[241]
فلما اشتد به الفقر والمرض ، وايس من تزويج البنت ، عزم على ماهو
معروف عند أهل النجف من أنه من اصابه أمر فواظب الرواح إلى المسجد الكوفة
أربعين ليلة الاربعاء ، فلا بد أن يرى صاحب الامر عجل الله فرجه من حيث لا يعلم
ويقضي له مراده .
قال الشيخ باقر قدس سره : قال الشيخ محمد : فواظبت على ذلك أربعين ليلة
بالاربعاء فلما كانت الليلة الاخيرة وكانت ليلة شتاء مظلمة ، وقد هبت ريح
عاصفة ، فيها قليل من المطر ، وأنا جالس في الدكة التي هي داخل في باب المسجد
وكانت الدكة الشرقية المقابلة للباب الاول تكون على الطرف الايسر ، عند
دخول المسجد ، ولا أتمكن الدخول في المسجد من جهة سعال الدم ، ولا يمكن
قذفه في المسجد وليس معي شئ أتقي فيه عن البرد ، وقد ضاق صدري ، واشتد علي
همي وغمي ، وضاقت الدنيا في عيني ، وأفكر أن الليالي قد انقضت ، وهذه
آخرها ، وما رأيت أحدا ولا ظهر لي شئ ، وقد تعبت هذا التعب العظيم ، وتحملت
المشاق والخوف في أربعين ليلة ، أجبئ فيها من النجف إلى مسجد الكوفة ، ويكون
لي الاياس من ذلك .
فبينما أنا أفكر في ذلك ، وليس في المسجد أحد أبدا وقد أوقدت نارا لاسخن
عليها قهوة جئت بها من النجف ، لا أتمكن من تركها لتعودي بها ، وكانت قليلة
جدا إذا بشخص من جهة الباب الاول متوجها إلي فلما نظرته من بعيد تكدرت
وقلت في نفسي : هذا أعرابي من أطراف المسجد ، قد جاء إلي ليشرب من القهوة
و ؟ بلا قهوة في هذا الليل المظلم ، ويزيد علي همي وغمي .
فبينما أنا ؟ إذا به قد وصل إلي وسلم علي باسمي وجلس في مقابلي
فتعجبت من معرفته اسمي ، وظننته من الذين أخرج إليهم في بعض الاوقات من
أطراف النجف الاشرف فصرت أسأله من اي العرب يكون ؟ قال : من بعض العرب
فصرت أذكر له الطوائف التي في أطراف النجف ، فيقول : لا لا ، وكلما ذكرت
له طائفة قال : لا لست منها .
[242]
فأغضبني وقلت له : أجل أنت من طريطرة مستهزءا وهو لفظ بلا معنى ، فتبسم
من قولي ذلك وقال : لا عليك من أينما كنت ما الذي جاء بك إلى هنا فقلت : وأنت
ما عليك السؤال عن هذه الامور ؟ فقال : ما ضرك لو أخبرتني فتعجبت من حسن أخلاقه
وعذوبة منطقه ، فمال قلبي إليه ، وصار كلما تكلم ازداد حبي له ، فعملت له السبيل
من التتن ، وأعطيته ، فقال : أنت أشرب فأنا ما اشرب ، وصببت له في الفنجان
قهوة وأعطيته ، فأخذه وشرب شيئا قليلا منه ، ثم ناولني الباقي وقال : أنت اشربه
فأخذته وشربته ، ولم ألتفت إلى عدم شربه تمام الفنجان ، ولكن يزداد حبي له
آنا فآنا .
فقلت له : يا أخي أنت قد أرسلك الله إلي في هذه الليلة تأنسني أفلا تروح
معي إلى أن نجلس في حضرة مسلم عليه السلام ، ونتحدث ؟ فقال : أروح معك
فحدث حديثك .
فقلت له : أحكي لك الواقع أنا في غاية الفقر والحاجة ، مذ شعرت على نفسي
ومع ذلك ، معي سعال أتنخع الدم ، وأقذفه من صدري منذ سنين ، ولا أعرف علاجه
وما عندي زوجة ، وقد علق قلبي بامرأة من أهل محلتنا في النجف الاشرف ، ومن
جهة قلة ما في اليد ما تيسر لي أخذها .
وقد غرني هؤلاء الملائية ( 1 ) وقالوا لي : اقصد في حوائجك صاحب الزمان
وبت اربعين ليلة الاربعاء في مسجد الكوفة ، فانك تراه ، ويقضي لك حاجتك
وهذه آخر ليلة من الاربعين ، وما رأيت فيها شيئا وقد تحملت هذه المشاق في هذه
الليالي فهذا الذي جار بي هنا ، وهذه حوائجي .
فقال لي وأنا غافل غير ملتفت : أما صدرك فقد برأ ، وأما الامرءة فتأخذها
عن قريب ، وأما فقرك فيبقى على حاله حتى تموت ، وأنا غير ملتفت إلى هذا
البيان أبدا .
فقلت : ألا تروح إلى حضرة مسلم ؟ قال : قم ، فقمت وتوجه أمامي ، فلما
________________________________________________________________
( 1 ) من اصطلاحات أهل العراق .
[243]
وردنا أرض المسجد فقال : ألا تصلي صلاة تحية المسجد ، فقلت : أفعل ، فوقف
هو قريبا من الشاخص الموضوع في المسجد ، وأنا خلفه بفاصلة ، فأحرمت الصلاة
وصرت أقرأ الفاتحة .
فبينما أنا أقرء وإذا يقرأ الفاتحة قراءة ما سمعت أحدا يقرأ مثلها أبدا فمن
حسن قراءته قلت في نفسي : لعله هذا هو صاحب الزمان وذكرت بعض كلمات له
تدل على على ذلك ثم نظرت إليه بعد ما خطر في قلبي ذلك ، وهو في الصلاة ، وإذا به
قد أحاطه نور عظيم منعني من تشخيص شخصه الشريف ، وهو مع ذلك يصلي وأنا
اسمع قراءته ، وقد ارتعدت فرائصي ، ولا أستطيع قطع الصلاة خوفا منه فأكملتها
على اي وجه كان ، وقد علا النور من وجه الارض ، فصرت أندبه وأبكي وأتضجر
وأعتذر من سوء ادبي معه في باب المسجد ، وقلت له : أنت صادق الوعد ، وقد
وعدتني الرواح معي إلى مسلم .
فبينما أنا أكلم النور ، وإذا بالنور قد توجه إلى جهة المسلم ، فتبعته فدخل
النور الحضرة ، وصار في جو القبة ، ولم يزل على ذلك ولم أزل أندبه وأبكي حتى
إذا طلع الفجر ، عرج النور .
فلما كان الصباح التفت إلى قوله : أما صدرك فقد برأ ، وإذا أنا صحيح
الصدر ، وليس معي سعال أبدا وما مضى اسبوع إلا وسهل الله على أخذ البنت
من حيث لا أحتسب ، وبقي فقري على ما كان كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه
وعلى آبائه الطاهرين .
الحكاية السادسة عشرة
حدثني العالم الجليل ، والفاضل النبيل ، مصباح المتقين ، وزين المجاهدين
السيد الايد مولانا السيد محمد ابن العالم السيد هاشم بن مير شجعاعتعلي الموسوي
الرضوي الجفي المعروف بالهدني سلمه الله تعالى وهو من العلماء المتقين ، وكان
يؤم الجماعة في داخل حرم أمير المؤمنين عليه السلام وله خبرة وبصيرة بأغلب العلوم
[244]
المتداولة ، وهو الآن من مجاوري بلدتنا الشريفه عمرها الله تعالى بوجود الابرار
والصلحاء .
قال : كان رجل صالح يسمى الحاج عبدالواعظ كان كثير التردد إلى
مسجد السهلة والكوفة ، فنقل لي الثقة الشيخ باقر بن الشيخ هادي المقدم ذكره
قال : وكان عالما بالمقدمات وعلم القراءة وبعض علم الجفر ، وعنده ملكة الاجتهاد
المطلق إلا أنه مشغول عن الاستنباط لاكثر من قدر حاجته بمعيشة العيال ، وكان
يقرء المراثي ويؤم الجماعة ، وكان صدوقا خيرا معتمدا ، عن الشيخ مهدي
الزربجاوي قال : كنت في مسجد الكوفة ، فوجدت هذا العبد الصالح خرج
إلى النجف بعد نصف الليل ليصل إليه أول النهار ، فخرجت معه لاجل ذلك أيضا .
فلما انتهينا إلى قريب من البئر التي في نصف الطريق لاح لي اسد على
قارعة الطريق ، والبرية خالية من الناس ليس فيها إلا أنا وهذا الرجل ، فوقفت
عن المشي ، فقال : ما بالك ؟ فقلت : هذا الاسد ، فقال : امش ولا تبال به ، فقلت :
كيف يكون ذلك ؟ فاصر علي فأبيت فقال لي : إذا رأيتني وصلت إليه ووقفت
بحذائه ولم يضرني ، أفتجوز الطريق وتمشي ؟ فقلت نعم ، فتقدمني إلى الاسد
حتى وضع يده على ناصيته ، فلما رأيت ذلك اسرعت في مشيي حتى جزتهما وأنا
مرعوب ثم لحق بي وبقي الاسد في مكانه .
قال نور الله قلبه : قال الشيخ باقر وكنت في أيام شبابي خرجت مع خالي
الشيخ محمد علي القارئ مصنف الكتب الثلاثة الكبير والمتوسط والصغير ، ومؤلف
كتاب التعزية ، جمع فيه تفصيل قضية كربلا من بدئها إلى ختامها بترتيب حسن
وأحاديث منتخبة إلى مسجد السهلة وكان في تلك الاوقات موحشا في الليل ليس
فيه هذه العمارة الجديدة ، والطريق بينه وبين مسجد الكوفة كان صعبا أيضا ليس بهذه
السهولة الحاصلة بعد الاصلاح .
فلما صلينا تحية مقام المهدي عليه السلام نسي خالي سبيله وتتنه ، فذكر ذلك
بعد ما خرجنا وصرنا في باب المسجد فبعثني إليها .
[245]
فلما دخلت وقت العشاء إلى المقام فتناولت ذلك ، وجدت جمرة نار كبيرة
تلهب في وسط المقام ، فخرجت مرعوبا منها فرآني خالي على هيئة الرعب ، فقال
لي : ما بالك ؟ فأخبرته بالجمرة ، فقاللي سنصل إلى مسجد الكوفة ، ونسأل
العبد الصالح عنها ، فانه كثير التردد إلى هذا المقام ، ولا يخلو من أن يكون
له علم بها .
فلما سأله خالي عنها قال : كثيرا ما رأيتها في خصوص مقام المهدي عليه السلام
من بين المقامات والزوايا .
الحكاية السابعة عشرة
قال نضر الله وجهه : وأخبرني الشيخ باقر المزبور عن السيد جعفر ابن السيد
الجليل السيد باقر القزويني الآتي ذكره ، قال : كنت أسير مع ابي إلى مسجد السهلة
فلما قاربناها قلت له : هذه الكلمات التي أسمعها من الناس أن من جاء إلى
مسجد السهلة في أربعين أربعاء فانه يرى المهدي عليه السلام ارى أنها لا اصل لها ، فالتفت
إلي مغضبا وقال لي : ولم ذلك ؟ لمحض أنك لم تره ؟ أوكل شئ لم تره عيناك
فلا أصل له ؟ وأكثر من الكلام علي حتى ندمت على ما قلت .
ثم دخلنا معه المسجد ، وكان خاليا من الناس فلما قام في وسط المسجد
ليصلي ركعتين للاستجارة اقبل رجل من ناحية مقام الحجة عليه السلام ومر بالسيد
فسلم عليه وصافحه والتفت إلي السيد والدي وقال : فمن هذا ؟ فقلت : أهو
المهدي عليه السلام فقال : فمن ؟ فركضت اطلبه فلم أجده في داخل المسجد ولا في خارجه .
الحكاية الثامنة عشرة
وقال اصلح الله باله : وأخبر الشيخ باقرالمزبور عن رجل صادق اللهجة كان
حلاقا وله أب كبير مسن ، وهو لا يقصر في خدمته ، حتى أنه يحمل له الابريق
إلى الخلاء ، ويقف ينتظره حتى يخرج فيأخذه منه ولا يفارق خدمته إلا ليلة
[246]
الاربعاء فانه يمضي إلى مسجد السهلة ثم ترك الرواح إلى المسجد ، فسألته عن
سبب ذلك ، فقال : خرجت أربعين أربعاء فلما كانت الاخيرة لم يتيسر لي أن
أخرج إلى قريب المغرب فمشيت وحدي وصار الليل ، وبقيت أمشي حتى بقي ثلث
الطريق ، وكانت الليلة مقمرة .
فرأيت أعرابيا على فرس قد قصدني فقلت في نفسي هذا سيسلبني ثيابي فلما
انتهى الي كلمني بلسان البدو من العرب ، وسألني عن مقصدي ، فقلت : مسجد
السهلة ، فقال : معك شئ من المأكول ؟ فقلت : لا ، فقال : أدخل يدك في جيبك .
هذا نقل بالمعنى وأما اللفظ " دورك يدك لجيبك " فقلت : ليس فيه شئ فكرر
علي القول بزجر حتى أدخلت يدي في جيبي ، فوجدت فيه زبيبا كنت اشتريته
لطفل عندي ، ونسيته فبقي في جيبي .
ثم قال لي الاعرابي : أوصيك بالعود ، أوصيك بالعود ، أوصيك بالعود والعود
في لسانهم اسم للاب المسن ، ثم غاب عن بصري فعلمت أنه المهدي عليه السلام وأنه لا
يرضى بمفارقتي لابي حتى في ليلة الاربعاء فلم أعد .
الحكاية التاسعة عشرة
وقال أدام الله إكرامه : رأيت في رواية ما يدل على أنك إذا أردت أن
تعرف ليلة القدر ، فاقرء " حم الدخان " كل ليلة في شهر رمضان مائة مرة إلى
ليلة ثلاث وعشرين ، فعملت ذلك وبدأت في ليلة الثلاث والعشرين أقرء على حفظي
بعد الفطور إلى أن خرجت إلى الحرم العلوي في أثناء الليل ، فلم أجد لي موضعا
أستقر فيه إلا أن أجلس مقابلا للوجه ، مستديرا للقبلة ، بقرب الشمع المعلق
لكثرة الناس في تلك الليلة .
فتربعت واستقبلت الشباك ، وبقيت أقرء " حم " فبينما أنا كذلك إذ وجدت
إلى جنبي أعرابيا متربعا ايضا معتدل الظهر اسمر اللون حسن العينين والانف
والوجه ، مهيبا جدا كأنه من شيوخ الاعراب إلا أنه شاب م ولا أذكر هل كان
[247]
له لحية خفيفة أم لم تكن ، واظن الاول .
فجعلت في نفسي أقول : ما الذي أتى بهذا البدوي إلى هذا الموضع ؟ و
يجلس هذا الجلوس العجمي ؟ وما حاجته في الحرم ؟ وأين منزله في هذا الليل ؟
أهو من شيوخ الخزاعة واضافه بعض الخدمة مثل الكليد دار أو نائبه ، وما بلغني
خبره ، وما سمعت به .
ثم قلت في نفسي : لعله المهدي عليه السلام وجعلت أنظر في وجهه ، وهو يلتفت
يمينا وشمالا إلى الزوار من غير إسراع في الالتفات ينافي الوقار ، وجلست
امرأة قدامي لاصقة بظهرها ركبتي ، فنظرت إليه متبسما ليراها على هذه الحالة
فيتبسم على حسب عادة الناس ، فنظر إليها وهو غير متبسم وإلي ورجع إلى النظر
يمينا وشمالا فقلت : أسأله أنه أين منزله ؟ أو من هو ؟
فلما هممت بسؤاله انكمش فؤادي انكماشا تأذيت منه جدا ، وظننت أن
وجهي اصفر من هذه الحالة ، وبقي الالم في فؤادي حتى قلت في نفسي : اللهم إني
لا أسأله ، فدعني يا فؤادي وعد إلى السلامة من هذا الالم ، فاني قد أعرضت عما أردت
من سؤاله ، وعزمت على السكوت ، فعند ذلك سكن فؤادي وعدت إلى التفكر
في أمره .
وهممت مرة ثانية بالاستفسار منه ، وقلت : أي ضرر في ذلك ؟ وما يمنعني
من أن أسأله فانكمش فؤادي مرة ثانية عند ما هممت بسؤاله ، وبقيت متألما مصفرا
حتى تأذيت ، وقلت : عزمت أن لا أسأله ولا أستفسر إلى أن سكن فؤادي ، وأنا
أقرء لسانا وأنظر إلى وجهه وجماله وهيبته ، وأفكر فيه قلبا ، حتى أخذني الشوق
إلى العزز مرة ثالثة على سؤاله ، فانكمش فؤادي وتأذيت في الغاية وعزمت عزما
صادقا على ترك سؤاله ، ونصبت لنفسي طريقا إلى معرفته ، غير الكلام معه ، وهو
أني لا أفارقه وأتبعه حيث قام ومشى حتى أنظر أين منزله إن كان من سائر الناس
أو يغيب عن بصري إن كان الامام عليه السلام .
فأطال الجلوس على تلك الهيئة ، ولا فاصل بيني وبينه ، بل الظاهر أن ثيابي
[248]
ملاصقة لثيابه وأحببت أن أعرف الوقت والساعة ، وأنا لا اسمع من كثرة أصوات
الناس صوت ساعات الحرم ، فصار في مقابلي رجل عنده ساعة ، فقمت لاسأله عنها
وخطوت خطوة ففاتني صاحب الساعة ، لتزاحم الناس ، فعدت بسرعة إلى موضعي
ولعل إحدى رجلي لم تفارقه فلم أجد صاحبي وندمت على قيامي ندما عظيما وعاتبت
نفسي عتابا شديدا .
الحكاية العشرون
قصة العابد الصالح التقي السيد محمد العاملي رحمه الله ابن السيد عباس
سلمه الله [ آل العباس شرف الدين ] الساكن في قرية جشيث من قرى جبل عامل
وكان من قصته أنه رحمه الله لكثرة تعدي الجور عليه خرج من وطنه خائفا هاربا
مع شدة فقره ، وقلة بضاعته ، حتى أنه لم يكن عنده يوم خروجه إلا مقدارا
لا يسوى قوت يومه ، وكان متعففا لا يسأل أحدا .
وساح في الارض برهة من دهره ، ورأى في أيام سياحته في نومه ويقظته
عجائب كثيرة ، إلى أن انتهى أمره إلى مجاورة النجف الاشرف على مشرفها
آلاف التحية والتحف ، وسكن في بعض الحجرات الفوقانية من الصحن المقدس
وكان في شدة الفقر ، ولم يكن يعرفه بتلك الصفة إلا قليل وتوفي رحمه الله في
النجف الاشرف ، بعد مضي خمس سنوات من يوم خروجه من قريته .
وكان أحيانا يراودني ، وكان كثير العفة والحياء يحضر عندي أيام إقامة
التعزية ، وربما استعار مني بعض كتب الادعية لشدة ضيق معاشه ، حتى أن
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 248 سطر 19 الى ص 256 سطر 18
كثيرا ما لا يتمكن لقوته إلا [ على ] تميرات ، يواظب الادعية المأثورة لسعة الرزق
حتى كأنه ما ترك شيئا من الاذكار المروية والادعية المأثورة .
واشتغل بعض أيامه على عرض حاجته على صاحب الزمان عليه سلام الله
الملك المنان أربعين يوما وكان يكتب حاجته ، ويخرج كل يوم قبل طلوع الشمس
من البلد من الباب الصغير الذي يخرج منه إلى بحر ، ويبعد عن طرف اليمين
[249]
مقدار فرسخ أو أزيد ، بحيث لا يراه أحد ثم يضع عريضته في بندقة من الطين
ويودعها أحد نوابه سلام الله عليه ، ويرميها في الماء للى أن مضى عليه ثمانية أو تسعة
وثلاثون يوما .
فلما فعل ما يفعله كل يوم ورجع قال : كنت في غاية الملالة وضيق الخلق
وأمشي مطرقا رأسي ، فالتفت فاذا أنا برجل كأنه لحق بي من ورائي وكان في
زي العرب ، فسلم علي فرددت عليه السلام بأقل ما يرد ، وما التفت إليه لضيق
خلقي فسايرني مقدارا وأنا على حالي ، فقال بلهجة أهل قريتي : سيد محمد ما حاجتك ؟
يمضي عليك ثمانية أو تسعة وثلاثون يوما تخرج قبل طلوع الشمس إلى المكان
الفلاني وترمي العريضة في الماء تظن أن إمامك ليس مطلعا على حاجتك ؟ .
قال : فتعجبت من ذلك لاني لم اطلع أحدا على شغلي ، ولا أحد رآني ، ولا
أحد من أهل جبل عامل في المشهد الشريف لم أعرفه ، خصوصا أنه لابس الكفية والعقال
وليس مرسوما في بلادنا ، فخطر في خاطري وصولي إلى المطلب الاقصى ، وفوزي
بالنعمة العظمى ، وأنه الحجة على البرايا ، إمام العصر عجل الله تعالى فرجه .
وكنت سمعت قديما أن يده المباركة في النعومة بحيث لا يبلغها يد أحد من
الناس ، فقلت في نفسي : أصافحه فان كان يده كما سمعت اصنع ما يحق بحضرته
فمددت يدي وأنا على حالي لمصافحته ، فمد يده المباركة فصافحته ، فاذا يده كما
سمعت ، فتيقنت الفوز والفلاح ، فرفعت رأسي ، ووجهت له وجهي ، وأردت تقبيل
يده المباركة ، فلم أر أحدا .
قلت : ووالده السيد عباس حي إلى حال التأليف ، وهو من بني أعمام العالم
الحبر الجليل ، والسيد المؤيد النبيل ، وحيد عصره ، وناموس دهره السيد صدرالدين
العاملي المتوطن في إصبهان تلميذ العلامة الطباطبائي بحر العلوم أعلى الله مقامهما .
الحكاية الحادية والعشرون
وحدث السيد الصالح المتقدم ذكره ، قدس الله روحه : قال وردت المشهد
المقدس الرضوي عليه الصلاة والسلام للزيارة ، وأقمت فيه مدة ، وكنت في ضنك
[250]
وضيق مع وفور النعمة ، ورخص اسعارها ، ولما أردت الرجوع مع سار الزائرين
لم يكن عندي شئ من الزاد حتى قرصة لقوت يومي ، فتخلفت عنهم ، وبقيت
يومي إلى زوال الشمس فزرت مولاي وأديت فرض الصلاة فرأيت أني لولم ألحق
بهم لا يتيسر لي الرفقة عن قريب وإن بقيت أدركتني الشتاء ومت من البرد .
فخرجت من الحرم المطهرمع ملالة الخاطر ، وقلت في نفسي : أمشي على
أثرهم ، فان مت جوعا استرحت ، وإلا لحقت بهم ، فخرجت من البلد الشريف
وسألت عن الطريق ، وصرت أمشي حتى غربت الشمس وما صادفت أحدا ، فعلمت
أني أخطأت الطريق ، وأنا ببادية مهولة لا يرى فيها سوى الحنظل ، وقد أشرفت
من الجوع والعطش على الهلاك ، فصرت أكسر حنظلة حنظلة لعلي أظفر من بينها
بحبحب ( 1 ) حتى كسرت نحوا من خمسمائة ، فلم أظفر بها ، وطلبت الماء والكلاء
حتى جنني الليل ، ويئست منهما ، فأيقنت الفناء واستسلمت للموت ، وبكيت
على حالي .
فتراءى لي مكان مرتفع ، فصعدته فوجدت في أعلاها عينا من الماء فتعجبت
وشكرت الله عزوجل وشربت الماء وقلت في نفسي : أتوضأ وضوء الصلاة وأصلي
لئلا ينزل بي الموت وأنا مشغول الذمة بها ، فبادرت إليها .
فلما فرغت من العشاء الآخرة اظلم الليل وامتلا البيداء من اصوات السباع
وغيرها وكنت أعرف من بينها صوت الاسد والذئب وأرى أعين بعضها تتوقد كأنها
السراج ، فزادت وحشتي إلا أني كنت مستسلما للموت ، فأدركني النوم لكثرة
التعب ، وما أفقت إلا والاصوات قد انخمدت ، والدنيا بنور القمر قد أضاءت ، وأنافي
غاية الضعف ، فرأيت فارسا مقبلا علي فقلت في نفسي إنه يقتلني لانه يريد متاعي
فلا يجد شيئا عندي فيغضب لذلك فيقتلني ، ولا أقل من أن تصيبني منه جراحة .
________________________________________________________________
( 1 ) الحبحب : البطيخ الشامي الذي تسميه أهل العراق : الرقى ، والفرس : الهندي .
قاله الفيروز آبادي والظاهر أنه يشبه الحنظل من حيث الصورة .