ، ومتى قيل إنه لا بدل للمعرفة ، قلنا وكذلك
لا بدل للامام ، على ما مضى وذكرناه في تلخيص الشافي ، وكذلك إن
بينوا أن الانزجار من القبيح عند المعرفة أمر ديني قلنا مثل ذلك في وجود
الامام سواء .
فان قيل : لايخلو وجود رئيس مطاع منبسط اليد من أن يجب على الله جميع
[173]
ذلك أو يجب علينا جميعه أو يجب على الله إيجاده وعلينا بسط يده فان قلتم يجب
جميع ذلك على الله ، فانه ينتقض بحال الغيبة لانه لم يوجد إمام منبسط اليد وإن
وجب علينا جميعه فذلك تكليف مالا يطاق لانا لانقدر على إيجاده وإن وجب عليه
إيجاده وعلينا بسط يده وتمكينه فما دليلكم عليه مع أن فيه أنه يجب علينا أن نفعل
ماهو لطف للغير وكيف يجب على زيد بسط يد الامام ليحصل لطف عمرو ، وهل
ذلك إلا نقض الاصول .
قلنا : الذي نقوله أن وجود الامام المنبسط اليد إذا ثبت أنه لطف لنا على ما
دللنا عليه ولم يكن إيجاده في مقدورنا لم يحسن أن نكلف إيجاده لانه تكليف مالا يطاق
وبسط يده وتقوية سلطانه قد يكون في مقدورنا وفي مقدور الله فإذا لم يفعل الله علمنا
أنه غير واجب عليه وأنه واجب علينا لانه لابد من أن يكون منبسط اليد ليتم
الغرض بالتكليف وبينا بذلك أن بسط يده لو كان من فعله تعالى لقهر الخلق عليه
بالحيلولة بينه وبين أعدائه وتقوية أمره بالملائكة وبما أدى إلى سقوط الغرض
بالتكليف ، وحصول الالجاء ، فاذا يجب علينا بسط يده على كل حال وإذا لم
نفعله اتينا من قبل نفوسنا .
فأما قولهم : في ذلك إيجاد اللطف علينا للغير ، غير صحيح لانا نقول إن كل
من يجب عليه نصرة الامام وتقوية سلطانه له في ذلك مصلحة تخصه وإن كانت فيه
مصلحة ترجع إلى غيره كما تقوله في أن الانبياء يجب عليهم تحمل أعباء النبوة
والاداء إلى الخلق ماهو مصلحة لهم لان لهم في القيام بذلك مصلحة تخصهم وإن
كانت فيها مصلحة لغيرهم .
ويلزم المخالف في أهل الحل والعقد بأن يقال : كيف
يجب عليهم اختيار الامام لمصلحة ترجع إلى جميع الامة وهل ذلك إلا إيجاب
الفعل عليهم لما يرجع إلى مصلحة غيرهم فأي شئ أجابوا به فهو جوابنا بعينه سواء .
فان قيل : لم زعمتم أنه يجب إيجاده في حال الغيبة وهلا جاز أن يكون
معدوما .
قلنا : إنما أوجبناه من حيث إن تصرفه الذي هو لطفنا إذا لم يتم إلا بعد
وجوده وإيجاده لم يكن في مقدورنا قلنا عند ذلك أنه يجب على الله ذلك وإلا أدى
[174]
إلى أن لا نكون مزاحي العلة بفعل اللطف فنكون اتينا من قبله تعالى لا من قبلنا
وإذا أوجده ولم نمكنه من انبساط يده اتينا من قبل نفوسنا فحسن التكليف وفي
الاول لم يحسن .
فان قيل : ما الذي تريدون بتمكيننا إياه ؟ أتريدون أن نقصده ونشافهه وذلك
لايتم إلا مع وجوده وقيل لكم لايصح جميع ذلك إلا مع ظهوره وعلمنا أو علم
بعضنا بمكانه وإن قلتم نريد بتمكيننا أن نبخع بطاعته والشد على يده ونكف
عن نصرة الظالمين ونقوم على نصرته متى دعانا إلى إمامته ودلنا عليها بمعجزته
قلنا لكم : فنحن يمكننا ذلك في زمان الغيبة وإن لم يكن الامام موجودا فيه .
فكيف قلتم لايتم ماكلفناه من ذلك إلا مع وجود الامام .
قلنا الذي نقوله في هذا
الباب ما ذكره المرتضى ره في الذخيرة وذكرناه في تلخيص الشافي أن الذي
هو لطفنا من تصرف الامام وانبساط يده لايتم إلا بامور ثلاثة أحدها يتعلق بالله
وهو إيجاده والثاني يتعلق به من تحمل أعباء الامامة والقيام بها والثالث يتعلق
بنا من العزم على نصرته ، ومعاضدته ، والانقياد له ، فوجوب تحمله عليه فرع على
وجوده لانه لايجوز أن يتناول التكليف المعدوم فصار إيجاد الله إياه أصلا لوجوب
قيامه ، وصار وجوب نصرته علينا فرعا لهذين الاصلين لانه إنما يجب علينا طاعته
إذا وجد ، وتحمل أعباء الامامة وقام بها ، فحينئذ يجب علينا طاعته ، فمع هذا
التحقيق كيف يقال : لم لا يكن معدوما .
فان قيل : فما الفرق بين أن يكون موجودا مستترا أو معدوما حتى إذا علم
منا العزم على تمكينه أوجده قلنا : لا يحسن من الله تعالى أن يوجب علينا تمكين
من ليس بموجود لانه تكليف مالا يطاق فاذا لابد من وجوده .
فان قيل : يوجده الله إذا علم أنا ننطوي على تمكينه بزمان واحد كما أنه
يظهر عند مثل ذلك قلنا : وجوب تمكينه والانطواء على طاعته لازم في جميع
أحوالنا فيجب أن يكون التمكين من طاعته والمصير إلى أمره ممكنا في جميع
الاحوال وإلا لم يحسن التكليف وإنما كان يتم ذلك لو لم نكن مكلفين في كل
[175]
حال لوجوب طاعته والانقياد لامره ، بل كان يجب علينا ذلك ععند ظهوره
والامر بخلافه .
ثم يقال لمن خالفنا في ذلك وألزمنا عدمه على استتاره : لم لا يجوز أن يكلف
الله تعالى المعرفة ولا ينصب عليها دلالة إذا علم أنا لاننظر فيها حتى إذا علم من
حالنا أنا نقصد إلى النظر ونعزم على ذلك ، أوجد الادلة ونصبها فحينئذ ننظر
ونقول ما الفرق بين دلالة منصوبة لاينظر فيها وبين عدمها حتى إذا عزمنا على النظر
فيها أوجدها الله .
ومتى قالوا : نصب الادلة من جملة التمكين الذي لايحسن التكليف من دونه
كالقدرة والآلة قلنا : وكذلك وجود الامام عليه السلام من جملة التمكين من وجوب طاعته
ومتى لم يكن موجودا لم يمكنا طاعته كما أن الادلة إذا لم تكن موجودة لم
يمكنا النظر فيها فاستوى الامران .
وبهذا التحقيق يسقط جميع مايورد في هذا الباب من عبارات لاترتضيها في
الجواب وأسولة المخالف عليها وهذا المعنى مستوفى في كتبي وخاصة في تلخيص
الشافي فلا نطول بذكره .
والمثال الذي ذكره من أنه لو أوجب الله علينا أن نتوضأ من ماء بئر معينة
لم يكن لها حبل يستقى به وقال لنا إن دنوتم من البئر خلقت لكم حبلا تستقون به
من الماء فانه يكون مزيحا لعلتنا ومتى لم ندن من البئر كنا قد اتينا من قبل
نفوسنا لا من قبله تعالى ، وكذلك لو قال السيد لعبده وهو بعيد منه : اشتر لي لحما
-بحار الانوار مجلد: 47 من ص 175 سطر 19 الى ص 183 سطر 18
من السوق فقال : لاأتمكن من ذلك لانه ليس معي ثمنه ، فقال : إن دنوت أعطيتك
ثمنه فانه يكون مزيحا لعلته ، ومتى لم يدن لاخذ الثمن يكون قد اتي من قبل
نفسه لا من قبل سيده وهذه حال ظهور الامام مع تمكيننا فيجب أن يكون عدم
تمكيننا هو السبب في أن لم يظهر في هذه الاحوال لا عدمه إذ كنا لو مكناه
لوجد وظهر .
قلنا : هذا كلام من يظن أنه يجب علينا تمكينه إذا ظهر ولا يجب علينا ذلك
[176]
في كل حال ، ورضينا بالمثال الذي ذكره لانه تعالى لو أوإب علينا الاستقاء في
الحال لوجب أن يكون الحبل حاصلا في الحال لان به تنزاح العلة لكن إذا
قال : متى دنوتم من البئر خلقت لكم الحبل إنما هو مكلف للدنو لا للاستقاء
فيكفي القدرة على الدنو في هذه الحال لانه ليس بمكلف للاستقاء منها فاذا دنا من
البئر صار حينئذ مكلفا للاستقاء فيجب عند ذلك أن يخلف له الحبل فنظير ذلك أن
لايجب علينا في كل حال طاعة الامام وتمكينه فلا يجب عند ذلك وجوده فلما كانت
طاعته واجبة في الحال ولم نقف على شرطه ولا وقت منتظر وجب أن يكون موجودا
لتنزاح العلة في التكليف ويحسن .
والجواب عن مثال السيد مع غلامه مثل ذلك لانه إنما كلفه الدنو منه
لا الشراء فاذا دنا منه وكلفه الشراء وجب عليه إعطاء الثمن ولهذا قلنا إن الله تعالى
كلف من يأتي إلى يوم القيامة ولا يجب أن يكونوا موجودين مزاحي العلة لانه
لم يكلفهم الآن فاذا أوجدهم وأزاح علتهم في التكليف بالقدرة والآلة ونصب الادلة
حينئذ تناولهم التكليف ، فسقط بذلك هذه المغالطة .
على أن الامام إذا كان مكلفا للقيام بالامر وتحمل أعباء الامامة كيف
يجوز أن يكون معدوما وهل يصح تكليف المعدوم عند عاقل ، وليس لتكليفه ذلك
تعلق بتمكيننا أصلا ، بل وجوب التمكين علينا فرع على تحمله على ما مضى القول
فيه وهذا واضح .
ثم يقال لهم : أليس النبي صلى الله عليه وآله اختفى في الشعب ثلاث سنين لم يصل إليه
أحد واختفى في الغار ثلاثة أيام ولم يجز قياسا على ذلك أن يعدمه الله تلك المدة
مع بقاء التكليف على الخلق الذين بعثه لطفا لهم ، ومتى قالوا : إنما اختفى بعدما
دعا إلى نفسه وأظهر نبوته فلما أخافوه استتر قلنا : وكذلك الامام لم يستتر إلا
وقد أظهر آباؤه موضعه وصفته ، ودلوا عليه ، ثم لما خاف عليه أبو الحسن بن
علي عليهما السلام أخفاه وستره فالامر إذا سواء .
[177]
ثم يقال لهم : خبرونا لو علم الله من حال شخص أن من مصلحته أن يبعث الله
إليه نبيا معينا يؤدي إليه مصالحه وعلم أنه لو بعثه لقتله هذا الشخص ولو منع من
قتله قهرا كان فيه مفسدة له أو لغيره هل يحسن أن يكلف هذا الشخص ولا يبعث
إليه ذلك النبي أو لا يكلف فان قالوا : لا يكلف قلنا وما المانع منه ، وله طريق
إلى معرفة مصالحه بأن يمكن النبي من الاداء إليه وإن قلتم يكلفه ولا يبعث إليه
قلنا وكيف يجوز أن يكلفه ولم يفعل به ماهو لطف له مقدور .
فان قالوا : اتي في ذلك من قبل نفسه ، قلنا هو لم يفعل شيئا وإنما علم أنه
لايمكنه ، وبالعلم لايحسن تكليفه مع ارتفاع اللطف ، ولو جاز ذلك لجاز أن يكلف
مالا دليل عليه إذا علم أنه لاينظر فيه ، وذلك باطل ، ولابد أن يقال : إنه يبعث
إلى ذلك الشخص ويوجب عليه الانقياد له ، ليكون مزيحا لعلته فإما أن يمنع منه
بما لاينافي التكليف أو يجعله بحيث لايتمكن من قتله ، فيكون قد اتي من قبل
نفسه في عدم الوصول إليه ، وهذه حالنا مع الامام في حال الغيبة سواء .
فان قال : لابد أن يعلمه أن له مصلحة في بعثة هذا الشخص إليه على لسان
غيره ، ليعلم أنه قد اتي من قبل نفسه قلنا : وكذلك أعلمنا الله على لسان نبيه و
الائمة من آبائه عليهم السلام موضعه ، وأوجب علينا طاعته ، فاذا لم يظهر لنا علمنا أنا
اتينا من قبل نفوسنا فاستوى الامران .
وأما الذي يدل على الاصل الثاني وهو أن من شأن الامام أن يكون
مقطوعا على عصمته ، فهو أن العلة التي لاجلها احتجنا إلى الامام ارتفاع العصمة
بدلالة أن الخلق متى كانوا معصومين لم يحتاجوا إلى إمام وإذا خلوا من كونهم
معصومين احتاجوا إليه ، علمنا عند ذلك أن علة الحاجة هي ارتفاع العصمة ، كما
نقوله في علة حاجة الفعل إلى فاعل أنها الحدوث بدلالة أن ما يصح حدوثه
يحتاج إلى فاعل في حدوثه ، وما لايصح حدوثه يستغني عن الفاعل ، وحكمنا
بذلك أن كل محدث يحتاج إلى محدث ، فمثل ذلك يجب الحكم بحاجة كل
من ليس بمعصوم إلى إمام وإلا انتقضت العلة فلو كان الامام غير معصوم ، لكانت علة
[178]
الحاجة فيه قائمة ، واحتاج إلى إمام آخر ، والكلام في إمامته كالكلام فيه فيؤدي
إلى إيجاب أئمة لا نهاية لهم أو الانتهآء إلى معصوم وهو المراد .
وهذه الطريقة قد أحكمناها في كتبنا فلا نطول بالاسولة عليها لان الغرض
بهذا الكتاب غير ذلك وفي هذا القدر كفاية .
وأما الاصل الثالث وهو أن الحق لايخرج عن الامة فهو متفق عليه بيننا
وبين خصومنا وإن اختلفنا في علة ذلك لان عندنا أن الزمان لايخلو من إمامن
معصوم لايجوز عليه الغلط على ما قلناه ، فاذا الحق لايخرج عن الامة لكون
المعصوم فيهم وعند المخالف لقيام أدلة يذكرونها دلت على أن الاجماع حجة فلا
وجه للتشاغل بذلك .
فإذا ثبتت هذه الاصول ثبت إمامة صاحب الزمان عليه السلام لان كل من
يقطع على ثبوت العصمة للامام قطع على أنه الامام ، وليس فيهم من يقطع على
عصمة الامام ويخالف في إمامته إلا قوم دل الدليل على بطلان قولهم كالكيسانية
والناووسية والواقفة فإذا أفسدنا أقوال هؤلاء ثبت إمامته عليه السلام .
أقول : وأما الذي يدل على فساد قول الكيسانية القائلين بإمامة محمد بن
الحنفية فأشياء :
منها : أنه لو كان إماما مقطوعا على عصمته لوجب أن يكون منصوصا عليه
نصا صريحا ، لان العصمة لاتعلم إلا بالنص ، وهم لايدعون نصا صريحا وإنما
يتعلقون بامور ضعيفة دخلت عليهم فيها شبهة لايدل على النص نحو إعطاء
أمير المؤمنين إياه الراية يوم البصرة ، وقوله له : " أنت ابني حقا " مع كون الحسن
والحسين عليهما السلام ابنيه وليس في ذلك دلالة على إمامته على وجه ، وإنما يدل على
فضله ومنزلته ، على أن الشيعة تروي أنه جرى بينه وبين علي بن الحسين عليه السلام كلام
في استحقاق الامامة فتحاكما إلى الحجر فشهد الحجر لعلي بن الحسين عليه السلام
بالامامة فكان ذلك معجزا له فسلم له الامر وقال بامامته ، والخبر بذلك مشهور
عند الامامية .
[179]
ومنها : تواترالشيعة الامامية بالنص عليه من أبيه وجده وهي موجودة في
كتبهم في أخبار لا نطول بذكره الكتاب .
ومنها : الاخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله من جهة الخاصة والعامة بالنص على
الاثني عشر ، وكل من قال بامامتهم قطع على وفات محمد بن الحنفية ، وسياقة الامامة
إلى صاحب الزمان عليه السلام .
ومنها : انقراض هذه الفرقة فانه لم يبق في الدنيا في وقتنا ولا قبله بزمان
طويل قائل يقول به ، ولو كان ذلك حقا لما جاز انقراضهم .
فإن قيل : كيف يعلم انقراضهم وهلا جاز أن يكون في بعض البلاد البعيدة
وجزائر البحر وأطراف الارض أقوام يقولون بهذا القول ، كما يجوز أن يكون في
أطراف الارض من يقول بمذهب الحسن في أن مرتكب الكبيرة منافق فلا يمكن ادعاء
انقراض هذه الفرقة ، وإنما كان يمكن العلم لو لكان المسلمون فيهم قلة والعلماء
محصورين فأما وقد انتشر الاسلام وكثر العلماء فمن أين يعلم ذلك ؟ .
قلنا : هذا يؤدي إلى أن لايمكن العلم باجماع الامة على قول ولا مذهب
بأن يقال لعل في أطراف الارض من يخالف ذلك ويلزم أن يجوز أن يكون في
أطراف الارض من يقول : إن البرد لاينقض الصوم وأنه يجوز للصائم أن يأكل
إلى طلوع الشمس لان الاول كان مذهب أبي طلحة الانصاري والثاني مذهب
حذيفة والاعمش وكذلك مسائل كثيرة من الفقه كان الخلف فيها واقعا بين الصحابة
والتابعين ثم زال الخلف فيما بعد واجتمع أهل الاعصار على خلافه فينبغي أن يشك
في ذلك ولا يثق بالاجماع على مسألة سبق الخلاف فيها ، وهذا طعن من يقول إن
الاجماع لايمكن معرفته ولا التوصل إليه والكلام في ذلك لايختص بهذه المسألة
فلا وجه لا يراده ههنا .
ثم إنا نعلم أن الانصار طلبت الامرة ودفعهم المهاجرون عنها ثم رجعت
الانصار إلى قول المهاجرين على قول المخالف فلو أن قائلا قال : يجوز عقد الامامة
لمن كان من الانصار لان الخلاف سبق فيه ولعل في أطراف الارض من يقول به
[180]
فما كان يكون جوابهم فيه ؟ فأي شئ قالوه فهو جوابنا بعينه .
فان قيل : إن كان الاجماع عندكم إنما يكون حجة لكون المعصوم فيه
فمن أين تعلمون دخول قوله في جملة أقوال الامة ؟ قلنا المعصوم إذا كان من جملة
علماء الامة فلابد أن يكون قوله موجودا في جملة أقوال العلماء لانه لايجوز أن
يكون منفردا مظهرا للكفر فان ذلك لايجوز عليه فاذا لابد أن يكون قوله في
جملة الاقوال وإن شككنا في أنه الامام .
فاذا اعتبرنا أقوال الامة ووجدنا بعض العلماء يخالف فيه فان كنا نعرفه
ونعرف مولده ومنشأه لم نعتد بقوله ، لعلمنا أنه ليس بامام وإن شككنا في نسبه
لم تكن المسألة إجماعا .
فعلى هذا أقوال العلماء من الامة اعتبرناها فلم نجد فيهم قائلا بهذا المذهب الذي هو مذهب الكيسانية أو الواقفة وإن وجدنا فرضا واحدا أو اثنين فانا نعلم
منشأه ومولده فلا يعتد بقوله واعتبرنا أقوال الباقين الذين نقطع على كون المعصوم
فيهم فسقطت هذه الشبهة على هذا التحرير وبان وهنها .
فأما القائلون بامامة جعفر بن محمد من الناووسية وأنه حي لم يمت وأنه
المهدي فالكلام عليهم ظاهر لانا نعلم موت جعفر بن محمد كما نعلم موت أبيه وجده وقتل
علي عليه السلام وموت النبي صلى الله عليه وآله فلو جاز الخلاف فيه لجاز الخلاف في جميع ذلك
ويؤدي إلى قول الغلاة والمفوضة الذين جحدوا قتل علي والحسين عليهما السلام وذلك
سفسطة .
وأما الذي يدل على فساد مذهب الواقفة الذين وقفوا في إمامة أبي الحسن
موسى عليه السلام وقالوا : إنه المهدي .
فقولهم باطل بما ظهر من موته ، واشتهر واستفاض كما
اشتهر موت أبيه وجده ومن تقدمه من آبائه عليهم السلام ولو شككنا لم ننفصل من الناووسية
والكيسانية والغلاة والمفوضة الذين خالفوا في موت من تقدم من آبائه عليهم السلام .
على أن موته اشتهر مالم يشتهر موت أحد من آبائه عليهم السلام لانه اظهروا حضر القضاة
والشهود ونودي عليه ببغداد على الجسر وقيل هذا الذي تزعم الرافضة أنه حي