[251]
فلما وصل إلي سلم علي فرددت عليه السلام وطابت منه نفسي ، فقال : مالك ؟
فأومأت إليه بضعفي ، فقال : عندك ثلاث بطيخات ، لم لا تأكل منها ؟ فقلت : لا تستهزءني
ودعني على حالي ، فقال لي : انظر إلى ورائك ، فنظرت فرأيت شجرة بطيخ عليها
ثلاث بطيخات كبار ، فقال : سد جوعك بواحدة ، وخذ معك اثنتين ، وعليك بهذا
الصراط المستقيم ، فامش عليه ، وكل نصف بطيخة أول النهار ، والنصف الآخر
عند الزوال ، واحفظ بطيخة فانها تنفعك ، فاذا غربت الشمس ، تصل إلى خيمة
سوداء ، يوصلك أهلها إلى القافلة ، وغاب عن بصري .
فقمت إلى تلك البطيخات ، فكسرت واحدة منها فرأيتها في غاية الحلاوة واللطافة
كأني ما أكلت مثلها فأكلتها ، وأخذت معي الاثنتين ، ولزمت الطريق ، وجعلت أمشي
حتى طلعت الشمس ، ومضى من طلوعها مقدار ساعة ، فكسرت واحدة منهما وأكلت
نصفها وسرت إلى زوال الشمس ، فأكلت النصف الآخر وأخذت الطريق .
فلما الغروب بدت لي تلك الخيمة ، ورآني أهلها فبادروا إلي وأخذوني
بعنف وشدة ، وذهبوا بي إلى الخيمة كأنهم زعموني جاسوسا ، وكنت لا أعرف
التكلم إلا بلسان العرب ، ولا يعرفون لساني ، فأتوا بي إلى كبيرهم ، فقال لي بشدة
وغضب : من أين جئت ؟ تصدقني وإلا قتلتك فأفهمته بكل حيلة شرحا من حالي .
فقال : أيها السيد الكذاب لا يعبر من الطريق الذي تدعيه متنفس إلا تلف
أو أكله السباع ، ثم إنك كيف قدرت على تلك المسافة البعيدة في الزمان الذي تذكره
ومن هذا المكان إلى المشهد المقدس مسيرة ثلاثة أيام اصدقني وإلا قتلتك ، وشهر
سيفه في وجهي .
فبداله البطيخ من تحت عبائي فقال : ما هذا ؟ فقصصت عليه قصته ، فقال
الحاضرون : ليس في هذا الصحراء بطيخ خصوصا هذه البطيخة التي ما رأينا مثلها
أبدا فرجعوا إلى أنفسهم ، وتكلموا فيما بينهم ، وكأنهم علموا صدق مقالتي ، وأن
هذه معجزة من الامام عليه آلاف التحية والثناء والسلام ( 1 ) فأقبلوا علي وقبلوا
________________________________________________________________
( 1 ) ويأتي في ذيل الحكاية الثالثة والخمسين دفع ما ربما يتوهم في هذه الحكاية
وأمثالها من عدم وجود شاهد فيها على كون المستغاث هو الحجة عليه السلام ، منه رحمه الله .
[252]
يدي وصدروني في مجلسهم ، وأكرموني غاية الاكرام ، وأخذوا لباسي تبركا به
وكسوني ألبسة جديدة فاخرة ، واضافوني يومين وليلتين .
فلما كان اليوم الثالث أعطوني عشرة توامين ، ووجهوا معي ثلاثة منهم حتى
أدركت القافلة .
الحكاية الثانية والعشرون
السيد الشهيد القاضي نور الله الشوشتري في مجالس المؤمنين في ترجمة آية الله
العلامة الحلي قدس سره أن من جملة مقاماته العالية ، أنه اشتهر عند أهل الايمان
أن بعض علماء أهل السنة ممن تتلمذ ( 1 ) عليه العلامة في بعض الفنون ألف كتابا
في رد الامامية ، ويقرء للناس في مجالسه ويضلهم ، وكان لا يعطيه أحدا خوفا من
أن يرده أحد من الامامية ، فاحتال رحمه الله في تحصيل هذا الكتاب إلى أن جعل
تتلمذه عليه وسيلة لاخذه الكتاب منه عارية ، فالتجأ الرجل واستحيى من رده وقال :
إني آليت على نفسي أن لا أعطيه أحدا أزيد من ليلة ، فاغتنم الفرصة في هذا المقدار
من الزمان ، فأخذه منه وأتى به إلى بيته لينقل منه ما تيسر منه .
فلما اشتغل بكتابته وانتصف الليل ، غلبه النوم ، فحضر الحجة عليه السلام وقال :
ولني الكتاب وخذ في نومك فانتبه العلامة وقد تم الكتاب باعجازه عليه السلام ( 2 ) .
وظاهر عبارته يوهم أن الملاقاة والمكالمة كان في اليقظة وهو بعيد والظاهر
أنه في المنام والله العالم .
________________________________________________________________
( 1 ) هذا هو الصحيح ، يقال : تلمذ له وتتلمذ : صار تلميذا له ، والتلميذ المتعلم
والخادم ، وعن بعضهم هو الشخص الذي يسلم نفسه لمعلم ليعلمه صنعته سواء كانت علما أو غيره
فيخدمه مدة حتى يتعلمها منه ، وأما ما في الاصل المطبوع " تلمذ " بتشديد الميم فهو من
الاغلاط المشهورة .
( 2 ) ورأيت هذه الحكاية في مجموعة كبيرة ، من جمع الفاضل الالمعى على بن أبراهيم
المازندراني وبخطه ، وكان معصاصرا للشيخ البهائي رحمه الله ، هكذا :
[253]
الحكاية الثالثة والعشرون
في مجموعة نفيسة عندي كلها بخط العالم الجليل شمس الدين محمد
ابن علي بن الحسن الجباعي جد شيخنا البهائي وهوالذي ينتهي نسخ الصحيفة
الكاملة إلى الصحيفة التي كانت بخطه ، وكتبها من نسخة الشهيد الاول رحمه الله
وقد نقل عنه عن تلك المجموعة وغيرها العلامة المجلسي كثيرا في البحار ، وربما
عبر هو وغيره كالسيد نعمة الله الجزائري في أول شرح الصحيفة عنه بصاحب
الكرامات ، ما لفظه :
قال السيد تاج الدين محمد بن معية الحسني أحسن الله إليه حدثني والدي
القاسم بن الحسن بن معية الحسني تجاوز الله عن سيئاته أن المعمر بن غوث السنبسي
ورد إلى الحلة مرتين إحداهما قديمة لا أحقق تاريخها والاخرى قبل فتح بغداد
بسنتين قال والدي : وكنت حينئذ ابن ثمان سنوات ، ونزل على الفقيه مفيد الدين
ابن جهم ، وتردد إليه الناس ، وزاره خالي السعيد تاج الدين بن معية ، وأنا
________________________________________________________________
الشيخ الجليل جمال الدين الحلي ، كان علامة الزمان إلى أن قال : وقد
قبل : انه كان يطلب من بعض الافاضل كتابا لينتسخه ، وهو كان يأبى عليه ، وكان كتابا كبيرا
جدا ، فاتفق أن أخذه منه شرطا : بأن لا يبقى عنده غير ليلة واحدة ، وهذا كتاب لا يمكن
نسخه الا في سنة أو أكثر .
فآلى به الشيخ رحمه الله ، وشرع في كتابته في تلك فكتب منه صفحات ومله
واذا برجل دخل عليه من الباب بصفة أهل الحجاز ، فسلم وجلس ، ثم قال : أيها الشيخ
أنت مصطر لى الاوراق وأنا أكتب .
فكان الشيخ يمصطر له الورق وذلك الرجل يكتب وكان لا يلحق المصطر بسرعة كتابته
فلما نقر ديك الصباح وصاح ، واذا الكتاب بأسره مكتوب تماما .
وقد قيل : ان الشيخ لمامل الكتابة نام فانتبه فرأى الكتاب مكتوبا ، والله أعلم
منه رحمه الله .
[254]
معه طفل ابن ثمان سنوات ، ورأيته وكان شخصا طوالا من الرجال ، يعد في الكهول
وكان ذراعه كأنه الخشبة المجلدة ، ويركب الخيل العتاق ، وأقام أياما بالحلة
وكان يحكي أنه كان أحد غلمان الامام أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام
وأنه شاهد ولادة القائم عليه السلام .
قال والدي رحمه الله : وسمعت الشيخ مفيد [ الدين ] بن جهم يحكي بعد مفارقته
وسفره عن الحلة أنه قال : أخبرنا بسر لا يمكننا الآن إشاعته ، وكانوا يقولون إنه
أخبره بزوال ملك بني العباس ، فلما مضى لذلك سنتان أو ما يقاربهما أخذت بغداد
وقتل المستعصم ، وانقرض ملك بني العباس ، فسبحان من له الدوام والبقاء .
وكتب ذلك محمد بن علي الجباعي من خط السيد تاج الدين يوم الثلثاء في
شعبان سنة تسع وخمسين وثمانمائة .
ونقل قبل هذه الحكاية عن المعمر خبرين ( 1 ) هكذا من خط ابن معية
ويرفع الاسناد عن المعمر بن غوث السنبسي ، عن أبي الحسن الداعي بن نوفل السلمي
قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إن الله خلق خلقا من رحمته لرحمته برحمته
وهم الذين يقضون الحوائج للناس ، فمن استطاع منكم أن يكون منهم فليكن .
وبالاسناد عن المعمر بن غوث السنبسي ، عن الامام الحسن بن علي
العسكري عليهما السلام أنه قال : أحسن ظنك ولو بحجر يطرح الله شره فيه فتتناول
حظك منه فقلت : أيدك الله ، حتى بحجر ؟ قال : أفلا ترى حجر الاسود .
قلت : أما الولد فهو القاضي السيد النسابة تاج الدين أبوعبدالله محمد بن
القاسم عظيم الشأن جليل القدر ، استجاز منه الشهيد الاول لنفسه ولولديه محمد
________________________________________________________________
( 1 ) وروى هذين الخبرين الشيخ الفاضل ابن أبي جمهور الاحسائي في أول كتاب غوالي
اللئالى مسندا عن شيخ الفقهاء أبي القاسم جعفر بن سعد المحقق رحمه الله عن مفيد [ الدين ]
ابن جهم المذكور عن المعمر بن غوث السنبسي عن أبي الحسن العسكري عليه السلام مثله
وهذا مما يشبهه بصحة الحكاية المذكورة ، مع أن سندها في أعلا درجات الصحة ، منه
رحمه الله .
[255]
وعلي ، ولبنته ست المشايخ ( 1 ) وأما والده فهو السيد جلال الدين أبوجعفر القاسم بن
الحسن بن محمد بن الحسن بن معية بن سعيد الديباجي الحسني الفقية الفاضل العالم
الجليل عظيم الشأن تلميذ عميد الرؤساء وابن السكون ، ومعاصر العلامة والراوي
للصحيفة الشريفة الكاملة عنهما عن السيد بهاء الشرف المذكور في أول الصحيفة
كما تبين في محله ، وأما ابن جهم فهو الشيخ الفقيه محمد بن هم ، وهوالذي لما سأل
الخاجة نصير الدين عن المحقق أعلم تلامذته في الاصوليين ، أشار إليه وإلى
سديد الدين والد العلامة .
الحكاية الرابعة والعشرون
العالم الجليل الشيخ يوسف البحريني في اللؤلؤة في ترجمة العالم الشيخ إبراهيم
القطيفي المعاصر للمحقق الثاني ، عن بعض أهل البحرين أن هذا الشيخ دخل عليه
الامام الحجة عليه السلام في صورة رجل يعرفه الشيخ فساله اي الآيات من القرآن في
المواعظ اعظم ؟ فقال الشيخ " إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن
يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم لنه بما تعملون
بصير " ( 2 ) فقال : صدقت يا شيخ ثم خرج منه ، فسأل أهل البيت : خرج فلان ؟
فقالوا : ما رأينا أحدا داخلا ولا خارجا .
الحكاية الخامسة والعشرون
[ قال ] السيد القاضي نور الله الشوشتري في مجالس المؤمنين ما معناه : إنه
وجد هذه الابيات بخط صاحب الامر عليه السلام مكتوبا على قبر الشيخ المفيد رحمه الله :
لا صوت الناعي بفقدك إنه * يوم على آل الرسول عظيم
لن كنت قد غيبت في جدث الثرى * فالعدل والتوحيد فيك مقيم
والقائم المهدي يفرح كلما * تليت عليك من الدروس علوم
________________________________________________________________
( 1 ) مخفف " سيدة المشايخ " .
( 2 ) فصلت : 40 .
[256]
الحكاية السادسة والعشرون
في الصراط المستقيم للشيخ زين الدين علي بن يونس العاملي البياضي قال
مؤلف هذا الكتاب علي بن محمد بن يونس : خرجت مع جماعة تزيد على أربعين رجلا
إلى زيارة القاسم بن موسى الكاظم عليه السلام ( 1 ) فكنا عن حضرته نحو ميل من الارض
فرأينا فارسا معترضا فظنناه يريد أخذ ما معنا فخبينا ما خفنا عليه .
فلما وصلنا ، رأينا آثار فرسه ولم نره ، فنظرنا ما حول القبلة ، فلم نر أحدا
فتعجبنا من ذلك مع استواء الارض ، وحضور الشمس ، وعدم المانع ، فلا يمتنع أن
يكون هو الامام عليه السلام أو أحد الابدال .
قلت : وهذا الشيخ جليل القدر عظيم الشأن ، صاحب المصنفات الرائقة ، وصفه
الشيخ إبراهيم الكفعمي في بعض كلماته في ذكر الكتب التي ينقل عنها بقوله : ومن
ذلك " زبدة البيان وإنسان الانسان المنتزع من مجمع البيان " جمع الامام العلامة
________________________________________________________________
( 1 ) هذا القاسم عظيم القدر ، جليل الشأن : روى الكليني في الكافي في باب الاشارة
والنص على أبي الحسن الرضا عليه السلام ( راجع ج 1 ص 314 ) بسند معتبر عن أبي ابراهيم
عليه السلام في خبر طويل أنه قال لزيد بن سليط :
أخبرك يابا عمارة اني خرجت من منزلى فأوصيت إلى ابني فلان وأشركت معه بني
في الظاهر وأوصيته في الباطن [ فأفردته وحده ] ولو كان الامر إلى لجعلته في القاسم ابني
لحبى اياه ورأفتى عليه ، ولكن ذلك إلى الله عزوجل يجعله حيث يشاء .
وقال السيد الجليل على بن طاوس في مصباح الزائر : ذكر زيارة ابرار أولاد الائمة
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 256 سطر 19 الى ص 264 سطر 18
عليهم السلام ، اذا أردت زيارة أحد منهم كالقاسم بن الكاظم والعباس بن أمير المؤمنين أو
علي بن الحسين المقتول بالطف عليهم السلام ومن جرى في الحكم مجراهم ، تقف على
المزور الخ .
ومن الاخبار المشهورة وان لم نعثر على مأخذها ما روى عن الرضا عليه السلام أنه
قال ما معناه : من لم يقدر على زيارتي فليزر أخي القاسم بحلة ، والله العالم ، منه
رحمه الله .
[257]
فريد الدهر ، ووحيد العصر ، مهبط أنوار الجبروت ، وفاتح اسرار الملكوت
خلاصة الماء والطين ، جامع كمالات المتقدمين والمتأخرين ، بقية الحجج على
العالمين ، الشيخ زين الملة والحق والدين ، علي بن يونس لا أخلى الله الزمان
من أنوار شموسه ، وإيضاح براهينه ودروسه بمحمد وآله عليهم السلام
الحكاية السابعة والعشرون
حدثني مشافهة العالم العامل فخر الاواخر وذخر الاوائل ، شمس فلك
الزهد والتقى وحاوي درجات السداد والهدى ، الفقيه المؤيد النبيل ، شيخنا
الاجل الحاج المولى علي بن الحاج ميرزا خليل الطهراني المتوطن في الغري
حيا وميتا وكان يزور ائمة سامراء في أغلب السنين ، ويأنس بالسرداب المغيب
ويستمد فيه الفيوضات ويعتقد فيه رجاء نيل المكرمات .
وكان يقول : إني ما زرت مرة إلا ورأيت كرامة ونلت مكرمة ، وكان
يستر ما رآه غير أنه ذكر لي وسمعه عنه غيري أني كثير أما وصلت إلى باب السرداب
الشريف في جوف الليل المظلم ، وحين هدوء من الناس ، فأرى عند الباب قبل النزول
من الدرج نورا يشرق من سرداب الغيبة على جدران الدهليز الاول ، ويتحرك
من موضع إلى آخر ، كأن بيد أحد هناك شمعة مضيئة ، وهو ينتقل من مكان إلى
آخر فيتحرك النور هنا بحركته ، ثم أنزل وأدخل في السرداب الشريف فما
أجد أحدا ولا أرى سراجا .
الحكاية الثامنة والعشرون
حدثني السيد الثقة التقي الصالح السيد مرتضى النجفي رحمه الله وقد
ادرك الشيخ شيخ الفقهاء وعمادهم الشيخ جعفر النجفي وكان معروفا عند علماء
العراق بالصلاح والسداد ، وصاحبته سنين سفرا وحضرا فما وقفت منه على عثرة في
الدين قال : كنا في مسجد الكوفة مع جماعة فيهم أحد من العلماء المعروفين
[258]
المبرزين في المشهد الغروي ، وقد سألته عن اسمه غير مرة فما كشف عنه ، لكونه
محل هتك الستر ، وإذاعة السر .
قال : ولما حضرت وقت صلاة المغرب جلس الشيخ لدى المحراب للصلاة
والجماعة في تهيئة الصلاة بين جالس عنده ، ومؤذن ومتطهر ، وكان في ذلك الوقت
في داخل الموضع المعروف بالتنور ماء قليل من قناة خربة وقد رأينا مجراها عند
عمارة مقبرة هانئ بن عروة ، والدرج التي تنزل إليه ضيقة مخروبة ، لا تسع
غير واحد .
فجئت إليه وأردت النزول ، فرأيت شخصا جليلا على هيئة الاعراب قاعدا
عند الماء يتوضأ وهو في غاية من السكينة والوقار والطمأنينة ، وكنت مستعجلا
لخوف عدم إدراك الجماعة فوقفت قليلا فرأيته كالجبل لا يحركه شئ ، فقلت :
وقد أقيمت الصلاة ما معناه لعلك لا تريد الصلاة مع الشيخ ؟ أردت بذلك تعجيله
فقال : لا ، قلت : ولم ؟ قال : لانه الشيخ الدخني ، فما فهمت مراده ، فوقفت حتى
أتم وضوءه ، فصعد وذهب ونزلت وتوضأت وصليت ، فلما قضيت الصلاة وانتشر الناس
وقد ملا قلبي وعيني هيئته وسكونه وكلامه ، فذكرت للشيخ ما رأيت وسمعت منه
فتغيرت حاله وألوانه ، وصار متفكرا مهموما فقال : قد أدركت الحجة عليه السلام وما
عرفته ، وقد أخبر عن شئ ما اطلع عليه إلا الله تعالى .
اعلم أني زرعت الدخنة ( 1 ) في هذه السنة في الرحبة وهي موضع في طرف
الغربي من بحيرة الكوفة ، محل خوف وخطر من جهة أعراب البادية المترددين
إليه ، فلما قمت إلى الصلاة ودخلت فيها ذهب فكري إلى زرع الدخنة وأهمني
أمره ، فصرت أتفكر فيه وفي آفاته .
هذا خلاصة ما سمعته منه رحمه الله قبل هذا التاريخ بأزيد من عشرين سنة
وأستغفر الله من الزيادة والنقصان في بعض كلماته .
________________________________________________________________
( 1 ) الدخن بالضم حب الجاورس ، أو حب أصغر منه أملس جدا بارد يابس حابس
للطبع .
[259]
الحكاية التاسعة والعشرون
في كتاب نور العيون تأليف الفاضل الخبير الالمعي السيد محمد شريف الحسيني
الاصبهاني عن أستاذه العالم الصالح الزاهد الورع الآميرزا محمد تقي بن الآميرزا
محمد كاظم بن الآميرزا عزيز الله ابن المولى محمد تقي المجلسي الملقب بالالماسي وهو
من العلماء الزاهدين وكان بصيرا في الفقه والحديث والرجال ، وقد ذكر ناشرح
حاله في رسالة الفيض القدسي في ذكر أحوال العلامة المجلسي رضوان الله عليه .
قال في رسالة له في ذكر من رآه عليه السلام في الغيبة الكبرى : حدثني بعض اصحابنا
عن رجل صالح من أهل بغداد وهو حي إلى هذا الوقت أي سنة ست وثلاثين بعد
المائة والالف ، قال : إني كنت قد سافرت في بعض السنين مع جماعة ، فركبنا
السفينة وسرنا في البحر ، فاتفق أنه انكسرت سفينتنا ، وغرق جميع من فيها
وتعلقت أنا بلوح مكسور فألقاني البحر بعد مدة إلى جزيرة ، فسرت في أطراف
الجزيرة ، فوصلت بعد اليأس من الحياة بصحراء فيها جبل عظيم .
فلما وصلت إليه رأيته محيطا بالبحر إلا طرفا منه يتصل بالصحراء واستشممت
منه رائحة الفواكه ، ففرحت وزاد شوقي ، وصعدت قدرا من الجبل حتى إذابلغت
إلى وسطه في موضع أملس مقدار عشرين ذراعا لا يمكن الاجتياز منه أبدا ، فتحيرت
في أمري فصرت أتفكر في أمري فاذاأنا بحية عظيمة كالاشجار العظيمة تستقبلني
في غاية السرعة ، ففرت منها منهزم مستغيثا بالله تبارك وتعالى في النجاة من
شرها كما نجاني من الغرق .
فاذا أنا بحيوان شبه الارنب قصد الحية مسرعا من أعلى الجبل حتى وصل
إلى ذنبها فصعد منه حتى إذا وصل رأس الحية إلى ذلك الحجر الاملس وبقي ذنبه
فوق الحجر ، وصل الحيوان إلى رأسهاوأخرج من فمه حمة ( 1 ) مقدار أصبع فأدخلها
________________________________________________________________
( 1 ) الحمة وزان ثبة الابرة يضرب بهاالزنبور والحية ونحو ذلك أو يلدغ بها
وتأوها عوض عن اللام المحذوفة لان أصلها حمو ، أو حمى .
[260]
في رأسها ثم نزعها وادخلها في موضع آخر منها وولى مدبرا فماتت الحية في
مكانها من وقتها ، وحدث فيها عفونة كادت نفسي أن تطلع من رائحتها الكريهة
فما كان باسرع من أن ذاب لحمها ، وسال في البحر ، وبقي عظامها كسلم ثابت في
الارض يمكن الصعود منه .
فتفكرت في نفسي ، وقلت : إن بقيت هنا أموت من الجوع فتوكلت على الله
في ذلك ، وصعدت منها حتى علوت الجبل ، وسرت من طرف قبلة الجبل فاذا أنا
بحديقة بالغة حد الغاية في الغضارة والنضارة والطراوة والعمارة فسرت حتى دخلتها
وإذا فيها أشجار مثمرة كثيرة ، وبناء عال مشتمل على بيوتات ، وغرف كثيرة
في وسطها .
فأكلت من تلك الفواكه ، واختفيت في بعض الغرف وأنا أتفرج الحديقة
واطرافها فإذا أنا بفوارس قد ظهروا من جانب البر قاصدي الحديقة ، يقدمهم
رجل ذوبهاء وجمال وجلال ، وغاية من المهابة ، يعلم من ذلك أنه سيدهم ، فدخلوا
الحديقة ، ونزلوا من خيولهم وخلوا سبيلها ، وتوسطوا القصر فتصدر السيد وجلس
الباقون متأدبين حوله .
ثم أحضروا الطعام ، فقال لهم ذلك السيد : إن لنا في هذا اليوم ضيفا في الغرفة
الفلانية ولا بد من دعوته إلى الطعام فجاء بعضهم في طلبي فخفت وقلت : اعفني
من ذلك ، فأخبر السيد بذلك ، فقال : اذهبوا بطعامه إليه في مكانه ليأكله ، فلما
فرغنا من الطعام ، أمر باحضاري وسألني عن قصتي ، فحكيت له القصة ، فقال : أتحب
أن ترجع إلى أهلك ؟ قلت : نعم ، فأقبل على واحد منهم ، وأمره بايصالي إلى
أهلي ، فخرجت أنا وذلك الرجل من عنده .
فلما سرنا قليلا قال لي الرجل : انظر فهذا سور بغداد ! فنظرت إذا أنا
بسوره وغاب عني الرجل ، فتفطنت من ساعتي هذه ، وعلمت أني لقيت سيدي
ومولاي عليه السلام ، ومن سوء حظي حرمت من هذا الفيض العظيم ، فدخلت بلدي
وبيتي في غاية من الحسرة والندامة .