[361]
قال : حدثني أبومحمد الحسن بن أحمد المكتب قال : كنت بمدينة السلام في السنة
التي توفي فيها الشيخ أبوالحسن علي بن محمد السمري قدس الله روحه فحضرته
قبل وفاته بأيام فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته :
" بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك
فيك : فانك ميت مابينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم
مقامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره
وذلك بعد طول الامد وقسوة القلب وامتلاء الارض جورا وسيأتي شيعتي من
يدعي المشاهدة ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب
مفتر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " .
قال : فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده فلما كان اليوم السادس عدنا
إليه وهو يجود بنفسه ، فقيل له : من وصيك من بعدك ؟ فقال : لله أمر هو بالغه وقضى
فهذا آخر كلام سمع منه رضي الله عنه وأرضاه .
ك : الحسن بن أحمد المكتب مثله .
8 غط : وأخبرني جماعة عن أبي عبدالله الحسين بن علي بن بابويه قال :
حدثني جماعة من أهل قم منهم علي بن بابويه قال : حدثني جماعة من أهل قم
منهم علي بن أحمد بن عمران الصفار وقريبه علوية الصفار والحسين بن أحمد بن
إدريس رحمهم الله قالوا : حضرنا بغداد في السنة التي توفي فيها أبي رضي الله عنه
علي بن الحسين بن موسى بن بابويه ، وكان أبوالحسن علي بن محمد السمري قدس الله
روحه يسألنا كل قريب عن خبر علي بن الحسين رحمه الله فنقول قد ورد الكتاب باستقلاله
حتى كان اليوم الذي قبض فيه ، فسألنا عنه فذكرنا له مثل ذلك فقال لنا : آجركم
الله في علي بن الحسين فقد قبض في هذه الساعة ، قالوا فأثبتنا تاريخ الساعة واليوم
والشهر ، فلما كان بعد سبعة عشر يوما أو ثمانية عشر يوما ورد الخبر أنه قبض
في تلك الساعة التي ذكرها الشيخ أبوالحسن قدس الله روحه .
وأخبرني الحسين بن إبراهيم ، عن أبي العباس بن نوح ، عن أبي نصر هبة الله بن
[362]
محمد الكاتب أن قبر أبي الحسن السمري رضي الله عنه في الشارع المعروف بشارع
الخلنجي من ربع باب المحول قريب من شاطئ نهر أبي عتاب وذكر أنه مات في
سنة تسع وعشرين وثلاثمائة .
9 ج : أما الابواب المرضيون والسفراء الممدوحون في زمن الغيبة فأولهم
الشيخ الموثوق به أبوعمرو عثمان بن سعيد العمري نصبه أولا أبوالحسن علي بن
محمد العسكري ثم ابنه أبومحمد الحسن بن علي عليهم السلام فتولى القيام بامورهما
حال حياتهما ، ثم بعد ذلك قام بأمر صاحب الزمان عليه السلام وكانت توقيعاته وجوابات
المسائل تخرج على يديه .
فلما مضى لسبيله قام ابنه أبوجعفر محمد بن عثمان مقامه وناب منابه في
جميع ذلك فلما مضى قام بذلك أبوالقاسم الحسين بن روح من بني نوبخت فلما
مضى قام مقامه أبوالحسن علي بن محمد السمري ولم يقم أحد منهم بذلك إلا بنص
عليه من قبل صاحب الزمان عليه السلام ونصب صاحبه الذي تقدم عليه فلم تقبل الشيعة
قولهم إلا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كل واحد منهم من قبل صاحب الامر
عليه السلام تدل على صدق مقالتهم وصحة نيابتهم .
فلما حال رحيل أبي الحسن السمري عن الدنيا وقرب أجله قيل له : إلى
من توصي ؟ أخرج توقيعا إليهم نسخته : " بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد
السمري " إلى آخر مانقلنا عن الشيخ رحمه الله .
10 غط : قد كان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات ترد عليهم
التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة منهم أبوالحسين محمد بن جعفر الاسدي
رحمه الله أخبرنا أبوالحسين بن أبي جيد القمي عن محمد بن الحسن بن الوليد
عن محمد بن يحيى العطار ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن صالح بن أبي صالح
قال : سألني بعض الناس في سنة تسعين ومأتين قبض شئ فامتنعت من ذلك وكتبت
أستطلع الرأي فأتاني الجواب : بالري محمد بن جعفر العربي فليدفع إليه فإنه
من ثقاتنا .
[363]
وروى محمد بن يعقوب الكليني ، عن أحمد بن يوسف الشاشي قال : قال لي
محمد بن الحسن الكاتب المروزى وجهت إلى حاجز الوشاء مائتي دينار وكتبت
إلى الغريم بذلك فخرج الوصول وذكر أنه كان قبلي ألف دينار وأني وجهت إليه
مائتي دينار وقال : إن أردت أن تعامل أحدا فعليك بأبي الحسين الاسدي بالرى .
فورد الخبر بوفاة حاجز رضي الله عنه بعد يومين أو ثلاثة فأعلمته بموته فاغتم فقلت
له : لاتغتم فان لك في التوقيع إليك دلالتين : إحداهما إعلامه إياك أن المال ألف
دينار ، والثانية أمره إياك بمعامة أبي الحسين الاسدي لعلمه بموت حاجز .
وبهذا الاسناد عن أبي جعفر محمد بن علي بن نوبخت قال : عزمت على الحج
وتأهبت فورد علي : نحن لذلك كارهون .
فضاق صدري واغتممت وكتبت أنا مقيم
بالسمع والطاعة غير أني مغتم بتخلفي عن الحج فوقع : لايضيقن صدرك ، فانك
تحج من قابل ، فلما كان من قابل استأذنت فورد الجواب فكتبت : أني عادلت محمد
ابن العباس وأنا واثق بديانته وصيانته فورد الجواب : الاسدي نعم العديل فان قدم
فلا تختره عليه قال : فقدم الاسدي فعادلته .
محمد بن يعقوب ، عن علي بن محمد ، عن محمد بن شاذان النيشابوري قال : اجتمع
عندي خمسمائة درهم ينقص عشرون درهما فلم احب أن تنقص هذا المقدار فوزنت
من عندي عشرين درهما ، ودفعتها إلى الاسدي ولم أكتب بخبر نقصانها وأني
أتممتها من مالي ، فورد الجواب : قد وصلت الخمسمائة التي لك فيها عشرون .
ومات الاسدي على ظاهر العدالة لم يتغير ولم يطعن عليه في شهر ربيع
الاخر سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة .
ومنهم أحمد بن إسحاق وجماعة خرج التوقيع في مدحهم : روى أحمد بن إدريس
عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن أبي محمد الرازي قال : كنت وأحمد بن أبي عبدالله
بالعسكر فورد علينا رسول من قبل الرجل فقال : أحمد بن إسحاق الاشعري وإبراهيم
ابن محمد الهمداني وأحمد بن حمزة بن اليسع ثقات .
11 ك : محمد بن الحسين بن شاذويه ، عن محمد الحميري ، عن أبيه ، عن محمد بن جعفر
[364]
عن أحمد بن إبراهيم قال : دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا اخت أبي
الحسن صاحب العسكر عليهم السلام في سنة اثنتين وستين ومأتين فكلمتها من وراء حجاب
وسألتها عن دينها فسمت لي من تأتم بهم ثم قالت : والحجة ابن الحسن بن علي
فسمته فقلت لها : جعلني الله فداك معاينة أو خبرا ؟ فقالت : خبرا عن أبي محمد كتب
به إلى امه فقلت لها : فأين الولد ؟ فقالت : مستورة ، فقلت : إلى من تفزع الشيعة ؟ فقالت :
إلى الجدة ام أبي محمد عليه السلام فقلت لها : اقتدى بمن ( في ) وصيته إلى امرأة ؟ فقالت :
اقتداء بالحسين بن علي عليه السلام والحسين بن علي أوصى إلى أخته زينب بنت علي في
الظاهر وكان ما يخرج عن علي بن الحسين عليه السلام من علم ينسب إلى زينب سترا
على علي بن الحسين عليه السلام ثم قالت : إنكم قوم أصحاب أخبار أما رويتم أن التاسع
من ولد الحسين بن علي عليه السلام يقسم ميراثه وهو في الحياة .
ك : علي بن أحمد بن مهزيار ، عن محمد بن جعفر الاسدي مثله .
غط : الكليني ، عن محمد بن جعفر مثله .
12 يج : روي عن محمد بن إبراهيم بن مهزيار قال : شككت عند وفاة
أبي محمد عليه السلام وكان اجتمع عند أبي مال جليل فحمله فركب السفينة وخرجت
معه مشيعا له فوعك فقال : ردني فهو الموت ، واتق الله في هذا المال وأوصى إلي
ومات وقلت لايوصي أبي بشئ غير صحيح أحمل هذا المال إلى العراق ولا اخبر
أحدا فان وضح لي شئ أنفذته وإلا أنفقته فاكتريت دارا على الشط وبقيت أياما
فاذا أنا برسول معه رقعة فيها : يا محمد معك كذا وكذا حتى قص علي جميع ما
معي فسلمت المال إلى الرسول وبقيت أياما لايرفع بي رأس ، فاغتممت فخرج
إلي : ( قد ) أقمناك مقام أبيك فاحمد الله .
13 عم : مما يدل على صحة إمامته عليه السلام النص عليه بذكر غيبته ، و
صفتها التي يختصها ووقوعها على الحد المذكور من غير اختلاف حتى لم يحرم منه
شيئا وليس يجوز في العادات أن تولد جماعة كثيرة كذبا يكون خبرا عن كائن
فيتفق ذلك على حسب ما وصفوه .
[365]
وإذا كانت أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجة عليه السلام بل زمان أبيه وجده
حتى تعلقت الكيسانية والناووسية والممطورة بها وأثبتها المحدثون من الشيعة في
اصولهم المؤلفة في أيام السيدين الباقر والصادق عليهما السلام وأثروها عن النبي و
الائمة عليهم السلام واحد بعد واحد صح بذلك القول في إمامة صاحب الزمان بوجود
هذه الصفة له والغيبة المذكورة ، في دلائله وأعلام إمامته ، وليس يمكن أحدا
دفع ذلك .
ومن جملة ثقات المحدثين والمصنفين من الشيعة الحسن بن محبوب الزراد
وقد صنف كتاب المشيخة الذي هو في اصول الشيعة أشهر من كتاب المزني و
أمثاله قبل زمان الغيبة بأكر من مائة سنة فذكر فيه بعض ماأوردناه من أخبار
الغيبة فوافق المخبر ، وحصل كلما تضمنه الخبر بلا اختلاف .
ومن جملة ذلك مارواه عن إبراهيم الحارثي عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام
قال : قلت له كان أبوجعفر عليه السلام يقول : لآل محمد غيبتان واحدة طويلة والاخرى
قصيرة قال : فقال لي : نعم يا أبا بصير إحداهما أطول من الاخرى ثم لا يكون
ذلك يعنى ظهوره عليه السلام حتى يختلف ولد فلان وتضيق الحلقة وتظهر السفياني
ويشتد البلاء ويشمل الناس موت وقتل ، ويلجؤون منه إلى حرم الله تعالى وحرم
رسوله صلى الله عليه وآله .
فانظر كيف قد حصلت الغيبتان لصاحب الامر عليه السلام على حسب ماتضمنه
الاخبار السابقة لوجوده عن آبائه وجدوده عليهم السلام أما غيبته القصرى منهما فهي التي
كانت سفراؤه فيها موجودين وأبوابه معروفين ، لاتختلف الامامية القائلون بإمامة
الحسن بن علي فيهم .
فمنهم أبوهاشم داود بن القاسم الجعفري ومحمد بن علي بن بلال
وأبوعمرو بن عثمان بن سعيد السمان وابنه أبوجعفر محمد بن عثمان رضي الله عنهما وعمر
الاهوازي ، وأحمد بن إسحاق وأبومحمد الوجنائي وإبراهيم بن مهزيار ومحمد بن
إبراهيم في جماعة اخر ربما يأتي ذكرهم عند الحاجة .
[366]
وكانت مدة هذه الغيبة أربعا وسبعين سنة .
أقول : ثم ذكر أحوال السفراء الاربعة نحوا مما مر .
بيان : الظاهر أن مدة زمان الغيبة من ابتداء إمامته عليه السلام إلى وفاة
السمري وهي أقل من سبعين سنة لان ابتداء إمامته عليه السلام على المشهور لثمان
خلون من ربيع الاول سنة ستين ومائتين ، ووفاة السمري في النصف من شعبان
سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة : وعلى ما ذكره في وفاة السمري تنقص سنة أيضا حيث
قال توفي في النصف من شعبان سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ولعله جعل ابتداء الغيبة
ولادته عليه السلام وذكر الولادة في سنة خمس وخمسين ومائتين فيستقيم على ماذكره
الشيخ من وفاة السمري وعلى ماذكره ينقص سنة أيضا ولعل ماذكره من تاريخ
السمري سهو من قلمه ) .
[367]
قال الشيخ قدس سره في كتاب الغيبة : أولهم المعروف بالشريعي أخبرنا
جماعة ، عن أبي محمد التلعكبري ، عن أبي علي محمد بن همام قال : كان الشريعي
يكنى بأبي محمد .
قال هارون : وأظن اسمه كان الحسن وكان من أصحاب أبي الحسن
علي بن محمد ثم الحسن بن علي بعده عليهم السلام وهو أول من ادعى مقاما لم يجعله الله
فيه ، ولم يكن أهلا له ، وكذب على الله وعلى حججه عليهم السلام ونسب إليهم مالا يليق
بهم ، وما هم من براء ، فلعنه الشيعة ، وتبرأت منه وخرج توقيع الامام بلعنه
والبراءة منه .
قال هارون : ثم ظهر منه القول بالكفر والالحاد قال : وكل هؤلاء المدعين
إنما يكون كذبهم أولا على الامام وأنهم وكلاؤه فيدعون الضعفة بهذا القول إلى
موالاتهم ثم يترقى الامر بهم إلى قول الحلاجية كما اشتهر من أبي جعفر الشلمغاني
ونظرائه عليهم جميعا لعائن الله تترى .
ومنهم محمد بن نصير النميري قال ابن نوح : أخبرنا أبونصر هبة الله بن محمد
قال : كان محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام فلما
توفي أبومحمد ادعى مقام أبي جعفر محمد بن عثمان أنه صاحب إمام الزمان وادعى
البابية ، وفضحه الله تعالى بما ظهر منه من الالحاد والجهل ، ولعن أبي جعفر محمد بن
-بحار الانوار مجلد: 47 من ص 367 سطر 19 الى ص 375 سطر 18
عثمان له وتبريه منه واحتجابه عنه وادعى ذلك الامر بعد الشريعي .
قال أبوطالب الانباري : لما ظهر محمد بن نصير بما ظهر لعنه أبوجعفر رضي
الله عنه وتبرأ منه فبلغه ذلك فقصد أبا جعفر ليعطف بقلبه عليه أو يعتذر إليه فلم يأذن
له وحجبه ورده خائبا .
[368]
وقال سعد بن عبدالله : كان محمد بن نصير النميري يدعي أنه رسول نبي وأن
علي بن محمد عليه السلام أرسله ، وكان يقول بالتناسخ ويغلو في أبي الحسن ويقول فيه
بالربوبية ، ويقول بالاجابة للمحارم وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضا في
أدبارهم ، ويزعم أن ذلك من التواضع والاخبات والتذلل في المفعول به وأنه من
الفاعل إحدى الشهوات والطيبات وأن الله عزوجل لايحرم شيئا من ذلك .
وكان محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات يقوي أسبابه ويعضده أخبرني
بذلك عن محمد بن نصير أبوزكريا يحيى بن عبدالرحمان بن خاقان أنه رآه عيانا
وغلام له على ظهره قال : فلقيته فعاتبته على ذلك فقال : إن هذا من اللذات وهو من
التواضع لله وترك التجبر .
قال سعد : فلما اعتل محمد بن نصير العلة التي توفي فيها قيل له وهو مثقل
اللسان : لمن هذا الامر من بعدك ؟ فقال بلسان ضعيف ملجلج : أحمد فلم يدر من
هو ؟ فافترقوا بعده ثلاث فرق : قالت فرقة أنه أحمد ابنه وفرقة قالت : هو أحمد بن
محمد بن موسى بن الفرات وفرقة قالت : إنه أحمد بن أبي الحسين بن بشر بن يزيد
فتفرقوا فلا يرجعون إلى شئ .
ومنهم أحمد بن هلال الكرخي قال أبوعلي بن همام : كان أحمد بن هلال
من أصحاب أبي محمد عليه السلام فاجتمعت الشيعة على وكالة أبي جعفر محمد بن عثمان رحمه الله
بنص الحسن عليه السلام في حياته ولما مضى الحسن عليه السلام قالت الشيعة الجماعة له : ألا
تقبل أمر أبي جعفر محمد بن عثمان وترجع إليه وقد نص عليه الامام المفترض الطاعة
فقال لهم : لم أسمعه ينص عليه بالوكالة ، وليس انكر أباه يعني عثمان بن سعيد
فأما أن أقطع أن أبا جعفر وكيل صاحب الزمان فلا أجسر عليه ، فقالوا : قد سمعه
غيرك ، فقال : أنتم وما سمعتم ، ووقف على أبي جعفر فلعنوه وتبرؤا منه .
ثم ظهر التوقيع على يد أبي القاسم بن روح رحمه الله بلعنه والبراءة منه
في جملة من لعن .
[369]
ومنهم أبوطاهر محمد بن علي بن بلال وقصته معروفة فيما جرى بينه وبين
أبي جعفر محمد بن عثمان العمري نضر الله وجهه وتمسكه بالاموال التي كانت عنده
للامام وامتناعه من تسليمها وادعاؤه أنه الوكيل حتى تبرأت الجماعة منه ولعنوه
وخرج من صاحب الزمان عليه السلام ماهو معروف .
وحكى أبوغالب الزراري قال : حدثني أبوالحسن محمد بن محمد بن يحيى
المعاذي قال : كان رجل من أصحابنا قد انضوى إلى أبي طاهر بن بلال بعد ماوقعت
الفرقة ثم إنه رجع عن ذلك وصار في جملتنا فسألناه عن السبب قال : كنت عند
أبي طاهر يوما وعنده أخوه أبوالطيب وابن خزر وجماعة من أصحابه إذ دخل الغلام
فقال أبوجعفر العمري على الباب ففزعت الجماعة لذلك وأنكرته للحال التي كانت
جرت وقال : يدخل ، فدخل أبوجعفر رضي الله عنه فقام له أبوطاهر والجماعة وجلس
في صدر المجلس وجلس أبوطاهر كالجالس بين يديه فأمهلهم إلى أن سكتوا .
ثم قال : يا أبا طاهر نشدتك الله أو نشدتك بالله ألم يأمرك صاحب الزمان عليه السلام
بحمل ماعندك من المال إلي ؟ فقال : اللهم نعم فنهض أبوجعفر رضي الله عنه منصرفا و
وقعت على القوم سكتة فلما تجلت عنهم قال له أخوه أبوالطيب : من أين رأيت
صاحب الزمان فقال أبوطاهر أدخلني أبوجعفر رضي الله عنه إلى بعض دوره فأشرف
علي من علو داره فأمرني بحمل ماعندي من المال إليه فقال له أبوالطيب : ومن
أين علمت أنه صاحب الزمان عليه السلام قال : وقع علي من الهيبة له ، ودخلني من
الرعب منه ماعلمت أنه صاحب الزمان عليه السلام فكان هذا سبب انقطاعي عنه .
ومنهم الحسين بن منصور الحلاج .
أخبرنا الحسين بن إبراهيم ، عن أبي العباس أحمد بن علي بن نوح ، عن
أبي نصر هبة الله بن محمد الكاتب ابن بنت ام كلثوم بنت أبي جعفر العمري قال : لما
أراد الله تعالى أن يكشف أمر الحلاج ويظهر فضيحته ويخزيه ، وقع له أن أبا سهل
ابن إسماعيل بن علي البوبختي رضي الله عنه ممن تجوز عليه مخرقته ، وتتم عليه
حيلته ، فوجه إليه يستدعيه ، وظن أن أبا سهل كغيره من الضعفاء في هذا الامر
[370]
بفرط جهله ، وقد رأى يستجره إليه فيتمخرق ويتصوف بانقياده على غيره ، فيستتب
له ما قصد إليه من الحيلة والبهرجة على الضعفة ، لقدر أبي سهل في أنفس الناس
ومحله من العلم والادب أيضا عندهم ، ويقول له في مراسلته إياه : إني وكيل
صاحب الزمان عليه السلام وبهذا أول لا كان يستجر ( الجهال ) ثم يعلو منه إلى غيره
وقد امرت بمراسلتك وإظهار ماتريده من النصرة لك ، لتقوى نفسك ، ولا ترتاب
بهذا الامر .
فأرسل إليه أبوسهل رضي الله عنه يقول لك : إني أسألك أمرا يسيرا يخف
مثله عليك في جنب ماظهر على يديك من الدلائل والبراهين ، وهو أني رجل احب
الجواري وأصبو إليهن ولي منهن عدة أتخطاهن والشيب يبعدني عنهن وأحتاج
أن أخضبه في كل جمعة وأتحمل منه مشقة شديدة لاستر عنه ذلك وإلا انكشف
أمري عندهن ، فصار القرب بعدا والوصال هجرا ، واريد أن تغنيني عن الخضاب
وتكفينى مؤنته ، وتجعل لحيتي سوداء ، فانني طوع يديك وصائر إليك ، وقائل
بقولك ، وداع إلى مذهبك ، مع مالي في ذلك من البصيرة ، ولك من المعونة .
فلما سمع ذلك الحلاج من قوله وجوابه علم أنه قد أخطأ في مراسلته و
جهل في الخروج إليه بمذهبه وأمسك عنه ولم يرد إليه جوابا ولم يرسل إليه رسولا
وصيره أبوسهل رضي الله عنه احدوثة وضحكة ويطنز به عند كل أحد ، وشهر أمره
عند الصغير والكبير ، وكان هذا الفعل سببا لكشف أمره وتنفير الجماعة عنه .
وأخبرني جماعة عن أبي عبدالله الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه أن ابن
الحلاج صار إلى قم وكاتب قرابة أبي الحسن ( والد الصدوق ) يستدعيه ويستدعي أبا الحسن
أيضا ويقول : أنا رسول الامام ووكيله ، قال : فلما وقعت المكاتبة في يد أبي رضي
الله عنه خرقها وقال لموصلها إليه : ما أفرغك للجهالات ؟ فقال له الرجل وأظن
أنه قال : إنه ابن عمته أو ابن عمه فان الرجل قد استدعانا فلم خرقت مكاتبته
وضحكوا منه وهزؤوا به ، ثم نهض إلى دكانه ومعه جماعة من أصحابه وغلمانه .