[ 11 ]
وعدد اصحابه عليه السلام حينئذ ستة واربعون الفا من الملائكة وستة آلاف من الجن
وفي رواية أخرى : ومثلها من الجن بهم ينصره الله ويفتح على يديه .
قال المفضل : فما يصنع بأهل مكة ؟ قال : يدعوهم بالحكمة والموعظة
الحسنة ، فيطيعونه ويستخلف فيهم رجلا من أهل بيته ، ويخرج يريد المدينة .
قال المفضل : يا سيدي فما يصنع بالبيت ؟ قال : ينقضه فلا يدع منه إلا
القواعد التي هي أول بيت وضع للناس ببكة في عهد آدم عليه السلام والذي رفعه إبراهيم
وإسماعيل عليهما السلام منها وإن الذي بني بعدهما لم يبنه نبي ولا وصي ، ثم يبنيه كما
يشاء الله وليعفين آثار الظالمين بمكة والمدينة والعراق وسائر الاقاليم ، وليهدمن
مسجد الكوفة ، وليبنيه على بنيانه الاول ، وليهدمن القصر العتيق ، ملعون ملعون
من بناه .
قال المفضل : يا سيدي يقيم بمكة ؟ قال : لا يا مفضل بل يستخلف منها
رجلا من أهله ، فإذا سار منها وثبوا عليه فيقتلونه ، فيرجع إليهم فيأتونه مهطعين
مقنعي رؤسهم يبكون ويتضرعون ، ويقولون : يا مهدي آل محمد التوبة التوبة
فيعظهم وينذرهم ، ويحذرهم ، ويستخلف عليهم منهم خليفة ويسير ، فيثبون عليه بعده
فيقتلونه فيرد إليهم أنصاره من الجن والنقباء ويقول لهم : ارجعوا فلا تبقوا منهم
بشرا إلا من آمن ، فلولا أن رحمة ربكم وسعت كل شئ وأنا تلك الرحمة
لرجعت إليهم معكم ، فقد قطعوا الاعذار بينهم وبين الله ، وبيني وبينهم ، فيرجعون
إليهم ، فوالله لا يسلم من المائة منهم واحد لا والله ولا من الف واحد .
قال المفضل : قلت : يا سيدي فأين تكون دار المهدي ، ومجتمع المؤمنين ؟
قال : دار ملكه الكوفة ، ومجلس حكمه جامعها ، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين
مسجد السهلة ، وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريين .
قال المفضل : يا مولاي كل المؤمنين يكونون بالكوفة ؟ قال : إي
والله لا يبقى مؤمن إلا كان بها أو حواليها ، وليبلغن مجالة فرس منها ألفي درهم
وليودن أكثر الناس أنه اشترى شبرا من ارض السبع بشبر من ذهب ، والسبع
[ 12 ]
خطة من خطط همدان ، وليصيرن الكوفة أربعة وخمسين ميلا وليجاورن قصورها
كربلا ، وليصيرن الله كربلاء معقلا ومقاما تختلف فيه الملائكة والمؤمنون وليكونن
لها شأن من الشاآ ، وليكونن فيها من البركات ما لو وقفم مؤمن ودعا ربه بدعوة
لاعطاه الله بدعوته الواحدة مثل ملك الدنيا ألف مرة .
ثم تنفس أبوعبدالله عليه السلام وقال : يا مفضل إن بقاع الارض تفاخرت :
ففخرت كعبة البيت الحرام ، على بقعة كربلا ، فأوحى الله إليها أن اسكتي كعبة
البيت الحرام ، ولا تفتخري على كربلا ، فانها البقعة المباركة التي نودي موسى
منها من الشجرة ، وإنها الربوة التي أويت إليها مريم والمسيح وإنها الدالية ( 1 )
التي غسل فيها رأس الحسين عليه السلام وفيها غسلت مريم عيسى عليه السلام واغتسلت من ولادتها
وإنها خير بقعة عرج رسول الله صلى الله عليه وآله منها وقت غيبته ، وليكونن لشيعتنا فيها خيرة
إلى ظهور قائمنا عليه السلام .
قال المفضل : يا سيدي ثم يسير المهدي إلى أين ؟ قال عليه السلام : إلى مدينة
جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ، فإذا وردها كان فه فيها مقام عجيب يظهر فيه سرور المؤمنين
وخزي الكافرين .
قال المفضل : يا سيدي ماهو ذاك ؟ قال : يرد إلى قبر جده صلى الله عليه وآله فيقول :
يامعاشر الخلائق ، هذا قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فيقولون : نعم يا مهدي آل محمد
فيقول : ومن معه في القبر ؟ فيقولون : صاحباه وضجيعاه أبوبكر وعمر ، فيقول وهو
أعلم بهما والخلائق كلهم جميعا يسمعون : من أبوبكر وعمر ؟ وكيف دفنا من بين
الخلق مع جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعسى المدفون غيرهما .
فيقول الناس : يا مهدي آل محمد صلى الله عليه وآله ما ههنا غيرهما إنهما دفنا معه لانهما
خليفتا رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوا زوجتيه ، فيقول للخلق بعد ثلاث : أخرجوهما
من قبريهما ، فيخرجان غضين طريين لم يتغير خلقهما ، ولم يشحب لونهما
________________________________________________________________
( 1 ) الدالية المنجنون يديره الثور ، والناعورة يديرها الماء .
وكأنه يريد ماء
الفرات .
[ 13 ]
فيقول : هل فيكم من يعرفهما ؟ فيقولون : نعرفهما بالصفة وليس ضجيعا جدك
غيرهما ، فيقول : هل فيكم أحد يقول غير هذا أو يشك فيهما ؟ فيقولن : لا
فيؤخر إخراجهما ثلاثة ايام ، ثم ينتشر الخبر في الناس ويحضر المهدي ويكشف
الجدران عن القرين ، ويقول للنقباء : ابحثوا عنهما وانبشوهما .
فيبحثون بأيديهم حتى يصلون إليهما .
فيخرجان غضين طريين كصورتهما
فيكشف عنهما أكفانهما ويأمر برفعهما على دوحة يابسة نخرة فيصلبهما عليها ، فتحيى
الشجرة وتورق ويطول فرعها ( 1 ) .
فيقول المرتابون من أهل ولايتهما : هذا والله الشرف حقا ، ولقد فزنا
بمحبتهما وولايتهما ، ويخبر من أخفى نفسه ممن في نفسه مقياس حبة من محبتهما
وولايتهما ، فيحضرونهما ويرونهما ويفتنون بهما وينادي منادي المهدي عليه السلام : كل
من أحب صاحبي رسول الله صلى الله عليه وآله وضجيعيه ، فلينفرد جانبا ، فتتجزء الخلق جزئين
أحدهما موال والآخر متبرئ منهما .
فيعرض المهدي عليه السلام على أوليائهما البراءة منهما فيقولون : يا مهدي آل
رسول الله صلى الله عليه وآله نحن لم نتبرأ منهما ، ولسنا نعلم أن لهما عند الله وعندك هذه
المنزلة ، وهذا الذي بدالنا من فضلهما ، أنتبرأ الساعة منهما وقد رأينا منهما ما رأينا
في هذا الوقت ؟ من نضارتهما وغضاضتهما ، وحياة الشجرة بهما ؟ بل والله نتبرأ منك
وممن آمن بك ومن لا يؤمن بهما ، ومن صلبهما ، وأخرجهما ، وفعل بهما ما فعل
فيأمر المهدي عليه ريحا سوداء فتهب عليهم فتجعلهم كأعجاز نخل خاوية .
ثم يأمر بانزالهما فينزلا إليه فيحييهما باذن الله تعالى ويأمر الخلائق
بالاجتماع ، ثم يقص عليهم قصص فعالهما في كل كور ودور ( 2 ) حتى يقص عليهم
________________________________________________________________
قد مر في ج 52 باب 24 أحاديث في ذلك مع ضعف اسنادها ، ولكن كاتب
هذا الحديث أبرزها بصورة قصصية تأباه سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا .
( 2 ) كأن قاص هذا الخبر كان يقول بالكور والدور وأن كل رجل يعيش في دار
الدنيا في كل كور ودور فيكون عيشه في دار الدنيا مرات عديدة ، ولذلك يستحثهما بالسؤال
عن الافعال التي صدرت منهما في تلك الاكوار والادوار .
[ 14 ]
قتل هابيل بن آدم عليه السلام ، وجمع النار لابراهيم عليه السلام ، وطرح يوسف عليه السلام في
الجب ، وحبس يونس عليه السلام في الحوت ، وقتل يحيى عليه السلام ، وصلب عيسى عليه السلام
وعذاب جرجيس ودانيال عليهما السلام ، وضرب سلمان الفارسي ، وإشعال النار ( 1 ) على
باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام لاحراقهم بها ، وضرب يد
الصديقة الكبرى فاطمة بالسوط ، ورفس بطنها وإسقاطها محسنا ، وسم الحسن عليه السلام
وقتل الحسين عليه السلام ، وذبح أطفاله وبني عمه وأنصاره ، وسبي ذراري رسول الله صلى الله عليه وآله
وإراقة دماء آل محمد صلى الله عليه وآله ، وكل دم سفك ، وكل فرج نكح حراما ، وكل
رين وخبث وفاحشة وإثم وظلم وجور وغشم منذ عهد آدم عليه السلام إلى وقت قيام
قائمنا عليه السلام كل ذلك يعدده عليه السلام عليهما ، ويلزمهما إياه فيعترفان به ثم يأمر
بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت بمظالم من حضر ، ثم يصلبهما على الشجرة و
يأمر نارا تخرج من الارض فتحرقهما والشجرة ثم يأمر ريحا فتنسفهما في اليم نسفا .
قال المفضل : يا سيدي ذلك آخر عذابهما ؟ قال : هيهات يا مفضل والله
ليردن وليحضرن السيد الاكبر محمد رسول الله صلى الله عليه وآله والصديق الاكبر أمير المؤمنين
وفاطمة والحسن والحسين والائمة عليهم السلام وكل من محض الايمان محضا أو محض
الكفر محضا ، وليقتصن منهما لجميعهم حتى أنهما ليقتلان في كل يوم وليلة ألف
قتلة ، ويردان إلى ما شاء ربهما .
ثم يسير المهدي عليه السلام إلى الكوفة وينزل ما بين الكوفة والنجف ، وعنده
أصحابه في ذلك اليوم ستة وأربعون ألفا من الملائكة وستة آلاف من الجن ، والنقباء
ثلاثمائة وثلاثة عشر نفسا .
قال المفضل : يا سيدي كيف تكون دار الفاسقين في ذلك الوقت ؟ قال : في لعنة
الله وسخطه تخربها الفتن وتتركها جماء فالويل لها ولمن بها كل الويل من الرايات
الصلر ، ورايات المغرب ، ومن يجلب الجزيرة ومن الرايات التي تسير إليها من
كل قريب أو بعيد .
________________________________________________________________
( 1 ) ذكره ابن قتيبة في كتابه الامامة والسياسة فراجع .
[ 15 ]
والله لينزلن بها من صنوف العذاب مانزل بسائر الامم المتمردة من أول
الدهر إلى آخره ، ولينزلن بها من العذاب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت بمثله
ولا يكون طوفان أهلها إلا بالسيف ، فالويل لمن اتخذ بها مسكنا فان المقيم بها
يبقى لشقائه ، والخارج منها برحمة الله .
والله ليبقى من أهلها في الدنيا حتى يقال : إنها هي الدنيا ، وإن دورها
وقصورها هي الجنة ، وإن بناتهاهن الحور العين ، وإن ولدانها هم الولدان
وليظنن أن الله لم يقسم رزق العباد إلا بها ، وليظهرن فيها من الامراء على الله
وعلى رسوله صلى الله عليه وآله ، والحكم بغير كتابه ، ومن شهادات الزور ، وشرب الخمور
و [ إتيان ] الفجور ، وأكل السحت وسفك الدماء ما لايكون في الدنيا كلها إلا
دونه ، ثم ليخربها الله بتلك الفتن وتلك الرايات ، حتى ليمر عليها المار فيقول :
ههنا كانت الزوراء .
ثم يخرج الحسني الفتى الصبيح الذي نحو الديلم ! يصيح بصوت له فصيح
يا آل أحمد أجيبوا الملهوف ، والمنادي من حول الضريح فتجيبه كنوز الله يا لطالقان
كنوز وأي كنوز ، ليست من فضة ولا ذهب ، بل هي رجال كزبر الحديد ، على
البراذين الشهب ، بأيديهم الحراب ، ولم يزل يقتل الظلمة حتى يرد الكوفة
وقد صفا أكثر الارض ، فيجعلها له معقلا .
فيتصل به وبأصحابه خبر المهدي عليه السلام ، ويقولون : يا ابن رسول الله من هذا
الذي قد نزل بساحتنا ، فيقول : اخرجوا بنا إليه حتى ننظر من هو ؟ وما يريد ؟
وهو والله يعلم أنه المهدي ، وأنه ليعرفه ، ولم يرد بذلك الامر إلا ليعرف أصحابه
من هو ؟
فيخرج الحسني فيقول : إن كنت مهدي آل محمد فأين هراوة جدك رسول
الله صلى الله عليه وآله وخاتمه ، وبردته ، ودرعه الفاضل ، وعمامته السحاب ، وفرسه اليربوع
وناقته العضباء ، وبغلته الدلدل ، وحماره اليعفور ، ونجيبه البراق ، ومصحف
أمير المؤمنين عليه السلام ؟ فيخرج له ذلك ثم يأخذ الهراوة فيغرسها في الحجر الصلد
[ 16 ]
وتورق ، ولم يرد ذلك إلا أن يري أصحابه فضل المهدي عليه السلام حتى يبايعوه .
فيقول الحسني : الله أكبر مد يدك يا ابن رسول الله حتى نبايعك فيمد يده
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 16 سطر 3 الى ص 24 سطر 3
فيبايعه ويبايعه سائر العسكر الذي مع الحسني إلا أربعين ألفا اصحاب المصاحف
المعرفون بالزيدية ، فانهم يقولون : ما هذا إلا سحر عظيم .
فيختلط العسكران فيقبل المهدي عليه السلام على الطائفة المنحرفة ، فيعظهم ويدعوهم
ثلاثة ايام ، فلا يزدادون إلا طغيانا وكفرا ، فيأمر بقتلهم فيقتلون جميعا ثم يقول
لاصحابه : لا تأخذوا المصاحف ، ودعوها تكون عليهم حسرة كما بدلوها وغيروها
وحرفوها ولم يعملوا بما فيها .
قال المفضل : يا مولاي ثم ماذا يصنع المهدي ؟ قال : يثور سرايا ( 1 ) على
السفياني إلى دمشق ، فيأخذونه ويذبحونه على الصخرة .
ثم يظهر الحسين عليه السلام في اثني عشر ألف صديق واثنين وسبعين رجلا اصحابه
يوم كربلا ، فيالك عندها من كرة زهراء بيضاء .
ثم يخرج الصديق الاكبر أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وينصب له
القبة بالنجف ، ويقام أركانها : ركن بالنجف ، وركن بهجر ، وركن بصنعا ، وركن
بأرض طيبة ، لكأني أنظر إلى مصابيحه تشرق في السماء والارض ، كاضواء من
الشمس والقمر ، فعندها تبلى السرائر ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت ( 2 ) إلى
آخر الآية .
ثم يخرج السيد الاكبر محمد رسول الله صلى الله عليه ونله في أنصاره والمهاجرين ، ومن
آمن به وصدقه واستشهد معه ، ويحضر مكذبوه والشاكون فيه والرادون عليه
والقائلون فيه أنه ساحر وكاهن ومجنون ، وناطق عن الهوى ، ومن حاربه وقاتله
حتى يقتص منهم بالحق ، ويجازون بأفعالهم منذ وقت ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى
________________________________________________________________
( 1 ) في الاصل المطبوع : " يثور سرابا " فتحرر .
( 2 ) وبعده : وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن
عذاب الله شديد ، الحج : 2 .
[ 17 ]
ظهور المهدي مع إمام إمام ، ووقت وقت ، ويحق تأويل هذه الآية " ونريد أن
نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم
في الارض ، ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " ( 1 ) .
قال المفضل : يا سيدي ومن فرعون وهامان ؟ قال : أبوبكر وعمر .
قال المفضل : قلت : يا سيدي ورسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما
يكونان معه ؟ فقال : لا بد أن يطآ الارض إي والله حتى ما وراء الخاف ، إي والله
وما في الظلمات ، وما في قعر البحار ، حتى لا يبقى موضع قدم إلا وطئا وأقاما
فيه الدين الواجب لله تعالى .
ثم لكأني أنظر يا مفضل إلينا معاشر الائمة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله
نشكوا إليه ما نزل بنا من الامة بعده ، وما نالنا من التكذيب والرد علينا وسبينا
ولعننا وتخويفنا بالقتل ، وقصد طواغيتهم الولاة لامورهم من دون الامة بترحيلنا
عن الحرمة إلى دار ملكهم ، وقتلهم إيانا بالسم والحبس ، فيبكي رسول الله صلى الله عليه وآله
ويقول : يا بني ما نزل بكم إلا ما نزل بجدكم قبلكم .
ثم تبتدئ فاطمة عليها السلام وتشكو ما نالها من أبي بكر وعمر ، وأخذ فدك منها
ومشيها إليه في مجمع من المهاجرين والانصار ، وخطابها له في أمر فدك ، وما رد
عليها من قوله : إن الابياء لا تورث ، واحتجاجها بقول زكريا ويحيى عليهما السلام وقصة
داود وسليمان عليهما السلام .
وقول عمر : هاتي صحيفتك التي ذكرت أن أباك كتبها لك وإخراجها الصحيفة
وأخذه إياها منها ، ونشره لها على رؤس الاشهاد من قريش والمهاجرين والانصار
و ؟ العرب وتفله فيها ، وتمزيقه إياها وبكائها ، ورجوعها إلى قبر أبيها رسول
الله صلى الله عليه وآله باكية حزينا تمشي على الرمضاء قد أقلقتها ، واستغاثتها بالله وبأبيها رسول
الله صلى الله علهى وآله ونثلها بقول رقيقة بنت صيفي ( 2 ) :
________________________________________________________________
( 1 ) القصص : 5 و 6 .
( 2 ) في الاصل المطبوع : " رقية " والصحيح ما في الصلب عنونها الجزرى في
[ 18 ]
قد كان بعدك وهنبثة * لو كانت شاهدها لم يكبر الخطب
إنا فقدناك فقد الارض وابلها * واختل أهلك فاشهدهم فقد لعبوا
أبدت رجال لنا فحوى صدورهم * لما نأيت وحالت دونك الحجب
لكل قوم لهم قرب ومنزلة * عند الاله على الادنين مقترب
يا ليت قبلك كان الموت حل بنا * أملوا أناس ففازوا بالذي طلبوا
وتقص عليه قصة أبي بكر وإنفاذه خالد بن الوليد وقنفذا وعمر بن الخطاب
وجمعه الناس لاخراج أمير المؤمنين عليه السلام من بيته إلى البيعة في سقيفة بني ساعدة
واشتغال أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفات رسول الله صلى الله عليه وآله بضم أزواجه وقبره وتعزيتهم
وجمع القرآن وقضاء دينه ، وإنجاز عداته ، وهي ثمانون ألف درهم ، باع فيها تليده
وطارفه وقضاها عن رسول الله صلى الله عليه وآله .
وقول عمر : اخرج يا علي إلى ما أجمع عليه المسلمون وإلا قتلناك ، وقول
فضة جارية فاطمة : إن أمير المؤمنين عليه السلام مشغول والحق له إن أنصفتم من أنفسكم
وأنصفتموه ، وجمعهم الجزل والحطب على الباب لاحراق بيت أمير المؤمنين وفاطمة
والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضة ، وإضرامهم النار على الباب ، وخروج
فاطمة إليهم وخطابها لهم من وراء الباب .
وقولها : ويحك يا عمر ما هذه الجرأة على الله وعلى رسوله ؟ تريد أن تقطع
نسله من الدنيا وتفنيه وتطفئ نور الله ؟ والله متم نوره ، وانتهاره لها .
وقوله : كفي يا فاطمة فليس محمد حاضرا ولا الملائكة آتية بالامر والنهي
والزجر من عند الله ، وما علي إلا كأحد المسلمين فاختاري إن شئت خروجه لبيعة
أبي بكر أو إحراقكم جميعا .
________________________________________________________________
اسد الغابة ج 5 ص 454 وقال بنت صيفي بن هاشم بن عبد مناف ، وعنونها في الاصابة ج 4
ص 296 وقال " رقيقة " : بقافين مصغرة بنت ابي صيفى بن هاشم بن عبدالمطلب .
ولكن
نسب الاشعار أبوبكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتابه السقيفة باسناده عن عمر بن
شبة إلى هند ابنة أثاثة راجع كشف الغمة ج 2 ص 49 ، وفيها اختلاف .
[ 19 ]
فقالت وهي باكية : اللهم إليك نشكو فقد نبيك ورسولك وصفيك ، وارتداد
أمته علينا ، ومنعهم إيانا حقنا الذي جعلته لنا في كتابك المنزل على نبيك المرسل .
فقال لها عمر : دعي عنك يا فاطمة حمقات النساء ، فلم يكن الله ليجمع لكم
النبوة والخلافة ، وأخذت النار في خشب الباب .
وإدخال قنفذ يده لعنه الله يروم فتح الباب ، وضرب عمر لها بالسوط على
عضدها ، حتى صار كالدملج الاسود ، وركل الباب برجله ، حتى اصاب بطنها و
هي حاملة بالمحسن ، لستة أشهر وإسقاطها إياه .
وهجوم عمر وقنفذ وخالد بن الوليد وصفقه خدها حتى بدا قرطاها تحت
خمارها ، وهي تجهر بالبكاء ، وتقول : واأبتاه ، واسرسول الله ، ابنتك فاطمة تكذب
وتضرب ، ويقتل جنين في بطنها .
وخروج أمير المؤمنين عليه السلام من داخل الدار محمر العين حاسرا ، حتى ألقى
ملاءته عليها ، وضمها إلى صدره وقوله لها : يا بنت رسول الله قد علمتي أن أباك بعثه
الله رحمة للعالمين ، فالله الله أن تكشفي خمارك ، وترفعي ناصيتك ، فوالله يا فاطمة
لئن فعلت ذلك لا ابقى الله على الارض من يشهد أن محمدا رسول الله ولا موسى ولا
عيسى ولا إبراهيم ولا نوح ولا ندم ، [ ولا ] دابة تمشي على الارض ولا طائرا في
السماء إلا أهلكه الله .
ثم قال : يا ابن الخطاب لك الويل من يومك هذا وما بعده وما يليه اخرج
قبل أن اشهر سيفي فافني غابر الامة .
فخرج عمر وخالد بن الوليد وقنفذ وعبدالرحمن بن أبي بكر فصاروا من
خارج الدار ، وصاح أمير المؤمنين بفضة يا فضة مولاتك فاقبلي منها ما تقبله النساء
فقد جاءها المخاض من الرفسة ورد الباب ، فأسقطت محسنا فقال أمير المؤمنين
عليه السلام : فانه لاحق بجده رسول صلى الله عليه وآله فيشكو إليه .
وحمل أمير المؤمنين لها في سواد الليل والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم
إلى دور المهاجرين والانصار ، يذكرهم بالله ورسوله ، وعهده الذي بايعوا الله
[ 20 ]
ورسوله ، وبايعوه عليه في أربعة مواطن في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ( 1 ) وتسليمهم عليه
بامرة المؤمنين في جميعها ، فكل يعده بالنصر في يومه المقبل ، فاذا اصبح قعد جميعهم
عنه ثم يشكو إليه أمير المؤمنين عليه السلام المحن العظيمة التي امتحن بها بعده .
وقوله لقد كانت قصتي مثل قصة هارون مع بني إسرائيل وقولي كقوله
لموسى " يابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الاعداء ولا
تجعلني مع القوم الظالمين " ( 2 ) فصبرت محتسبا وسلمت راضيا وكانت الحجة
عليهم في خلائي ، ونقضهم عهدي الذي عاهدتهم عليه يا رسول الله .
واحتملت يا رسول الله ما لم يحتمل وصي نبي من سائر الاوصياء من سائر
الامم حتى قتلوني بضربة عبدالرحمن بن ملجم ، وكان الله الرقيب عليهم في
نقضهم بيعتي .
وخروج طلحة والزبير بعائشة إلى مكة يظهران الحج والعمرة وسيرهم
بها إلى البصرة ، وخروجي إليهم وتدكيري لهم الله وإياك ، وما جئت به يا رسول
الله ، فلم يرجعا حتى نصرني الله عليهما حتى أهرقت دماء عشرين الف من المسلمين
وقطعت سبعون كفا على زمام الجمل ، فما لقيت في غزواتك يا رسول الله وبعدك
اصعب يوما منه ابدا ، لقد كان من أصعب الحروب التي لقيتها ، وأهولها وأعظمها
فصبرت كما أدبني الله بما ادبك به يا رسول الله في قوله عزوجل " فاصبر كما
صبر أولوا العزم من الرسل " ( 3 ) وقوله " واصبر وما صبرك إلا بالله " ( 4 ) وحق
والله يا رسول الله تأويل الآية التي أنزلها الله في الامة من بعدك في قوله " ومامحمد
________________________________________________________________
( 1 ) أخرج المصنف رضوان الله عليه أحاديث كثيرة في ذلك في أحوال مولانا أمير
المؤمنين تراها في ج 37 ص 290 340 من الطبعة الحديثة ، وليس فيها ما يذكر أنهم
بايعوه عليه السلام على أمرة المؤمنين .
بل كانوا يسلمون عليه بامرة المؤمنين ، نعم في أحاديث
الغدير ما يذكر أنهم بايعوه على ذلك فراجع ج 37 ص 217 .
( 2 ) الاعراف : 149 .
( 3 ) الاحقاف : 35 .
( 4 ) النحل : 127 .