[191]
كذلك الامام عندكم لان تصرفه في كل حال لطف للخلق ، فلا يجوز له الاستتار
على وجه ، ووجب تقويته والمنع منه ، ليظهر وينزاح علة المكلف لانا قد بينا أن
النبي صلى الله عليه وآله مع أنه أدى المصلحة التي تعلقت بتلك الحال ، لم يستغن عن أمره
ونهيه وتدبيره ، بلا خلاف بين المحصلين ، ومع هذا جاز له الاستتار ، فكذلك الامام .
على أن أمر الله تعالى له بالاستتار في الشعب تارة ، وفي الغار اخرى فضرب
من المنع منه لانه ليس كل المنع أن يحول بينهم وبينه بالعجز أو بتقويته بالملائكة
لانه لايمتنع أن يفرض في تقويته بذلك مفسدة في الدين فلا يحسن من الله فعله و
لو كان خاليا من وجوه الفساد وعلم الله أنه يقتضيه المصلحة لقواه بالملائكة ، و
حال بينهم وبينه ، فلما لم يفعل ذلك مع ثبوت حكمته ، ووجوب إزاحة علة المكلفين
علمنا أنه لم يتعلق به مصلحة بل مفسدة ، وكذلك نقول في الامام أن الله فعل من
قتله بأمره بالاستتار والغيبة ، ولو علم أن المصلحة يتعلق بتقويته بالملائكة لفعل ، فلما
لم يفعل مع ثبوت حكمته ، ووجوب إزاحة علة المكلفين في التكليف ، علمنا أنه
لم يتعلق به مصلحة ، بل ربما كان فيه مفسدة .
بل الذي نقول أن في الجملة يجب على الله تعالى تقوية يد الامام ، بما
يتمكن معه من القيام وينبسط يده ، ويمكن ذلك بالملائكة وبالبشر ، فاذا لم يفعله
بالملائكة علمنا أنه لاجل أنه تعلق به مفسدة ، فوجب أن يكون متعلقا بالبشر
فاذا لم يفعلوه اتوا من قبل نفوسهم لا من قبله تعالى ، فيبطل بهذا التحرير جميع
مايورد من هذا الجنس وإذا جاز في النبي صلى الله عليه وآله أن يستتر مع الحاجة إليه لخوف
-بحار الانوار مجلد: 47 من ص 191 سطر 19 الى ص 199 سطر 18
الضرر ، وكانت التبعة في ذلك لازمة لمخيفيه ومحوجيه إلى الغيبة ، فكذلك غيبة
الامام سواء .
فأما التفرقة بطول الغيبة وقصرها فغير صحيحة لانه لا فرق في ذلك بين القصير
المنقطع والطويل الممتد لانه إذا لم يكن في الاستتار لائمة على المستتر إذا احوج
إليه بل اللائمة على من أحوجه إليها جاز أن يتطاول سبب الاستتار كما جاز أن
يقصر زمانه .
[192]
فان قيل : إذا كان الخوف أحوجه إلى الاستتار ، فقد كان آباؤه عندكم على
تقية وخوف من أعدائهم ، فكيف لم يستتروا ؟ قلنا ما كان على آبائه عليهم السلام خوف من
أعدائه مع لزوم التقية ، والعدول عن التظاهر بالامامة ، ونفيها عن نفوسهم ، و
إمام الزمان كل الخوف عليه لانه يظهر بالسيف ، ويدعو إلى نفسه ، ويجاهد
من خالفه عليه ، فأي تشبه بين خوفه من الاعداء وخوف آبائه عليهم السلام لولا قلة
التأمل .
على أن آباءه عليهم السلام متى قتلوا أو ماتوا كان هناك من يقوم مقامهم ، ويسد
مسدهم يصلح للامامة من أولاده وصاحب الامر بالعكس من ذلك لان المعلوم أنه
لايقوم أحد مقامه ولا يسد مسده ، فبان الفرق بين الامرين .
وقد بينا فيما تقدم الفرق بين وجوده غائبا لا يصل إليه أحد أو أكثر ، وبين
عدمه حتى إذا كان المعلوم التمكن بالامر يوجده .
وكذلك قولهم : ما الفرق بين وجوده بحيث لايصل إليه أحد وبين وجوده في
السماء بأن قلنا إذا كان موجودا في السماء بحيث لايخفى عليه أخبار أهل الارض
فالسماء كالارض وإن كان يخفى عليه أمرهم فذلك يجري مجرى عدمه ، ثم يقلب
عليهم في النبي صلى الله عليه وآله بأن يقال : أي فرق بين وجوده مستترا وبين عدمه وكونه
في السماء فأي شئ قالوه قلنا مثله على ما مضى القول فيه .
وليس لهم أن يفرقوا بين الامرين بأن النبي صلى الله عليه وآله ما استتر من كل
أحد وإنما استتر من أعدائه وإمام الزمان مستتر عن الجميع لانا أولا لانقطع
على أنه مستتر عن جميع أوليائه والتجويز في هذا الباب كاف على أن النبي صلى الله عليه وآله
لما استتر في الغار كان مستترا من أوليائه وأعدائه ، ولم يكن معه إلا أبوبكر
وحده وقد كان يجوز أن يستتر بحيث لايكون معه أحد من ولي ولا عدو إذا اقتضت
المصلحة ذلك .
فان قيل : فالحدود في حال الغيبة ماحكمها ؟ فان سقطت عن الجاني على
مايوجبها الشرع فهذا نسخ الشريعة ، وإن كانت باقية فمن يقيمها ؟ قلنا الحدود
[193]
المستحقة باقية في جنوب مستحقيها فان ظهر الامام ومستحقوها باقون أقامها عليهم
بالبينة أو الاقرار وإن كان فات ذلك بموته كان الاثم في تفويتها على من أخاف
الامام وألجأه إلى الغيبة .
وليس هذا نسخا لاقامة الحدود لان الحد إنما يجب إقامته مع التمكن
وزوال المنع ، ويسقي مع الحيلولة ، وإنما يكون ذلك نسخا لو سقط إقامتها مع
الامكان ، وزوال الموانع ، ويقال لهم ماتقولون في الحال التي لايتمكن أهل الحل
والعقد من اختيار الامام ، ماحكم الحدود ؟ فان قلتم سقطت ، فهذا نسخ على ما
ألزمتمونا وإن قلتم هي باقية في جنوب مستحقيها فهو جوابنا بعينه .
فان قيل : قد قال أبوعلي إن في الحال التي لايتمكن أهل الحل والعقد من
نصب الامام يفعل الله مايقوم مقام إقامة الحدود وينزاح علة المكلف وقال أبوهاشم
إن إقامة الحدود دنياوية لاتعلق لها بالدين .
قلنا : أما ما قاله أبوعلي فلو قلنا مثله ما ضرنا لان إقامة الحدود ليس هو
الذي لاجله أوجبنا الامام حتى إذا فات إقامته انتقص دلالة الامامة بل ذلك تابع
للشرع ، وقد قلنا إنه لايمتنع أن يسقي فرض إقامتها في حال انقباض يد الامام
أو تكون باقية في جنوب أصحابها وكما جاز ذلك جاز أيضا أن يكون هناك مايقوم
مقامها فاذا صرنا إلى ما قاله لم ينتقض علينا أصل .
وأما ما قاله أبوهاشم من أن ذلك لمصالح الدنيا فبعيد لان ذلك عبادة واجبة
ولو كان لمصلحة دنياوية لما وجبت .
على أن إقامة الحدود عنده على وجه الجزاء
والنكال جزء من العقاب وإنما قدم في دار الدنيا بعضه ، لما فيه من المصلحة ، فكيف
يقول مع ذلك أنه لمصالح دنياوية فبطل ما قالوه .
فان قيل : كيف الطريق إلى إصابة الحق مع غيبة الامام فان قلتم : لا سبيل
إليها جعلتم الخلق في حيرة وضلالة ، وشك في جميع امورهم ، وإن قلتم يصاب
الحق بأدلته ، قيل لكم : هذا تصريح بالاستغناء عن الامام بهذه الادلة .
[194]
قلنا : الحق على ضربين عقلي وسمعي فالعقلي يصاب بأدلته والسمعي عليه
أدلة منصوبة من أقوال النبي صلى الله عليه وآله ونصوصه وأقوال الائمة من ولده وقد بينوا
ذلك وأوضحوه ، ولم يتركوا منه شيئا لا دليل عليه ، غير أن هذا وإن كان على
ماقلناه ، فالحاجة إلى الامام قد بينا ثبوتها لان جهة الحاجة المستمرة في كل حال
وزمان كونه لطفا لنا على ماتقدم القول فيه ، ولا يقوم غيره مقامه ، والحاجة المتعلقة
بالسمع أيضا ظاهرة لج ن النقل وإن كان واردا عن الرسول صلى الله عليه وآله وعن آباء الامام
عليه السلام بجميع مايحتاج إليه في الشريعة فجائز على الناقلين العدول عنه إما
تعمدا وإما لشبهة فيقطع النقل أو يبقى فيمن لا حجة في نقله وقد استوفينا هذه الطريقة
في تلخيص الشافي فلا نطول بذكره .
فان قيل : لو فرضنا أن الناقلين كتموا : بعض منهم الشريعة واحتيج إلى بيان
الامام ولم يعلم الحق إلا من جهته ، وكان خوف القتل من أعدائه مستمرا كيف
يكون الحال ؟ فان قلتم يظهر وإن خاف القتل ، فيجب أن يكون خوف القتل غير
مبيح له الاستتار ، ويلزم ظهوره ، وإن قلتم لايظهر وسقط التكليف في ذلك الشئ
المكتوم عن الامة خرجتم من الاجماع لانه منعقد على أن كل شئ شرعه
النبي صلى الله عليه وآله وأوضحه فهو لازم للامة إلى أن يقوم الساعة فان قلتم إن التكليف
لايسقط صرحتم بتكليف مالا يطاق ، وإيجاب العمل بما لا طريق إليه .
قلنا : قد أجبنا عن هذا السؤال في التلخيص مستوفى وجملته أن الله تعالى
لو علم أن النقل ببعض الشرع المفروض ينقطع في حال تكون تقية الامام فيها
مستمرة ، وخوفه من الاعداء باقيا ، لاسقط ذلك عمن لا طريق له إليه ، فاذا علمنا
بالاجماع أن تكليف الشرع مستمر ثابت على جميع الامة إلى قيام الساعة
علمنا عند ذلك أنه لو اتفق انقطاع النقل لشئ من الشرع لما كان ذلك إلا في
حال يتمكن فيها الامام من الظهور والبروز والاعلام والانذار .
وكان المرتضى ره يقول أخيرا : لايمتنع أن يكون هاهنا امور كثيرة غير
واصلة إلينا هي مودعة عند الامام ، وإن كان قد كتمها الناقلون ولم ينقلوها ، ولم
[195]
يلزم مع ذلك سقوط التكليف عن الخلق لانه إذا كان سبب الغيبة خوفه على نفسه
من الذين أخافوه ، فمن أحوجه إلى الاستتار اتي من قبل نفسه في فوت مايفوته
من الشرع ، كما أنه اتي من قبل نفسه فيما يفوته من تأديب الامام وتصرفه
من حيث أحوجه إلى الاستتار ، ولو أزال خوفه لظهر ، فيحصل له اللطف بتصرفه
وتبين له ماعنده فما انكتم عنه ، فاذا لم يفعل وبقي مستترا اتي من قبل نفسه في
الامرين وهذا قوي يقتضيه الاصول .
وفي أصحابنا من قال : إن علة استتاره عن أوليائه خوفه من أن يشيعوا
خبره ، ويتحدثوا باجتماعهم معه سرورا ، فيؤدي ذلك إلى الخوف من الاعداء
وإن كان غير مقصود .
وهذا الجواب يضعف لان عقلاء شيعته لايجوز أن يخفى
عليهم مافي إظهار اجتماعهم معه من الضرر عليه وعليهم فكيف يخبرون بذلك
مع علمهم بما عليهم فيه من المضرة العامة ، وإن جاز على الواحد والاثنين لايجوز
على جماعة شيعته الذين لايظهر لهم .
على أن هذا يلزم عليه أن يكون شيعته قد عدموا الانتقاع به على وجه
لايتمكنون من تلافيه وإزالته لانه إذا علق الاستتار بما يعلم من حالهم أنهم
يفعلونه ، فليس في مقدورهم الآن مايقتضي ظهور الامام وهذا يقتضي سقوط التكليف
الذي الامام لطف فيه عنهم .
وفي أصحابنا من قال : علة استتاره عن الاولياء مايرجع إلى الاعداء ، لان
انتفاع جميع الرعية من ولي وعدو بالامام إنما يكون بأن ينفذ أمره ببسط يده
فيكون ظاهرا متصرفا بلا دافع ولا منازع ، وهذا مما المعلوم أن الاعداء قد حالوا
دونه ومنعوا منه .
قالوا : ولا فائدة في ظهوره سرا لبعض أوليائه لان النفع المبتغى من تدبير
الامة لا يتم إلا بظهوره للكل ونفوذ الامر ، فقد صارت العلة في استتار الامام على
الوجه الذي هو لطف ومصلحة للجميع واحدة .
ويمكن أن يعترض هذا الجواب بأن يقال : إن الاعداء وإن حالوا بينه وبين
[196]
الظهور على وجه التصرف والتدبير ، فلم يحولوا بينه وبين لقاء من شاء من أوليائه
على سبيل الاختصاص ، وهو يعتقد طاعته ويوجب اتباع أوامره ، فان كان لا نفع
في هذا اللقاء لاجل الاختصاص لانه نافذ الامر للكل فهذا تصريح بأنه لاانتفاع
للشيعة الامامية بلقاء أئمتها من لدن وفاة أمير المؤمنين إلى أيام الحسن بن علي
إلى القائم عليه السلام لهذه العلة .
ويوجب أيضا أن يكون أولياء أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته لم يكن لهم بلقائه
انتفاع قبل انتقال الامر إلى تدبيره وحصوله في يده وهذا بلوغ من قائله إلى حد
لايبلغه متأمل ، على أنه لو سلم أن الانتفاع بالامام لايكون إلا مع الظهور لجميع
الرعية ونفوذ أمره فيهم لبطل قولهم من وجه آخر وهو أنه يؤدي إلى سقوط التكليف
الذي الامام لطف فيه عن شيعته لانه إذا لم يظهر لهم العلة لايرجع إليهم ولا كان
في قدرتهم وإمكانهم إزالته فلابد من سقوط التكليف عنهم لانه لو جاز أن يمنع قوم
من المكلفين غيرهم لطفهم ، ويكون التكليف الذي ذلك اللطف لطف فيه مستمرا
عليهم ، لجاز أن يمنع بعض المكلفين غيره بقيد وما أشبهه من المشي على وجه لا
يمكن من إزالته ، ويكون تكليف المشي مع ذلك مستمرا على الحقيقة .
وليس لهم أن يفرقوا بين القيد وبين اللطف من حيث كان القيد يتعذر معه
الفعل ولا يتوهم وقوعه وليس كذلك فقد اللطف لان أكثر أهل العدل على أن
فقد اللطف كفقد القدرة والآلة وأن التكليف مع فقد اللطف فيمن له لطف معلوم
كالتكليف مع فقد القدرة والآلة ووإود الموانع ، وأن من لم يفعل له اللطف ممن
له لطف معلوم غير مزاح العلة في التكليف كما أن الممنوع غير مزاح العلة .
والذي ينبغي أن يجاب عن السؤال الذي ذكرناه عن المخالف أن نقول : إنا
أولا لانقطع على استتاره عن جميع أوليائه بل يجوز أن يظهر لاكثرهم ولا يعلم
كل إنسان إلا حال نفسه ، فان كان ظاهرا له فعلته مزاحة وإن لم يكن ظاهرا له
علم أنه إنما لم يظهر له لامر يرجع إليه وإن لم يعلمه مفصلا لتقصير من جهته وإلا
لم يحسن تكليفه .
[197]
فاذا علم بقاء تتكليفه عليه واستتار الامام عنه ، علم أنه لامر يرجع إليه ، كما
يقول جماعتنا فيمن لم ينظر في طريق معرفة الله تعالى فلم يحصل له العلم
وجب أن يقطع على أنه إنما لم يحصل لتقصير يرجع إليه وإلا وجب إسقاط
تكليفه ، وإن لم يعلم ماالذي وقع تقصيره فيه .
فعلى هذا التقدير أقوى ما يعلل به ذلك أن الامام إذا ظهر ولا يعلم شخصه
وعينه من حيث المشاهدة ، فلابد من أن يظهر عليه علم معجز يدل على صدقه والعلم
بكون الشئ معجزا يحتاج إلى نظر يجوز أن يعترض فيه شبهة ، فلا يمنع أن
يكون المعلوم من حال من لم يظهر له أنه متى ظهر وأظهر المعجز لم ينعم النظر
فيدخل فيه شبهة ، ويعتقد أنه كذاب ويشيع خبره فيؤدي إلى ماتقدم القول فيه .
فان قيل : أي تقصير وقع من الولي الذي لم يظهر له الامام لاجل هذا
المعلوم من حاله ، وأي قدرة له على النظر فيما يظهر له الامام معه وإلى أي شئ
يرجع في تلافي مايوجب غيبته .
قلنا : ماأحلنا في سبب الغيبة عن الاولياء إلا على معلوم يظهر موضع التقصير
فيه وإمكان تلافيه ، لانه غير ممتنع أن يكون من المعلوم من حاله أنه متى ظهر
له الامام قصر في النظر في معجزه ، فانما اتي في ذلك لتقصيره الحاصل في العلم
بالفرق بين المعجز والممكن ، والدليل من ذلك والشبهة ، ولو كان من ذلك على
قاعدة صحيحة لم يجز أن يشتبه عليه معجز الامام عند ظهوره له ، فيجب عليه تلافي
هذا التقصير واستدراكه .
وليس لاحد أن يقول : هذا تكليف لما لا يطاق وحوالة على غيب ، لان هذا
الولي ليس يعرف ما قصر فيه بعينه من النظر والاستدلال فيستدركه حتى يتمهد
في نفسه ويتقرر ، ونراكم تلزمونه مالا يلزمه ، وذلك إنما يلزم في التكليف قد
يتميز تارة ويشتبه اخرى بغيره ، وإن كان التمكن من الامرين ثابتا حاصلا ، فالولي
على هذا إذا حاسب نفسه ورأى أن الامام لايظهر له وأفسد أن يكون السبب في
الغيبة ماذكرناه من الوجوه الباطلة وأجناسها علم أنه لابد من سبب يرجع إليه .
[198]
وإذا علم أن أقوى العلل ماذكرناه علم أن التقصير واقع من جهته في
صفات المعجز وشروطه ، فعليه معاودة النظر في ذلك عند ذلك ، وتخليصه من الشوائب
ومايوجب الالتباس ، فانه من اجتهد في ذلك حق الاجتهاد ، ووفى النظر شروطه
فانه لابد من وقوع العلم بالفرق بين الحق والباطل ، وهذه المواضع الانسان فيها
على نفسه بصيرة ، وليس يمكن أن يؤمر فيها بأكثر من التناهي في الاجتهاد والبحث
والفحص والاستسلام للحق وقد بينا أن هذا نظير ما نقول لمخالفينا إذا نظروا في
أدلتنا ولم يحصل لهم العلم سواء .
فان قيل : لو كان الامر على ماقلتم لوجب أن لا يعلم شيئا من المعجزات في
الحال وهذا يؤدي إلى أن لا يعلم النبوة وصدق الرسول وذلك يخرجه عن الاسلام
فضلا عن الايمان .
قلنا : لايلزم ذلك لانه لايمتنع أن يدخل الشبهة في نوع من المعجزات دون
نوع ، وليس إذا دخلت الشبهة في بعضها دخل في سائرها ، فلا يمتنع أن يكون
المعجز الدال على النبوة لم يدخل عليه فيه شبهة ، فحصل له العلم بكونه معجزا
وعلم عند ذلك نبوة النبي صلى الله عليه وآله والمعجز الذي يظهر على يد الامام إذا ظهر يكون
أمرا آخرا يجوز أن يدخل عليه الشبهة في كونه معجزا فيشك حينئذ في إمامته وإن
كان عالما بالنبوة ، وهذا كما نقول أن من علم نبوة موسى عليه السلام بالمعجزات
الدالة على ثبوته إذا لم ينعم النظر في المعجزات الظاهرة على عيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وآله
لا يجب أن يقطع على أنه ما عرف تلك المعجزات لانه لايمتنع أن يكون عارفا بها
وبوجه دلالتها وإن لم يعلم هذه المعجزات واشتبه عليه وجه دلالتها .
فان قيل : فيجب على هذا أن يكون كل من لم يظهر له الامام يقطع على
أنه على كبيرة تلحق بالكفر لانه مقصر على ما فرضتموه فيما يوجب غيبة الامام
عنه ويقتضي فوت مصلحته ، فقد لحق الولي على هذا بالعدو .
قلنا : ليس يجب في التقصير الذي أشرنا إليه أن يكون كفرا ولا ذنبا عظيما
لانه في هذه الحال ما اعتقد الامام أنه ليس بامام ولا أخافه على نفسه وإنما قصر
[199]
في بعض العلوم تقصيرا كان كالسبب في أن علم من حاله أن ذلك الشك في الامامة
يقع منه مستقبلا والآن فليس بواقع ، فغير لازم أنه يكون كافرا ، غير أنه وإن لم
يلزم أن يكون كفرا ولا جاريا مجرى تكذيب الامام والشك في صدقه فهو ذنب
وخطأ لاينافيان الايمان واستحقاق الثواب ولن يلحق الولي بالعدو على هذا
التقدير ، لان العدو في الحال معتقد في الامام ماهو كفر وكبيرة والولي
بخلاف ذلك .
وإنما قلنا إن ما هو كالسبب في الكفر لايجب أن يكون كفرا في الحال
أن أحدا لو اعتقد في القادر منا بقدرة أنه يصح أن يفعل في غيره من الاجسام
مبتدءا كان ذلك خطأ وجهلا ليس بكفر ولا يمتنع أن يكون المعلوم من حال هذا
المعتقد أنه لو ظهر نبي يدعو إلى نبوته ، وجعل معجزه أن يفعل الله تعالى على
يده جسما بحيث لا يصل إليه أسباب البشر أنه لا يقبله ، وهذا لا محالة لو علم أنه
معجز كان يقبله ، وما سبق من اعتقاده في مقدور العبد ، كان كالسبب في هذا ، ولم
يلزم أن يجري مجراه في الكفر .
فان قيل : إن هذا الجواب أيضا لايستمر على أصلكم لان الصحيح من
مذهبكم أن من عرف الله تعالى بصفاته وعرف النبوة والامامة وحصل مؤمنا لا
يجوز أن يقع منه كفر أصلا فاذا ثبت هذا فكيف يمكنكم أن تجعلوا علة الاستتار
عن الولي أن المعلوم من حاله أنه إذا ظهر الامام فظهر علم معجز شك فيه ولا
يعرفه ، وإن الشك في ذلك كفر .
وذلك ينقض أصلكم الذي صححتموه .
-بحار الانوار مجلد: 47 من ص 199 سطر 19 الى ص 207 سطر 18
قيل : هذا الذي ذكرتموه ليس بصحيح لان الشك في المعجز الذي يظهر
على يد الامام ليس بقادح في معرفته لعين الامام على طريق الجملة وإنما يقدح
في أن ما علم على طريق الجملة وصحت معرفته ، هل هو هذا الشخص أم لا ؟
والشك في هذا ليس بكفر لانه لو كان كفرا لوجب أن يكون كفرا وإن لم يظهر
المعجز ، فانه لا محالة قبل ظهور هذا المعجز على يده شاك فيه ، ويجوز كونه
إماما وكون غيره كذلك ، وإنما يقدح في العلم الحاصل له على طريق الجملة
[200]
أن لو شك في المستقبل في إمامته على طريق الجملة ، وذلك مما يمنع من وقوعه
منه مستقبلا .
وكان المرتضى ره يقول : سؤال المخالف لنا : لم لا يظهر الامام للاولياء ؟
غير لازم لا ( نه ) إن كان غرضه أن لطف الولي غير حاصل ، فلا يحصل تكليفه
فانه لا يتوجه فان لطف الولي حاصل لانه إذا علم الولي أن له إماما غائبا
يتوقع ظهوره ساعة ، ويجوز انبساط يده في كل حال فان خوفه من تأديبه
حاصل ، وينزجر لمكانه عن المقبحات ، ويفعل كثيرا من الواجبات فيكون حال
غيبته كحال كونه في بلد آخر بل ربما كان في حال الاستتار أبلغ لانه مع غيبته
يجوز أن يكون معه في بلده وفي جواره ، ويشاهده من حيث لا يعرفه ولا يقف على
أخباره ، وإذا كان في بلد آخر ربما خفي عليه خبره فصار حال الغيبة الانزجار
حاصلا عن القبيح على ما قلناه ، وإذا لم يكن قد فاتهم اللطف جاز استتاره عنهم
وإن سلم أنه يحصل ماهو لطف لهم ومع ذلك يقال لم لا يظهر لهم قلنا ذلك غير واجب
على كل حال فسقط السؤال من أصله .
على أن لطفهم بمكانه حاصل من وجه آخر وهو أن بمكانه يثقون جميع
الشرع إليهم ولولاه لما وثقوا بذلك ، وجوزوا أن يخفى عليهم كثير من الشرع
وينقطع دونهم ، وإذا علموا وجوده في الجملة أمنوا جميع ذلك ، فكان اللطف بمكانه
حاصلا من هذا الوجه أيضا .
وقد ذكرنا فيما تقدم أن ستر ولادة صاحب الزمان ليس بخارق العادات
إذ جرى أمثال ذلك فيما تقدم من أخبار الملوك وقد ذكره العلماء من الفرس ومن
روى أخبار الدوليين ، من ذلك ماهو مشهور كقصة كيخسرو وما كان من ستر
امه حملها وإخفاء ولادتها وامه بنت ولد أفر اسياب ملك الترك وكان جده كيقاووس
أراد قتل ولده فسترته امه إلى أن ولدته وكان من قصته ماهو مشهور في كتب
التواريخ ذكره الطبري .
وقد نطق القرآن بقصة إبراهيم وأن امه ولدته خفيا وغيبته في المغارة