[251]
عليك لم تدفعه بقوتك ، وسوء حمل الريبة تضع الشرف ، والحسد داء ليس له
دواء ، والشماتة تعقب ومن بر قوما بر به والندامة ( 1 ) مع السفاهة ، ودعامة العقل
الحلم ، وجماع الامر الصبر ، وخير الامور مغبة العفو ، وأبقى المودة حسن التعاهد
ومن يز رغبا يزدد حبا .
وصية أكثم بن صيفى عند موته :
جمع أكثم بنيه عند موته فقال : يابني ! إنه قد أتى علي دهر طويل
وأنا مزودكم من نفسي قبل الممات ، اوصيكم ( الله ) بتقوى الله ، وصلة الرحم
وعليكم بالبر فانه ينمى عليه العدد ، ولا يبيد عليه أصل ولا فرع وأنهاكم عن معصية
الله ، وقطيعة الرحم ، فانه لايثبت عليها أصل ولا ينبت عليها فرع كفوا ألسنتكم
فان مقتل الرجل بين فكيه ، إن قول الحق لم يدع لي صديقا .
انظروا أعناق الابل فلا تضعوها إلا في حقها فان فيها مهر الكريمة ، ورقوء
الدم ، وإياكم ونكاح الحمقاء ، فان نكاحها قذر ، وولد ضياع ، الاقتصاد في
السفر أبقى للجمام ، من لم يأس على مافاته أودع بدنه ، من قنع بما هو فيه قرت
عينه ، التقدم قبل الندم ، أصبح عند رأس الامر أحب إلي من أن أصبح عند ذنبه ( 2 )
لم يهلك من عرف قدره ، العجز عند البلاء آفة المتحمل ، لن يهلك من مالك ما
وعظك ، ويل لعالم أمن من جاهل ، الوحشة ذهاب الاعلام ، يتشابه الامر إذا أقبل
فاذا أدبر عرفه الكيس والاحمق ، والبطر عند الرخاء حمق ، وفي طلب المعالي
يكون القرب ، لاتغضبوا من اليسير فانه يجتني الكثير ، لاتجيبوا عما لاتسألوه
ولاتضحكوا مما لايضحك منه .
تباروا في الدنيا ولاتباغضوا ، الحسد في القرب فانه من يجتمع يتقعقع عمده
لينفرد بعضهم من بعض في المودة ، لاتتكلموا على القرابة فتقاطعوا ، فان القريب
________________________________________________________________
( 1 ) في المصدر ج 2 ص 262 " واللؤمة " .
( 2 ) في المصدر ج 2 ص 262 : " من أصبح عند رأس الامر ، أحب إلى ممن أصبح
عند ذنبه " .
[252]
من قرب نفسه ، وعليكم بالمال فأصلحوه فانه لايصلح الاموال إلا باصلاحكم ولا
يتكلن أحدكم على مال أخيه يرى فيه قضاء حاجته ، فانه من فعل ذلك كان
كالقابض على الماء ، ومن استغنى كرم على أهله ، وأكرموا الخيل ، نعم لهو الحرة
المغزل ، وحيلة من لاحيلة له ، الصبر .
وعاش فروة بن ثعلبة بن نفاية السلولي مائة وثلاثين سنة في الجاهلية ثم
أدرك الاسلم فأسلم .
وعاش مضاد بن حبابة بن مرارة من بني عمرو بن يربوع بن حنظلة بن زيد
مناة أربعين ومائة سنة .
وعاش قس بن ساعدة ستمائة سنة وهو الذي يقول :
هل الغيث يعطي الامر عند نزوله بحال مسيئ في الامور ومحسن
ومن قد تولى وهو قد فات ذاهب فهل ينفعني ليتني ولو أنني
وكذلك يقول لبيد :
وأخلف قسا ليتني ولو أنني وأعيا على لقمان حكم التدبر
وعاش الحارث بن كعب المذحجي ستين ومائة سنة .
قال الصدوق رحمه الله : هذه الاخبار التي ذكرتها في المعمرين قد رواها
مخالفونا أيضا من طريق محمد بن السائب الكلبي ، ومحمد بن إسحاق بن يسار ، وعوانة
ابن الحكم ، وعيسى بن يزيد بن رئاب والهيثم بن عدي الطائي ، وقد روي عن
النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : كلما كان في الامم السالفة فيكون في هذه الامة مثله حذو
النعل بالنعل والقذة بالقذة وقد صح هذا التعمير فيمن تقدم وصحت الغيبات
الواقعة بحجج الله عليهم السلام فيما مضى من القرون ، فكيف السبيل إلى إنكار القائم عليه السلام
لغيبته وطول عمره ، مع الاخبار الواردة فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الائمة عليهم السلام
وهي التي قد ذكرناها في هذا الكتاب بأسانيدها .
حدثنا علي بن أحمد الدقاق قال : حدثنا محمد بن أبي عبدالله الكوفي ، عن
[253]
موسى بن عمران النخعي ، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي ، عن غياث بن إبراهيم
عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
كل ما كان في الامم السالفة فانه يكون في هذه الامة مثله حذو النعل بالنعل و
القذة بالقذة .
ل : علي بن عبدالله الاسواري ، عن مكي بن أحمد قال : سمعت إسحاق
ابن إبراهيم الطوسي يقول : وكان قد أتى عليه سبعة وتسعون سنة على باب يحيى بن
منصور قال : رأيت سر بايك ملك الهند في بلد تسمى صوح فسألناه كم أتى عليك
من السنين قال : تسعمائة سنة وخمس وعشرون سنة وهو مسلم فزعم أن النبي صلى الله عليه وآله
أنفذ إليه عشرة من أصحابه منهم حذيفة بن يمان وعمرو بن العاص واسامة بن
زيد وأبو موسى الاشعري وصهيب الرومي وسفينة وغيرهم يدعونه إلى الاسلام
فأجاب وأسلم وقبل كتاب النبي صلى الله عليه وآله ، فقلت له : كيف تصلي مع هذا
الضعف ؟ فقال لي : قال الله عزوجل : " والذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى
جنوبهم " ( 1 ) الآية فقلت له : ماطعامك ؟ فقال لي : آكل ماء اللحم والكراث
وسألت هل يخرج منك شئ ؟ فقال : في كل اسبوع مرة شئ يسير وسألته عن
أسنانه فقال : أبدلتها عشرين مرة .
ورأيت له في اسطبله شيئا من الدواب أكبر من الفيل يقال له : زند فيل
فقلت له : ماتصنع بهذا ؟ قال : يحمل ثياب الخدم إلى القصار ، ومملكته مسيرة أربع
سنين في مثلها ، ومدينته طولها خمسون فرسخا في مثلها ، وعلى كل باب منها عسكر
مائة ألف وعشرين ألفا إذا وقع في أحد الابواب حدث ، خرجت تلك الفرقة إلى
الحرب لاتستعين بغيرها ، وهو في وسط المدينة وسمعته تقول : دخلت المغرب
فبلغت إلى الرمل : رمل عالج ، وصرت إلى قوم موسى عليه السلام فرأيت سطوح بيوتهم
مستوية ، وبيدر الطعام خارج القرية يأخذون منه القوت والباقي يتركونه هناك
وقبورهم في دورهم ، وبساتينهم من المدينة على فرسخين ، ليس فيهم شيخ ولا شيخة
________________________________________________________________
( 1 ) آل عمران : 191 .
[254]
ولم أر فيهم علة ولايعتلون إلى أن يموتوا ، ولهم أسواق إذا أراد الانسان منهم
شراء شئ صار إلى السوق فوزن لنفسه وأخذ مايصيبه وصاحبه غير حاضر وإذا أرادوا
الصلاة حضروا فصلوا وانصرفوا لايكون بينهم خصومة ولا كلام يكره إلا ذكر الله
عزوجل ، والصلاة وذكر الموت .
قال الصدوق رحمه الله : إذا كان عند مخالفينا مثل هذه الحال لسربايك
ملك الهند فينبغي أن لايحيلوا مثل ذلك في حجة الله من التعمير ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم .
بيان : ( 1 ) " وصبح ليل " عطف على الثواء قوله : " يغاديه " أي يأتيه غدوة قوله :
" وليل بعد يسري " أي بعد ذلك الصبح يسير ليلا " والشلو " بالكسر العضو و " السلو "
الصبر وقال الجوهري : الهنيدة المائة من الابل وغيرها وقال أبوعبيدة : هي اسم
لكل مائة وأنشد :
ونصر بن دهمان الهنيدة عاشها وتسعين عاما ثم قوم فانصاتا
وقال في الصاد والتاء : وقد انصات الرجل إذا استوت قامته بعد الانحناء
ثم ذكر هذا البيت والذي بعده وقال : شرخ الشباب أوله .
قوله : " رهين شئ " أي كل شئ احتاج إليه وفي بعض النسخ بالسين المهملة
وهو اللبن يكون في أطراف الاخلاف قبل نزول الدرة .
و " لدة الرجل " تربه والجمع لدات " والسبات بالضم " النوم والراحة قوله :
" حتى تخط له قبرا " لعله إشارة إلى إدراك ماقبل الجاهلية " والكهب " الجاموس
المسن و " الكهبة " بالضم بياض علته كدورة أو الدهمة أو غبرة مشربة سوادا .
وثاب الرجل يثوب ثوبا رجع بعد ذهابه أي نفعت مولى حتى يعود إلي
نفعه وجزاؤه و " البث " الحزن " والكبر " كعنب الشيخوخة أو هو كصرد جمع الكبرى
أي المصائب الكبر " ويوم مهران ويوم تستر " إشارتان إلى غزوتان مشهورتان في
الاسلام كانتا في زمن عمر " وقدني " أي حسبي " أن أبيد " أي أهلك وفي بعض النسخ
________________________________________________________________
( 1 ) ابتدأ رحمه الله بشرح الاشعار مما يتعلق بالصفحة 237 .
[255]
" وقد لي " أي وقد حان لي ( 1 ) .
وقال الجوهري : و " لبد " آخر نسور لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى
الحرم يستسقي لها فلما اهلكوا خير لقمان بين بقاء سبع بقرات ( 2 ) سمر من
أظب عفر ، في جبل وعر ، لايمسها القطر ، وبين بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر خلف
بعده نسر ، فاختار النسور فكان آخر نسوره يسمى لبدا .
وقال : " مزيقياء " لقب عمرو بن عامر ملك من ملوك اليمن زعموا أنه كان
يلبس كل يوم حلتين فيمزقهما بالعشي ويكره أن يعود فيهما ويأنف أن يلبسهما
أحد غيره .
وقال : جاء فلان يهادي بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من
ضعفه وتمايله .
و " إخماد النار " كناية عن خمول الذكر أو ذهاب البركة قوله : " فانكم
لاتلاموا " الحاصل أنكم إن بذلتم على قدر وسعكم فسيعذركم الناس ولا يلومونكم
ويبقى لكم قوة على البذل بعد ذلك ، وذلك خير من أن تسرفوا وتبذلوا جميع ما
في أيديكم وتحتاجوا إليه ويعانوكم " بالمعذرة " أي بقليل يعتذرون إليكم
في ذلك ، أو مع كونكم معذورين في السؤال لاضطراركم ، وفي بعض النسخ
" من أن تضاموا " أي من أن يظلموكم بأن يعتذروا إليكم مع قدرتهم على البذل
وعلى التقادير الاظهر " فانكم إن تلاموا " .
" ولاتجشموا " أي لاتكلفوا " أهل الدناءة " أي البخلاء والذين لم ينشأوا في
-بحار الانوار مجلد: 47 من ص 255 سطر 19 الى ص 263 سطر 18
الخير " فتقصروا بها " أي تجعلوهم مقصرين عاجزين عما طلبتم منهم والضمير راجع
إلى أهل الدناءة بتأويل الجماعة قوله : " فتبوروا " أي فتهلكوا " والازدراء " التحقير
وقوله : " ذكاء قلبه " تفسير للاصغرين " والتبسل " إظهار البسالة وهي الشجاعة وفي
بعض النسخ " وتبتلوا " والتبتل الانقطاع عن الدنيا إلى الله وقوله : " تسم إليكم
________________________________________________________________
( 1 ) لكن على هذه النسخة لايستقيم وزن الشعر وقد أضفنا اليه ما كان يحتمل نقصانه
راجع ص 239 .
( 2 ) في القاموس : " بعرات " قيل وهو الصحيح .
[256]
الابصار " من قولهم سما بصره أي علا و " القارب " السفينة الصغيرة " والشاهور " لعله
لغة في الشهر " والعرمرم " الجيش الكثير .
قوله : " وللدهر أمر مرة " أي قد يجعل الرجل أميرا وقد يجعله متهجما
عليه أو للدهر امور غريبة وتهجمات والاظهر أنه بالكسر بمعنى الشدة والامر
العجيب قوله : " ينجم " بضم الجيم أي يطلع ويظهر قوله " ويسمو به السم " السم بالضم
والكسر الاسم أي يعلو به اسم الله وكلمة التوحيد .
وقوله : " ثمان " إلى آخر البيت لعله إشارة إلى الطوائف التي يقتلهم القائم
عليه السلام أو يطيعونه وقوله : " ومن بعد هذا كر تسعون " إشارة إلى من يعود
في الرجعة قوله : " أن يفرقها الدم " لعل المعنى أن كلها يصرف في الجهاد أو أن
دم القتلى حولها يهدمها إما حقيقة أو مجازا .
وقال الجوهري : الداحس اسم فرس مشهور لقيس بن زهير بن جذيمة
العبسي ومنه حرب داحس ، وذلك أن قيسا وحذيفة بن بدر تراهنا على خطر عشرين
بعيرا وجعلا الغاية مائة غلوة والمضمار أربعين ليلة والمجرى من ذات الآصاد
فأجرى قيس داحسا والغبراء ، وأجرى حذيفة الخطار والحنفاء ، فوضعت بنو فزارة
رهط حذيفة كمينا على الطريق فردوا الغبراء ولطموها ، وكانت سابقة ، فهاجت
الحرب بين عبس وذبيان أربعين سنة .
قوله : " على العلات " أي على كل حال و " الردء " الفاسد وبنو حام : السودان
شبهت الجزر في عظمها وعظم سنامها بجبال صغار عليها بنو حام قعودا ، وأروى ام عثمان
وكان الوليد أخاه لامه .
قوله : " واقرع الارض بالعصا " أي نبه الغافل بأدنى تنبيه ليعقل ، ولا تؤذه
ولاتفضحه ، قال الجوهري قال الشاعر :
وزعمت أنا لا حلوم لنا إن العصا قرعت لذي الحلم
أي إن الحليم إذا نبه انتبه وأصله أن حكما من حكام العرب ، عاش حتى
اهتر فقال لابنته : إذا أنكرت شيئا من فهمي عند الحكم فاقرعي لي المجن بالعصا
[257]
لارتدع قال المتلمس : لذي الحلم البيت انتهى وعلى ماذكره يحتمل المراد تنبيهه
عند الغفلة .
قوله : " فان من يسمع يخل " هو من الخيال أي إذا أحضرتم سفيها فهو يتكلم
على سفاهته ، وكل من يسمع منه ، يقع في خياله شئ ويؤثر فيه .
وقال الزمخشري في مستقصى الامثال : " من يسمع يخل " أي يظن ويتهم
بقوله إذا بلغ شيئا عن رجل فاتهمه وقيل : إن من يسمع أخبار الناس ومعايبهم
يقع في نفسه المكروه عليهم أي إن المجانبة للناس أسلم ومفعولا " يخل " محذوفان
انتهى .
" والصريمة " العزيمة في الشئ " والصرم " القطع " والخلي " الخالي من الهم
والحزن خلاف الشجي والمثل معروف والمعنى أني في هم عظيم لهذا الامر الذي
أدعوكم إليه وأنتم فارغون غافلون فويل لي منكم .
قوله : " وقع القائم معه " ( 1 ) أي يصير العزيز بعد ظهور الحق ذليلا والذليل
عزيزا لان الحق يظهر عند غلبة الباطل وأهله قوله : " أن أدركه " بالفتح أي أن
أتلهف على إدراك هذا الامر فاني آئس منه أو بالكسر فيكون الجزاء محذوفا
أي على أمر إن أدركته فزت أو لهفي عليكم إن أدركته وفات عنكم .
قوله : " والعادة أملك بالادب " أي الآداب الحسنة إنما تملك باعتيادها
لتصير ملكة ، أو متابعة عادات القوم وما هو معروف بينهم أملك بالآداب والاول
أظهر .
قوله : " ورقوء الدم " قال الجزري : فيه " لاتسبوا الابل فان فيها رقوء الدم "
يقال : رقا الدمع والدم والعرق يرقأ رقوءا بالضم إذا سكن وانقطع ، والاسم
الرفوء بالفتح أي إنها تعطى في الديات بدلا من القود ويسكن بها الدم .
________________________________________________________________
( 1 ) هذا على نسخة المصنف رحمه الله ، ولايخفى عدم المناسبة بين اللفط والمعنى
والصحيح ماأثبتناه ( ص 250 ) طبقا للمصدر المطبوع والمعنى أن الحق اذا قام رفع من قام
معه وأعلاه واستنهض الصرعى حتى يجعلهم قياما والمحصل أنه اذا قام الحق صير القاعد
قائما والقائم مترفعا .
[258]
قوله : " التقدم قبل الندم " أي ينبغي أن يتقدم في الامور قبل أن يفوت ولا
يبقى إلا الندم ، قوله : " الوحشة ذهاب الاعلام " أي إنما يكون الوحشة في الطرق
عند ذهاب الاعلام المنصوبة فيها ، فكذا الوحشة بين الناس إنما يكون بذهاب
العلماء والهداة الذين هم أعلام طرق الحق .
قوله : " يكون القرب " أي من الناس أو من الله وقال الجوهري : " تقعقعت
عمدهم " أي ارتحلوا وفي المثل " من يجتمع يتقعقع عمده " كما يقال : إذا تم أمردنا نقصه .
غو : بالاسناد إلى أحمد بن فهد عن بهاء الدين علي بن عبدالحميد ، عن يحيى
ابن النجل الكوفي ، عن صالح بن عبدالله اليمني كان قدم الكوفة ، قال يحيى :
ورأيته بها سنة أربع وثلاثين وسبعمائة ، عن أبيه عبدالله اليمني وأنه كان من المعمرين
وأدرك سلمان الفارسي وأنه روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : حب الدنيا رأس
كل خطيئة ورأس العبادة حسن الظن بالله .
غو : حدثني المولى العالم الواعظ عبدالله بن فتح الله بن عبدالملك ، عن
تاج الدين حسن السرايشنوي ، عن الشيخ جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهر
قال : رويت عن مولانا شرف الدين إسحاق بن محمود اليماني القاضي بقم ، عن
خاله مولانا عماد الدين محمد بن محمد بن فتحان القمي ، عن الشيخ صدر الدين الساوي
قال : دخلت على الشيخ بابارتن وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، فرفعهما
عن عينيه ، فنظر إلي وقال : ترى عيني هاتين طالما نظرتا إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله
وقد رأيته يوم حفر الخندق ، وكان يحمل على ظهره التراب مع الناس ، وسمعته صلى الله عليه وآله
يقول في ذلك اليوم : أللهم إني أسألك عيشة هنيئة ، وميتة سوية ، ومردا غير
مخزو لافاضح .
أقول : وروى السيد علي بن عبدالحميد في كتاب الانوار المطيئة قال : روى
الجد السعيد عبدالحميد يرفعه إلى الرئيس أبي الحسن الكاتب البصري وكان من
الادباء قال : في سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة أسنت البر سنين عدة وبعثت السماء
درها في أكناف البصرة ، فتسامع العرب بذلك فوردوها من الاقطار البعيدة على
[259]
اختلاف لغاتهم ، فخرجت مع جماعة نتصفح أحوالهم ونلتمسن فائدة ربما وجدناها
عند أحدهم ، فارتفع لنا بيت عال فقصدناه فوجدنا في كسره شيخا جالسا قد سقط
حاجباه على عينيه كبرا وحوله جماعة من عبيده وأصحابه فسلمنا عليه فرد التحية
وأحسن التلقية ، فقال له رجل منا : هذا السيد وأشار إلي هو الناظر في معاملة
الدرب وهو من الفصحاء وأولاد العرب وكذلك الجماعة ما منهم إلا من ينسب إلى
قبيلة ويختص بسداد وفصاحة ، وقد خرج وخرجنا معه حين وردتم نلتمس الفائدة
المستطرفة من أحدكم وحين شاهدناك رجونا مانبغيه عندك لعلو سنك .
فقال الشيخ : والله يا بني أخي حياكم الله إن الدنيا شغلتنا عما تبغونه
مني ، فان أردتم الفائدة فاطلبوها عند أبي ، وهابيته ، وأشار إلى خباء كبير بازائه
فقصدنا البيت فوجدنا فيه شيخا متضجعا وحوله من الخدم والامر أو في مما شاهدناه
أولا فسلمنا عليه وأخبرناه بخبر ابنه فقال : يابني أخي حياكم الله إن الذي شغل
ابني عما التمستموه منه هو الذي شغلني عما هذه سبيله ولكن الفائدة تجدونها عند
والدي وها هو بيته ، وأشار إلى بيت منيف ، فقلنا فيما بيننا حسبنا من الفوائد مشاهدة
والد هذا الشيخ الفاني فان كانت منه فائدة فهي ربح لم نحتسب .
فقصدنا ذلك الخباء فوجدنا حوله عددا كثيرا من الاماء والعبيد فحين رأونا
تسرعوا إلينا وبدؤا بالسلام علينا وقالوا : ماتبغون حياكم الله ؟ فقلنا نبغي السلام
على سيدكم وطلب الفائدة من عنده ، فقالوا : الفوائد كلها عند سيدنا ودخل
منهم من يستأذن ثم خرج بالاذن لنا ، فدخلنا فاذا سرير في صدر البيت وعليه مخاد
من جانبيه ، ووسادة في أوله ، وعلى الوسادة رأس شيخ قد بلي وطار شعره ، فجهرنا
بالسلام فأحسن الرد وقال قائلنا مثل ما قال لولده ، وأعلمناه أنه أرشدنا إليك و
بشرنا بالفائدة منك .
ففتح الشيخ عينين قد غارتا في ام رأسه وقال للخدم : أجلسوني ثم قال لنا :
يابني أخي لاحدثنكم بخبر تحفظونه عني كان والدي لايعيش له ولد ويحب أن
تكون له عاقبة ، فولدت له على كبر ، ففرح بي وابتهج بموردي ثم قضى ولي
[260]
سبع سنين فكفلني عمي بعده وكان مثله في الحذر علي فدخل بي يوما على رسول
الله صلى الله عليه وآله فقال له : يارسول الله صلى الله عليه وآله إن هذا ابن أخي وقد مضى أبوه لسبيله و
أنا كفيل بتربيته وإنني أنفس به على الموت ، فعلمني عوذة أعوذه بها ليسلم ببركتها .
فقال صلى الله عليه وآله : أين أنت عن ذات القلاقل ؟ فقال : يارسول الله صلى الله عليه وآله وما ذات
القلاقل قال : أن تعوذه فتقرأ عليه سورة الجحد ، وسورة الاخلاص ، وسورة الفلق
وسورة الناس ، وأنا إلى اليوم أتعوذ بها كل غداة فما اصبت ، ولا اصيب لي مال
ولا مرضت ، ولا افتقرت ، وقد انتهى بي السن إلى ماترون ، فحافظوا عليها
واستكثروا من التعوذ بها ثم انصرفنا من عنده انتهى .
مجالس الشيخ : عن المفيد ، عن إبراهيم بن الحسن بن جمهور قال : حدثني
أبوبكر المفيد الجرجرائي في شهر رمضان سنة ست وسبعين وثلاثمائة قال : اجتمعت
مع أبي عمرو عثمان بن الخطاب بن عبدالله بن العوام بمصر في سنة ست عشر و
ثلاث مائة وقد ازدحم الناس عليه حتى رقي به إلى سطح دار كبيرة كان فيها
ومضيت إلى مكة ولم أزل أتبعه إلى مكة إلى أن كتبت عنه خمسة عشر حديثا و
ذكر أنه ولد في خلافة أبي بكر عتيق بن أبي قحافة وأنه لما كان في زمن أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب عليه السلام خرجت ووالدي معي اريد لقاءه فلما صرنا قريبا من
الكوفة أو الارض التي كان بها عطشنا عطشا شديدا في طريقنا وأشرفنا على التلف وكان
والدي شيخا كبيرا فقلت له : اجلس حتى أدور الصحراء أو البرية فلعلي أقدر
على ماء أو من يدلني عليه أو ماء مطر .
فقصدت أطلب ذلك فلم ألبث عنه غير بعيد إذ لاح لي ماء فصرت إليه فإذا
أنا ببئر شبه الركية أو الوادي فنزعت ثيباي واغتسلت من ذلك الماء وشربت حتى
رويت وقلت : أمضي وأجئ بأبي فانه قريب مني فجئت إليه فقلت : قم فقد فرج
الله عزوجل عنا وهذه عين ماء قريب منا فقام فلم نر شيئا ولم نقف على الماء و
جلس وجلست معه ولم يضطرب إلى أن مات واجتهدت إلى أن واريته وجئت إلى
مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولقيته وهو خارج إلى صفين وقد اخرجت له