[181]


لايموت ، مات حتف أنفه ، وما جرى هذا المجرى لايمكن الخلاف فيه .
أقول : ثم ذكر في ذلك أخبارا كثيرة روينا عنه في باب وفات الكاظم عليه السلام ثم قال : فموته عليه السلام أشهر من أن يحتاج إلى ذكر الرواية به لان المخالف في ذلك يدفع الضرورات والشك في ذلك يؤدي إلى الشك في موت كل واحد من آبائه عليهم السلام وغيرهم ، فلا يوثق بموت أحد .
على أن المشهور عنه عليه السلام أنه أوصى إلى ابنه علي عليه السلام وأسند إليه أمره بعد موته والاخبار بذلك أكثر من أن تحصى .
أقول : ثم ذكر بعض الاخبار التي أوردتها في باب النص عليه صلوات الله عليه ثم قال : فان قيل : قد مضى في كلامكم أنا نعلم موت موسى بن جعفر كما نعلم موت أبيه وجده فعليكم لقائل أن يقول إنا نعلم أنه لم يكن للحسن بن علي ابن كما نعلم أنه لم يكن له عشرة بنين وكما نعلم أنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله ابن من صلبه عاش بعد موته ، فان قلتم لو علمنا أحدهما كما نعلم الآخر لما جاز أن يقع فيه خلاف كما لايجوز أن يقع الخلاف في الآخر قيل : لمخالفكم أن يقول ولو علمنا موت محمد بن الحنفية وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر كما نعلم موت محمد بن علي بن الحسين لما وقع الخلاف في أحدهما كما لم يجز أن يقع في الآخر .
قلنا : نفي ولادة الاولاد من الباب الذي لايصح أن يعلم صدوره في موضع من المواضع ولايمكن أحدا أن يدعي فيمن لم يظهر له ولد أن يعلم أنه لا ولد له وإنما يرجع في ذلك إلى غالب الظن والامارة بأنه لو كان له ولد لظهر وعرف خبره لان العقلاء قد يدعوهم الدواعي إلى كتمان أولادهم لاغراض مختلفة .
فمن الملوك من يخفيه خوفا عليه وإشفاقا وقد وجد في ذلك كثير في عادة الاكاسرة والملوك الاول وأخبارهم معروفة .
وفي الناس من يولد له ولد من بعض سراياه أو ممن تزوج به سرا فيرمي به ويجحده خوفا من وقوع الخصومة مع زوجته وأولاده الباقين وذلك أيضا يوجد

[182]


كثيرا في العادة .
وفي الناس من يتزوج بامرأة دنيئة في المنزلة والشرف وهو من ذوي الاقدار والمنازل فيولد له ، فيأنف من إلحاقه به فيجحده أصلا وفيهم من يتحرج فيعطيه شيئا من ماله .
وفي الناس من يكون من أدونهم نسبا فيتزوج بامرأة ذات شرف ومنزلة لهوى منها فيه بغير علم من أهلها إما بأن يزوجه نفسها بغير ولي على مذهب كثير من الفقهاء أو تولى أمرها الحاكم فيزوجها على ظاهر الحال فيولد له فيكون الولد صحيحا وتنتفي منه أنفة وخوفا من أوليائها وأهلها ! وغير ذلك من الاسباب التي لانطول بذكرها ، فلا يمكن ادعاء نفي الولادة جملة ، وإنما نعلم مانعلمه إذا كانت الاحوال سليمة ويعلم أنه لامانع من ذلك فحينئذ يعلم انتفاؤه .
فأما علمنا بأنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله ابن عاش بعده فانما علمناه لما علمنا عصمته ونبوته ولو كان له ولد لاظهره لانه لا مخافة عليه في إظهاره وعلمنا أيضا باجماع الامة على أنه لم يكن له ابن عاش بعده ، ومثل ذلك لايمكن أن يدعى العلم به في ابن الحسن عليه السلام لان الحسن عليه السلام كان كالمحجور عليه ، وفي حكم المحبوس ، وكان الولد يخاف عليه ، لما علم وانتشر من مذهبهم أن الثاني عشر هو القائم بالامر لازالة الدول فهو مطلوب لا محالة .
وخاف أيضا من أهله كجعفر أخيه الذي طمع في الميراث والاموال فلذلك أخفاه ووقعت الشبهة في ولادته ومثل ذلك لايمكن ادعاء العلم به في موت من علم موته لان الميت مشاهد معلوم يعرف بشاهد الحال موته ، وبالامارات الدالة عليه يضطر من رآه إلى ذلك ، فإذا أخبر من لم يشاهده علمه واضطر إليه ، وجرى الفرق بين الموضعين مثل مايقول الفقهاء من أن البينة إنما يمكن أن يقوم على إثبات الحقوق لا على نفيها لان النفي لاتقوم عليه بينة إلا إذا كان تحته إثبات فباق الفرق بين الموضعين لذلك .
فان قيل : العادة تسوى بين الموضعين لان ( في ) الموت قد يشاهد الرجل يحتضر

[183]


كما يشاهد القوابل الولادة ، وليس كل أحد يشاهد احتضار غيره كما أنه ليس كل أحد يشاهد ولادة غيره ولكن أظهر مايمكن في علم الانسان بموت غيره إذا لم يكن يشاهده أن يكون جاره ويعلم بمرضه ويتردد في عيادته ثم يعلم بشدة مرضه ثم يسمع الواعية من داره ولا يكون في الدار مريض غيره ، ويجلس أهله للعزاء وآثار الحزن والجزع عليهم ظاهرة ثم يقسم ميراثه ثم يتمادى الزمان ولا يشاهد ولا يعلم لاهله غرض في إظهار موته وهو حي ، فهذه سبيل الولادة لان النساء يشاهدن الحمل ويتحدثن بذلك سيما إذا كانت حرمة رجل نبيه يتحدث الناس بأحواله مثله وإذا استسر بجارية لم يخف تردده إليها ثم إذا ولد المولود ظهر البشر والسرور في أهل الدار وهنأهم الناس إذا كان المهنأ جليل القدر وانتشر ذلك وتحدث على حسب جلالة قدره فيعلم الناس أنه قد ولد له مولود سيما إذا علم أنه لا غرض في أن يظهر أنه ولد له ولد ولم يولد له .
فمتى اعتبرنا العادة وجدناها في الموضعين على سواء وإن نقض الله العادة فيمكن في أحدهما مثل مايمكن في الآخر فانه قد يجوز أن يمنع الله ببعض الشواغل عن مشاهدة الحامل وعن أن يحضر ولادتها إلا عدد يؤمن مثلهم على كتمان أمره ثم ينقله الله من مكان الولادة إلى قلة جبل أو برية لا أحد فيها ولا يطلع على ذلك إلا من لايظهره على المأمون مثله .
وكما يجوز ذلك فانه يجوز أن يمرض الانسان ويتردد إليه عواده فاذا اشتد وتوقع موته ، وكان يؤيس من حياته ، نقله الله إلى قلة جبل وصير مكانه
-بحار الانوار مجلد: 47 من ص 183 سطر 19 الى ص 191 سطر 18 شخصا ميتا يشبهه كثيرا من الشبهه ثم يمنع بالشواغل وغيرها من مشاهدته إلا بمن يوثق به ثم يدفن الشخص ويحضر جنازته من كان يتوقع موته ولا يرجو حياته فيتوهم أن المدفون هو ذاك العليل .
وقد يسكن نبض الانسان وتنفسه وينقض الله العادة ويغيبه عنهم وهو حي لان الحي منا إنما يحتاج إليهما لاخراج البخارات المحترقة مما حول القلب بادخال هواء بارد صاف ليروح عن القلب وقد يمكن أن يفعل الله من البرودة في الهواء

[184]



المطيفة بالقلب مايجري مجرى هواء بارد يدخلها بالتنفس ، فيكون الهواء المحدق بالقلب أبدا باردا ولا يحترق منه شئ لان الحرارة التي تحصل فيه يقوم بالبرودة .
والجواب أنا نقول : أولا أنه لايلتجئ من يتكلم في الغيبة إلى مثل هذه الخرافات إلا من كان مفلسا من الحجة ، عاجزا عن إيراد شبهة قوية ، ونحن نتكلم على ذلك على مابه ونقول : إن ماذكر من الطريق الذي به يعلم موت الانسان ليس بصحيح على كل وجه لانه قد يتفق جميع ذلك وينكشف عن باطل بأن يكون لمن أظهر ذلك غرض حكمي ويظهر التمارض ويتقدم إلى أهله باظهار جميع ذلك ليختبر به أحوال غيره ممن له عليه طاعة وأمر وقد سبق الملوك كثيرا والحكماء إلى مثل ذلك ، وقد يدخل عليم أيضا شبهة بأن يحلقه علة سكتة فيظهرون جميع ذلك ثم ينكشف عن باطل وذلك أيضا معلوم بالعادات وإنما يعلم الموت بالمشاهدة وارتفاع الحس ، وخمود النبض ، ويستمر ذلك أوقات كثيرة وربما انضاف إلى ذلك أمارات معلومة بالعادة من جرب المرضى ومارسهم يعلم ذلك .
وهذه حالة موسى بن جعفر عليهما السلام فانه اظهر للخلق الكثير الذي لايخفى على مثلهم الحال ولا يجوز عليهم دخول الشبهة في مثله وقوله بأنه يغيب الله الشخص ويحضر شخصا على شبهه .
أصله لا يصح لان هذا يسد باب الادلة ويؤدي إلى الشك في المشاهدات ، وأن جميع مانراه اليوم ، ليس هو الذي رأيناه بالامس ويلزم الشك في موت جميع الاموات ، ويجئ منه مذهب الغلاة والمفوضة الذين نفوا القتل عن أمير المؤمنين عليه السلام وعن الحسين عليه السلام وما أدى إلى ذلك يجب أن يكون باطلا .
وما قاله إن الله يفعل داخل الجوف حول القلب من البرودة ماينوب مناب الهواء ضرب من هو ( 1 ) من الطب ومع ذلك يؤدي إلى الشك في موت جميع الاموات على ما قلناه .
على أن على قانون الطب حركات النبض والشريانات من القلب

________________________________________________________________
( 1 ) ضرب مزهو .
ظ .

[185]


وإنما يبطل ببطلان الحرارة الغريزية ، فاذا فقد حركات النبض ، علم بطلان الحرارة ، وعلم عند ذلك موته ، وليس ذلك بموقوف على التنفس ، ولهذا يلتجؤن إلى النبض عند انقطاع النفس أو ضعفه ، فيبطل ما قاله وحمله الولادة على ذلك .
وما ادعاه من ظهور الامر فيه صحيح متى فرضنا الامر على ما قاله : من أنه يكون الحمل لرجل نبيه وقد علم إظهاره ولا مانع من ستره وكتمانه ، ومتى فرضنا كتمانه وستره لبعض الاغراض التي قدمنا بعضها ، لايجب العلم به ولا اشتهاره على أن الولادة في الشرع قد استقر أن يثبت بقول القابلة ، ويحكم بقولها في كونه حيا أو ميتا فاذا جاز ذلك كيف لايقبل قول جماعة نقلوا ولادة صاحب الامر عليه السلام وشاهدوا من شاهده من الثقات ، ونحن نورد الاخبار في ذلك عمن رآه وحكي له ، وقد أجاز صاحب السؤال أن يعرض في ذلك عارض يقتضي المصلحة أنه إذا ولد أن ينقله الله إلى قلة جبل أو موضع يخفى فيه أمره ولا يطلع عليه أحد وإنما ألزم على ذلك عارضا في الموت وقد بينا الفصل بين الموضعين .
وأما من خالف من الفرق الباقية الذين قالوا بامامة غيره كالمحمدية الذين قالوا بامامة محمد بن علي بن محمد بن علي الرضا عليهم السلام والفطحية القائلة بامامة عبدالله بن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام وفي هذا الوقت بامامة جعفر بن علي وكالفرقة القائلة أن صاحب الزمان حمل بعد لم يولد بعد وكالذين قالوا إنه مات ثم يعيش وكالذين قالوا بامامة الحسن وقالوا هو اليقين ولم يصح لنا ولادة ولده ، فنحن في فترة ، فقولهم ظاهر البطلان من وجوه : أحدها : انقراضهم فانه لم يبق قائل يقول بشئ من هذه المقالات ولو كان حقال لما انقرض .
ومنها : أن محمد بن علي العسكري مات في حياة أبيه موتا ظاهرا والاخبار في ذلك ظاهرة معروفة من دفعه كمن دفع موت من تقدم من آبائه عليهم السلام .
أقول : ثم ذكر بعض ماأوردنا من الاخبار في المجلد السابق ثم قال : وأما من قال : إنه لا ولد لابي محمد ولكن ههنا حمل مستور سيولد فقوله باطل

[186]


لان هذا يؤدي إلى خلو الزمان من إمام يرجع إليه وقد بينا فساد ذلك على أنا سندل على أنه قد ولد له ولد معروف ونذكر الروايات في ذلك فيبطل قول هؤلاء أيضا .
وأما من قال : إن الامر مشتبه فلا يدرى هل للحسن ولد أم لا ؟ وهو مستمسك بالاول حتى يحقق ولادة ابنه فقوله أيضا يبطل بما قلناه من أن الزمان لايخلو من إمام لان موت الحسن عليه السلام قد علمناه كما علمنا موت غيره وسنبين ولادة ولده فيبطل قولهم أيضا .
وأما من قال : إنه لا إمام بعد الحسن عليه السلام ، فقوله باطل بما دللنا عليه من أن الزمان لايخلو من حجة لله عقلا وشرعا .
وأما من قال إن أبا محمد مات ويحيى بعد موته ، فقوله باطل بمثل ما قلناه لانه يؤدي إلى خلو الخلق من إمام من وقت وفاته إلى حين يحييه الله ، واحتجاجهم بما روي من أن صاحب هذا الامر يحيى بعد ما يموت وأنه سمي قائما لانه يقوم بعدما يموت ، باطل لان ذلك يحتمل لو صح الخبر أن يكون أراد بعد أن مات ذكره حتى لايذكره إلا من يعتقد إمامته فيظهره الله لجميع الخلق على أنا قد بينا أن كل إمام يقوم بعد الامام الاول يسمى قائما .
وأما القائلون بامامة عبدالله بن جعفر من الفطحية وجعفر بن علي فقولهم باطل بما دللنا عليه من وجوب عصمة الامام ، وهما لم يكونا معصومين ، وأفعالهما الظاهرة التي تنافي العصمة معروفة نقلها العلماء ، وهو موجود في الكتب فلا نطول بذكرها الكتاب .
على أن المشهور الذي لا مرية فيه بين الطائفة أن الامامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام فالقول بامامة جعفر بعد أخيه الحسن يبطل بذلك ، فاذا ثبت بطلان هذه الاقاويل كلها لم يبق إلا القول بامامة ابن الحسن عليه السلام وإلا لادى إلى خروج الحق عن الامة وذلك باطل .
وإذا ثبتت إمامته بهذه السياقة ثم وجدناه غائبا عن الابصار ، علمنا أنه لم

[187]


يغب مع عصمته وتعين فرض الامامة فيه وعليه ، إلا لسبب سوغه ذلك وضرورة ألجأته إليه ، وإن لم يعلم على وجه التفصيل ، وجرى ذلك مجرى الكلام في إيلام الاطفال والبهائم وخلق المؤذيات والصور والمشينات ومتشابه القرآن إذا سئلنا عن وجهها بأن نقول : إذا علمنا أن الله تعالى حكيم لايجوز أن يفعل ماليس بحكمة ولا صواب ، علمنا أن هذه الاشياء لها وجه حكمة ، وإن لم نعلمه معينا ، كذلك نقول في صاحب الزمان فانا نعلم أنه لم يستتر إلا لامر حكمي سوغه ذلك ، وإن لم نعلمه مفصلا .
فان قيل : نحن تعترض قولكم في إمامته بغيبته بأن نقول : إذا لم يمكنكم بيان وجه حسنها دل ذلك على بطلان القول بامامته ، لانه لو صح لامكنكم بيان وجه الحسن فيه .
قلنا : إن لزمنا ذلك لزم جميع أهل العدل قول الملاحدة إذا قالوا إنا نتوصل بهذه الافعال التي ليست بظاهر الحكمة إلى أن فاعلها ليس بحكيم لانه لو كان حكيما لامكنكم بيان وجه الحكمة فيها وإلا فما الفصل ؟ فإذا قلتم : نحن أولا نتكلم في إثبات حكمته فاذا ثبت بدليل منفصل ثم وجدنا هذه الافعال المشتبهة الظاهر حملناها على مايطابق ذلك فلا يؤدي إلى نقض ماعلمنا ومتى لم يسلموا لنا حكمته ، انتقلت ال مسألة إلى القول في حكمته .
قلنا مثل ذلك ههنا ، من أن الكلام في غيبته فرع على إمامته وإذا علمنا إمامته بدليل وعلمنا عصمته بدليل آخر وعلمناه غاب ، حملنا غيبته على وجه يطابق عصمته فلا فرق بين الموضعين .
ثم يقال للمخالف : أيجوز أن يكون للغيبة سبب صحيح اقتضاها ، ووجه من الحكمة أوجبها أم لا يجوز ذلك .
فان قال : يجوز ذلك ، قيل له : فاذا كان ذلك جائزا فكيف جعلت وجود الغيبة دليلا على فقد الامام في الزمان ، مع تجويزك لها سببا لاينافي وجود الامام ؟ وهل يجري ذلك إلا مجرى من توصل بايلام الاطفال إلى نفي حكمة الصانع وهو معترف بأنه يجوز أن يكون في إيلامهم وجه صحيح لاينافي الحكمة ، أو من

[188]


توصل بظاهر الآيات المتشابهات إلى أنه تعالى مشبه للاجسام وخالق لافعال العباد مع تجويز أن تكون لها وجوه صحيحة توافق الحكمة والعدل والتوحيد ونفي التشبيه .
وإن قال : لا اجوز ذلك .
قيل : هذا تحجر شديد فيما لايحاط بعلمه .
ولا يقطع على مثله ، فمن أين قلت : إن ذلك لايجوز وانفصل ممن قال لايجوز أن يكون للآيات المتشابهات وجوه صحيحة يطابق أدلة العقل ولابد أن يكون على ظواهرها ، ومتى قيل نحن متمكنون من ذكر وجوه الآيات المتشابهات مفصلا بل يكفيني علم الجملة ومتى تعاطيت ذلك كان تبرعا ، وإن أقنعتم أنفسكم بذلك فنحن أيضا نتمكن من ذكر وجه صحة الغيبة وغرض حكمي لاينافي عصمته وسنذكر ذلك فيما بعد وقد تكلمنا عليه مستوفى في كتاب الامامة .
ثم يقال : كيف يجوز أن يجتمع صحة إمامة ابن الحسن عليه السلام بما بيناه من سياقة الاصول العقلية مع القول بأن الغيبة لايجوز أن يكون لها سبب صحيح وهل هذا إلا تناقض ويجري مجرى القول بصحة التوحيد والعدل ، مع القطع على أنه لايجوز أن يكون للآيات المتشابهات وجه يطابق هذه الاصول ومتى قالوا نحن لانسلم إمامة ابن الحسن كان الكلام معهم في ثبوت الامامة ، دون الكلام في سبب الغيبة ، وقد تقدمت الدلالة على إمامته عليه السلام بما لايحتاج إلى إعادته وإنما قلنا ذلك لان الكلام في سبب غيبة الامام عليه السلام فرع على ثبوت إمامته فأما قبل ثبوتها فلا وجه للكلام في سبب غيبته كما لا وجه للكلام في وجوه الآيات المتشابهات وإيلام الاطفال وحسن التعبد بالشرائع قبل ثبوت التوحيد والعدل .
فان قيل ألا كان السائل بالخيار بين الكلام في إمامة ابن الحسن ليعرف صحتها من فسادها وبين أن يتكلم في سبب الغيبة قلنا : لا خيار في ذلك لان من شك في إمامة ابن الحسن يجب أن يكون الكلام معه في نص إمامته والتشاغل بالدلالة عليها ولايجوز مع الشك فيها أن يتكلم في سبب الغيبة لان الكلام في الفروع لا يسوغ إلا بعد إحكام الاصول لها ، كما لايجوز أن يتكلم في سبب إيلام الاطفال قبل

[189]


ثبوت حكمة القديم تعالى وأنه لايفعل القبيح .
وإنما رجحنا الكلام في إمامته على الكلام في غيبته وسببها لان الكلام في إمامته مبني على امور عقلية لايدخلها الاحتمال وسبب الغيبة ربما غمض واشتبه فصار الكلام في الواضح الجلي أولى من الكلام في المشتبه الغامض كما فعلناه مع المخالفين للملة فرجحنا الكلام في نبوة نبينا على الكلام على ادعائهم تأبيد شرعهم لظهور ذلك وغموض هذا وهذا بعينه موجود ههنا ، ومتى عادوا إلى أن يقولوا : الغيبة فيها وجه من وجوه القبح فقد مضى الكلام عليه ، على أن وجوه القبح معقولة وهي كونه ظلما أو كذبا أو عبثا أو جهلا أو استفسادا وكل ذلك ليس بحاصل فيها فيجب أن لايدعى فيه وجه القبح .
فان قيل : ألا منع الله الخلق من الوصول إليه ، وحال بينهم وبينه ، ليقوم بالامر ويحصل ما هو لطف لنا كما نقول في النبي إذا بعثه الله تعالى يمنع منه مالم يؤد ( الشرع ) فكان يجب أن يكون حكم الامام مثله .
قلنا : المنع على ضربين أحدهما لاينافي التكليف بأن لايلجأ إلى ترك القبيح والآخر يؤدي إلى ذلك فالاول قد فعله الله من حيث منع من ظلمه بالنهي عنه والحث على وجوب طاعته والانقياد لامره ونهيه وأن لايعصى في شئ من أوامره ، وأن يساعد على جميع ما يقوى أمره ويشيد سلطانه ، فان جميع ذلك لاينافي التكليف فاذا عصى من عصى في ذلك ولم يفعل مايتم معه الغرض المطلوب ، يكون قد اتي من قبل نفسه لا من قبل خالقه ، والضرب الآخر أن يحول بينهم وبينه بالقهر والعجز عن ظلمه وعصيانه ، فذلك لا يصح اجتماعه مع التكليف فيجب أن يكون ساقطا .
فأما النبي صلى الله عليه وآله فانما نقول يجب أن يمنع الله منه حتى يؤدي الشرع لانه لايمكن أن يعلم ذلك إلا من جهته فلذلك وجب المنع منه ، وليس كذلك الامام لان علة المكلفين مزاحة فيما يتعلق بالشرع ، والادلة منصوبة على مايحتاجون إليه ، ولهم طريق إلى معرفتها من دون قوله ، ولو فرضنا أنه ينتهي الحال إلى حد لايعرف الحق من الشرعيات إلا بقوله لوجب أن يمنع الله تعالى منه ويظهره بحيث

[190]


لايوصل إليه مثل النبي صلى الله عليه وآله .
ونظير مسألة الامام أن النبي إذا أدى ثم عرض فيما بعد ما يوجب خوفه لايجب على الله المنع منه ، لان علة المكلفين قد انزاحت بما أداه إليهم فلهم طريق إلى معرفة لطفهم اللهم إلا أن يتعلق به أداء آخر في المستقبل فانه يجب المنع منه كما يجب في الابتداء ، فقد سوينا بين النبي والامام .
فان قيل : بينوا على كل حال وإن لم يجب عليكم وجه علة الاستتار ، وما يمكن أن يكون علة على وجه ليكون أظهر في الحجة وأبلغ في باب البرهان ؟ قلنا مما يقطع على أنه سبب لغيبة الامام هو خوفه على نفسه بالقتل باخافة الظالمين إياه ومنعهم إياه من التصرف فيما جعل إليه التدبير والتصرف فيه ، فاذا حيل بينه وبين مراده ، سقط فرض القيام بالامامة ، وإذا خاف على نفسه وجبت غيبته و لزم استتاره كما استتر النبي صلى الله عليه وآله تارة في الشعب واخرى في الغار ، ولا وجه لذلك إلا الخوف من المضار الواصلة إليه .
وليس لاحد أن يقول : إن النبي صلى الله عليه وآله ما استتر عن قومه إلا بعد أدائه إليهم ما وجب عليه أداؤه ولم يتعلق بهم إليه حاجة وقولكم في الامام بخلاف ذلك وأيضا فان استتار النبي صلى الله عليه وآله ما طال ولا تمادى ، واستتاار الامام قد مضت عليه الدهور ، وانقرضت عليه العصور .
وذلك أنه ليس الامر على ما قالوه لان النبي صلى الله عليه وآله إنما استتر في الشعب والغار بمكة قبل الهجرة وما كان أدى جميع الشريعة فان أكثر الاحكام ومعظم القرآن نزل بالمدينة فكيف أوجبتم أنه كان بعد الاداء ولو كان الامر على ما قالوه من تكامل الاداء قبل الاستتار ، لما كان ذلك رافعا للحاجة إلى تدبيره وسياسته وأمره ونهيه ، فان أحدا لايقول إن النبي صلى الله عليه وآله بعد أداء الشرع غير محتاج إليه ولامفتقر إلى تدبيره ، ولا يقول ذلك معاند .
وهو الجواب عن قول من قال إن النبي صلى الله عليه وآله مايتعلق من مصلحتنا قد أداه ومايؤدي في المستقبل لم يكن في الحال مصلحة للخلق فجاز لذلك الاستتار ، وليس