[131]
حتى أتى على القصيدة والمنصور مسرور ، فقال سوار : إن هذا والله يا
أمير المؤمنين يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه ، والله إن القوم الذين يدين بحبهم
لغيركم ، وإنه لينطوي على عداوتكم ، فقال السيد : والله إنه لكاذب ، وإنني في
مدحتك لصادق ، وإنه حمله الحسد إذ رآك على هذه الحال ، وإن انقطاعي إليكم
ومودتي لكم أهل البيت لمعرق فينا من أبوي ، وإن هذا وقومه لاعداؤكم في
الجاهلية والاسلام ، وقد أنزل الله عزوجل على نبيه صلى الله عليه وآله في أهل بيت هذا :
" إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون " ( 1 ) .
فقال المنصور : صدقت فقال سوار : يا أمير المؤمنين إنه يقول بالرجعة ، ويتناول
الشيخين بالسب والوقيعة فيهما ، فقال السيد : أما قوله إني أقول بالرجعة ، فاني
اقول بذلك على ما قال الله تعالى " ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب
بآياتنا فهم يوزعون " ( 2 ) وقد قال في موضع آخر " وحشرناهم فلم نغادر منهم
أحدا " ( 3 ) فعلمنا أن ههنا حشرين أحدهما عام والآخر خاص ، وقال سبحانه
" ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل " ( 4 )
وقال تعالى " فأماته الله مائة عام ثم بعثه " ( 5 ) وقال تعالى " ألم تر إلى الذين
خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم " ( 6 )
فهذا كتاب الله .
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يحشر المتكبرون في صورة الذر يوم القيامة
وقال صلى الله عليه وآله : لم يجر في بني إسرائيل شئ إلا ويكون في أمتي مثله ، حتى الخسف
والمسخ والقذف ، وقال حذيفة : والله ما أبعد أن يمسخ الله عزوجل كثيرا من هذه
الامة قردة وخنازير .
فالرجعة التي أذهب إليها ما نطق به القرآآ ، وجاءت به السنة ، وإني
________________________________________________________________
( 1 ) الحجرات : 4 .
( 2 ) النمل : 83 .
( 3 ) الكهف : 47 .
( 4 ) غافر 11 .
( 5 ) البقرة : 259 .
( 6 ) البقرة : 243 .
[132]
لاعتقد أن الله عزوجل يرد هذا يعني سوارا إلى الدنيا كلبا أو قردا أو خنزيرا
أو ذرة فانه والله متجبر متكبر كافر .
قال : فضحك المنصور وأنشأ السيد يقول :
جاثيت .
سوارا أبا شملة * عند الامام الحاكم العادل
إلى آخر الابيات .
وقال رحمه الله في الكتاب المذكور : سال بعض المعتزلة شيخا من أصحابنا
الامامية ، وأنا حاضر في مجلس فيهم جماعة كثيرة من أهل النظر والمتفقهة ، فقال
له : إذا كان من قولك أن الله عزوجل يرد الاموات إلى دار الدنيا قبل الآخرة
عند القائم ، ليشفي المؤمنين كما زعمتم من الكافرين ، وينتقم لهم منهم كما فعل
ببني إسرائيل فيما ذكرتموه ، حيث تتعلقون بقوله تعالى : " ثم رددنا لكم الكرة
عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا " ( 1 ) فخبرني ما الذي
يؤمنك أن يتوب يزيد وشمر وعبدالرحمن بن ملجم ، ويرجعوا عن كفرهم وضلالهم
ويصيروا في تلك الحال إلى طاعة الامام ، فيجب عليك ولاتهم ، والقطع بالثواب
لهم ، وهذا نقض مذاهب الشيعة .
فقال الشيخ المسؤل : القول بالرجعة إنما قلته من طريق التوقيف ، وليس
للنظر فيه مجال ، وأنا لا أجيب عن هذا السؤال لانه لا نص عندي فيه ، وليس
يجوز لي أن أتكلف من غير جهة النص الجواب فشنع السائل وجماعة المعتزلة
عليه بالعجز والانقطاع .
فقال الشيخ ايده الله فأقول أنا : إن عن هذا السؤال جوابين أحدهما
أن العقل لا يمنع من وقوع الايمان ممن ذكره السائل ، لانه يكون إذ
ذاك قادرا عليه ومتمكنا منه ، ولكن السمع الوارد عن أئمة الهدى عليهم السلام
بالقطع عليهم بالخلود في النار ، والتدين بلعنهم والبراءة منهم إلى آخر الزمان
منع من الشك في حالهم ، وأوجب القطع على سوء اختيارهم فجروا في هذا
________________________________________________________________
( 1 ) أسرى : 6 .
[133]
الباب مجرى فرعون وهامان وقارون ، ومجرى من قطع الله عزوجل على
خلوده في النار ، ودل القطع على أنهم لا يختارون أبدا الايمان ممن قال الله
تعالى " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ
قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " ( 1 ) يريد إلا أن يلجئهم الله والذين قال الله
تعالى فيهم " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله
فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون " ( 2 ) .
ثم قال جل قائلا في تفصيلهم وهو يوجه القول إلى إبليس " لاملان جهنم
منك وممن تبعك منهم أجمعين " ( 3 ) وقوله تعالى " وإن عليك لعنتي إلى يوم
الدين " ( 4 ) وقوله تعالى " تبت يدا ابي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما
كسب * سيصلى نارا ذات لهب " فقطع بالنار عليه وأمن من انتقاله إلى ما يوجب
له الثواب ، واذا كان الامر على ما وصفناه ، بطل ما توهمتموه على هذا الجواب .
والجواب الآخر أن الله سبحانه إذا رد الكافرين في الرجعة لينتقم منهم
لم يقبل لهم توبة ، وجروا في ذلك مجرى فرعون لما أدركه الغرق " قال آمنت
أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين " قال الله سبحانه له
" الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين " ( 5 ) فرد الله عليه إيمانه ولم ينفعه في تلك
الحال ندمه واقلاعه ، وكأهل الآخرة الذين لا يقبل الله لهم توبة ولا ينفعهم ندم لانهم
كالملجئين إذ ذاك إلى الفعل ، ولان الحكمة تمنع من قبول التوبة أبدا ، ويوجب
اختصاص بعض الاوقات بقبولها دون بعض .
وهذا هو الجواب الصحيح ، على مذهب أهل الامامة ، وقد جاءت به آثار
متظاهرة عن آل محمد صلى الله عليه وآله فروي عنهم في قوله تعالى " يوم يأتي بعض آيات ربك
لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا
إنا منتظرون " ( 6 ) فقالوا : إن هذه الآية هو القائم عليه السلام فاذا ظهر لم يقبل توبة
________________________________________________________________
( 1 ) الانعام : 111 .
( 2 ) الانفال : 22 و 23 .
( 3 ) ص : 85 .
( 4 ) ص : 78 .
( 5 ) يونس : 90 و 91 .
( 6 ) الانعام : 158 .
[134]
المخالف ، وهذا يسقط ما اعتمده السائل .
سؤال : فان قالوا : في هذا الجواب ما أنكرتم أن يكون الله تعالى على ما
أصلتموه قد أغرى عباده بالعصيان ، وأباحهم الهرج والمرج والطغيان ، لانهم إذا
كانوا يقدرون على الكفر وأنواع الضلال ، وقد يئسوا من قبول التوبة لم يدعهم داع
إلى الكف عما في طباعهم ، ولا انزجروا عن فعل قبيح يصلون به إلى النفع العاجل
ومن وصف الله تبارك وتعالى باغراء خلقه بالمعاصي ، وإباحتهم الذنوب ، فقد
أعظم الفرية عليه .
جواب : قيل لهم : ليس الامر على ما ظننتموه ، وذل أنالدواعي لهم إلى
المعاصي ترتفع إذ ذاك ، ولا يحصل لهم داع إلى قبيح على وجه من الوجوه ولا سبب
من الاسباب لانهم يكونون قد علموا بما سلف لهم من العذاب وقت الرجعة على
خلاف أئمتهم عليهم السلام ويعلمون في الحال أنهم معذبون على ما سبق لهم من العصيان
وأنهم إن راموا فعل قبيح تزايد عليهم العقاب ، ولا يكون لهم عند ذلك طبع يدعوهم
إلى ما يتزايد عليهم به العذاب ، بل يتوفر لهم دواعي الطباع والخواطر ، كلها إلى
إظهار الطاعة ، والانتقال عن العصيان .
وان لزمنا هذا السؤال لزم جميع أهل الاسلام مثله في أهل الآخرة وحالهم
في إبطال توبتهم وكون ندمهم غير مقبول ، فمهما أجاب الموحدون لمن ألزمهم
ذلك فهو جوابنا بعينه .
سؤال آخر : وإن سألوا على المذهب الاول والجواب المتقدم ، فقالوا :
كيف يتوهم من القوم الاقامة على العناد ، والاصرار على الخلاف ، وقد عاينوا فيما
تزعمون عقاب القبور ، وحل بهم عند الرجعة العذاب على ما تزعمون أنهم مقيمون
عليه ، وكيف يصح أن يدعوهم الدواعي إلى ذلك ، ويخطر لهم في فعله الخواطر
ما أنكرتم أن تكونوا في هذه الدعوى مكابرين .
جواب : قيل لهم : يصح ذلك على مذهب من أجاب بما حكيناه من أصحابنا
بأن يقول : ان جميع ما عددتموه لا يمنع من دخول البهة عليهم في استحسان
[135]
الخلاف ، لان القوم يظنون أنهم إنما بعثوا بعد الموت تكرمة لهم ، وليلوا الدنيا
كما كانوا ، ويظنون أن ما اعتقدوه في العذاب السالف لهم كان غلطا منهم ، وإذا
حل بهم العقاب ثانية توهموا قبل مفارقة أرواحهم أجسادهم أن ذلك ليس من
طريق الاستحقاق ، وأنه من الله تعالى ، لكنه كما يكون الدول ، وكما حل
بالانبياء عليهم السلام .
ولاصحاب هذا الجواب أن يقولوا ليس ما ذكرناه في هذا الباب بأعجب من
كفر قوم موسى عليه السلام وعبادتهم العجل ، وقد شاهدوا منه الآيات ، وعاينوا ما حل
بفرعون وملائه على الخلاف ، ولا هو بأعجب من إقامة أهل الشرك على خلاف رسول
الله صلى الله عليه وآله وهم يعلمون عجزهم عن مثل ما أتى به من القرآآ ، ويشهدون معجزاته
وآياته عليه السلام ويجدون مخبرات أخباره على حقائقها من قوله تعالى " سيهزم الجمع
ويولون الدبر " ( 1 ) وقوله عزوجل : " لتدخلن المسجد الحرام إنشاء الله
آمنين " ( 2 ) وقوله عزوجل : " الم غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم
سيغلبون " ( 3 ) وما حل بهم من العقاب بسيفه عليه السلام وهلاك كل من توعده
بالهلاك ، هذا وفيمن اظهر الايمان به المنافقون ينضافون في خلافه إلى اهل الشرك
والضلال .
على أن هذا السؤال ، لا يسوغ لاصحاب المعارف من المعتزلة ، لانهم
يزعمون أن أكثر المخالفين على الانبياء كانوا من أهل العناد وأن جمهور المظهرين
الجهل بالله تعالى يعرفونه على الحقيقة ، ويعرفون أنبياءه وصدقهم ، ولكنهم في
الخلاف على اللجاجة والعناد ، فلا يمتنع أن يكون الحكم في الرجعة وأهلها على
هذا الوصف الذي حكيناه وقد قال الله تعالى : " ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا
يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدالهم ما كانوا
يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون " ( 4 ) .
________________________________________________________________
( 1 ) القمر : 45 .
( 2 ) الفتح : 27 .
( 3 ) الروم : 2 .
( 4 ) الانعام : 27 و 28 .
[136]
فأخبر سبحانه أن أهل العقاب لوردهم إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر والعناد
مع ما شاهدوا في القبور وفي المحشر من الاهوال وما ذواقوا من أليم العذاب .
وقال رحمه الله في الارشاد عند ذكر علامات ظهور القائم عليه السلام : وأموات
ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون .
وفي المسائل السروية أنه سئل الشيخ قدس الله روحه عما يروى عن مولانا
جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام في الرجعة ، وما معنى قوله : " ليس منا من لم يقل
بمتعتنا ويؤمن برجعتنا " ( 1 ) أهي حشر في الدنيا مخصوص للمؤمن أو لغيره من
الظلمة الجبارين قبل يوم القيامة .
فكتب الشيخ رحمه الله بعد الجواب عن المتعة وأما قوله عليه السلام " من لم يقل
برجعتنا فليس منا " فانما أراد بذلك ما يختصه من القول به في أن الله تعالى
يحشر قوما من أمة محمد صلى الله عليه وآله بعد موتهم قبل يوم القيامة ، وهذا مذهب يختص
به آل محمد صلى الله عليه وآله ، والقرآن شاهد به ، قال الله عزوجل في ذكر الحشر الاكبر
يوم القيامة : " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " ( 2 ) وقال سبحانه في حشر الرجعة
قبل يوم القيامة : " ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم
يوزعون " ( 3 ) فأخبر أن الحشر حشران : عام وخاص .
________________________________________________________________
( 1 ) رواه الصدوق مرسلا في الفقيه ج 2 ص 148 كما مر في ص 92 من هذا المجلد
تحت الرقم 101 ولفظه : ليس منا من لم يؤمن بكرتنا ، و [ لم ] يستحل متعتنا ، ورواه
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 136 سطر 18 الى ص 144 سطر 18
في الهداية على ما في المستدرك ج 2 ص 587 ولفظه " ليس منا من لم يؤمن برجعتنا ولم
يستحل متعتنا " .
قال الشيخ الحر العاملي في كتابه الايقاظ من الهجعة ص 300 في معنى الخبر :
" هذا الضمير للمتكلم ومعه غيره يعني ما في قوله عليه السلام : كرتنا ورجعتنا دال بطريق
الحقيقة على دخول الصادق عليه السلام في الرجعة ، ومعه جماعة من أهل العصمة عليهم السلام
أو الجميع ، ولا خلاف في وجوب الحمل على الحقيقة مع عدم القرينة " انتهى .
( 2 ) الكهف : 47 .
( 3 ) النمل : 83 .
[137]
وقال سبحانه مخبرا عمن يحشر من الظالمين أنه يقول يوم الحشر الاكبر
" ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل " ( 1 )
وللعامة في هذه الآية تأويل مردود ، وهو أن قالوا : إن المعني بقوله " ربنا
أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " أنه خلقهم أمواتا ، ثم أماتهم بعد الحياة ، وهذا
باطل لا يستمر على لسان العرب ، لان الفعل لا يدخل إلا على من كان بغير الصفة
التي انطوى اللفظ على معناها ، ومن خلقه الله أمواتا لا يقال أماته ، وإنما يقال
ذلك فيمن طرء عليه الموت بعد الحياة ، كذلك لا يقال أحيا الله ميتا إلا أن يكون
قد كان قبل إحيائه ميتا ( 2 ) وهذا بين لمن تأمله .
وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله " ربنا أمتنا اثنتين " الموتة التي تكون بعد
حياتهم في القبور لل مسألة فتكون الاولى قبل الاقبار ، والثانية بعده ، وهذا أيضا
باطل من وجه آخر وهو أن الحياة لل مسألة ليست للتكليف فيندم الانسان على ما فاته
في حاله ، وندم القوم على ما فاتهم في حياتهم المرتين يدل على أنه لم يرد حياة
المسألة لكنة أراد حياة الرجعة ، التي تكون لتكليفهم الندم على تفريطهم ، فلا
يفعلون ذلك فيندمون يوم العرض على ما فاتهم من ذلك ( 3 ) .
فصل :
والرجعة عندنا يختص بمن محض الايمان ومحض الكفر ، دون من سوى
هذين الفريقين ، فإذا أراد الله تعالى على ما ذكرناه أوهم الشياطين أعداء الله عزوجل
أنهم إنما ردوا إلى الدنيا لطغيانهم على الله ، فيزدادوا عتوا ، فينتقم الله تعالى
________________________________________________________________
غافر : 11 .
( 2 ) هذا هو الظاهر ، كما صححه ونقله الحر العاملي في كتابه الايقاظ من الهجعة
ص 59 ، وفي الاصل المطبوع : " بعد احيائه ميتا " ، وله وجه بعيد غير ظاهر .
( 3 ) ووجه آخر ، وهو أن الظاهر من قولهم تسوية الحياتين من حيث الابتلاء وصحة
الاختبار والامتحان ، وأنهم أذنبوا في كلتا الحياتين ، ولذلك قالوا : " فاعترفنا بذنوبنا "
بعد اشارتهم إلى الحياتين ، ولو كان أحد الحياتين في القبر لل مسألة لم يكن لها دخل في
مقام الاعتراف .
[138]
منهم بأوليائه المؤمنين ، ويجعل لهم الكرة عليهم ، فلا يبقى منهم إلا من هو مغموم
بالعذاب ، والنقمة والعقاب ، وتصفو الارض من الطغاة ، ويكون الدين لله تعالى .
والرجعة إنما هي لممحضي الايمان من أهل الملة ، وممحضي النفاق منهم
دون من سلف من الامم الخالية .
فصل :
وقد قال قوم من المخالفين لنا : كيف يعود كفار الملة بعد الموت إلى طغيانهم
وقد عاينوا عذاب الله تعالى في البرزخ ، وتيقنوا بذلك أنهم مبطلون ، فقلت لهم :
ليس ذلك بأعجب من الكفار الذين يشاهدون في البرزخ ما يحل بهم من العذاب
ويعلمونه ضرورة ، بعد الموافقة لهم والاحتجاج عليهم بضلالهم في الدنيا فيقولون :
" يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين " ( 1 ) فقال الله عزوجل
" بل بدالهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لمانهوا عنه وإنهم لكاذبون "
فلم يبق للمخالف بعد هذا الاحتجاج شبهة يتعلق بها فيما ذكرناه والمنة لله .
وقال السيد الشريف المرتضى رضي الله عنه وحشره مع آبائه الطاهرين في
أجوبة المسائل التي وردت عليه من بلد الري حيث سألوا عن حقيقة الرجعة ، لان
شذاذ الامامية يذهبون إلى أن الرجعة رجوع دولتهم في أيام القائم عليه السلام من
دون رجوع أجسامهم :
الجواب : اعلم أن الذي تذهب الشيعة الامامية إليه أن الله تعالى يعيد عند
ظهور إمام الزمان المهدي عليه السلام قوما ممن كان قد تقدم موته من شيعته ، ليفوزوا
بثواب نصرته ومعونته ، ومشاهدة دولته ، ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم
فيلتذوا بما يشاهدون من ظهور الحق ، وعلو كلمة أهله .
والدلالة على صحة هذا المذهب أن الذي ذهبوا إليه مما لا شبهة على عاقل
في أنه مقدور لله تعالى ، غير مستحيل في نفسه ، فانا نرى كثيرا من مخالفينا
ينكرون الرجعة إنكار من يراها مستحيلة غير مقدورة ، وإذا ثبت جواز الرجعة
________________________________________________________________
( 1 ) الانعام : 27 و 28 .
[139]
ودخولها تحت المقدور ، فالطريق إلى إثباتهاإجماع الامامية على وقوعها ، فانهم
لا يختلفون في ذلك ، وإجماعهم قد بينا في مواضع من كتبنا أنه حجة لدخول
قول الامام عليه السلام فيه ، وما يشتمل على قول المعصوم من الاقوال ، لا بد فيه من
كونه صوابا .
وقد بينا أن الرجعة لا تنافي التكليف وأن الدواعي مترددة معنا حين
لا يظن ظان أن تكليف من يعاد باطل ، وذكرنا أن التكليف كما يصح مع ظهور
المعجزات الباهرة ، والآيات القاهرة ، فكذلك مع الرجعة ، فانه ليس في جميع
ذلك ملجئ إلى فعل الواجب ، والامتناع من فعل القبيح .
فأما من تأول الرجعة في أصحابنا على أن معناها رجوع الدولة والامر
والنهي ، من دون رجوع الاشخاص وإحياء الاموات ، فان قوما من الشيعة لما
عجزوا عن نصرة الرجعة ، وبيان جوازها ، وأنها تنافي التكليف ، عولوا على هذا
التأويل للاخبار الواردة بالرجعة .
وهذا منهم غير صحيح ، لان الرجعة لم تثبت بظواهر الاخبار المنقولة
فيطرق التأويلات عليها ، فكيف يثبت ما هو مقطوع على صحته بأخبار الآحاد التي
لا توجب العلم وإنما المعول في إثبات الرجعة على إجماع الامامية على معناها
بأن الله تعالى يحيي أمواتا عند قيام القائم عليه السلام من أوليائه وأعدائه على ما بيناه
فكيف يطرق التأويل على ما هو معلوم فالمعنى غير محتمل انتهى .
وقال السيد ابن طاوس نور الله ضريحه في كتاب الطرائف : روى مسلم في صحيحه
في أوائل الجزء الاول باسناده إلى الجراح بن مليح قال : سمعت جابرا يقول :
عندي سبعون ألف حديث ، عن ابي جعفر محمد الباقر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله تركوها
كلها ( 1 ) ثم ذكر مسلم في صحيحه باسناده إلى محمد بن عمر الرازي قال : سمعت
________________________________________________________________
( 1 ) راجع صحيح مسلم ج 1 ص 13 و 14 ، باب وجوب الرواية عن الثقات
وترك الكذابين ، ولفظه : " عندي سبعون الف حديث عن أبي جعفر عن النبي صلى الله عليه
وآله كلها " وروى عن زهير وسلام بن أبي مطيع عن جابر الجعفي يقول : عندي خمسون
ألف حديث عن النبي صلى الله عليه وآله .
[140]
حريزا يقول : لقيت جابر بن يزيد الجعفي فلم أكتب عنه لانه كان يؤمن بالرجعة .
ثم قال : انظر رحمك الله كيف حرموا أنفسهم الانتفاع برواية سبعين ألف
حديث عن نبيهم صلى الله عليه وآله برواية ابي جعفر عليه السلام الذي هو من أعيان أهل بيته الذين
أمرهم بالتمسك بهم .
ثم وإن أكثر المسلمين أو كلهم قد رووا إحياء الاموات في الدنيا وحديث
إحياء الله تعالى الاموات في القبور لل مسألة ، وقمد تقدمت روايتهم عن أصحاب
الكهف وهذا كتابهم يتضمن " الم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف
حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم " ( 1 ) والسبعون الذين اصابتهم الصاعقة مع
موسى عليه السلام وحديث العزير عليه السلام ومن أحياه عيسى بن مريم عليهما السلام وحديث جريج
الذي أجمع على صحته ايضا وحديث الذين يحييهم الله تعالى في القبور لل مسألة .
فأي فرق بين هؤلاء وبين ما رواه أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم من الرجعة
واي ذنب كان لجابر في ذلك حتى يسقط حديثه .
وقال رحمه الله أيضا في كتاب سعد السعود قال : الشيخ في تفسيره التبيان
عند قوله تعالى " ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون " ( 2 ) استدل بهذه الآية
قوم من اصحابنا على جواز الرجعة ، فان استدل بها على جوازها كان صحيحا
لان من منع منه وأحاله فالقرآن يكذبه ، وإن استدل به على وجوب الرجعة
وحصولها فلا .
ثم قال السيد رحمه الله اعلم أن الذين قال رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم أني
مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض
لا يختلفون في إحياء الله جل جلاله قوما بعد مماتهم في الحياة الدنيا من هذه الامة
تصديقا لما روى المخالف والمؤالف عن صاحب النبوة صلى الله عليه وآله :
أما المخالف فروى الحيمدي في الجمع بين الصحيحين عن أبي سعيد الخدري
قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وآله لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى
________________________________________________________________
( 1 ) البقرة : 243 .
( 2 ) البقرة : 56 .