[201]
والده وجده عليهما السلام ومغيبه لما اراد الله إنفاذ أمره ، وإنجاز وعده ، أكثر
البلاد موطئا للحجج بعد طيبة وأم القرى ، وأفضلها عندهم لطيب الهواء وقلة
الداء وعذوبة الماء الممدوح بلسان الهادي عليه السلام " وأخرجت إليها كرها ولو
أخرجت عنها أخرجت كرها " ( 1 ) المدعو تارة بسامرا ، وأخرى بسر من رأى
طهرها الله تعالى من الارجاس ، وجعلها شاغرة عن أشباه الناس ، كان يختلج في
خاطري ، ويتردد في خلدي ، أن أبتغي وسيلة بقدر الوسع والميسور ، إلى صاحب
هذا القصر المشيد ، والبيت المعمور ، فلم أهتد إلى ذلك المرام سبيلا ، ولم أجد لما
أتمناه هاديا ولا دليلا .
مفضى على ذلك عشر سنين ، فقلت يا نفس : هذا والله هوالخسران المبين
إن كنت لا تجدين ما يليق عرضه على هذا السلطان ، العظيم القدر والشان ، فلا تقصرين
عن قبرة أهدى جرادة إلى سليمان ، وهو بمقام من الرأفة والكرم ، لا يحوم
حوله نبي ولا رسول من الروح إلى آدم ، فكيف بغيره من طبقات الامم ، يقبل
البضاعة ولو كانت مزجاة ، ويتأسى بجده الاطهر في إجابة الدعوات ، ولو إلى
كراع شاة .
فبينما أنا بين اليأس والطمع ، والصبر والجزع ، إذ وقع في خاطري أنه قد سقط
عن قلم العلامة المجلسي رضوان الله عليه في باب من رآه عليه السلام في الغيبة من المجلد
الثالث عشر من البحار ، جماعة فازوا بشرف اللقاء ، وحالزوا السبق الاعلى والقدح
المعلى ، فلو ضبط أساميهم الشريفة ، ونقل قصصهم الطريفة ، وغيرهم من الابرار
الذين نالوا المنى بعد صاحب البحار ، فيكون كالمستدرك للباب المذكور ، والمتمم
________________________________________________________________
( 1 ) اشارة إلى ما روى عنه عليه السلام أنه قال يوما لابي موسى من أصحابه : أخرجت
إلى سر من رأى كرها ، ولو اخرجت عنها اخرجت كرها ، قال : قلت : ولم يا سيدي ؟
فقال : لطيب هوائها ، وعذوبة مائها وقلة دائها ، ثم قال : تخرب سر من رأى حتى يكون
فيها خان وقفا للمارة ، وعلامة خرابها تدارك العمارة في مشهدي بعدي .
راجع مناقب
آل أبي طالب ج 4 ص 417 .
[202]
لاثبات هذا المهم المسطور ، لما قصر شأنه من الجرادة والكراع ، فعسى أن يكون
سببا للقرب إلى حضرته ، ولو بشبر ، فيقرب إلى المتقرب إليه بباع ، أو ألف
ذراع .
فاسخرت الله تعالى وشرعت في المقصود مع قلة الاسباب ، وألحقت بمن
أدرك فيض حضوره الشريف من وقف على معجزة منه عليه السلام أو أثر يدل على وجوده
المقدس الذي هو من أكبر الآيات وأعظم المعاجز ، لاتحاد الغرض ووحدة
المقصود ، ثم ما رأيته في كتب أصحابنا فنشير إلى مأخذه ومؤلفه ، وماسمعته فلا
أنقل منه إلا ما تلقيته من العلماء الراسخين ، ونواميس الشرع المبين ، أو من
الصلحاء الثقات الذين بلغوا من الزهد والتقوى والسداد محلا لا يحتمل فيهم عادة
تعمد الكذب والخطا ، بل سمعنا أو رأينا من بعضهم من الكرامات ما تنبئ عن علو
مقامهم عند السادات ، وقد كنا ذكرنا جملة من ذلك متفرقا في كتابنا دار السلام
ونذكرهنا ما فيه وما عثرنا عليه بعد تأليفه وسميته جنة المأوى في ذكر من فاز
بلقاء الحجة عليه السلام أو معجزته في الغيبة الكبرى ، ولم نذكر ما هو موجود في
البحار ، حذرا من التطويل والتكرار ، وها نحن نشرع في المرام ، بعون الله
الملك العلام ، وإعانة السادات الكرام ، عليهم آلاف التحية والسلام .
الحكاية الاولى
حدث السيد المعظم المبجل ، بهاء الدين علي بن عبدالحميد الحسيني
النجفي النيلي المعاصر للشهيد الاول في كتاب الغيبة عن الشيخ العالم الكامل
القدوة المقرئ الحافظ ، المحمود الحاج المعتمر شمس الحق والدين محمد بن
قارون قال : دعيت إلى امرءة فأتيتها وأنا أعلم أنها مؤمنة من أهل الخير والصلاح
فزوجها أهلها من محمود الفارسي المعروف بأخي بكر ، ويقال له ولاقاربه :
[203]
بنو بكر ، وأهل فارس مشهورون بشدة التسنن والنصب والعداوة لاهل الايمان
وكان محمود هذا أشدهم في الباب ، وقد وفقه الله تعالى للتشيع دون أصحابه .
فقلت لها : واعجباه كيف سمح أبوك بك ؟ وجعلك مع هؤلاء النواصب ؟ وكيف اتفق
لزوجك مخالفة أهله حتى ترفضهم ؟ فقالت : يا أيها المقرئ إن له حكاية عجيبة
إذا سمعها أهل الادب حكموا أنها من العجب ، قلت : وما هي ؟ قال : سله عنها
سيخبرك .
قال الشيخ : فلما حضرنا عنده قلت له : يا محمود ماالذي أخرجك عن ملة
أهلك ، وأدخلك مع الشيعة ؟ فقال : يا شيخ لما اتضح لي الحق تبعته ، اعلم انه
قد جرت عادة أهل الفرس ( 1 ) أنهم إذا سمعوا بورود القوافل عليهم ، خرجوا
يتلقونهم ، فاتفق أناسمعنا بورود قافلة كبيرة ، فخرجت ومعي صبيان كثيرون
وأنا إذ ذاك صبي مراهق ، فاجتهدنا في طلب القافلة ، بجهلنا ، ولم نفكر في عاقبة
الامر ، وصرنا كلما انقطع مناصبي من التعب خلوه إلى الضعف ، فضللنا عن
الطريق ، ووقعنا في واد لم نكن نعرفه ، وفيه شوك ، وشجر ودغل ، لم نر مثله
قط فأخذنا في السير حتى عجزنا وتدلت ألسنتنا على صدورنا من العطش ، فأيقنا
بالموت ، وسقطنا لوجوهنا .
فبينما نحن كذلك إذا بفارس على فرس أبيض ، قد نزل قريبا منا ، وطرح
مفرشا لطيفا لم نر مثله تفوح منه رائحة طيبة ، فالتفتنا إليه وإذا بفارس آخر على
فرس أحمر عليه ثياب بيض ، وعلى رأسه عمامة لها ذؤابتان ، فنزل على ذلك المفرش
ثم قام فصلى بصاحبه ، ثم جلس للتعقيب .
فالتفت إلي وقال : يا محمود ! فقلت : بصوت ضعيف لبيك يا سيدي ، قال :
________________________________________________________________
( 1 ) الظاهر أنه بالفتح ، موضع للهذيل أو بلد من بلدانهم كما في القاموس منه رحمه الله .
أقول : بل هو بالضم لما سبق قبل أسطر من قوله " وأهل فارس مشهورون بشدة التسنن
النصب والعداوة " .
[204]
ادن مني ، فقلت : لا أستطيع ( 1 ) لما بي من العطش والتعب ، قال : لا بأس عليك .
فلما قالها حسبت كأن قد حدث في نفسي روح متجددة ، فسعيت إليه حبوا
فمر ( 2 ) يده على وجهي وصدري ورفعها إلى حنكي فرده حتى لصق بالحنك الاعلى
ودخل لساني في فمي ، وذهب مابي ، وعدت كما كنت أولا .
فقال : قم وائتني بحنظلة من هذا الحنظل وكأن في الوادي حنظل كثير
فأتيته بحنظلة كبيرة فقسمها نصفين ، وناولنيها وقال : كل منها فأخذتها منه ، ولم
أقدم على مخالفته وعندي ( 3 ) أمرني أن آكل الصبر لما أعهد من مرارة الحنظل
فلما ذقتها فاذا هي أحلى من العسل ، وأبرد من الثلج ، وأطيب ريحا من المسك
شبعت ورويت .
ثم قال لي : ادع صاحبك ، فدعوته ، فقال بلسان مكسور ضعيف : لا أقدر
على الحركة ، فقال له : قم لا بأس عليك فأقبل إليه حبوا وفعل معه كما فعل معي
ثم نهض ليركب ، فقلنا بالله عليك يا سيدنا إلا ما أتممت علينا نعمتك ، وأوصلتنا
إلى أهلنا ، فقال : لا تعجلوا وخط حولنا برمحه خطة ، وذهب هو وصاحبه
فقلت لصاحبي : قم بناحتى نقف بازاء الجبل ونقع على الطريق ، فقمنا وسرنا وإذا
بحائط في وجوهنا فأخذنا في غير تلك الجهة فاذا بحائط آخر ، وهكذا من أربع
جوانبنا .
فجلسنا وجعلنا نبكي على أنفسنا ثم قلت لصاحبي : ائتنا من هذا الحنظل
لنأكله ، فأتى به فاذا هو أمر من كل شئ ، وأقبح ، فرمينا به ، ثم لبثناهنيئة
وإذا قد استدار من الوحش ما لا يعلم إلا الله عدده ، وكلما أرادوا القرب منا منعهم
ذلك الحائط ، فاذا ذهبوا زال الحائط ، وإذا عادوا عاد .
قال : فبتنا تلك الليلة آمنين حتى أصبحنا ، وطلعت الشمس واشتد الحر
________________________________________________________________
( 1 ) هذا هو الظاهر ، والنسخة " لم استطع " .
منه رحمه الله .
( 2 ) فأمر ظ .
( 3 ) اى وعندى من العقيدة والنظر أنه أمرني أن آكل الصبر .
[205]
وأخذنا العطش فجزعنا أشد الجزع ، وإذا بالفارسين قد أقبلا وفعلا كما فعلا
بالامس ، فلما أرادا مفارقتنا قلنا له : بالله عليك إلا أوصلتنا إلى أهلنا ، فقال :
ابشرا فسيأتيكما من يوصلكما إلى أهليكما ثم غابا .
فلما كان آخر النهار إذا برجل من فراسنا ، ومعه ثلاث أحمرة ، قد أقبل
ليحتطب فلما رآنا ارتاع منا وانهزم ، وترك حميره فصحنا إليه باسمه ، وتسمينا
له فرجع وقال : يا ويلكما إن أهاليكما قد أقاموا عزاء كما ، قوما لا حاجة لي
في الحطب ، فقمنا وركبنا تلك الاحمرة ، ك فلما قربنا من البلد ، دخل أمامنا ، وأخبر
أهلنا ففرحوا فرحا شديدا وأكرموه وأخلعوا عليه .
فلما دخلنا إلى أهلنا سألونا عن حالنا ، فحكينا لهم بما شاهدناه ، فكذبونا
وقالوا : هو تخييل لكم من العطش .
قال محمود : ثم أنساني الدهر حتى كأن لم يكن ، ولم يبق على خاطري شي ء
منه حتى بلغت عشرين سنة ، وتزوجت وصرت أخرج في المكاراة ولم يكن في
أهلي أشد مني نصبا لاهل الايمان ، سيما زوار الائمة عليهم السلام بسر من رأى فكنت
أكريهم الدواب بالقصد لاذيتهم بكل ما أقدر عليه من السرقه وغيرها وأعتقد
أن ذلك مما يقربني إلى الله تعالى .
فاتفق أني كريت دوابي مرة لقوم من أهل الحلة ، وكانوا قادمين إلى
الزيارة منهم ابن السهيلي وابن عرفة وابن حارب ، وابن الزهدري ، وغيرهم من أهل
الصلاح ، ومضيت إلى بغداد ، وهم يعرفون ما أنا عليه من العناد ، فلما خلوا بي
من الطريق وقد امتلاؤا علي غيظا وحنقا لم يتركوا شيئا من القبيح إلا فعلوه بي
وأنا ساكت لا أقدر عليهم لكثرتهم ، فلما دخلنا بغداد ذهبوا إلى الجانب الغربي
فنزلوا هناك ، وقد امتلا فؤادي حنقا .
فلما جاء أصحابي قمت إليهم ، ولطمت على وجهي وبكيت ، فقالوا : مالك ؟
وما دهاك ؟ فحكيت لهم ما جرى علي من أولئك القوم ، فأخذوا في سبهم ولعنهم
وقالوا : طب نفسا فانا نجتمع معهم في الطريق إذا خرجوا ، ونصنع بهم أعظم
[206]
مما صنعوا .
فلما جن الليل ، ادركتني السعادة ، فقلت في نفسي : إن هؤلاء الرفضة
لا يرجعون عن دينهم ، بل غيرهم إذا زهد يرجع إليهم ، فما ذلك إلا لان الحق
معهم فبقيت مفكرا في ذلك ، وسألت ربي بنبيه محمد صلى الله عليه وآله أن يريني في ليلتي علامة
أستدل بها على الحق الذي فرضه الله تعالى على عباده .
فأخذني النوم فاذاأنا بالجنة قد زخرفت ، فاذا فيها أشجار عظيمة ، مختلفة
الالوان والثمار ، ليست مثل أشجار الدنيا ، لان أغصانها مدلاة ، وعروقها إلى
فوق ، ورأيت أربعة أنهار : من خمر ، ولبن ، وعسل ، وماء ، وهي تجري وليس لها
جرف ( 1 ) بحيث لو أرادت النملة أن تشرب منها لشربت ، ورأيت نساء حسنة الاشكال
ورأيت قوما يأكلون من تلك الثمار ، ويشربون من تلك الانهار ، وأنا لا أقدر على
ذلك ، فكلما أردت أن أتناول من الثمار ، تصعد إلى فوق ، وكلما هممت أن أشرب
من تلك الانهار ، تغور إلى تحت فقلت للقوم : مابالكم تأكلون وتشربون ؟ وأنا
لا أطيق ذلك ؟ فقالوا : إنك لا تأتي إلينا بعد .
فبينا أنا كذلك وإذا بفوج عظيم ، فقلت : ما الخبر ؟ فقالوا : سيدتنا فاطمة
الزهراء عليها السلام قد أقبلت ، فنظرت فاذا بأفواج من الملائكة على أحسن هيئة ، ينزلون
من الهواء إلى الارض ، وهم خافون بها ، فلما دنت وإذا بالفارس الذي قد خلصنا
من العطش باطعامه لنا الحنظل .
قائما بين يدي فاطمة عليها السلام فلما رأيته عرفته ، وذكرت
تلك الحكاية ، وسمعت القوم يقولون : هذا م ح م د بن الحسن القائم المنتظر ، فقام
الناس وسلموا على فاطمة عليها السلام .
________________________________________________________________
( 1 ) ت الجرف بالضم وبضمتين ما تجرفته السيول ، وأكلته من الارض ، ومنه المثل
" فلان يبنى على جرف هار ، لا يدرى ما ليل من نهار " وجمعه أجرف ، ويقال للجانب الذي
أكله الماء من حاشية النهر أيضا ، أو هو بضمتين ، فكانه أراد أن تلك الانهار كان لها
جداول مستوية وكانت المياة تجري فيها مملوءة ، بحيث لو أرادت النملة أن تشرب منها
لشربت ، ولم تقع فيها .
[207]
فقمت أنا وقلت : السلام عليك يا بنت رسول الله ، فقالت : وعليك السلام يا
محمود أنت الذي خلصك ولدي هذا من العطش ؟ فقلت : نعم ، يا سيدتي ، فقالت :
إن دخلت مع شيعتنا أفلحت ، فقلت : أنا داخل في دينك ودين شيعتك ، مقر
بإمامة من مضى من بنيك ، ومن بقي منهم ، فقالت : أبشر فقد فزت .
قال محمود : فانتبهت وأنا أبكي ، وقد ذهل عقلي مما رأيت فانزعج أصحابي
لبكائي ، وظنوا أنه مما حكيت لهم ، فقالوا : طب نفسا فوالله لننتقمن من الرفضة
فسكت عنهم حتى سكتوا ، وسمعت المؤذن يعلن بالاذان ، فقمت إلى الجانب
الغربي ودخلت منزل أولئك الزوار ، فسلمت عليهم ، فقالوا : لا أهلا ولا سهلا
اخرج عنا لا بارك الله فيك ، فقلت : إني قد عدت معكم ، ودخلت عليكم لتعلموني
معالم ديني ، فبهتوا من كلامي ، وقال بعضهم : كذب ، وقال : آخرون جاز
أن يصدق .
فسألولي عن سبب ذلك ، فحكيت لهم ما رأيت ، فقالوا : إن صدقت فانا
ذاهبون إلى مشهد الامام موسى بن جعفر عليهما السلام ، فامض معنا حتى نشيعك هناك
فقلت : سمعا وطاعة ، وجعلت أقبل أيديهم وأقدامهم ، وحملت إخراجهم وأنا
ادعو لهم حتى وصلنا إلى الحضرة الشريفة ، فاستقبلنا الخدام ، ومعهم رجل علوي
كان أكبرهم ، فسلموا على الزوار فقالوا له : افتح لنا الباب حتى نزور سيدنا
ومولانا ، فقال : حبا وكرامة ، ولكن معكم شخص يريد أن يتشيع ، ورأيته في
منامي واقفا بين يدي سيدتي فاطمة الزهراء صلوات الله عليها ، فقالت لي : يأتيك
غدا رجل يريد أن يتشيع فافتح له الباب قبل كل أحد ، ولو رأيته الآن لعرفته .
فنظر القوم بعضهم إلى بعض متعجبين ، فقالوا : فشرع ينظر إلى واحد
واحد فقال : الله أكبر هذا والله هو الرجل الذي رأيته ثم أخذ بيدي فقال القوم :
صدقت يا سيد وبررت ، وصدق هذا الرجل بما حكاء ، واستبشروا بأجمعهم وحمدوا
الله تعالى ثم إنه أدخلني الحضرة الشريفة ، وشيعني وتوليت وتبريت .
فلما تم أمري قال العلوي : وسيدتك فاطمة تقول لك : سيلحقك بعض
[208]
حطام الدنيا فلا تحفل به ، وسيخلفه الله عليك ، وستحصل في مضايق فاستغث بنا
تنجو ، فقلت : السمع ، والطاعة ، وكان لي فرس قيمتها مائتا دينار فماتت وخلف الله
علي مثلها ، واضعافها ، واصابني مضايق فندبتهم ونجوت ، وفرج الله عني بهم ، وأنا
اليوم أوالي من والاهم ، وأعادي من عاداهم ، وأجو بهم حسن العاقبة .
ثم إني سعيت إلى رجل من الشيعة ، فزوجني هذه المرءة ، وتركت أهلي
فما قبلت أتزوج منهم ، وهذا ما حكالي في تاريخ شهر رجب [ سنة ] ثمان وثمانين
وسبعمائة هجرية ، والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله .
الحكاية الثانية
قال السيد الجليل صاحب المقامات الباهرة والكرامات الظاهرة رضي الدين
علي بن طاوس في كتاب غياث سلطان الورى على ما نقله عنه المحدث الاسترابادي
في الفوائد المدنية في نسختين كانت إحداهما بخط الفاضل الهندي ما لفظه :
يقول علي بن موسى بن جعفر بن طاوس : كنت قد توجهت أنا وأخي
الصالح محمد بن محمد بن محمد القاضي الآوي ضاعف الله سعادته ، وشرف خاتمته من
الحلة إلى مشهد مولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه ، في يوم الثلثاء سابع
عشر شهر جمادي الاخرى سنة إحدى وأربعين وستمائة ، فاختار الله لنا المبيت
بالقرية التي تسمى دورة بن سنجار ، وبات أصحابنا ودوابنا في القرية ، وتوجهنا
منها أوائل نهار يوم الاربعاء ثامن عشر الشهر المذكور .
فوصلنا إلى مشهد مولانا علي صلوات الله وسلامه عليه قبل ظهر يوم الاربعاء
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 208 سطر 19 الى ص 216 سطر 18
المذكور ، فزرنا وجاء الليل في ليلة الخميس تاسع عشر جمادي الاخرى المذكورة
فوجدت من نفسي إقبالا على الله ، وحضورا وخيرا كثيرا فشاهدت ما يدل على
القبول والعناية والرأفة وبلوغ المأمول والضيافة ، فحدثني أخي الصالح محمد بن محمد
الآوي ضاعف الله سعادته أنه رأى في تلك الليلة في منامه كأن في يدي لقمة وأنا
أقول له : هذه من فم مولانا المهدي عليه السلام وقد أعطيته بعضها .
[209]
فلما كان سحر تلك الليلة ، كنت على ما تفضل الله به من نافلة الليل فلما
أصبحنا به من نهار الخميس المذكور ، دخلت الحضرة حضرة مولانا علي صلوات الله
عليه على عادتي ، فورد علي من فضل الله وإقباله والمكاشفة ، ما كدت أسقط على
الارض ، ورجفت أعضائي واقدامي ، وارتعدت رعدة هائلة ، على عوائد فضله عندي
وعنايته لي ، وما أراني من بره لي ورفدي ، وأشرفت على الفناء ومفارقة دار الفناء
والانتقال إلى دار البقاء ، حتى حضر الجمال محمد بن كنيلة ، وأنا في تلك الحال
فسلم علي فعجزت عن مشاهدته ، وعن النظر إليه ، وإلى غيره ، وما تحققته بل سالت
عنه بعد ذلك ، فعرفوني به تحقيقا وتجددت في تلك الزيارة مكاشفات جليلة ، و
بشارات جميلة .
وحدثني أخي الصالح محمد بن محمد بن محمد الآوي ضاعف الله سعادته ، بعدة
بشارات رواها لي منها أنه رأى كأن شخصا يقص عليه في المنام مناما ، ويقول له :
قد رأيت كأن فلانا يعني عني ( 1 ) وكأنني كنت حاضرا لما كان المنام يقص
عليه راكب فرسا وأنت يعني الاخ الصالح الآوي ، وفارسان آخران قد صعدتم
جميعا إلى السماء قال : فقلت له : أنت تدري أحد الفارسين من هو ؟ فقال صاحب
المنام في حال النوم لا أدري ، فقلت : أنت يعني عني ذلك مولانا المهدي صلوات الله
وسلامه عليه .
وتوجهنا من هناك لزيارة أول رجب بالحلة ، فوصلنا ليلة الجمعة ، سابع
عشر جمادى الآخرة بحسب الاستخارة ، فعرفني حسن بن البقلي يوم الجمعة
المذكورة أن شخصا فيه صلاح يقال له : عبدالمحسن ، من أهل السواد قد حضر
بالحلة وكر أنه قدلقيه مولانا المهدي صلوات الله عليه ظاهرا في اليقظة ، وقد
أرسله إلى عناى ؟ برسالة ، فنفذت قاصدا وهو محفوظ بن قرا فحضرا ليلة السبت
ثامن عشر من جمادي الآخرة المقدم ذكرها .
________________________________________________________________
( 1 ) قد تكرر في الحكاية قوله " يعنى عنى " وأمثاله ، وهي من لغة أهل العراق :
المولدين ، وكانه يستعمل " يعني " بمعنى " يكنى " أى يكنى بفلان عني .
[210]
فخلوت بهذا الشيخ عبدالمحسن ، فعرفته فهو رجل صالح ، لا يشك النفس
في حديثه ، ومستغن عنا ، وسألته فذكر أن أصله من حصن بشر وأنه انتقل إلى
الدولاب الذي بازاء المحولة المعروفة بالمجاهدية ، ويعرف الدولاب بابن أبي الحسن
وأنه مقيم هناك ، وليس له عمل بالدولاب ولا زرع ، ولكنه تاجر في شراء غليلات
وغيرها ، وأنه كان قد ابتاع غلة من ديوان السرائر وجاء ليقبضها ، وبات عند
المعيدية في المواضع المعروفة بالمحبر .
فلما كان وقت السحر كره استعمال ماء المعيدية ، فخرج بقصد النهر ، والنهر
في جهة المشرق ، فما أحس بنفسه إلا وهو في قل السلم ، في طريق مشهد الحسين
عليه السلام ، في جهة المغرب ، وكان ذلك ليلة الخميس تاسع عشر شهر جمادي
الآخرة من سنة لحدى وأربعين وستمائة التي تقدم شرح بعض ما تفضل الله علي
فيها وفي نهارها في خدمة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام .
فجلست أريق ماء وإذا فارس عندي ما سمعت له حسا ، ولا وجدت لفرسه
حركة ، ولا صوتا ، وكان القمر طالعا ، ولكن كان الضباب كثيرا ( 1 ) .
فسألته عن الفارس وفرسه ، فقال : كان لون فرسه صدءا وعليه ثياب بيض
وهو متحنك بعمامة ومتقلد بسيف .
فقال الفارس لهذا الشيخ عبدالمحسن : كيف وقت الناس ؟ قال عبدالمحسن :
فظننت أنه يسال عن ذلك الوقت ، قال : فقلت الدنيا عليه ضباب وغبرة ، فقال : ما
سألتك عن هذا أنا سألتك عن حال الناس ، قال : فقلت : الناس طيبين مرخصين
آمنين في أوطانهم وعلى أموالهم .
فقال : تمضي إلى ابن طاوس ، وتقول له كذا وكذا ، وذكر لي ما قال
صلوات الله عليه ثم قال عنه عليه السلام : فالوقت قددنا ، فالوقت قد دنا ، قال عبدالمحسن
فوقع في قلبي وعرفت نفسي أنه مولانا صاحب الزمان عليه السلام فوقعت على وجهي
________________________________________________________________
( 1 ) الضباب : ندى كالغبار يغشى الارض وقيل سحاب رقيق كالدخان ، يقال له
بالفارسية " مه " .