[161]


إبراهيم بن محمد الواسطي الامامي تغمده الله برحمته ، وحشره في زمرة أئمته عليهم السلام .
فتحادثت مع الشيخ الصالح المذكور متع الله المؤمنين بطول بقائه فرأيت في كلامه أمارات تدل على الفضل في أغلب العلوم من الفقه والحديث ، والعربية بأقسامها ، وطلبت منه شرح ما حدث به الرجلان الفاضلان العالمان العاملان الشيخ شمس الدين والشيخ جلال الدين الحليان المذكوران سابقا عفى الله عنهما فقص لي القصة من أولها إلى آخرها بحضور السيد الجليل السيد فخر الدين نزيل الحلة صاحب الدار ، وحضور جماعة من علماء الحلة والاطراف ، قد كانوا أتوا لزيارة الشيخ المذكور وفقه الله ، وكان ذلك في اليوم الحادي عشر من شهر شوال سنة تسع وتسعين وستمائة وهذه صورة ما سمعته من لفظه أطال الله بقاءه و ربما وقع في الالفاظ التي نقلتها من لفظة تغيير ، لكن المعاني واحدة قال حفظه الله تعالى : قد كنت مقيما في دمشق الشام ، منذ سنين ، مشتغلا بطلب العلم ، عند الشيخ الفاضل الشيخ عبدالرحيم الحنفي وفقه الله لنور الهداية في علمي الاصول و العربية ، وعند الشيخ زين الدين علي المغربي الاندلسي المالكي في علم القراءة لانه كان عالما فاضلا عارفا بالقراءات السبع وكان له معرفة في أغلب العلوم من الصرف ، والنحو ، والمنطق ، والمعاني ، والبيان ، والاصولين ( 1 ) و كان لين الطبع لم يكن عنده معاندة في البحث ولا في المذهب لحسن ذاته .
فكان إذا جرى ذكر الشيعة يقول : قال علماء الامامية .
بخلاف من المدرسين فانهم كانوا يقولون عند ذكر الشيعة : قال علماء الرافضة ، فاختصصت به وتركت التردد إلى غيره ، فأقمنا على ذلك برهة من الزمان أقرأ عليه في العلوم المذكورة .
فاتفق أنه عزم على السفر من دمشق الشام ، يريد الديار المصرية ، فلكثرة

___________________________________________________________
ص 161 ) ( 1 ) كانه يريد اصول الفقه واصول الدين ، واماما في الاصل المطبوع : الاصوليين .
فهو تصحيف .
*

[162]


المحبة التي كانت بيننا عز علي مفارقته ، وهو أيضا كذلك فآل ( 1 ) الامر إلى أنه هداه الله صمم العزم على صحبتي له إلى مصر ، وكان عنده جماعة من الغرباء مثلي ، يقرؤون عليه فصحبه أكثرهم .
فسرنا في صحبته إلى أن وصلنا مدينة بلاد مصر المعروفة بالفاخرة ، وهي أكبر من مدائن مصر كلها ، فأقام بالمسجد الازهر مدة يدرس ، فتسامع فضلاء مصر بقدومه ، فوردوا كلهم لزيارته وللانتفاع بعلومه ، فأقام في قاهرة مصر مدة تسعة أشهر ، ونحن معه على أحسن حال وإذا بقافلة قد وردت من الاندلس ومع رجل منها كتاب من والد شيخنا الفاضل المذكور يعرفه فيه بمرض شديد قد عرض له وأنه يتمنى الاجتماع به قبل الممات ، ويحثه فيه على عدم التأخير .
فرق الشيخ من كتاب أبيه وبكى ، وصمم العزم على المسير إلى جزيرة الاندلس ، فعزم بعض التلامذة على صحبته ، ومن الجملة أنا ، لانه هداه الله قد كان أحبني محبة شديدة وحسن لي المسير معه فسافرت إلى الاندلس في صحبته فحيث وصلنا إلى أول قرية من الجزيرة المذكورة ، عرضت لي حمى منعتني عن الحركة .
فحيث رآني الشيخ على تلك الحالة رق لي وبكى ، و : قال يعز علي مفارقتك ، فأعطى خطيب تلك القرية التي وصلنا إليها عشرة دراهم ، وأمره أن يتعاهدني حتى يكون مني أحد الامرين ، وإن من الله بالعافية أتبعه إلى بلده هكذا عهد إلي بذلك وفقه الله بنور الهداية إلى طريق الحق المستقيم ، ثم مضى إلى بلد الاندلس ، ومسافة الطريق من ساحل البحر إلى بلده خمسة أيام .
فبقيت في تلك القرية ثلاثة أيام لا أستطيع الحركة لشدة ما أصابني من الحمى ففي آخر اليوم الثالث فارقتني الحمى ، وخرجت أدور في سكك تلك القرية فرأيت قفلا قد وصل من جبال قريبة من شاطئ البحر الغربي يجلبون الصوف و السمن والامتعة ، فسألت عن حالهم فقيل : إن هؤلاء يجيئون من جهة قريبة من

___________________________________________________________
ص 162 ) ( 1 ) في المطبوعة : قال .
وهو تصحيف .
*

[163]


أرض البربر ، وهي قريبة من جزائر الرافضة .
فحيث سمعت ذلك منهم ارتحت إليهم ، وجذبني باعث الشوق إلى أرضهم فقيل لي : إن المسافة خمسة وعشرون يوما ، منها يومان بغير عمارة ولا ماء ، و بعد ذلك فالقرى متصلة ، فاكتريت معهم من رجل حمارا بمبلغ ثلاثة دراهم ، لقطع تلك المسافة التي لا عمارة فيها ، فلما قطعنا معهم تلك المسافة ، ووصلنا أرضهم العامرة ، تمشيت راجلا وتنقلت على اختياري من قرية إلى اخرى ( إلى ) أن وصلت إلى أول تلك الاماكن ، فقيل لي : إن جزيرة الروافض قد بقي بينك و بينها ثلاثة أيام ، فمضيت ولم أتأخر .
فوصلت إلى جزيرة ذات أسوار أربعة ، ولها أبراج محكمات شاهقات ، وتلك الجزيرة بحصونها راكبة على شاطئ البحر ، فدخلت من باب كبيرة يقال لها : باب البربر ، فدرت في سككها أسأل عن مسجد البلد ، فهديت عليه ، ودخلت إليه فرأيته جامعا كبيرا معظما واقعا على البحر من الجانب الغربي من البلد ، فجلست في جانب المسجد لاستريح وإذا بالمؤذن يؤذن للظهر ونادى بحي على خير العمل ولما فرغ دعا بتعجيل الفرج للامام صاحب الزمان عليه السلام .
فأخذتني العبرة بالبكاء ، فدخلت جماعة بعد جماعة إلى المسجد ، وشرعوا في الوضوء ، على عين ماء تحت الشجرة في الجانب الشرقي من المسجد ، وأنا أنظر إليهم فرحا مسرورا لما رأيته من وضوئهم المنقول عن أئمة الهدى عليهم السلام .
فلما فرغوا من وضوئهم وإذا برجل قد برز من بينهم بهي الصورة ، عليه السكينة والوقار ، فتقدم إلى المحراب ، وأقام الصلاة ، فاعتدلت الصفوف وراءه وصلى بهم إماما وهم به مأمومون صلاة كاملة بأركانها المنقولة عن أئمتنا عليهم السلام على الوجه المرضي فرضا ونفلا وكذا التعقيب والتسبيح ومن شدة ما لقيته من وعثاء السفر ، وتعبي في الطريق لم يمكني أن اصلي معهم الظهر .
فلما فرغوا ورأوني أنكروا علي عدم اقتدائي بهم ، فتوجهوا نحوي بأجمعهم وسألوني عن حالي ومن أين أصلي وما مذهبي ؟ فشرحت لهم أحوالي وأني

[164]




عراقي الاصل ، وأما مذهبي فانني رجل مسلم أقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله ( بالهدى ) ودين الحق ليظهره على الاديان كلها ولو كره المشركون .
فقالوا لي : لم تنفعك هاتان الشهادتان إلا لحقن دمك في دار الدنيا لم لا تقول الشهادة الاخرى لتدخل الجنة بغير حساب ؟ فقلت لهم : وماتلك الشهادة الاخرى ؟ اهدوني إليها يرحمكم الله ، فقال لي إمامهم : الشهادة الثالثة هي أن تشهد أن أميرالمؤمنين ، ويعسوب المتقين ، وقائد الغر المحجلين علي بن أبي طالب والائمة الاحد عشر من ولده أو صياء رسول الله ، وخلفاؤه من بعده بلا فاصلة ، قد أوجب الله عزو جل طاعتهم على عباده ، وجعلهم أولياء أمره ونهيه ، وحججا على خلقه في أرضه ، وأمانا لبريته ، لان الصادق الامين محمدا رسول رب العالمين صلى الله عليه واله أخبربهم عن الله تعالى مشافهة من نداء الله عزوجل له عليه السلام في ليلة معراجه إلى السماوات السبع ، وقد صار من ربه كقاب قوسين أو أدنى ، وسماهم له واحدا بعد واحد ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين .
فلما سمعت مقالتهم هذه حمدت الله سبحانه على ذلك ، وحصل عندي أكمل السرور ، وذهب عني تعب الطريق من الفرح ، وعرفتهم أني على مذهبهم ، فتوجهوا إلي توجه إشفاق ، وعينوا لي مكانا في زوايا المسجد ، وما زالوا يتعاهدوني بالعزة والاكرام مدة إقامتي عندهم ، وصار إمام مسجدهم لا يفارقني ليلا ولا نهارا .
فسألته عن ميرة بلده ( 1 ) من أين تأتي إليهم فاني لا أرى لهم أرضا مزروعة ، فقال : تأتي إليهم ميرتهم من الجزيرة الخضراء من البحر الابيض ، من جزائر أولاد الامام صاحب الامر عليه السلام ، فقلت له : كم تأتيكم ميرتكم في السنة ؟ فقال : مرتين ، وقد أتت مرة وبقيت الاخرى فقلت : كم بقي حتى تأتيكم ؟ قال : أربعة أشهر .

___________________________________________________________
ص 164 ) ( 1 ) الميرة : الطعام والارزاق .
*

[165]


فتأثرت لطول المدة ، ومكثت عندهم مقدار أربعين يوما أدعو الله ليلا ونهارا بتعجيل مجيئها ، وأنا عندهم في غاية الاعزاز والاكرام ، ففي آخريوم من الاربعين ضاق صدري لطول المدة فخرجت إلى شاطئ البحر ، أنظر إلى جهة المغرب التي ذكروا أهل البلد أن ميرتهم تأتي إليهم من تلك الجهة .
فرأيت شبحامن بعيد يتحرك ، فسألت عن ذلك الشبح أهل البلد وقلت لهم : هل يكون في البحر طير أبيض ؟ فقالوا لي : لا ، فهل رأيت شيئا ؟ قلت : نعم فاستبشرواو قالوا : هذه المراكب التي تأتي إلينا في كل سنة من بلاد أولاد الامام عليه السلام .
فما كان إلا قليل حتى قدمت تلك المراكب ، وعلى قولهم إن مجيئها كان في غير الميعاد ، فقدم مركب كبير وتبعه آخر وآخر حتى كملت سبعا ، فصعد ( 1 ) من المركب الكبير شيخ مربوع القامة ، بهي المنظر ، حسن الزي ، ودخل المسجد فتوضأ الوضوء الكامل على الوجه المنقول عن أئمة الهدى عليهم السلام ، وصلى الظهرين ، فلما فرغ من صلاته التفت نحوي مسلما علي فرددت عليه السلام فقال : ما اسمك وأظن أن اسمك علي ؟ قلت : صدقت فحادثني بالسر محادثة من يعرفني فقال : ما اسم أبيك ؟ ويوشك أن يكون فاضلا ، قلت : نعم ، ولم أكن أشك في أنه قد كان في صحبتنا من دمشق .
فقلت : أيها الشيخ ! ما أعرفك بي وبأبي ؟ هل كنت معنا حيث سافرنا من دمشق الشام إلى مصر ؟ فقال : لا ، قلت : ولا من مصر إلى الاندلس ؟ قال : لا - ومولاي صاحب العصر ، قلت له : فمن أين تعرفني باسمي واسم أبي ؟ .
قال : اعلم أنه قد تقدم إلي وصفك ، وأصلك ، ومعرفة اسمك وشخصك و هيئتك واسم أبيك ، وأنا أصحبك معي إلى الجزيرة الخضراء .
فسررت بذلك حيث قد ذكرت ولي عندهم اسم ، وكان من عدته أنه لا يقيم عندهم إلا ثلاثة أيام فأقام اسبوعا وأوصل الميرة إلى أصحابها المقررة لهم ، فلما

___________________________________________________________
ص 165 ) ( 1 ) أى صعد على الساحل .
*

[166]


أخذ منهم خطوطهم بوصول المقرر لهم ، عزم على السفر ، وحملني معه ، وسرنا في البحر .
فلما كان في السادس عشر من مسيرنا في البحر رأيت ماء أبيض فجعلت اطيل النظر إليه ، فقال لي الشيخ واسمه محمد : ما لي أراك تطيل النظر إلى هذا الماء ؟ فقلت له : إني أراه على غير لون ماء البحر .
فقال لي : هذا هو البحر الابيض ، وتلك الجزيرة الخضراء ، وهذا الماء مستدير حولها مثل السور من أي الجهات أتيته وجدته ، وبحكمة الله تعالى إن مراكب أعدائنا إذا دخلته غرقت وإن كانت محكمة ببركة مولانا وإمامنا صاحب العصر عليه السلام فاستعملته وشربت منه ، فاذا هو كماء الفرات .
ثم إنا لما قطعنا ذلك الماء الابيض ، وصلنا إلى الجزيرة الخضراء لا زالت عامرة أهله ، ثم صعدنا من المركب الكبير إلى الحزيرة ودخلنا البلد ، فرأيته محصنا بقلاع وأبراج وأسوار سبعة واقعة على شاطئ البحر ، ذات أنهار وأشجار مشتملة على أنواع الفواكه والاثمار المنوعة ، وفيها أسواق كثيرة ، وحمامات عديدة وأكثر عمارتها برخام شفاف وأهلها في أحسن الزي والبهاء فاستطار قلبي سرورا لما رأيته .
ثم مضى بي رفيقي محمد بعد مااسترحنا في منزله إلى الجامع المعظم ، فرأيت فيه جماعة كثيرة وفي وسطهم شخص جالس عليه من المهابة والسكينة والوقار مالا أقدر ( أن ) أصفه ، والناس يخاطبونه بالسيد شمس الدين محمد العالم ، ويقرؤون عليه القرآن والفقه ، والعربية بأقسامها ، واصول الدين والفقه الذي يقرؤونه عن صاحب الامر عليه السلام مسألة مسألة ، وقضية قضية ، وحكما حكما .
فلما مثلت بين يديه ، رحب بي وأجلسني في القرب منه ، وأحفى السؤال عن تعبي في الطريق وعرفني أنه تقدم إليه كل أحوالي ، وأن الشيخ محمد رفيقي إنما جاء بي معه بأمر من السيد شمس الدين العالم أطال الله بقاءه .
ثم أمرلي بتخلية موضع منفرد في زاوية من زوايا المسجد ، وقال لي : هذا

[167]


يكون لك إذا أردت الخلوة والراحة ، فنهضت ومضيت إلى ذلك الموضع ، فاسترحت فيه إلى وقت العصر ، وإذا أنا بالموكل بي قد أتى إلي وقال لي : لا تبرح من مكانك حتى يأتيك السيد وأصحابه لاجل العشاء معك ، فقلت : سمعا وطاعة .
فما كان إلا قليل وإذا بالسيد سلمه الله قد أقبل ، ومعه أصحابه ، فجلسوا ومدت المائدة فأكلنا ونهضنا إلى المسجد مع السيد لاجل صلاة المغرب والعشاء فلما فرغنا من الصلاتين ذهب السيد إلى منزله ، ورجعت إلى مكاني وأقمت على هذه الحال مدة ثمانية عشر يوما ونحن في صحبته أطال الله بقاءه .
فأول جمعة صليتها معهم رأيت السيد سلمه الله صلى الجمعة ركعتين فريضة واجبة ، فلما انقضت الصلاة قلت : يا سيدي قد رأيتكم صليتم الجمعة ركعتين فريضة واجبة ؟ قال : نعم لان شروطها المعلومة قد حضرت فوجبت فقلت في نفسي : ربما كان الامام عليه السلام حاضرا .
ثم في وقت آخر سألت منه في الخلوة : هل كان الامام حاضرا ؟ فقال : لا ولكني أنا النائب الخاص بأمر صدر عنه عليه السلام فقلت : يا سيدي وهل رأيت الامام عليه السلام ؟ قال : لا ، ولكني حدثني أبي - رحمه الله - أنه سمع حديثه ولم ير شخصه وأن جدي - رحمه الله - سمع حديثه ورأى شخصه .
فقلت له : ولم ذاك يا سيدي يختص بذلك رجل دون آخر ؟ فقال لي : يا أخي إن الله سبحانه وتعالى يؤتي الفضل من يشاء من عباده ، وذلك لحكمة بالغة وعظمة قاهرة ، كما أن الله تعالى اختص من عباده الانبياء والمرسلين ، والاوصياء المنتجبين ، وجعلهم أعلاما لخلقه ، وحججا على بريته ، ووسيلة بينهم وبينه ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة ، ولم يخل أرضه بغير حجة على عباده للطفه بهم ، ولا بد لكل حجة من سفير يبلغ عنه .
ثم إن السيد سلمه الله أخذ بيدي إلى خارج مدينتهم ، وجعل يسير معي نحو البساتين ، فرأيت فيها أنهارا جارية ، وبساتين كثيرة ، مشتملة على أنواع الفواكه ، عظيمة الحسن والحلاوة ، من العنب والرمان ، والكمثرى وغيرها

[168]


ما لم أرها في العراقين ، ولا في الشامات كلها .
فبينما نحن نسيرمن بستان إلى آخر إذ مربنا رجل بهي الصورة ، مشتمل ببردتين من صوف أبيض فلما قرب منا سلم علينا وانصرف عنا ، فأعجبتني هيئته فقلت للسيد سلمه الله : من هذا الرجل ؟ قال لي : أتنظر إلى هذا الجبل الشاهق ؟ قلت : نعم ، قال : إن في وسطه لمكانا حسنا وفيه عين جارية ، تحت شجرة ذات أغصان كثيرة ، وعندها قبة مبنية بالآجر ، وإن هذا الرجل مع رفيق له خادمان لتلك القبة ، وأنا أمضي إلى هناك في كل صباح جمعة ، وأزور الامام عليه السلام منها واصلي ركعتين ، وأجد هناك ورقة مكتوب فيها ما أحتاج إليه من المحاكمة بين المؤمنين ، فمهما تضمنته الورقة أعمل به ، فينبغي لك أن تذهب إلى هناك وتزور الامام عليه السلام من القبة .
فذهبت إلى الجبل فرأيت القبة على ما وصف لي سلمه الله ، ووجدت هناك خادمين ، فرحب بي الذي مر علينا وأنكرني الآخر فقال له : لا تنكره فاني رأيته في صحبة السيد شمس الدين العالم ، فتوجه إلي ورحب بي وحادثاني وأتيالي بخبز وعنب فأكلت وشربت من ماء تلك العين التي عند تلك القبة ، وتوضأت و صليت ركعتين .
وسألت الخادمين عن رؤية الامام عليه السلام فقالا لي : الرؤية غير ممكنة وليس معنا إذن في إخبار أحد ، فطلبت منهم الدعاء ، فدعيا لي ، وانصرفت عنهما ، ونزلت من ذلك الجبل إلى أن وصلت إلى المدينة .

-بحار الانوار مجلد: 48 من ص 168 سطر 19 الى ص 176 سطر 18 فلما وصلت إليها ذهبت إلى دار السيد شمس الدين العالم ، فقيل لي : إنه خرج في حاجة له ، فذهبت إلى دارالشيخ محمد الذي جئت معه في المركب فاجتمعت به وحكيت له عن مسيري إلى الجبل ، واجتماعي بالخادمين ، وإنكار الخادم علي فقال لي : ليس لاحد رخصة في الصعود إلى ذلك المكان ، سوى السيد شمس الدين وأمثاله ، فلهذا وقع الانكار منه لك ، فسألته عن أحوال السيد شمس الدين أدام الله إفضاله ، فقال : إنه من أولاد أولاد الامام ، وإن بينه وبين الامام عليه السلام خمسة آباء

[169]


وإنه النائب الخاص عن أمر صدر منه عليه السلام .
قال الشيخ الصالح زين الدين علي بن فاضل المازندراني المجاور بالغري على مشرفه السلام : واستأذنت السيد شمس الدين العالم ، أطال الله بقاءه في نقل بعض المسائل التي يحتاج إليها عنه ، وقراءة القرآن المجيد ، ومقابلة المواضع المشكلة من العلوم الدينية وغيرها فأجاب إلى ذلك وقال : إذا كان ولابد من ذلك فابدء أولا بقراءة القرآن العظيم .
فكان كلما قرأت شيئا فيه خلاف بين القراء أقول له : قرأ حمزة كذا ، و قرأ الكسائي كذا ، وقرأ عاصم كذا ، وأبوعمروبن كثير كذا .
فقال السيد سلمه الله : نحن لا نعرف هؤلاء ، وإنما القرآن نزل على سبعة أحرف ، قبل الهجرة من مكة إلى المدينة وبعدها لما حج رسول الله صلى الله عليه واله حجة الوداع ، نزل عليه الروح الامين جبرئيل عليه السلام ، فقال : يا محمد اتل علي القرآن حتى اعرفك أوائل السور ، و أواخرها ، وشأن نزولها ( 1 ) .
فاجتمع إليه علي بن أبي طالب ، وولداه الحسن والحسين عليهم السلام وابي بن كعب ، وعبدالله بن مسعود ، وحذيفة بن اليمان ، وجابر بن عبدالله الانصاري ، و أبوسعيد الخدري ، وحسان بن ثابت ، وجماعة رضي الله عن المنتجبين منهم ، فقرأ النبي صلى الله عليه واله القرآن من أوله إلى آخره ، فكان كلما مر بموضع فيه اختلاف بينه له جبرئيل عليه السلام ، و أميرالمؤمنين عليه السلام يكتب ذاك في درج من أدم فالجميع قراءة أميرالمؤمنين ووصي رسول رب العالمين .
فقلت له : يا سيدي أرى بعض الآيات غير مرتبطة بما قبلها ، وبما بعدها كأن فهمي القاصر ، لم يصر إلى غورية ( 2 ) ذلك .

___________________________________________________________
ص 169 ) ( 1 ) هذا وجه جمع بين الروايات الدالة على أن " القرآن نزل على سبعة أحرف " والروايات النافية لذلك المصرحة بأن " القرآن واحد ، نزل من عند الواحد ، وانما الاختلاف يجئ من قبل الرواة " .
( 2 ) كذا في الاصل المطبوع والقياس " غور ذلك " يقال غار في الامر غورا : اى دقق النظر فيه .
*

[170]


فقال : نعم ، الامر كما رأيته وذلك ( أنه ) لما انتقل سيد البشر محمد بن عبدالله من دارالفناء إلى دار البقاء وفعل صنما قريش ما فعلاه ، من غصب الخلافة الظاهرية ، جمع أميرالمؤمنين عليه السلام القرآن كله ، ووضعه في إزار وأتى به إليهم وهم في المسجد .
فقال لهم : هذا كتاب الله سبحانه أمرني رسول الله صلى الله عليه واله أن أعرضه إليكم لقيام الحجة عليكم ، يوم العرض بين يدي الله تعالى ، فقال له فرعون هذه الامة ونمرودها : لسنا محتاجين إلى قرآنك ، فقال عليه السلام : لقد أخبرني حبيبي محمد صلى الله عليه واليه بقولك هذا ، وإنما أردت بذلك إلقاء الحجة عليكم .
فرجع أميرالمؤمنين عليه السلام به إلى منزله ، وهو يقول : لا إله إلا أنت ، وحدك لا شريك لك لا راد لما سبق في علمك ، ولا مانع لما اقتضته حكمتك ، فكن أنت الشاهد لي عليهم يوم العرض عليك .
فنادى ابن أبي قحافة بالمسلمين ، وقال لهم : كل من عنده قرآن من آية أو سورة فليأت بها ، فجاءه أبوعبيدة بن الجراح ، وعثمان ، وسعد بن أبي وقاص ومعاوية بن أبي سفيان ، وعبدالرحمان بن عوف ، وطلحة بن عبيدالله ، وأبوسعيد الخدري ، وحسان بن ثابت ، وجماعات المسلمين وجمعوا هذا القرآن ، وأسقطوا ما كان فيه من المثالب التي صدرت منهم ، بعد وفاة سيدالمرسلين صلى الله عليه واله ( 1 ) فلهذا ترى الآيات غيرمرتبطة والقرآن الذي جمعه أميرالمؤمنين عليه السلام بخطه محفوظ عند صاحب الامر عليه السلام فيه كل شئ حتى أرش الخدش ، وأما هذااقرآن ، فلا شك ولا شبهة في صحته ، وإنما كلام الله سبحانه هكذا صدر عن صاحب الامر عليه السلام .
قال الشيخ الفاضل علي بن فاضل : ونقلت عن السيد شمس الدين حفظه الله مسائل كثيرة تنوب على تسعين مسألة ، وهي عندي ، جمعتها في مجلد وسميتها بالفوائد الشمسية ولا أطلع عليها إلا الخاص من المؤمنين ، وستراه إنشاء الله تعالى .

___________________________________________________________
ص 170 ) ( 1 ) يظهر من كلامه ذلك أن منشئ هذه القصة ، كان من الحشوية الذين يقولون بتحريف القرآن لفظا ، فسرد القصة على معتقداته .
*