[241]
وعاش تيم الله بن ( ثعلبة بن ) عكابه مائتي سنة .
وعاش الربيع بن ضبع بن وهب بن بعيض بن مالك بن سعدى بن عدي بن
فزارة مائتي وأربعين سنة وأدرك الاسلام فلم يسلم .
وعاش معدي كرب الحميري من آل ذي رعين مائتي وخمسين سنة .
وعاش ثرية بن عبدالله الجعفي ثلاثمائة سنة فقدم على عمر بن الخطاب
المدينة فقال : لقد رأيت هذا الوادي الذي أنتم به وما به قطرة ولا هضبة ولا شجرة
ولقد أدركت اخريات قوم يشهدون بشهادتكم هذه يعني لا إله إلا الله ، ومعه ابن
له يتهادى قد خرف فقال : ياثرية هذا ابنك قد خرف وبك بقية فقال : ماتزوجت
أمة حتى أتت علي سبعون سنة ولكني تزوجتها عفيفة ستيرة إن رضيت رأيت ما
تقر به عيني وإن سخطت أتتني حتى أرضى وإن ابني هذا تزوج امرأة بذية فاحشة
إن رأى ماتقر به عينه تعرضت له حتى يسخط وإن سخط تلقته حتى يهلك ( 1 ) .
وعاش عوف بن كنانة الكلبي ثلاثمائة سنة فلما حضرته الوفاة جمع بنيه فأوصاهم
وهو عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد بن ثور بن كلب فقال : يابني احفظوا
وصيتي فانكم إن حفظتموها سدتم قومكم بعدي ، إلهكم فاتقوه ولا تخونوا ولا
تحزنوا ، ولا تثيروا السباع من مرابضها ، وجاوروا الناس بالكف عن مساويهم
تسلموا وتصلحوا ، وعفوا عن الطلب إليهم لئلا تستثقلوا ، والزموا الصمت إلا من
حق تحمدوا ، وابذلوا لهم المحبة تسلم لكم الصدور ، ولا تحرموهم المنافع فيظهروا
الشكاة ، وكونوا منهم في ستر ينعم بالكم ، ولا تكثروا مجالستهم فيستخف بكم ، و
إذا نزلت بكم معضلة فاصبروا لها ، والبسوا للدهر أثوابه ، فان لسان الصدق مع
النكبة خير من سوء الذكر مع المسرة .
ووطنوا أنفسكم على الذلة لمن ذل لكم فان أقرب المسائل المودة وإن
أبعد النسب البغضة وعليكم بالوفاء وتنكبوا الغدر يأمن سربكم وأحيوا الحسب
________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر المطبوع هناك تقديم وتأخير راجع ج 2 ص 255 .
[242]
بترك الكذب فان آفة المروءة الكذب والخلف ، لاتعلموا الناس إقتاركم فتهونوا
وتخملوا ، وإياكم والغربة فانها ذلة ولا تضعوا الكرائم إلا عند الاكفاء ، وابتعوا
بأنفسكم المعالي ، ولا يحتلجنكم جمال النساء عن الصحة ، فان نكاح الكرائم
مدارج الشرف ، واخضعوا لقومكم ولا تبغوا عليهم لتنالوا المنافس ، ولا تخالفوهم
فيما اجتمعوا عليه ، فان الخلاف يزري بالرجل المطاع ، وليكن معروفكم لغير
قومكم بعدهم ، ولا توحشوا أفنيتكم من أهلها فإن إيحاشها إخماد النار و
دفع الحقوق ، وارفضوا النمائم بينكم تكونوا أعوانا عند الملمات تغلبوا ، واحذروا
النجعة إلا في منفعة لاتصابوا ، وأكرموا الجار يخصب جنابكم ، وآثروا حق
الضيف على أنفسكم ، والزموا مع السفهاء الحلم تقل همومكم .
وإياكم والفرقة فانها ذلة ولا تكلفوا أنفسكم فوق طاقتها إلا المضطر
فانكم إن تلاموا عند إيضاح العذر وبكم قوة خير من أن تعانوا في الاضطرار منكم
إليهم بالمعذرة ، وجدوا ولا تفرطوا فان الجد مانعة الضيم ، ولتكن كلمتكم
واحدة تعزوا ويرهف حدكم ، ولا تبذلوا الوجوه لغير مكرمة فتخلقوها ، ولا
تجشموا أهل الدناءة فتقصروا بها ، ولا تحاسدوا فتبوروا ، واجتنبوا البخل فانه داء
وابنوا المعالي بالجود والادب ، ومصافات أهل الفضل والحياء ، وابتاعوا المحبة
بالبذل ، ووقروا أهل الفضيلة ، وخذوا من أهل التجارب ، ولايمنعنكم من معروف
صغره فان له ثوابا ، ولا تحقروا الرجال فتزدروها فانما المرء بأصغريه ذكاء
قلبه ولسان يعبر عنه .
فاذا خوفتم داهية فاللبث قبل العجلة ، والتمسوا بالتودد المنزلة عند الملوك
فانهم من وضعوه اتضع ، ومن رفعوه ارتفع ، وتبسلوا بالفعال تسم إليكم الابصار
وتواضعوا بالوفاء وليحبكم ربكم .
ثم قال :
وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ولا كل موف نصحه بلبيب
ولكن إذا مااستجمعا عند واحد فحق له من طاعة بنصيب
وحدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب ، عن أحمد بن محمد بن عبدالله بن
[243]
يزيد الشعراني من ولد عمار بن ياسر رضي الله عنه يقول : حكى أبوالقاسم محمد بن
القاسم البصري أن أبا الحسن ( 1 ) حمارويه بن أحمد بن طولون كان قد فتح عليه
من كنوز مصر مالم يرزق أحد قبله فاغري بالهرمين فأشار عليه ثقاته وحاشيته و
بطانته أن لايتعرض لهدم الاهرام فانه ما تعرض أحد لها فطال عمره فلج في ذلك
وأمر ألفا من الفعلة أن يطلبوا الباب وكانوا يعملون سنة حواليه حتى ضجروا وكلوا .
فلما هموا بالانصراف بعد الاياس منه ، وترك العمل ، وجدوا سربا فقدروا
أنه الباب الذي يطلبونه ، فلما بلغوا آخره وجدوا بلاطة قائمة من مر مر فقد روا
أنها الباب فاحتالوا فيها إلى أن قلعوها وأخرجوها ، فاذا عليها كتابة يونانية
فجمعوا حكماء مصر وعلماءها فلم يهتدوا لها وكان في القوم رجل يعرف بأبي عبدالله
المديني أحد حفاظ الدنيا وعلمائها فقال لابي الحسن حمارويه بن أحمد : أعرف
في بلد الحبشة اسقفا قد عمر وأتى عليه ثلاث مائة وستون سنة يعرف هذا الخط
وقد كان عزم على أن يعلمنيه فلحرصي على علم العرب لم اقم عليه وهو باق .
فكتب أبوالحسن إلى ملك الحبشة يسأله أن يحمل هذا الاسقف إليه
فأجابه أن هذا قد طعن في السن وحطمه الزمان وإنما يحفظه هذا الهواء ويخاف
عليه إن نقل إلى هواء آخر وإقليم آخر ولحقته حركة وتعب ومشقة السفر أن
يتلف وفي بقائه لنا شرف وفرج وسكينة ، فان كان لكم شئ يقرأه ويفسره ومسألة
تسألونه فاكتب بذلك فحملت البلاطة في قارب إلى بلد اسوان من الصعيد الاعلى
وحملت من اسوان على العجلة إلى بلاد الحبشة وهي قريبة من اسوان فلما وصلت
قرأها الاسقف وفسر مافيها بالحبشية ثم نقلت إلى العربية فاذا فيها مكتوب :
أنا الريان بن دومغ فسئل أبوعبدالله عن الريان من كان هو قال : هو والد
العزيز ملك يوسف عليه السلام واسمه الريان بن دومغ وقد كان عمر العزيز سبعمائة سنة
وعمر الريان والده ألفا وسبعمائة وعمر دومغ ثلاثة آلف سنة .
________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر المطبوع : " أبا الجيش حمارويه " راجع ج 2 ص 247 وهكذا في
سائر المواضع .
[244]
فاذا فيها أنا الريان بن دومغ خرجت في طلب علم النيل لاعلم فيضه ومنبعه
إذا كنت ( 1 ) أرى مفيضه فخرجت ومعي ممن صحبت أربعة آلاف ألف رجل
فسرت ثمانين سنة إلى أن انتهيت إلى الظلمات والبحر المحيط بالدنيا ، فرأيت
النيل يقطع البحر المحيط ويعبر فيه ولم يكن لي منفذ وتماوت أصحابي وبقيت في
أربعة آلاف رجل فخشيت على ملكي فرجعت إلى مصر وبنيت الاهرام والبراني
وبنيت الهرمين وأودعتهما كنوزي وذخائري وقلت في ذلك شعرا :
وأدرك علمي بعض ماهو كائن ولا علم لي بالغيب والله أعلم
وأتقنت ما حاولت إتقان صنعة وأحكمته والله أقوى وأحكم
وحاولت علم النيل من بدء فيضه فأعجزني والمرء بالعجز ملجم
ثمانين شاهورا قطعت مسايحا وحولي بنو حجر وجيش عرمرم
إلى أن قطعت الجن والانس كلهم وعارضني لج من البحر مظلم
فأتقنت أن لامنفذا بعد منزلي لذي همة بعدي ولا متقدم
فابت إلى ملكي وأرسيت ناديا بمصر وللايام بؤس وأنعم
أنا صاحب الاهرام في مصر كلها وباني برانيها بها والمقدم
تركت بها آثار كفي وحكمتي على الدهر لاتبلى ولا تتهدم
وفيها كنوز جمة وعجائب وللدهر إمر مرة وتهجم
سيفتح أقفالي ويبدي عجائبي ولي لربي آخر الدهر ينجم
بأكناف بيت الله تبدو اموره ولابد أن يعلو ويسمو به السم
ثمان وتسع واثنتان وأربع وتسعون اخرى من قتيل وملجم
ومن بعد هذا كر تسعون تسعة وتلك البراني تستخر وتهدم
وتبدى كنوزي كلها غير أنني أرى كل هذا أن يفرقها الدم
رمزت مقالي في صخور قطعتها ستبقى وأفنى بعدها ثم اعدم ( 2 )
________________________________________________________________
( 1 ) لست خ ل .
( 2 ) في المصدر المطبوع : " زبرت مقالي " راجع ج 2 ص 250 .
[245]
فحينئذ قال أبوالحسن حمارويه بن أحمد : هذا شئ ليس لاحد فيها حيلة
إلا للقائم من آل محمد عليهم السلام وردت البلاطة كما كانت مكانها .
ثم إن أبا الحسن بعد ذلك بسنة قتله طاهر الخادم ( ذبحه ) على فراشه
وهو سكران ومن ذلك الوقت عرف خبر الهرمين ومن بناهما فهذا أصح مايقال
في خبر النيل والهرمين .
وعاش صبيرة بن سعد بن سهم القرشي مائة وثمانين سنة وأدرك الاسلام فهلك
فجاءة بلا سبب .
وعاش لبيد بن ربيعة الجعفري مائة وأربعين سنة وأدرك الاسلام فأسلم فلما
بلغ سبعين من عمره أنشأ يقول :
كأني وقد جاوزت سبعين حجة خلعت بها عن منكبي ردائيا
فلما بلغ سبعا وسبعين سنة أنشأ يقول :
باتت تشكي إلي النفش مجهشة وقد حملتك سبعا بعد سبعين
فان تزادي ثلاثا تبلغي أملا وفي الثلاث وفاء للثمانين
فلما بلغ تسعين سنة أنشأ يقول :
كأني وقد جاوزت تسعين حجة خلعت بها عني عذار لثامي
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يرمي وليس برام
فلو أنني ارمي بنبل رأيتها ولكنني ارمى بغير سهام
فلما بلغ مائة وعشر سنين أنشأ يقول :
وليس في مائة قد عاشها رجل وفي تكامل عشر بعدها عمر
فلما بلغ مائة وعشرين سنة أنشأ يقول :
قد عشت دهرا قبل مجرى داحس لو كان في النفس اللجوج خلود
فلما بلغ مائة وأربعين سنة أنشأ يقول :
ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد
[246]
غلب الرجال فكان غير مغلب دهر طويل دائم ممدود
يوم إذا يأتي علي وليلة وكلاهما بعد المضي يعود
فلما حضرته الوفاة قال لابنه : يابني إن أباك لم يمت ولكنه فني فإذا
قبض أبوك فأغمضه وأقبل به إلى القبلة وسجه بثوبه ، ولا أعلمن ماصرخت عليه
صارخة أو بكت عليه باكية ، وانظر جفنتي التي كنت اضيف بها فأجد صنعتها ثم
احملها إلى مسجدك ومن كان يغشاني عليها فاذا قال الامام : " سلام عليكم " فقدمها
إليهم يأكلون منها فإذا فرغوا فقل : احضروا جنازة أخيكم لبيد بن ربيعة فقد قبضه
الله عزوجل ثم أنشأ يقول :
وإذا دفنت أباك فاجعل فوقه خشبا وطينا وصفائحا صما رواسيها تشدد والغصونا
ليقين حر الوجه سفساف التراب ولن يقينا
وقد روي في حديث لبيد بن ربيعة في أمر الجفنة غير هذا : ذكروا أن لبيد
ابن ربيعة جعل على نفسه أن كلما هبت الشمال أن ينحر جزورا فيملا الجفنة التي
حكوا عنها في أول حديثه فلما ولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط الكوفة خطب
الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال : أيها الناس قد علمتم
حال لبيد بن ربيعة الجعفري وشرفه ومروءته وما جعل على نفسه كلما هبت
الشمال أن ينحر جزورا فأعينوا أبا عقيل على مروءته ثم نزل وبعث إليه بخمسة من
الجزر وأبيات شعر يقول فيها :
أرى الجزار يشحذ شفرتيه إذا هبت رياح أبي عقيل
طويل الباع أبلج جعفري كريم الجد كالسيف الصقيل
وفى ابن الجعفي بما لديه على العلات والمال القليل
وقد ذكر أن الجزر كانت عشرين فلما أتته قال : جزى الله الامير خيرا
قد عرفت الامير أني لا أقول الشعر ولكن اخرجي يا بنية فخرجت إليه بنية له
خماسية فقال لها : أجيبي الامير فأقبلت وأدبرت ثم قالت : نعم ، فأنشأت تقول :
إذا هبت رياح أبي عقيل دعونا عند هبتها الوليدا
[247]
طويل الباع أبلج عبشميا أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأن ركبا عليها من بني حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيرا نحرناها وأطعمنا التريدا
فعد إن الكريم له معاد وعهدي بابن أروى أن يعودا
فقال لبيد : أحسن يابنية لولا أنك سألت .
قالت : إن الملوك لايستحيى
من مسئلتهم قال : وأنت في هذا يابنية أشعر .
وعاش ذو الاصبع العدواني واسمه حرثان بن الحارث بن محرث بن ربيعة بن
هبيرة بن ثعلبة بن ظرب بن عثمان بن عباد ثلاثمائة سنة .
وعاش جعفر بن قبط ثلاث مائة سنة وأدرك الاسلام .
وعاش عامر بن ظرب العدواني ثلاث مائة سنة .
وعاش محصن بن غسان بن ظالم بن عمرو بن قطيعة بن الحارث بن سلمة بن
مازن الزبيدي مأتي وخمسين سنة فقال في ذلك :
ألا يا سلم إني لست منكم ولكني امرء قوتي سغوب
دعاني الداعيان فقلت هيا فقالا كل من يدعى يجيب
ألا يا سلم أعياني قيامي وأعيتني المكاسب والركوب
وصرت رديئة في البيت كلا تأذى بي الاباعد والقريب
كذاك الدهر والايام خون لها في كل سائمة نصيب
وعاش صيفي بن رباح أبوأكثم أحد بني أسد بن عمرو بن تميم مأتي سنة
-بحار الانوار مجلد: 47 من ص 247 سطر 19 الى ص 255 سطر 18
وسبعين سنة وكان يقول : لك على أخيك سلطان في كل حال إلا في القتال فاذا
أخذ الرجال السلاح فلا سلطان عليه ، كفى بالمشرفية واعظا ، وترك الفخر أبقى
لك ، وأسرع الحزم عقوبة البغي ، وشر النصرة التعدي ، وألام الاخلاق أضيقها
ومن الاذى كثرة العتاب ، واقرع الارض بالعصا فذهبت مثلا :
لذي الحلم قبل اليوم ماتقرع العصا وما علم الانسان إلا ليعلم
[248]
وعاش عاد بن شداد اليربوعي مائة وخمسين سنة .
وعاش أكثم بن صيفي أحد بني أسد بن عمرو بن تميم ثلاث مائة سنة وقال
بعضهم : مائة وتسعين سنة وأدرك الاسلام واختلف في إسلامه إلا أن أكثرهم لايشك
في أنه لم يسلم فقال في ذلك :
وإن امرءا قد عاش تسعين حجة إلى مائة لم يسأم العيش جاهل
خلت مائتان غير ست وأربع وذلك من عد الليالي قلائل
وقال محمد بن سلمة : أقبل أكثم يريد الاسلام فقتله ابنه عطشا فسمعت أن
هذه الآية نزلت فيه " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت
فقد وقع أجره على الله " ( 1 ) ولم تكن العرب تقدم عليه أحدا في الحكمة وأنه لما
سمع برسول الله صلى الله عليه وآله بعث إليه ابنه حبيشا فقال : يابني إني أعظك بكلمات
فخذهن من حين تخرج من عندي إلى أن ترجع إلي ، ائت نصيبك في شهر رجب
فلا تستحله فيستحل منك فان الحرام ليس يحرم نفسه وإنما يحرمه أهله ولا
تمرن بقوم إلا تنزل عند أعزهم وأحدث عقدا مع شريفهم وإياك والذليل فانه
هو أذل نفسه ولو أعزها لاعزه قومه .
فإذا قدمت على هذا الرجل فاني قد عرفته وعرفت نسبه وفي في بيت قريش
وهي ( أعز ) العرب وهو أحد رجلين إما ذو نفس أراد ملكا فخرج للملك بعزه
فوقره وشرفه وقم بين يديه ولا تجلس إلا بإذنه حيث يأمرك ويشير إليك فانه
إن كان ذلك كان أدفع لشره عنك ، وأقرب لخيره منك ، وإن كان نبيا فان
الله لايحب من يسوؤهم ، ولايبطر فيحتشم ، وإنما يأخذ الخيرة حيث يعلم لا يخطي
فيستعتب إنما أمره على ماتحب وإن كان فستجد أمره كله صالحا ، وخبره كله
صادقا ، وستجده متواضعا في نفسه متذللا لربه ، فذل له ولا تحدثن أمرا دوني
فان الرسول إذا أحدث الامر من عنده خرج من يدي الذي أرسله ، واحفظ ما
يقول لك إذا ردك إلي فانك ولو توهمت أو نسيت حتمتني رسولا غيرك .
________________________________________________________________
( 1 ) النساء : 99 .
[249]
وكتب معه : باسمك اللهم من العبد إلى العبد أما بعد فانا بلغنا ما بلغك فقد
أتانا عنك خبر لاندري ماأصله ، فان كنت اريت فأرنا ، وإن كنت علمت فعلمنا
وأشركنا في كنزك والسلام .
فكتب إليه رسول الله فيما ذكروا : من محمد رسول الله إلى أكثم بن صيفي احمد الله
إليك إن الله أمرني أن أقول لا إله إلا الله أقولها وآمر الناس بها والخلق خلق الله
والامر كله لله ، خلقهم وأماتهم ، وهو ينشرهم وإليه المصير ، أدبتكم بآداب المرسلين
ولتسئلن عن النبأ العظيم ، ولتعلمن نبأه بعد حين .
فلما جاء كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله قال لابنه : يابني ماذا رأيت ؟ قال : رأيته
يأمر بمكارم الاخلاق وينهى عن ملائمها ، فجمع أكثم بن صيفي إليه بني تميم ثم
قال : يابني تميم لاتحضروني سفيها فان من يسمع يخل ولكل إنسان رأي في
نفسه ، وإن السفيه واهن الرأي ، وإن كان قوي البدن ، ولا خير فيمن لا عقل
له ، يابني تميم كبرت سني ودخلتني ذلة الكبر ، فاذا رأيتم مني حسنا فائتوه وإذا
أنكرتم شيئا فقولوا لي الحق ( 1 ) أستقم إن ابني قد جاءني وقد شافه هذا الرجل
فرآه يأمر بمكارم الاخلاق وينهى عن ملائمها ، ويدعو إلى أن يعبد الله وحده و
تخلع الاوثان ، ويترك الحلف بالنيران ، ويذكر أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وأن قبله
رسلا لهم كتب ، وقد علمت رسولا قبله كان يأمر بعبادة الله وحده ، وإن أحق الناس
بمعاونة محمد صلى الله عليه وآله ومساعدته على أمره أنتم ، فان يكن الذي يدعو إليه حقا فهو
لكم ، وإن يكن باطلا كنتم أحق من كف عنه وستر عليه .
وقد كان اسقف نجران يحدث بصفته ولقد كان سفيان بن مجاشع قبله يحدث
به وسمى ابنه محمدا ، وقد علم ذوو الرأي منكم أن الفضل فيما يدعو إليه ويأمر به
فكونوا في أمره أولا ولا تكونوا أخيرا ، اتبعوه تشرفوا ، وتكونوا سنام العرب
وائتوه طائعين قبل أن تأتوه كارهين ، فاني أرى أمرا ماهو بالهوينا لايترك مصعدا
إلا صعده ، ولا منصوبا إلا بلغه .
________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر المطبوع ج 2 ص 259 : " فقوموني للحق " .
[250]
إن هذا الذي يدعول إليه لو لم يكن دينا لكان في الاخلاق حسنا أطيعوني
واتبعوا أمري أسأل لكم مالا ينزع منكم أبدا ، إنكم أصبحتم أكثر العرب عددا
وأوسعهم بلدا وإني أرى أمرا لايتبعه ذليل إلا عز ولا يتركه عزيز إلا ذل اتبعوه
مع عزكم تزدادوا عزا ، ولا يكن أحد مثلكم .
إن الاول لم يدع للاخير شيئا وإن هذا أمر هو لما بعده ، من سبق إليه
فهو الباقي ، ومن اقتدي به الثاني ، فاصرموا أمركم ، فان الصريمة قوة
والاحتياط عجز .
فقال مالك بن نويرة : خرف شيخكم فقال أكثم : ويل للشجي من الخلي
أراكم سكوتا وآفة الموعطة الاعراض عنها ، ويلك يا مالك إنك هالك ، إن ؟
إذا قام رفع القائم معه ، وجعل الصرعى قياما ، فاياك أن تكون منهم ، أما إذ سبقتموني
بأمركم فقربوا بعيري أركبه .
فدعا براحلته فركبها فتبعه بنوه وبنو أخيه فقال : لهفي على أمر إن أدركه
ولم يسبقني وكتبت طيئ إلى أكثم وكانوا أخواله ، وقال آخرون كتبت بنو مرة
وكانوا أخواله أن أحدث إلينا مانعيش به .
فكتب أما بعد فاني موصيكم بتقوى الله ، وصلة الرحم ، فانها ثبت أصلها
ونبت فرعها ، وأنهاكم عن معصية الله وقطيعة الرحم فانها لايثبت لها أصل و
لاينبت لها فرع وإياكم ونكاح الحمقاء فان مباضعتها قذر ، وولدها ضياع .
وعليكم بالابل فأكرموها ، فانها حصون العرب ، ولاتضعوا رقابها إلا في
حقها فان فيها مهر الكريمة ورقوء الدم ، وبألبانها يتحف الكبير ويغذى الصغير
ولو كلفت الابل الطحن لطحنت ، ولن يهلك امرء عرف قدره ، والعدم عدم العقل
والمرء الصالح لايعدم المال ، ورب رجل خير من مائة ورب فئة أحب إلي من
فئتين ، ومن عتب على الزمان طالت معتبته ، ومن رضي بالقسم طابت معيشته ، آفة
الرأي الهوى ، والعادة أملك بالادب ، والحاجة مع المحبة خير من الغنى مع البغضة
والدنيا دول فما كان منها لك أتاك على ضعفك ، وإن قصرت في طلبه ، وما كان منها