[231]


أنت على حالك من الزراعة والعمارة ؟ ولا رخصة لك في العود إليها وعليك ردما انتفعت به من غلات هذه الارض ليبنى فيهامسجد وقل لحسن بن مسلم إن هذه ارض شريفة قد اختارها الله تعالى من غيرها من الاراضي وشرفها ، وأنت قد أضفتها إلى ارضك .
وقد جزاك الله بموت ولدين لك شابين ، فلم تنتبه من غفلتك ، فان لم تفعل ذلك لاصابك من نقمة الله من حيث لا تشعر .
قال حسن بن مثلة : [ قلت ] يا سيدي لا بد لي في ذلك من علامة ، فان القوم لا يقبلون مالا علامة ولا حجة عليه ، ولا يصدقون قولي ، قال : إنا سنعلم هناك فاذهب وبلغ رسالتنا ، واذهب إلى السيد ابي الحسن وقل له : يجيئ ويحضره ويطالبه بما أخذ من منافع تلك السنين ، ويعطيه الناس حتى يبنوا المسجد ، ويتم ما نقص منه من غلة رهق ملكنا بناحية أردهال ويتم المسجد ، وقد وقفنا نصف رهق على هذا المسجد ، ليجلب غلته كل عام ، ويصرف إلى عمارته .
وقل للناس : ليرغبوا إلى هذا الموضع ويعزروه ويصلوا هنا اربع ركعات للتحية في كل ركعة يقرأ سورة الحمد مرة ، وسورة الاخلاص سبع مرات ويسبح في الركوع والسجود سبع مرات ، وركعتان للامام صاحب الزمان عليه السلام هكذا : يقرأ الفاتحة فاذا وصل إلى " إياك نعبد وإياك نستعين " كرره مائة مرة ثم يقرؤها إلى آخرها وهكذا يصنع في الركعة الثانية ، ويسبح في الركوع و السجود سبع مرات ، فاذا أتم الصلاة يهلل ( 1 ) ويسبح تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام فاذا فرغ من التسبيح يسجد ويصلي على النبي وآله مائة مرة ، ثم قال عليه السلام : ما هذه حكاية : فمن صلاها فكأنما في البيت العتيق .
قال حسن بن مثلة : قلت في نفسي كأن هذا موضع أنت تزعم أنماهذا المسجد للامام صاحب الزمان مشيرا إلى ذلك الفتى المتكئ على الوسائد فأشار ذلك الفتى إلي أن اذهب .
فرجعت فلما سرت بعض الطريق دعاني ثانية ، وقال : إن في قطيع جعفر

________________________________________________________________
( 1 ) الظاهر أنه يقول : " لا إله الا الله وحده وحده " منه رحمه الله .

[232]


الكاشاني الراعي معزا يجب أن تشتريه فان أعطاك أهل القرية الثمن تشتريه وإلا فتعطي من مالك ، وتجبئ به إلى هذا الموضع ، وتذبحه الليلة الآتية ثم تنفق يوم الاربعاء الثامن عشر من شهر رمضان المبارك لحم ذلك المعز على المرضى ، ومن به علة شديدة ، فان الله يشفي جميعهم ، وذلك المعر أبلق ، كثير الشعر ، وعليه سبع علامات سود وبيض : ثلاث على جانب وأربع على جانب ، سود وبيض كالدراهم .
فذهبت فأرجعوني ثالثة ، وقال عليه السلام : تقيم بهذا المكان سبعين يوما أو سبعا فان حملت على السبع انطبق على ليلة القدر ، وهو الثالث والعشرون وإن حملت على السبعين انطبق على الخامس والعشرين من ذي القعدة ، وكلاهما يوم مبارك .
قال حسن بن مثلة : فعدت حتى وصلت إلى داري ولم أزل الليل متفكرا حتى اسفر الصبح ، فأديت الفريضة ، وجئت إلى علي بن المنذر ، فقصصت عليه الحال ، فجاء معي حتى بلغت المكان الذي ذهبوا بي إليه البارحة ، فقال : والله إن العلامة التي قال لي الامام واحد منها أنهذه السلاسل والاوتاد ههنا .
فذهبنا إلى السيد الشريف أبي الحسن الرضا فلما وصلنا إلى باب داره رأينا خدامه وغلمانه يقولون إن السيد أبا الحسن الرضا ينتظرك من سحر ، أنت من جمكران ؟ قلت : نعم ، فدخلت عليه الساعة ، وسلمت عليه وخضعت فأحسن في الجواب وأكرمني ومكن لي في مجلسة ، وسبقني قبل أن احدثه وقال : يا حسن بن مثلة يأتيك إني كنت نائما فرايت شخصا يقول لي : إن رجلا من جمكران يقال له : حسن بن مثلة يأتيك بالغدو ، ولتصدقن ما يقول ، واعتمد على قوله ، فان قوله قولنا ، فلا تردن عليه
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 232 سطر 19 الى ص 240 سطر 18 قول فانتهبت من رقدتي ، وكنت أنتظرك الآن .
فقص عليه الحسن بن مثلة القصص مشروحا فأمر بالخيول لتسرج ، وتخرجوا فركبوا فلما قربوا من القرية رأوا جعفرالراعي وله قطيع على جانب الطريق فدخل حسن بن مثلة بين القطيع ، وكان ذلك المعز خلف القطيع فأقبل المعز عاديا إلى الحسن بن مثلة فأخذه الحسن ليعطي ثمنه الراعي ويأتي به فأقسم جعفر الراعي أني ما رأيت هذا المعز قط ، ولم يكن في قطيعي إلا أني رأيته وكلما أريد أن آخذه

[233]


لا يمكنني ، والآن جاء إليكم ، فأتوا بالمعز كما أمر به السيد إلى ذلك الموضع وذبحوه .
وجاء السيد أبوالحسن الرضا رضي الله عنه إلى ذلك الموضع ، وأحضروا الحسن بن مسلم واستردوا منه الغلات وجاؤا بغلات رهق ، وسقفوا المسجد بالجزوع ( 1 ) وذهب السيد أبوالحسن الرضا رضي الله عنه بالسلاسل والاوتاد وأودعها في بيته فكان يأتي المرضى والاعلاء ( 2 ) ويمسون أبدانهم بالسلاسل فيشفيهم الله تعالى عاجلا ويصحون .
قال أبوالحسن محمد بن حيدر : سمعت بالاستفاضة أن السيد أبا الحسن الرضا في المحلة المدعوة بموسويان من بلدة قم ، فمرض بعد وفاته ولد له ، فدخل بيته وفتح الصندوق الذي فيه السلاسل والاوتاد ، فلم يجدها .
انتهت حكاية بناء هذا المسجد الشريف ، المشتملة على المعجزات الباهرة والآثار الظاهرة التي منها وجود مثل بقرة بني إسرائيل في معز من معزى هذه الامة .
قال المؤلف : لا يخفى أن مؤلف تاريخ قم ، هو الشيخ الفاضل حسن بن محمد القمي وهو من معاصري الصدوق رضوان الله عليه ، وروى في ذلك الكتاب ، عن أخيه حسين بن علي بن بابويه رضوان الله عليهم ، وأصل الكتاب على على اللغة العربية ولكن في السنة الخامسة والستين بعد ثمان مائة نقله إلى الفارسية حسن بن علي ابن حسن بن عبدالملك بأمر الخاجا فخرالدين إبراهيم بن الوزير الكبير الخاجا عماد الدين محمود بن الصاحب الخاجا شمس الدين محمد بن علي الصفي .
قال العلامة المجلسي في أول البحار : إنه كتاب معتبر ، ولكن لم يتيسر لنا

________________________________________________________________
( 1 ) الجازع : الخشبة توضع في العريش عرضا وتطرح عليها قضبان الكرم ، فان نعت تلك الخشبة قلت : خشبة جازعة ، وكل خشبة معروضة بين شيئين ليحمل عليها شئ فهي جازعة ، كذا في أقرب الموارد ، أقول : وأما الجزوع ، فانما هو جمع جزع ، الا أن يكون تصحيف " الجدوع " وكلاهما في هذا المورد بمعنى ، ويقال له بالفارسية " تير " .
( 2 ) جمع عليل كأجلاء جمع جليل ، والعليل من به عاهة او آفة .

[234]


أصله ، وما بأيدينا إنماهو ترجمته وهذا كلام عجيب ، لان الفاضل الالمعي الآميرزا محمد أشرف صاحب كتاب فضائل السادات كانمعاصرا له ومقيما باصفهان ، وهو ينقل من النسخة العربية بل ونقل عنه الفاضل المحقق الآغا محمد علي الكرمانشهاني في حواشيه على نقد الرجال ، في باب الحاء في اسم الحسن ، حيث ذكر الحسن ابن مثلة ، ونقل ملخص الخبر المذكور من النسخة العربية ، وأعجب منه أن أصل الكتاب كان مشتملا على عشرين بابا .
وذكر العالم الخبير الآميرزا عبدالله الاصفهاني تلميذ العلامة المجلسي في كتابه الموسوم برياض العلماء في ترجمة صاحب هذا التاريخ إنه ظفر على ترجمة هذا التاريخ في قم ، وهو كتاب كبير حسن كثيرة الفوائد في مجلدات عديدة .
ولكني لم اظفر على أكثر من مجلد واحد ، مشتمل على ثمانية أبواب بعد الفحص الشائع .
وقد نقلنا الخبر السابق منه خط السيد المحدث الجليل السيد نعمة الله الجزائري عن مجموعة نقله منه ولكنه كان بالفارسية فنقلناه ثانيا إلى العربية ليلائم نظم هذا المجموع ، ولا يخفى أن كلمة " التسعين " الواقعة في صدر الخبر بالمثناة فوق ثم السين المهملة ، كانت في الاصل سبعين مقدم المهملة على الموحدة واشتبه على الناسخ لان وفاة الشيخ الصدوق كانت قبل التسعين ، ولذا نرى جمعا من العلماء يكتبون في لفظ السبع أو السبعين بتقديم السين أو التاء حذرا عن التصحيف والتحريف والله تعالى هو العالم .
الحكاية التاسعة ما حدثني به العالم العامل ، والعارف الكامل غواص غمرات الخوف والرجاء وسياح فيافي الزهد والتقي ، صاحبنا المفيد ، وصديقنا السديد ، الآغا علي رضا ابن العالم الجليل الحاج المولى محمد النائيني ، رحمهما الله تعالى ، عن العالم البدل الورع التقي صاحب الكرامات ، والمقامات العاليات ، المولى زين العابدين بن العالم

[235]


الجليل المولى محمد السلماسي رحمه الله تلميذ آية الله السيد السند ، والعالم المسدد فخر الشيعة وزينة الشريعة العلامة الطباطبائي السيد محمد مهدي المدعو ببحر العلوم أعلى الله درجته ، وكان المولى المزبور من خاصته في السر والعلانية .
قال : كنت حاضرا في مجلس السيد في المشهد الغروي إذ دخل عليه لزيارته المحقق القمي صاحب القوانين في السنة التي رجع من العجم إلى العراق زائرا لقبور الائمة عليهم السلام وحاجا لبيت الله الحرام ، فتفرق من كان في المجلس وحضر للاستفادة منه ، وكانوا أزيد من مائة وبقيت ثلاثة من اصحابه أرباب الورع والسداد البالغين إلى رتبة الاجتهاد .
فتوجه المحقق الايد إلى جناب السيد وقال : إنكم فزتم حزتم مرتبة الولادة الروحانية والجسمانية ، وقرب المكان الظاهري والباطني ، فتصدقوا علينا بذكر مائدة من موائد تلك الخوان ، وثمرة من الثمار التي جنيتم من هذه الجنان ، كي ينشرح به الصدور ، ويطمئن به القلوب .
فأجاب السيد من غير تأمل ، وقال : إني كنت في الليلة الماضية قبل ليلتين أو أقل والترديد من الراوي في المسجد الاعظم بالكوفة ، لاداء نافلة الليل عازما على الرجوع إلى النجف في أول الصبح ، لئلا يتعطل أمر البحث أمر البحث والمذاكرة وهكذا كان دأبه في سنين عديدة .
فلما خرجت من المسجد ألقي في روعي الشوق إلى مسجد السهلة ، فصرفت خيالي عنه ، خوفا من عدم الوصول إلى البلد قبل الصبح ، فيفوت البحث في اليوم ولكن كان الشوق يزيد في كل آن ، ويميل القلب إلى ذلك المكان ، فبينا أقدم رجلا وأؤخر أخرى ، إذا بريح فيها غبار كثير ، فهاجت بي وأمالتني عن الطريق فكأنها التوفيق الذي هو خير رفيق ، إلى أن ألقتني إلى باب المسجد .
فدخلت فإذا به خاليا عن العباد والزوار ، إلا شخصا جليلا مشغولا بالمناجاة مع الجبار ، بكلمات ترق القلوب القاسية ، وتسح الدموع من العيون الجامدة ، فطار بالي ، وتغيرت حالي ، ورجفت ركبتي ، وهملت دمعتي من استماع

[236]


تلك الكلمات التي لم تسمعها أذني ، ولم ترها عيني ، مما وصلت إليه من الادعية المأثورة ، وعرفت أن الناجي ينشئها في الحال ، لا أنه ينشد ما أودعه في البال .
فوقفت في مكاني مستمعا متلذذا إلى أن فرغ من مناجاته ، فالتفت إلي وصاح بلسان العجم : " مهدي بيا " أي : هلم يا مهدي ، فتقدمت إليه بخطوات فوقفت ، فأمرني بالتقدم فمشيت قليلا ثم وقفت ، فأمرني بالتقدم فمشيت قليلا ثم وقفت ، فأمرني بالتقدم وقال : إن الادب في الامتثال ، فتقدمت إليه بحيث تصل يدي إليه ، ويده الشريفة إلي وتكلم بكلمة .
قال المولى السلماسي رحمه الله : ولما بلغ كلام السيد السند إلى هنا أضرب عنه صفحا ، وطوى عنه كشحا ، وشرح في الجواب عما سأله المحقق المذكور قبل ذلك .
عن سر قلة تصانيفه ، مع طول باعه في العلوم ، فذكر له وجوها فعاد المحقق القمي فسال عن هذا الكلام الخفي فأشار بيده شبه المنكر بأن هذا سر لا يذكر .
الحكاية العاشرة حدثني الاخ الصفي المذكور عن المولى السلماسي رحمه الله تعالى ، قال : كنت حاضرا في محفل إفادته ، فسأله رجل عن إمكان رؤية الطلعة الغراء في الغيبة الكبرى ، وكان بيده الآلة المعروفة لشرب الدخان المسمى عند العجم بغليان فسكت عن جوابه وطأطأ رأسه ، وخاطب نفسه بكلام خفي أسمعه فقال ما معناه : " ما أقول في جوابه ؟ وقد ضمني صلوات الله عليه إلى صدره ، وورد أيضا في الخبر تكذيب مدعي الرؤية ، في أيام الغيبة " فكرر هذا الكلام .
ثم قال في جواب السائل : إنه قد ورد في أخبار أهل العصمة تكذيب من ادعى رؤية الحجة عجل الله تعالى فرجه ، واقتصر في جوابه عليه من غير إشارة إلى ما أشار إليه .

[237]


الحكاية الحادية عشرة وبهذا السند عن المولى المذكور قال : صلينا مع جنابه في داخل حرم العسكريين عليهما السلام فلما أراد النهوض من التشهد إلى الركعة الثالثة ، عرضته حالة فوقف هنيئة ثم قام .
ولما فرغنا تعجبنا كلنا ، ولم نفهم ما كان وجهه ، ولم يجترء أحد منا على السؤال عنه إلى أن أتينا المنزل ، وأحضرت المائدة ، فأشار إلي بعض السادة من اصحابنا أن أسأله منه ، فقلت : لا وأنت أقرب منا فالتفت رحمه الله إلي وقال : فيم تقاولون ؟ قلت وكنت أجسر الناس عليه : إنهم يريدون الكشف عما عرض لكم في حال الصلاة ، فقال : إن الحجة عجل الله تعالى فرجه ، دخل الروضة للسلام علي أبيه عليه السلام فعرضني ما رأيتم من مشاهدة جماله الانور إلى أن خرج منها .
الحكاية الثانية عشرة بهذا السند عن ناظر أموره في أيام مجاورته بمكة قال : كان رحمه الله مع كونه في بلد الغربة منقطعا عن الاهل والاخوة ، قوي القلب في البذل والعطاء ، غير مكترث بكثرة المصارف ، فاتفق في بعض الايام أن لم نجد إلى درهم سبيلا فعرفته الحال ، وكثرة المؤنة ، وانعدام المال ، فلم يقل شيئا وكان دأبه أن يطوف بالبيت بعد الصبح ويأتي إلى الدار ، فيجلس في القبة المختصة به ، ونأتي إليه بغليان فيشربه ، ثم يخرج إلى قبة أخرى تجتمع فيها تلامذته ، من كل المذاهب فيدرس لكل على مذهبه .
فلما رجع من الطواف في اليوم الذي شكوته في أمسه نفود النفقة ، وأحضرت الغليان على العادة ، فاذا بالباب يدقه أحد فاضطرب أشد الاضطراب ، وقال لي : خذ الغليان وأخرجه من هذا المكان ، وقام مسرعا خارجا عن الوقار والسكينة والآداب ، ففتح الباب ودخل شخص جليل في هيئة الاعراب ، وجلس في تلك القبة

[238]


وقعد السيد عند بابها ، في نهاية الذلة والمسكنة ، واشار إلي أن لا أقرب إليه الغليان .
فقعدا ساعة يتحدثان ، ثم قام فقام السيد مسرعا وفتح الباب ، وقبل يده وأركبه على جمله الذي أناخه عنده ، ومضى لشأنه ، ورجع السيد متغير اللون وناولني براة ، وقال : هذه حوالة على رجل صراف ، قاعد في جبل الصفا واذهب إليه وخذ منه ما أحيل عليه .
قال : فأخذتها وأتيت بها إلى الرجل الموصوف ، فلما نظر إليها قبلها وقال : علي بالحماميل فذهبت وأتيت بأربعة حماميل فجاء بالدراهم من الصنف الذي يقال له : ريال فرانسه ، يزيد كل واحد على خمسة قرانات العجم وما كانوا يقدرون على حمله ، فحملوها على أكتافهم ، وأتينا بها إلى الدار .
ولما كان في بعض الايام ، ذهبت إلى الصراف لاسأل منه حاله ، وممن كانت تلك الحوالة فلم أر صرافا ولا دكانا فسألت عن بعض من حضر في ذلك المكان عن الصراف ، فقال : ماعهدنا في هذا المكان صرافا أبدا وإنما يقعد فيه فلان فعرفت أنه من أسرار الملك المنان ، وألطاف ولي الرحمان .
وحدثني بهذه الحكاية الشيخ العالم الفقيه النحرير المحقق الوجيه ، صاحب التصانيف الرائقة ، والمناقب الفائقة ، الشيخ محمد حسين الكاظمي المجاور بالغري أطال الله بقاه ، عمن حدثه من الثقات عن الشخص المذكور .
الحكاية الثالثة عشرة حدثني السيد السند ، والعالم المعتمد ، المحقق الخبير ، والمضطلع البصير السيد علي سبط السيد أعلى الله مقامه ، وكان عالما مبرزا له شرح النافع ، حسن نافع جدا ، وغيره عن الورع التقي النقي الوفي الصفي السيد مرتضى صهر السيد أعلى الله مقامه على بنت أخته وكان مصاحبا له في السفر والحضر ، مواظبا لخدماته في السر والعلانية ، قال : كنت معه في سر من رأى في بعض أسفار زيارته ، وكان

[239]


السيد ينام في حجرة وحده ، وكان لي حجرة بجنب حجرته ، وكنت في نهاية المواظبة في أوقات خدماته بالليل والنهار ، وكان يجتمع إليه الناس في أول الليل إلى أن يذهب شطر منه في أكثر الليالي .
فاتفق أنه في بعض الليالي قعد على عادته ، والناس مجتمعون حوله ، فرأيته كأنه يكره الاجتماع ، ويحب الخلوة ، ويتكلم مع كل واحد بكلام فيه إشارة إلى تعجيله بالخروج من عنده ، فتفرق الناس ولم يبق غيري فأمرني بالخروج فخرجت إلى حجرتي متفكرا في حالته في تلك الليلة ، فمنعني الرقاد ، فصبرت زمانا فخرجت متخفيا لاتفقد حاله فرأيت باب حجرته مغلقا فنظرت من شق الباب وإذا السراج بحاله وليس فيه أحد ، فدخلت الحجرة ، فعرفت من وضعها أنه ما نام في تلك الليلة .
فخرجت حافيا متخفيا أطلب خبره ، وأقفو أثره ، فدخلت الصحن الشريف فرأيت أبواب قبة العسكريين مغلقة ، فتفقدت أطراف خارجها فلم أجد منه أثرا فدخلت الصحن الاخير الذي فيه السرداب ، فرأيته مفتح الابواب .
فنزلت من الدرج حافيا متخفيا متأنيا بحيث لا يسمع مني حس ولا حركة فسمعت همهمة من صفة السرداب ، كأن أحدا يتكلم مع الاخر ، ولم أميز الكلمات إلى أن بقيت ثلاثة أو أربعة منها ، وكان دبيبي أخفى من دبيب النملة في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ، فاذا بالسيد قد نادى في مكانه هناك : يا سيد مرتضى ما تصنع ؟ ولم خرجت من المنزل ؟ فبقيت متحيرا ساكتا كالخشب المسندة ، فعزمت على الرجوع قبل الجواب ثم قلت في نفسي كيف تخفى حالك على من عرفك من غير طريق الحواس فأجبته معتذرا نادما ، ونزلت في خلال الاعتذار إلى حيث شاهدت الصفة فرأيته وحده واقفا تجاه القبلة ، ليس لغيره هناك أثر فعرفت أنه يناجي الغائب عن أبصار البشر عليه سلام الله الملك الاكبر ، فرجعت حريا لكل ملامة ، غريقا في بحار الندامة إلى يوم القيامة .

[240]


الحكاية الرابعة عشرة حدث الشيخ الصالح الصفي الشيخ أحمد الصدتواني وكان ثقة تقيا ورعا قال : قد استفاض عن جدنا المولى محمد سعيد الصدتوماني وان من تلامذة السيد رحمه الله أنه جرى في مجلسه ذكر قضايا مصادفة رؤية المهدي عليه السلام ، حتى تكلم هو في جملة من تكلم في ذلك فقال : أحببت ذات يوم أن اصل إلى مسجد السهلة في وقت ظننته فيه فارغا من الناس ، فلما انتهيت إليه ، وجدته غاصا بالناس ، ولهم دوي ولا أعهد أن يكون في ذلك الوقت فيه أحد .
فدخلت فوجدت صفوفا صافين للصلاة جامعة ، فوقفت إلى جنب الحائط على موضع فيه رمل ، فعلوته لانظر هل أجد خللا في الصفوف فاسده فرأيت موضع رجل واحد في صف من تلك الصفوف ، فذهبت إليه ووقفت فيه .
فقال رجل من الحاضرين : هل رأيت المهدي عليه السلام فعند ذلك سكت السيد وكأنه كان نائما ثم انتبه فكلما طلب منه إتمام المطلب لم يتمه .
الحكاية الخامسة عشرة حدث الشيخ الفاضل العالم الثقة الشيخ باقر الكاظمي المجاور في النجف الاشرف آل الشيخ طالب نجل العالم العابد الشيخ هادي الكاظمي قال : كان في النجف الاشرف رجل مؤمن يسمى الشيخ محمد حسن السريرة ، وكان في سلك أهل العلم ذا نية صادقة ، وكان معه مرض السعال إذاسعل يخرج من صدره مع الاخلاط دم ، وكان مع ذلك في غاية الفقر والاحتياج ، لا يملك قوت يومه ، وكان يخرج
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 240 سطر 19 الى ص 248 سطر 18 في أغلب أوقاته إلى البادية إلى الاعراب الذين في أطراف النجف الاشرف ، ليحصل له قوت ولو شعير ، وما كان يتيسر ذلك على وجه يكفيه ، مع شدة رجائه ، وكان مع ذلك قد تعلق قلبه بتززويج امرأة من أهل النجف ، وكان يطلبها من أهلها وما أجابوه إلى ذلك لقلة ذات يده ، وكان في هم وغم شديد من جهة ابتلائه بذلك .