[241]


فلما اشتد به الفقر والمرض ، وايس من تزويج البنت ، عزم على ماهو معروف عند أهل النجف من أنه من اصابه أمر فواظب الرواح إلى المسجد الكوفة أربعين ليلة الاربعاء ، فلا بد أن يرى صاحب الامر عجل الله فرجه من حيث لا يعلم ويقضي له مراده .
قال الشيخ باقر قدس سره : قال الشيخ محمد : فواظبت على ذلك أربعين ليلة بالاربعاء فلما كانت الليلة الاخيرة وكانت ليلة شتاء مظلمة ، وقد هبت ريح عاصفة ، فيها قليل من المطر ، وأنا جالس في الدكة التي هي داخل في باب المسجد وكانت الدكة الشرقية المقابلة للباب الاول تكون على الطرف الايسر ، عند دخول المسجد ، ولا أتمكن الدخول في المسجد من جهة سعال الدم ، ولا يمكن قذفه في المسجد وليس معي شئ أتقي فيه عن البرد ، وقد ضاق صدري ، واشتد علي همي وغمي ، وضاقت الدنيا في عيني ، وأفكر أن الليالي قد انقضت ، وهذه آخرها ، وما رأيت أحدا ولا ظهر لي شئ ، وقد تعبت هذا التعب العظيم ، وتحملت المشاق والخوف في أربعين ليلة ، أجبئ فيها من النجف إلى مسجد الكوفة ، ويكون لي الاياس من ذلك .
فبينما أنا أفكر في ذلك ، وليس في المسجد أحد أبدا وقد أوقدت نارا لاسخن عليها قهوة جئت بها من النجف ، لا أتمكن من تركها لتعودي بها ، وكانت قليلة جدا إذا بشخص من جهة الباب الاول متوجها إلي فلما نظرته من بعيد تكدرت وقلت في نفسي : هذا أعرابي من أطراف المسجد ، قد جاء إلي ليشرب من القهوة و ؟ بلا قهوة في هذا الليل المظلم ، ويزيد علي همي وغمي .
فبينما أنا ؟ إذا به قد وصل إلي وسلم علي باسمي وجلس في مقابلي فتعجبت من معرفته اسمي ، وظننته من الذين أخرج إليهم في بعض الاوقات من أطراف النجف الاشرف فصرت أسأله من اي العرب يكون ؟ قال : من بعض العرب فصرت أذكر له الطوائف التي في أطراف النجف ، فيقول : لا لا ، وكلما ذكرت له طائفة قال : لا لست منها .

[242]


فأغضبني وقلت له : أجل أنت من طريطرة مستهزءا وهو لفظ بلا معنى ، فتبسم من قولي ذلك وقال : لا عليك من أينما كنت ما الذي جاء بك إلى هنا فقلت : وأنت ما عليك السؤال عن هذه الامور ؟ فقال : ما ضرك لو أخبرتني فتعجبت من حسن أخلاقه وعذوبة منطقه ، فمال قلبي إليه ، وصار كلما تكلم ازداد حبي له ، فعملت له السبيل من التتن ، وأعطيته ، فقال : أنت أشرب فأنا ما اشرب ، وصببت له في الفنجان قهوة وأعطيته ، فأخذه وشرب شيئا قليلا منه ، ثم ناولني الباقي وقال : أنت اشربه فأخذته وشربته ، ولم ألتفت إلى عدم شربه تمام الفنجان ، ولكن يزداد حبي له آنا فآنا .
فقلت له : يا أخي أنت قد أرسلك الله إلي في هذه الليلة تأنسني أفلا تروح معي إلى أن نجلس في حضرة مسلم عليه السلام ، ونتحدث ؟ فقال : أروح معك فحدث حديثك .
فقلت له : أحكي لك الواقع أنا في غاية الفقر والحاجة ، مذ شعرت على نفسي ومع ذلك ، معي سعال أتنخع الدم ، وأقذفه من صدري منذ سنين ، ولا أعرف علاجه وما عندي زوجة ، وقد علق قلبي بامرأة من أهل محلتنا في النجف الاشرف ، ومن جهة قلة ما في اليد ما تيسر لي أخذها .
وقد غرني هؤلاء الملائية ( 1 ) وقالوا لي : اقصد في حوائجك صاحب الزمان وبت اربعين ليلة الاربعاء في مسجد الكوفة ، فانك تراه ، ويقضي لك حاجتك وهذه آخر ليلة من الاربعين ، وما رأيت فيها شيئا وقد تحملت هذه المشاق في هذه الليالي فهذا الذي جار بي هنا ، وهذه حوائجي .
فقال لي وأنا غافل غير ملتفت : أما صدرك فقد برأ ، وأما الامرءة فتأخذها عن قريب ، وأما فقرك فيبقى على حاله حتى تموت ، وأنا غير ملتفت إلى هذا البيان أبدا .
فقلت : ألا تروح إلى حضرة مسلم ؟ قال : قم ، فقمت وتوجه أمامي ، فلما

________________________________________________________________
( 1 ) من اصطلاحات أهل العراق .

[243]


وردنا أرض المسجد فقال : ألا تصلي صلاة تحية المسجد ، فقلت : أفعل ، فوقف هو قريبا من الشاخص الموضوع في المسجد ، وأنا خلفه بفاصلة ، فأحرمت الصلاة وصرت أقرأ الفاتحة .
فبينما أنا أقرء وإذا يقرأ الفاتحة قراءة ما سمعت أحدا يقرأ مثلها أبدا فمن حسن قراءته قلت في نفسي : لعله هذا هو صاحب الزمان وذكرت بعض كلمات له تدل على على ذلك ثم نظرت إليه بعد ما خطر في قلبي ذلك ، وهو في الصلاة ، وإذا به قد أحاطه نور عظيم منعني من تشخيص شخصه الشريف ، وهو مع ذلك يصلي وأنا اسمع قراءته ، وقد ارتعدت فرائصي ، ولا أستطيع قطع الصلاة خوفا منه فأكملتها على اي وجه كان ، وقد علا النور من وجه الارض ، فصرت أندبه وأبكي وأتضجر وأعتذر من سوء ادبي معه في باب المسجد ، وقلت له : أنت صادق الوعد ، وقد وعدتني الرواح معي إلى مسلم .
فبينما أنا أكلم النور ، وإذا بالنور قد توجه إلى جهة المسلم ، فتبعته فدخل النور الحضرة ، وصار في جو القبة ، ولم يزل على ذلك ولم أزل أندبه وأبكي حتى إذا طلع الفجر ، عرج النور .
فلما كان الصباح التفت إلى قوله : أما صدرك فقد برأ ، وإذا أنا صحيح الصدر ، وليس معي سعال أبدا وما مضى اسبوع إلا وسهل الله على أخذ البنت من حيث لا أحتسب ، وبقي فقري على ما كان كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين .
الحكاية السادسة عشرة حدثني العالم الجليل ، والفاضل النبيل ، مصباح المتقين ، وزين المجاهدين السيد الايد مولانا السيد محمد ابن العالم السيد هاشم بن مير شجعاعتعلي الموسوي الرضوي الجفي المعروف بالهدني سلمه الله تعالى وهو من العلماء المتقين ، وكان يؤم الجماعة في داخل حرم أمير المؤمنين عليه السلام وله خبرة وبصيرة بأغلب العلوم

[244]


المتداولة ، وهو الآن من مجاوري بلدتنا الشريفه عمرها الله تعالى بوجود الابرار والصلحاء .
قال : كان رجل صالح يسمى الحاج عبدالواعظ كان كثير التردد إلى مسجد السهلة والكوفة ، فنقل لي الثقة الشيخ باقر بن الشيخ هادي المقدم ذكره قال : وكان عالما بالمقدمات وعلم القراءة وبعض علم الجفر ، وعنده ملكة الاجتهاد المطلق إلا أنه مشغول عن الاستنباط لاكثر من قدر حاجته بمعيشة العيال ، وكان يقرء المراثي ويؤم الجماعة ، وكان صدوقا خيرا معتمدا ، عن الشيخ مهدي الزربجاوي قال : كنت في مسجد الكوفة ، فوجدت هذا العبد الصالح خرج إلى النجف بعد نصف الليل ليصل إليه أول النهار ، فخرجت معه لاجل ذلك أيضا .
فلما انتهينا إلى قريب من البئر التي في نصف الطريق لاح لي اسد على قارعة الطريق ، والبرية خالية من الناس ليس فيها إلا أنا وهذا الرجل ، فوقفت عن المشي ، فقال : ما بالك ؟ فقلت : هذا الاسد ، فقال : امش ولا تبال به ، فقلت : كيف يكون ذلك ؟ فاصر علي فأبيت فقال لي : إذا رأيتني وصلت إليه ووقفت بحذائه ولم يضرني ، أفتجوز الطريق وتمشي ؟ فقلت نعم ، فتقدمني إلى الاسد حتى وضع يده على ناصيته ، فلما رأيت ذلك اسرعت في مشيي حتى جزتهما وأنا مرعوب ثم لحق بي وبقي الاسد في مكانه .
قال نور الله قلبه : قال الشيخ باقر وكنت في أيام شبابي خرجت مع خالي الشيخ محمد علي القارئ مصنف الكتب الثلاثة الكبير والمتوسط والصغير ، ومؤلف كتاب التعزية ، جمع فيه تفصيل قضية كربلا من بدئها إلى ختامها بترتيب حسن وأحاديث منتخبة إلى مسجد السهلة وكان في تلك الاوقات موحشا في الليل ليس فيه هذه العمارة الجديدة ، والطريق بينه وبين مسجد الكوفة كان صعبا أيضا ليس بهذه السهولة الحاصلة بعد الاصلاح .
فلما صلينا تحية مقام المهدي عليه السلام نسي خالي سبيله وتتنه ، فذكر ذلك بعد ما خرجنا وصرنا في باب المسجد فبعثني إليها .

[245]


فلما دخلت وقت العشاء إلى المقام فتناولت ذلك ، وجدت جمرة نار كبيرة تلهب في وسط المقام ، فخرجت مرعوبا منها فرآني خالي على هيئة الرعب ، فقال لي : ما بالك ؟ فأخبرته بالجمرة ، فقاللي سنصل إلى مسجد الكوفة ، ونسأل العبد الصالح عنها ، فانه كثير التردد إلى هذا المقام ، ولا يخلو من أن يكون له علم بها .
فلما سأله خالي عنها قال : كثيرا ما رأيتها في خصوص مقام المهدي عليه السلام من بين المقامات والزوايا .
الحكاية السابعة عشرة قال نضر الله وجهه : وأخبرني الشيخ باقر المزبور عن السيد جعفر ابن السيد الجليل السيد باقر القزويني الآتي ذكره ، قال : كنت أسير مع ابي إلى مسجد السهلة فلما قاربناها قلت له : هذه الكلمات التي أسمعها من الناس أن من جاء إلى مسجد السهلة في أربعين أربعاء فانه يرى المهدي عليه السلام ارى أنها لا اصل لها ، فالتفت إلي مغضبا وقال لي : ولم ذلك ؟ لمحض أنك لم تره ؟ أوكل شئ لم تره عيناك فلا أصل له ؟ وأكثر من الكلام علي حتى ندمت على ما قلت .
ثم دخلنا معه المسجد ، وكان خاليا من الناس فلما قام في وسط المسجد ليصلي ركعتين للاستجارة اقبل رجل من ناحية مقام الحجة عليه السلام ومر بالسيد فسلم عليه وصافحه والتفت إلي السيد والدي وقال : فمن هذا ؟ فقلت : أهو المهدي عليه السلام فقال : فمن ؟ فركضت اطلبه فلم أجده في داخل المسجد ولا في خارجه .
الحكاية الثامنة عشرة وقال اصلح الله باله : وأخبر الشيخ باقرالمزبور عن رجل صادق اللهجة كان حلاقا وله أب كبير مسن ، وهو لا يقصر في خدمته ، حتى أنه يحمل له الابريق إلى الخلاء ، ويقف ينتظره حتى يخرج فيأخذه منه ولا يفارق خدمته إلا ليلة

[246]


الاربعاء فانه يمضي إلى مسجد السهلة ثم ترك الرواح إلى المسجد ، فسألته عن سبب ذلك ، فقال : خرجت أربعين أربعاء فلما كانت الاخيرة لم يتيسر لي أن أخرج إلى قريب المغرب فمشيت وحدي وصار الليل ، وبقيت أمشي حتى بقي ثلث الطريق ، وكانت الليلة مقمرة .
فرأيت أعرابيا على فرس قد قصدني فقلت في نفسي هذا سيسلبني ثيابي فلما انتهى الي كلمني بلسان البدو من العرب ، وسألني عن مقصدي ، فقلت : مسجد السهلة ، فقال : معك شئ من المأكول ؟ فقلت : لا ، فقال : أدخل يدك في جيبك .
هذا نقل بالمعنى وأما اللفظ " دورك يدك لجيبك " فقلت : ليس فيه شئ فكرر علي القول بزجر حتى أدخلت يدي في جيبي ، فوجدت فيه زبيبا كنت اشتريته لطفل عندي ، ونسيته فبقي في جيبي .
ثم قال لي الاعرابي : أوصيك بالعود ، أوصيك بالعود ، أوصيك بالعود والعود في لسانهم اسم للاب المسن ، ثم غاب عن بصري فعلمت أنه المهدي عليه السلام وأنه لا يرضى بمفارقتي لابي حتى في ليلة الاربعاء فلم أعد .
الحكاية التاسعة عشرة وقال أدام الله إكرامه : رأيت في رواية ما يدل على أنك إذا أردت أن تعرف ليلة القدر ، فاقرء " حم الدخان " كل ليلة في شهر رمضان مائة مرة إلى ليلة ثلاث وعشرين ، فعملت ذلك وبدأت في ليلة الثلاث والعشرين أقرء على حفظي بعد الفطور إلى أن خرجت إلى الحرم العلوي في أثناء الليل ، فلم أجد لي موضعا أستقر فيه إلا أن أجلس مقابلا للوجه ، مستديرا للقبلة ، بقرب الشمع المعلق لكثرة الناس في تلك الليلة .
فتربعت واستقبلت الشباك ، وبقيت أقرء " حم " فبينما أنا كذلك إذ وجدت إلى جنبي أعرابيا متربعا ايضا معتدل الظهر اسمر اللون حسن العينين والانف والوجه ، مهيبا جدا كأنه من شيوخ الاعراب إلا أنه شاب م ولا أذكر هل كان

[247]


له لحية خفيفة أم لم تكن ، واظن الاول .
فجعلت في نفسي أقول : ما الذي أتى بهذا البدوي إلى هذا الموضع ؟ و يجلس هذا الجلوس العجمي ؟ وما حاجته في الحرم ؟ وأين منزله في هذا الليل ؟ أهو من شيوخ الخزاعة واضافه بعض الخدمة مثل الكليد دار أو نائبه ، وما بلغني خبره ، وما سمعت به .
ثم قلت في نفسي : لعله المهدي عليه السلام وجعلت أنظر في وجهه ، وهو يلتفت يمينا وشمالا إلى الزوار من غير إسراع في الالتفات ينافي الوقار ، وجلست امرأة قدامي لاصقة بظهرها ركبتي ، فنظرت إليه متبسما ليراها على هذه الحالة فيتبسم على حسب عادة الناس ، فنظر إليها وهو غير متبسم وإلي ورجع إلى النظر يمينا وشمالا فقلت : أسأله أنه أين منزله ؟ أو من هو ؟ فلما هممت بسؤاله انكمش فؤادي انكماشا تأذيت منه جدا ، وظننت أن وجهي اصفر من هذه الحالة ، وبقي الالم في فؤادي حتى قلت في نفسي : اللهم إني لا أسأله ، فدعني يا فؤادي وعد إلى السلامة من هذا الالم ، فاني قد أعرضت عما أردت من سؤاله ، وعزمت على السكوت ، فعند ذلك سكن فؤادي وعدت إلى التفكر في أمره .
وهممت مرة ثانية بالاستفسار منه ، وقلت : أي ضرر في ذلك ؟ وما يمنعني من أن أسأله فانكمش فؤادي مرة ثانية عند ما هممت بسؤاله ، وبقيت متألما مصفرا حتى تأذيت ، وقلت : عزمت أن لا أسأله ولا أستفسر إلى أن سكن فؤادي ، وأنا أقرء لسانا وأنظر إلى وجهه وجماله وهيبته ، وأفكر فيه قلبا ، حتى أخذني الشوق إلى العزز مرة ثالثة على سؤاله ، فانكمش فؤادي وتأذيت في الغاية وعزمت عزما صادقا على ترك سؤاله ، ونصبت لنفسي طريقا إلى معرفته ، غير الكلام معه ، وهو أني لا أفارقه وأتبعه حيث قام ومشى حتى أنظر أين منزله إن كان من سائر الناس أو يغيب عن بصري إن كان الامام عليه السلام .
فأطال الجلوس على تلك الهيئة ، ولا فاصل بيني وبينه ، بل الظاهر أن ثيابي

[248]


ملاصقة لثيابه وأحببت أن أعرف الوقت والساعة ، وأنا لا اسمع من كثرة أصوات الناس صوت ساعات الحرم ، فصار في مقابلي رجل عنده ساعة ، فقمت لاسأله عنها وخطوت خطوة ففاتني صاحب الساعة ، لتزاحم الناس ، فعدت بسرعة إلى موضعي ولعل إحدى رجلي لم تفارقه فلم أجد صاحبي وندمت على قيامي ندما عظيما وعاتبت نفسي عتابا شديدا .
الحكاية العشرون قصة العابد الصالح التقي السيد محمد العاملي رحمه الله ابن السيد عباس سلمه الله [ آل العباس شرف الدين ] الساكن في قرية جشيث من قرى جبل عامل وكان من قصته أنه رحمه الله لكثرة تعدي الجور عليه خرج من وطنه خائفا هاربا مع شدة فقره ، وقلة بضاعته ، حتى أنه لم يكن عنده يوم خروجه إلا مقدارا لا يسوى قوت يومه ، وكان متعففا لا يسأل أحدا .
وساح في الارض برهة من دهره ، ورأى في أيام سياحته في نومه ويقظته عجائب كثيرة ، إلى أن انتهى أمره إلى مجاورة النجف الاشرف على مشرفها آلاف التحية والتحف ، وسكن في بعض الحجرات الفوقانية من الصحن المقدس وكان في شدة الفقر ، ولم يكن يعرفه بتلك الصفة إلا قليل وتوفي رحمه الله في النجف الاشرف ، بعد مضي خمس سنوات من يوم خروجه من قريته .
وكان أحيانا يراودني ، وكان كثير العفة والحياء يحضر عندي أيام إقامة التعزية ، وربما استعار مني بعض كتب الادعية لشدة ضيق معاشه ، حتى أن
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 248 سطر 19 الى ص 256 سطر 18 كثيرا ما لا يتمكن لقوته إلا [ على ] تميرات ، يواظب الادعية المأثورة لسعة الرزق حتى كأنه ما ترك شيئا من الاذكار المروية والادعية المأثورة .
واشتغل بعض أيامه على عرض حاجته على صاحب الزمان عليه سلام الله الملك المنان أربعين يوما وكان يكتب حاجته ، ويخرج كل يوم قبل طلوع الشمس من البلد من الباب الصغير الذي يخرج منه إلى بحر ، ويبعد عن طرف اليمين

[249]


مقدار فرسخ أو أزيد ، بحيث لا يراه أحد ثم يضع عريضته في بندقة من الطين ويودعها أحد نوابه سلام الله عليه ، ويرميها في الماء للى أن مضى عليه ثمانية أو تسعة وثلاثون يوما .
فلما فعل ما يفعله كل يوم ورجع قال : كنت في غاية الملالة وضيق الخلق وأمشي مطرقا رأسي ، فالتفت فاذا أنا برجل كأنه لحق بي من ورائي وكان في زي العرب ، فسلم علي فرددت عليه السلام بأقل ما يرد ، وما التفت إليه لضيق خلقي فسايرني مقدارا وأنا على حالي ، فقال بلهجة أهل قريتي : سيد محمد ما حاجتك ؟ يمضي عليك ثمانية أو تسعة وثلاثون يوما تخرج قبل طلوع الشمس إلى المكان الفلاني وترمي العريضة في الماء تظن أن إمامك ليس مطلعا على حاجتك ؟ .
قال : فتعجبت من ذلك لاني لم اطلع أحدا على شغلي ، ولا أحد رآني ، ولا أحد من أهل جبل عامل في المشهد الشريف لم أعرفه ، خصوصا أنه لابس الكفية والعقال وليس مرسوما في بلادنا ، فخطر في خاطري وصولي إلى المطلب الاقصى ، وفوزي بالنعمة العظمى ، وأنه الحجة على البرايا ، إمام العصر عجل الله تعالى فرجه .
وكنت سمعت قديما أن يده المباركة في النعومة بحيث لا يبلغها يد أحد من الناس ، فقلت في نفسي : أصافحه فان كان يده كما سمعت اصنع ما يحق بحضرته فمددت يدي وأنا على حالي لمصافحته ، فمد يده المباركة فصافحته ، فاذا يده كما سمعت ، فتيقنت الفوز والفلاح ، فرفعت رأسي ، ووجهت له وجهي ، وأردت تقبيل يده المباركة ، فلم أر أحدا .
قلت : ووالده السيد عباس حي إلى حال التأليف ، وهو من بني أعمام العالم الحبر الجليل ، والسيد المؤيد النبيل ، وحيد عصره ، وناموس دهره السيد صدرالدين العاملي المتوطن في إصبهان تلميذ العلامة الطباطبائي بحر العلوم أعلى الله مقامهما .
الحكاية الحادية والعشرون وحدث السيد الصالح المتقدم ذكره ، قدس الله روحه : قال وردت المشهد المقدس الرضوي عليه الصلاة والسلام للزيارة ، وأقمت فيه مدة ، وكنت في ضنك

[250]


وضيق مع وفور النعمة ، ورخص اسعارها ، ولما أردت الرجوع مع سار الزائرين لم يكن عندي شئ من الزاد حتى قرصة لقوت يومي ، فتخلفت عنهم ، وبقيت يومي إلى زوال الشمس فزرت مولاي وأديت فرض الصلاة فرأيت أني لولم ألحق بهم لا يتيسر لي الرفقة عن قريب وإن بقيت أدركتني الشتاء ومت من البرد .
فخرجت من الحرم المطهرمع ملالة الخاطر ، وقلت في نفسي : أمشي على أثرهم ، فان مت جوعا استرحت ، وإلا لحقت بهم ، فخرجت من البلد الشريف وسألت عن الطريق ، وصرت أمشي حتى غربت الشمس وما صادفت أحدا ، فعلمت أني أخطأت الطريق ، وأنا ببادية مهولة لا يرى فيها سوى الحنظل ، وقد أشرفت من الجوع والعطش على الهلاك ، فصرت أكسر حنظلة حنظلة لعلي أظفر من بينها بحبحب ( 1 ) حتى كسرت نحوا من خمسمائة ، فلم أظفر بها ، وطلبت الماء والكلاء حتى جنني الليل ، ويئست منهما ، فأيقنت الفناء واستسلمت للموت ، وبكيت على حالي .
فتراءى لي مكان مرتفع ، فصعدته فوجدت في أعلاها عينا من الماء فتعجبت وشكرت الله عزوجل وشربت الماء وقلت في نفسي : أتوضأ وضوء الصلاة وأصلي لئلا ينزل بي الموت وأنا مشغول الذمة بها ، فبادرت إليها .
فلما فرغت من العشاء الآخرة اظلم الليل وامتلا البيداء من اصوات السباع وغيرها وكنت أعرف من بينها صوت الاسد والذئب وأرى أعين بعضها تتوقد كأنها السراج ، فزادت وحشتي إلا أني كنت مستسلما للموت ، فأدركني النوم لكثرة التعب ، وما أفقت إلا والاصوات قد انخمدت ، والدنيا بنور القمر قد أضاءت ، وأنافي غاية الضعف ، فرأيت فارسا مقبلا علي فقلت في نفسي إنه يقتلني لانه يريد متاعي فلا يجد شيئا عندي فيغضب لذلك فيقتلني ، ولا أقل من أن تصيبني منه جراحة .

________________________________________________________________
( 1 ) الحبحب : البطيخ الشامي الذي تسميه أهل العراق : الرقى ، والفرس : الهندي .
قاله الفيروز آبادي والظاهر أنه يشبه الحنظل من حيث الصورة .