[201]
حتى بلغ وكان من أمره ما كان ، وما كان من قصة موسى عليه السلام وأن امه ألقته
في البحر خوفا عليه وإشفاقا من فرعون عليه وذلك مشهور نطق به القرآن ومثل
ذلك قصة صاحب الزمان سواء فكيف يقال إن هذا خارج عن العادات .
ومن الناس من يكون له ولد من جارية يستترها من زوجته برهة من الزمان
حتى إذا حضرته الوفاة أقر به وفي الناس من يستتر أمر ولده خوفا من أهله أن
يقتلوه طمعا في ميراثه ، قد جرت العادات بذلك فلا ينبغي أن يتعجب من مثله في
صاحب الزمان وقد شاهدنا من هذا الجنس كثيرا وسمعنا منه غير قليل فلا نطول
بذكره لانه معلوم بالعادات وكم وجدنا من ثبت نسبه بعد موت أبيه بدهر طويل
ولم يكن أحد يعرفه إذا شهد بنسبه رجلان مسلمان ويكون أشهدهما على نفسه
سرا عن أهله وخوفا من زوجته وأهله فوصى به فشهدا بعد موته أو شهدا بعقده
على امرأة عقدا صحيحا فجاءت بولد يمكن أن يكون منه فوجب بحكم الشرع
إلحاقه به والخبر بولادة ابن الحسن وارد من جهات أكثر مما يثبت الانساب في
الشرع ونحن نذكر طرفا من ذلك فيما بعد إنشاء الله تعالى .
وأما إنكار جعفر بن علي عم صاحب الزمان شهادة الامامية بولد لاخيه
الحسن بن علي ولد في حياته ، ودفعه بذلك وجوده بعده وأخذه تركته
وحوزه ميراثه وما كان منه في حمله سلطان الوقت على حبس جواري الحسن
واستبذالهن بالاستبراء من الحمل ليتأكد نفيه لولد أخيه وإباحته دماء شيعته
بدعواهم خلفا له بعده كان أحق بمقامه ، فليس لشبهة يعتمد على مثلها أحد من
المحصلين لاتفاق الكل على أن جعفرا لم يكن له عصمة كعصمة الانبياء
فيمتنع عليه لذلك إنكار حق ودعوى باطل ، بل الخطاء جائز عليه ، والغلط
غير ممتنع منه ، وقد نطق القرآن بما كان من ولد يعقوب مع أخيهم يوسف
وطرحهم إياه في الجب وبيعهم إياه بالثمن البخس وهم أولاد الانبياء .
وفي
الناس من يقول : كانوا أنبياء ، فإذا جاز منهم مثل ذلك مع عظم الخطاء فيه
فلم لايجوز مثله من جعفر بن علي مع ابن أخيه ، وأن يفعل معه من الجحد طمعا
[202]
في الدنيا ونيلها ، وهل يمنع من ذلك أحد إلا مكابر معاند .
فان قيل : كيف يجوز أن يكون للحسن بن علي ولد مع إسناده وصيته في
مرضه الذي توفي فيه إلى والدته المسماة بحديث المكناة بام الحسن بوقوفه وصدقاته
وأسند النظر إليها في ذلك ولو كان له ولد لذكره في الوصية .
قيل : إنما فعل ذلك قصدا إلى تمام ما كان غرضه في إخفاء ولادته ، وستر
حاله عن سلطان الوقت ، ولو ذكر ولده أو أسند وصيته إليه لناقض غرضه خاصة
ووهو احتاج إلى الاشهاد عليها وجوه الدولة وأسباب السلطان ، وشهود القضاة ليتحرس
بذلك وقوفه ويتحفظ صدقاته ويتم به الستر على ولده باهمال ذكره وحراسة
مهجته بترك التنبيه على وجوده .
ومن ظن أن ذلك دليل على بطلان دعوى الامامية في وجود ولد للحسن
عليه السلام كان بعيدا من معرفة العادات وقد فعل نظير ذلك الصادق جعفر بن
محمد عليه السلام حين أسند وصيته إلى خمسة نفر أولهم المنصور إذ كان سلطان الوقت ، و
لم يفرد ابنه موسى عليه السلام بها إبقاء عليه ، وأشهد معه الربيع وقاضي الوقت وجاريته
ام ولده حميدة البربرية وختمهم بذكر ابنه موسى بن جعفر عليه السلام لستر أمره و
حراسة نفسه ولم يذكر مع ولده موسى أحدا من أولاده الباقين لعله كان فيهم من
يدعي مقامه بعده ، ويتعلق بادخاله في وصيته ، ولو لم يكن موسى ظاهرا مشهورا
في أولاده معروف المكان منه ، وصحة نسبه واشتهار فضله وعلمه ، وكان مستورا
لما ذكره في وصيته ، ولاقتصر على ذكر غيره ، كما فعل الحسن بن علي والد
صاحب الزمان .
فان قيل : قولكم أنه منذ ولد صاحب الزمان إلى وقتنا هذا مع طول المدة
لايعرف أحد مكانه ، ولا يعلم مستقره ولا يأتي بخبره من يوثق بقوله ، خارج عن
العادة ، لان كل من اتفق له الاستتار عن ظالم لخوف منه على نفسه أو لغير
ذلك من الاغراض يكون مدة استتاره قريبة ولا يبلغ عشرين سنة ولا يخفى أيضا
عن الكل في مدة استتاره مكانه ، ولابد من أن يعرف فيه بعض أوليائه وأهله
[203]
مكانه أو يخبره بلقائه وقولكم بخلاف ذلك .
قلنا : ليس الامر على ماقلتم لان الامامية تقول : إن جماعة من أصحاب
أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام قد شاهدوا وجوده في حياته وكانوا أصحابه وخاصته
بعد وفاته ، والوسائط بينه وبين شيعته ، معروفون بما ذكرناهم فيما بعد ، ينقلون إلى
شيعته معالم الدين ، ويخرجون إليهم أجوبته في مسائلهم فيه ، ويقبضون منهم حقوقه
وهم جماعة كان الحسن بن علي عليه السلام عدلهم في حياته ، واختصهم امناء له في
وقته ، وجعل إليهم النظر في أملاكه والقيام باموره بأسمائهم وأنسابهم وأعيانهم
كأبي عمرو عثمان بن سعيد السمان ، وابنه أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد ، و
غيرهم ممن سنذكر أخبارهم فيما بعد إنشاء الله ، وكانوا أهل عقل وأمانة ، وثقة
ظاهرة ، ودراية ، وفهم ، وتحصيل ، ونباهة كانوا معظمين عند سلطان الوقت لعظم
أقدارهم وجلالة محلهم مكرمين لظاهر أمانتهم واشتهار عدالتهم حتى أنه يدفع
عنهم مايضيفه إليهم خصومهم ، وهذا يسقط قولكم إن صاحبكم لم يره أحد ودعواهم
خلافه .
فأما بعد انقراض أصحاب أبيه فقد كان مدة من الزمان أخباره واصلة من
جهة السفراء الذين بينه وبين شيعته ويوثق بقولهم ويرجع إليهم لدينهم وأمانتهم و
مااختصوا به من الدين والنزاهة ، وربما ذكرنا طرفا من أخبارهم فيما بعد .
وقد سبق الخبر عن آبائه عليهم السلام بأن القائم له غيبتان اخراهما أطول من
الاولى ، فالاولى يعرف فيها خبره ، والاخرى لايعرف فيها خبره ، فجاء ذلك
موافقا لهذه الاخبار ، فكان ذلك دليلا ينضاف إلى ماذكرناه ، وسنوضح عن هذه
الطريقة فيما بعد إنشاء الله تعالى .
فأما خروج ذلك عن العادات فليس الامر على ماقالوه ولو صح لجاز أن
ينقض الله تعالى العادة في ستر شخص ويخفي أمره لضرب من المصلحة وحسن التدبير
لما يعرض من المانع من ظهوره .
وهذا الخضر عليه السلام موجود قبل زماننا من عهد موسى عليه السلام عند أكثر الامة
[204]
وإلى وقتنا هذا باتفاق أهل السير ، لايعرف مستقره ولا يعرف أحد له أصحابا
إلا ما جاء به القرآن من قصته مع موسى وما يذكره بعض الناس أنه يظهر أحيانا
ويظن من يراه أنه بعض الزهاد ، فإذا فارق مكانه توهمه المسمى بالخضر ولم
يكن عرفه بعينه في الحال ولاظنه فيها ، بل اعتقد أنه بعض أهل الزمان .
وقد كان من غيبة موسى بن عمران عن وطنه وهربه من فرعون ورهطه مانطق
به القرآن ولم يظفر به أحد مدة من الزمان ولا عرفه بعينه ، حتى بعثه الله نبيا و
دعا إلى فعرفه الولي والعدو .
وكان من قصة يوسف بن يعقوب ماجاء به سورة في القرآن وتضمنت استتار
خبره عن أبيه وهو نبي الله يأتيه الوحي صباحا ومساء يخفى عليه خبر ولده ، وعن
ولده أيضا حتى أنهم كانوا يدخلون عليه ويعاملونه ولا يعرفونه وحتى مضت على
ذلك السنون والازمان ثم كشف الله أمره وظهره خبره وجمع بينه وبين أبيه وإخوته
وإن لم يكن ذلك في عادتنا اليوم ولا سمعنا بمثله .
وكان من قصة يونس بن متى نبي الله مع قومه وفراره منهم حين تطاول
خلافهم له واستخفافهم بجفوته وغيبته عنهم وعن كل أحد حتى لم يعلم أحد من
الخلق مستقره وستره الله في جوف السمكة وأمسك عليه رمقه لضرب من المصلحة
إلى أن انقضت تلك المدة ورده الله إلى قومه .
وجمع بينهم وبينه ، وهذا أيضا خارج
عن عادتنا وبعيد من تعارفنا وقد نطق به القرآن وأجمع عليه أهل الاسلام .
ومثل ماحكيناه أيضا قصة أصحاب الكهف وقد نطق بها القرآن وتضمن شرح
حالهم واستتارهم عن قومهم فرارا بدينهم ولولا مانطق القرآن به لكان مخالفونا
يجحدونه دفعا لغيبة صاحب الزمان ، وإلحاقهم به ، لكن أخبر الله تعالى أنهم بقوا
ثلاثمائة سنة مثل ذلك مستترين خائفين ثم أحياهم الله فعادوا إلى قومهم وقصتهم
مشهورة في ذلك .
وقد كان من أمر صاحب الحمار الذي نزل بقصته القرآن وأهل الكتاب
يزعمون أنه كان نبيا فأماته الله مائة عام ثم بعثه وبقى طعامه وشرابه لم يتغير وكان
[205]
ذلك خارقا للعادة وإذا كان ماذكرناه معروفا كائنا كيف يمكن مع ذلك إنكار
غيبة صاحب الزمان .
اللهم إلا أن يكون المخالف دهريا معطلا ينكر جميع ذلك ويحيله
فلا نكلم معه في الغيبة بل ينتقل معه إلى الكلام في أصل التوحيد وأن ذلك مقدور
وإنما نكلم في ذلك من أقر بالاسلام ، وجوز ذلك مقدورا لله ، فنبين لهم نظائره
في العادات .
وأمثال ماقلناه كثيرة مما رواه أصحاب السير والتواريخ من ملوك فرس و
غيبتهم عن أصحابهم مدة لايعرفون خبره ثم عودهم وظهورهم لضرب من التدبير و
إن لم ينطق به القرآن فهو مذكور في التواريخ وكذلك جماعة من حكماء الروم
والهند قد كانت لهم غيبات وأحوال خارجة عن العادات لانذكرها لان المخالف
ربما جحدها على عادتهم جحد الاخبار وهو مذكور في التواريخ .
فان قيل : ادعاؤكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات مع بقائه على قولكم
كامل العقل تام القوة والشباب لانه على قولكم له في هذا الوقت الذي هو
سنة سبع وأربعين وأربعمائة مائة وإحدى وتسعون سنة لان مولده على قولكم سنة
ست وخمسين ومائتين ولم تجر العادة بأن يبقى أحد من البشر هذه المدة فكيف
انتقضت العادة فيه ، ولا يجوز انتقاضها إلا على يد الانبياء .
قلنا : الجواب عن ذلك من وجهين أحدهما أن لا نسلم أن ذلك خارق لجميع
العادات ، بل العادات فيما تقدم قد جرت بمثلها وأكثر من ذلك ، وقد ذكرنا
بعضها كقصة الخضر عليه السلام وقصة أصحاب الكهف وغير ذلك ، وقد أخبر الله عن
نوح عليه السلام أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وأصحاب السير يقولون
أنه عاش أكثر من ذلك ، وإنما دعا قومه إلى الله هذه المدة المذكورة بعد أن
مضت عليه ستون من عمره ، وروى أصحاب الاخبار أن سلمان الفارسي لقي عيسى
ابن مريم وبقي إلى زمان نبينا صلى الله عليه وآله وخبره مشهور وأخبار المعمرين من العجم و
العرب معروفة مذكورة في الكتب والتواريخ وروى أصحاب الحديث أن الدجال
[206]
موجود وأنه كان في عصر النبي صلى الله عليه وآله وأنه باق إلى الوقت الذي يخرج فيه وهو
عدو الله فاذا جاز ذلك في عدو الله لضرب من المصلحة فكيف لايجوز مثله في ولي الله
إن هذا من العناد .
أقول : ثم ذكر ره أخبار المعمرين على ماسنذكره ثم قال :
إن كان المخالف لنا في ذلك من يحيل ذلك من المنجمين وأصحاب الطبايع
فالكلام لهم في أصل هذه المسالة فان العالم مصنوع وله صانع أجرى العادة بقصر
الاعمار وطولا ، وأنه قادر على إطالتها وعلى إفنائها فاذا بين ذلك سهل الكلام .
وإن كان المخالف في ذلك من يسلم ذلك غير أنه يقول : هذا خارج عن
العادات ، فقد بينا أنه ليس بخارج عن جميع العادات ، ومتى قالوا خارج عن
عاداتنا قلنا وما المانع منه .
فان قيل : ذلك لايجوز إلا في زمن الانبياء قلنا نحن ننازع في ذلك وعندنا
يجوز خرق العادات على يد الانبياء والائمة والصالحين وأكثر أصحاب الحديث
يجوزون ذلك وكثير من المعتزلة والحشوية ، وإن سموا ذلك كرامات كان
ذلك خلافا في عبارة ، وقد دللنا على جواز ذلك في كتبنا ، وبينا أن المعجز إنما
يدل على صدق من يظهر على يده ثم نعلمه نبيا أو إماما أو صالحا بقوله ، وكلما
يذكرونه من شبههم قد بينا الوجه فيه في كتبنا لا نطول بذكره ههنا .
فأما ما يعرض من الهرم بامتداد الزمان ، وعلو السن ، وتناقض بنية الانسان
فليس مما لابد منه وإنما أجرى الله العادة بأن يفعل ذلك عند تطاول الزمان و
لا إيجاب هناك ، وهو تعالى قادر أن لايفعل ماأجرى العادة بفعله ، وإذا ثبتت هذه
الجملة ثبت أن تطاول الاعمار ممكن غير مستحيل ، وقد ذكرنا فيما تقدم عن
جماعة أنهم لم يتغيروا مع تطاول أعمارهم وعلو سنهم ، وكيف ينكر ذلك من
يقر بأن الله تعالى يخلد المؤمنين في الجنة شبانا لايبلون ، وإنما يمكن أن ينازع
في ذلك من يجحد ذلك ويسنده إلى الطبيعة وتأثير الكواكب الذي قد دل الدليل
على بطلان قولهم باتفاق منا ومن خالفنا في هذه المسألة من أهل الشرع ، فسقطت
[207]
الشبهة من كل وجه .
دليل آخر : ومما يدل على إمامة صاحب الزمان وصحة غيبته ، مارواه الطائفتان
المختلفان ، والفرقتان المتباينتان العامة والامامية أن الائمة بعد النبي صلى الله عليه وآله
اثنا عشر لايزيدون ولا ينقصون ، وإذا ثبت ذلك فكل من قال بذلك قطع على
الائمة الاثني عشر الذين نذهب إلى إمامتهم ، وعلى وجود ابن الحسن وصحة
غيبته ، لان من خالفهم في شئ من ذلك لايقصر الامامة على هذا العدد بل يجوز
الزيادة عليها ، وإذا ثبت بالاخبار التي نذكرها هذا العدد المخصوص ثبت ماأردناه .
أقول : ثم أورد ره من طرق الفريقين بعض ماأوردناه في باب النصوص
على الاثني عشر عليهم السلام .
ثم قال رحمه الله :
فان قيل : دلوا أولا على صحة هذه الاخبار فانها أخبار آحاد لايعول عليها
فيم طريقه العلم ، وهذه مسألة علمية ثم دلوا على أن المعني بها من تذهبون
إلى إمامته فان الاخبار التي رويتموها عن مخالفيكم وأكثر مارويتموها
من جهة الخاصة إذا سلمت فليس فيها صحة ماتذهبون إليه ، لانها تتضمن غير
ذلك فمن أين لكم أن أئمتكم هم المرادون بها دون غيرهم .
قلنا : أما الذي يدل على صحتها فإن الشيعة الامامية يروونها على وجه
التواتر خلفا عن سلف وطريقة تصحيح ذلك موجود في كتب الامامية في النصوص
على أمير المؤمنين عليه السلام والطريقة واحدة .
-بحار الانوار مجلد: 47 من ص 207 سطر 19 الى ص 215 سطر 18
وأيضا فان نقل الطائفتين المختلفتين المتباينتين في الاعتقاد يدل على صحة
ماقد اتفقوا على نقله ، لان العادة جارية أن كل من اعتقد مذهبا وكان الطريق
إلى صحة ذلك النقل فان دواعيه تتوفر إلى نقله ، وتتوفر دواعي من خالفه إلى
إبطال مانقله أو الطعن عليه ، والانكار لروايته ، بذلك جرت العادات في مدائح
الرجال وذمهم ، وتعظيمهم والنقص منهم ، ومتى رأينا الفرقة المخالفة لهذه الفرقة
قد نقلت مثل نقلها ، ولم يتعرض للطعن على نقله ، ول ينكر متضمن الخبر ، دل
[208]
ذلك على أن الله تعالى قد تولى نقله وسخرهم لروايته ، وذلك دليل على صحة
ماتضمنه الخبر .
وأما الدليل على أن المراد بالاخبار والمعني بها أئمتنا عليهم السلام فهو أنه إذا
ثبت بهذه الاخبار أن الائمة محصورة في الاثني عشر إماما وأنهم لايزيدون ولا
ينقصون ، ثبت ماذهبنا إليه ، لان الامة بين قائلين : قائل يعتبر العدد الذي
ذكرناه فهو يقول إن المراد بها من نذهب إلى إمامته ، ومن خالف في إمامتهم
لايعتبر هذا العدد ، فالقول مع اعتبار العدد أن المراد غيرهم ، خروج عن الاجماع
وماأدى إلى ذلك وجب القول بفساده .
ويدل أيضا على إمامة ابن الحسن عليه السلام وصحة غيبته ماظهر وانتشر من
الاخبار الشائعة الذائعة عن آبائه عليهم السلام قبل هذه الاوقات بزمان طويل من أن
لصاحب هذا الامر غيبة ، وصفة غيبته ، وما يجري فيها من الاختلاف ، ويحدث
فيها من الحوادث ، وأنه يكون له غيبتان إحداهما أطول من الاخرى وأن الاولى
يعرف فيها أخباره والثانية لا يعرف فيها أخباره فوافق ذلك على ماتضمنته الاخبار
ولولا صحتها وصحة إمامته لما وافق ذلك ، لان ذلك لايكون إلا باعلام الله على
لسان نبيه ، وهذه أيضا طريقة اعتمدها الشيوخ قديما .
ونحن نذكر من الاخبار التي تضمن ذلك طرفا ليعلم صحة ماقلناه لان
استيفاء جميع ماروي في هذا المعنى يطول ، وهو موجود في كتب الاخبار من أراده وقف
عليه من هناك .
أقول : ثم نقل الاخبار التي نقلنا عنه رحمه الله في الابواب السابقة واللاحقة
ثم قال :
فان قيل : هذه كلها أخبار آحاد لا يعول على مثلها في هذه المسألة لانها
مسألة علمية .
قلنا : موضع الاستدلال من هذه الاخبار ماتضمنه الخبر بالشئ قبل
كونه فكان كما تضمنه فكان ذلك دلالة على صحة ماذهبنا إليه من إمامة ابن الحسن
لان العلم بما يكون لا يحصل إلا من جهة علام الغيوب ، فلو لم يرد إلا خبر واحد
[209]
ووافق مخبره ماتضمنه الخبر ، لكان ذلك كافيا ، ولذلك كان ما تضمنه القرآن
من الخبر بالشئ قبل كونه دليلا على صدق النبي صلى الله عليه وآله وأن القرآن من قبل الله
تعالى ، وإن كان المواضع التي تضمن ذلك محصورة ، ومع ذلك مسموعة من
مخبر واحد ، لكن دل على صدقه من الجهة التي قلناها ، على أن الاخبار متواتر
بها لفظا ومعنى .
فأما اللفط فان الشيعة تواترت بكل خبر منه ، والمعنى أن كثيرة الاخبار
واختلاف جهاتها وتباين طرقها ، وتباعد رواتها ، تدل على صحتها ، لانه لايجوز
أن يكون كلها باطلة ولذلك يستدل في مواضع كثيرة على معجزات النبي صلى الله عليه وآله
التي هي سوى القرآن وامور كثيرة في الشرع يتواتر ، وإن كان كل لفظ منه
منقولا من جهة الآحاد وذلك معتمد عند من خالفنا في هذه المسألة ، فلا ينبغي أن
يتركوه وينسوه إذا جئنا إلى الكلام في الامامة ، والعصبية لاينبغي أن ينتهي
بالانسان إلى حد يجحد الامور المعلومة .
وهذا الذي ذكرناه معتبر في مدائح الرجال وفضائلهم ولذلك استدل على
سخاء حاتم وشجاعة عمرو وغير ذلك بمثل ذلك وإن كان كل واحد مما يروى من
عطاء حاتم ووقوف عمرو في موقف من المواقف ، من جهة الآحاد وهذا واضح .
ومما يدل أيضا على إمامة ابن الحسن زائدا على ما مضى أنه لا خلاف بين
الامة أنه سيخرج في هذه الامة مهدي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت
ظلما وجورا وإذا بينا أن ذلك المهدي من ولد الحسين وأفسدنا قول من يدعي
ذلك من ولد الحسين سوى ابن الحسن ثبت أن المراد به هو عليه السلام .
أقول : ثم أورد ما نقلنا عنه سابقا من أخبار الخاصة والعامة في المهدي
عليه السلام ثم قال :
وأما الذي يدل على أنه يكون من ولد الحسين عليه السلام فالاخبار التي أوردناها
في أن الائمة اثنا عشر وذكر تفاصيلهم فهي متضمنة لذلك ، ولان كل من اعتبر
العدد الذي ذكرناها قال : المهدي من ولد الحسين عليه السلام .
وهو من أشرنا إليه .
[210]
ثم أورد رحمه الله الاخبار في ذلك على ماروينا عنه ثم قال :
فان قيل : أليس قد خالف جماعة فيهم من قال : المهدي من ولد علي عليه السلام
فقالوا : هو محمد بن الحنفية وفيهم من قال من السبائية هو علي عليه السلام لم يمت وفيهم
من قال : جعفر بن محمد لم يمت ، وفيهم من قال : موسى بن جعفر لم يمت ، وفيهم
من قال : الحسن بن علي العسكري عليهما السلام لم يمت ، وفيهم من قال : المهدي هو
أخوه محمد بن علي وهو حي باق لم يمت ، ما الذي يفسد قول هؤلاء ؟ .
قلت : هذه الاقوال كلها قد أفسدناها بما دللنا عليه من موت من ذهبوا
إلى حياته وبما بينا أن الائمة اثنا عشر وبما دللنا على صحة إمامة ابن الحسن
من الاعتبار ، وبما سنذكره من صحة ولادته وثبوت معجزاته الدالة على إمامته .
فأما من خالف في موت أمير المؤمنين وذكر أنه حي باق فهو مكابر فان
العلم بموته وقتله أظهر وأشهر من قتل كل أحد وموت كل إنسان والشك في
ذلك يؤدي إلى الشك في موت النبي وجميع أصحابه ثم ما ظهر من وصيته وأخبار
النبي صلى الله عليه وآله إياه أنك تقتل وتخضب لحيتك من رأسك يفسد ذلك أيضا وذلك أشهر
من أن يحتاج أن يروى فيه الاخبار .
وأما وفات محمد بن علي ، ابن الحنيفة وبطلان قول من ذهب إلى إمامته فقد
بينا فيما مضى من الكتاب وعلى هذه الطريقة إذا بينا أن المهدي من ولد الحسين
عليه السلام بطل قول المخالف في إمامته عليه السلام .
وأما الناووسية الذين وقفوا على جعفر بن محمد عليه السلام فقد بينا أيضا فساد
قولهم بما علمناه من موته ، واشتهار الامر فيه ، وبصحة إمامة ابنه موسى بن
جعفر عليهما السلام ، وبما ثبت من إمامة الاثني عشر عليهم السلام ويؤكد ذلك ماثبت من صحة
وصيته إلى من أوصى إليه ، وظهور الحال في ذلك .
وأما الواقفة الذين وقفوا على موسى بن جعفر وقالوا هو المهدي فقد أفسدنا
أقوالهم بما دللنا عليه من موته ، واشتهار الامر فيه ، وثبوت إمامة ابنه الرضا عليه السلام
وفي ذلك كفاية لمن أنصف .