[281]


ببعض المغيبات ، السيد محمد باقر نجل المرحوم السيد أحمد الحسيني القزويني أن في الطاعون الشديد الذي حدث في ارض العراق من المشاهد وغيرها في عام ست وثمانين بعد المائة والالف ، وهرب جميع من كان في المشهد الغروي من العلماء المعروفين وغيرهم ، حتى العلامة الطباطبائي والمحقق صاحب كشف الغطاء وغيرهما بعد ما توفي منهم جم غفير ، ولم يبق إلا معدودين من أهله ، منهم السيد رحمه الله .
قال : وكان يقول : كنت أقعد اليوم في الصحن الشريف ، ولم يكن فيه ولا في غيره أحد من أهل العلم إلا رجلا معمما من مجاوري أهل العجم ، كان يقعد في مقابلي وفي تلك الايام لقيت شخصا معظما مبجلا في بعض سكك المشهد ما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده ، مع كون أهل المشهد في تلك الايام محصورين ، ولم يكن يدخل عليهم احد من الخارج ، قال : ولما رآني قال ابتداء منه : أنت ترزق علم التوحيد بعد حين .
وحدثني السيد المعظم ، عن عمه الجليل أنه رحمه الله بعد ذلك في ليلة من الليالي قد رأى ملكين نزلا عليه بيد أحدهما عدة ألواح فيهاكتابة ، وبيد الآخر ميزان فأخذا يجعلان في كل كفة منالميزان لوحا يوزنونها ثم يعرضون الالواح المتقابلة علي فأقرؤها وهكذا إلى آخر الالواح ، وإذا همايقابلان عقيدة كل واحد من خواص أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وخواص أصحاب الائمة عليهم السلام مع عقيدة واحد من علماء الامامية من سلمان وأبي ذر إلى آخر البوابين ، ومن الكليني والصدوقين ، والمفيد والمرتضى ، والشيخ الطوسي إلى بحر العلوم خالي العلامة الطباطبائي ومن بعده من العلماء .
قال : فاطلعت في ذلك المنام على عقائد جميع الامامية من الصحابة واصحاب الائمة عليهم السلام وبقية علماء الامامية ، وإذا أنا محيط بأسرار من العلوم لو كان عمري عمر نوح عليه السلام واطلب هذه المعرفة ، لما أحطت بعشر معشار ذلك وذلك بعد أن قال الملك الذي بيده الميزان للملك الآخر الذي بيده الالواح : أعرض الالواح على فلان ، فانا مأمورون بعرض الالواح عليه ، فاصبحت وأنا

[282]


علامة زماني في العرفان .
فلما جلست من المنام ، وصليت الفريضة وفرغت من تعقيب صلاة الصبح فاذا بطارق يطرق الباب ، فخرجت الجارية فأتت إلي بقرطاس مرسول من أخي في الدين المرحوم الشيخ عبدالحسين الاعشم فيه أبيات يمدحني فيها فاذا قد جرى على لسانه في الشعر تفسير المنام على نحو الاجمال ، قد ألهمه الله تعالى ذلك وأما أبيات المدح فمنها قوله شعرا : نرجو سعادة فالي إلى سعادة فالك * بك اختتام معال قد افتتحن بخالك وقد أخبرني بعقائد جملة من الصحابة المتقابلة مع بعض العلماء الامامية ، ومن جملة ذلك عقيدة المرحوم خالي العلامة بحر العلوم في مقابلة عقيدة بعض اصحاب النبي صلى الله عليه وآله الذينهم من خواصه وعقيدة علماء آخرين الذين يزيدون على السيد المرحوم المذكور أو ينقصون إلا أن هذه الامور لما كانت من الاسرار التي لا يمكن إباحتها لكل أحد ، لعدم تحمل الخلق لذلك ، مع أنه رحمه الله أخذ علي العهد الا أبوح به لاحد وكانت تلك الرؤيا نتيجة قول ذلك القائل الذي تشهد القرائن بكونه المنتظر المهدي .
قلت : وهذا السيد المبجل كان صاحب اسرار خاله العلامة بحر العلوم وخاصته ، وصاحب القبة المواجهة لقبة شيخ الفقهاء صاحب جواهر الكلام ، في النجف الاشرف ، وحدثني السيد المعظم المزبور وغيره بجملة من كراماته ذكرناها في دار السلام .
الحكاية الرابعة والاربعون حدثني جماعة من الافاضل الكرام ، والصلحاء الفخام ، منهم السيد السند والحبر المعتمد ، زبدة العلماء الاعلام ، وعمدة الفقهاء العظام ، حاوي فنون الفضل والادب ، وحائز معالي الحسب والنسب الآميرزا صالح دام علاه ابن سيد المحققين ونور مصباح المجاهدين ، وحيد عصره ، وفريد دهره سيدنا المعظم السيد مهدي

[283]


المتقدم ذكره أعلى الله مقامه ، ورفع في الخلد أعلامه وقد كنت سألت عنه سلمه الله أن يكتب لي تلك الحكايات الآتية المنسوبة إلى والده المعظم التي سمعتها من الجماعة فان أهل البيت أدرى بمافيه ، مع ماهو عليه : من الاتقان والحفظ والضبط والصلاح والسداد والاطلاع ، وقد صاحبته في طريق مكة المعظمة ذهابا وإيابا فوجدته ايده الله بحرا لا ينزح وكنزا لا ينفد ، فكتب إلي مطابقا لما سمعته من تلك العصابة .
وكتب أخوه العالم النحرير ، وصاحب الفضل المنير ، السيد الامجد السيد محمد سلمه الله تعالى في آخر ما كتبه : سمعت هذه الكرامات الثلاثة سماعا من لفظ الوالد المرحوم المبرور عطر الله مرقده .
صورة ما كتبه : بسم الله الرحمن الرحيم حدثني بعض الصلحاء الابرار من أهل الحلة قال : خرجت غدوة من داري قاصدا داركم لاجل زيارة السيد أعلى الله مقامه فصار ممري في الطريق على المقام المعروف بقبر السيد محمد ذي الدمعة فرأيت على شباكه الخارج إلى الطريق شخصا بهي المنظر يقرأ فاتحة الكتاب ، فتأملته فإذا هو غريب الشكل ، وليس من أهل الحلة .
فقلت في نفسي : هذا رجل غريب قد اعتنى بصاحب هذا المرقد ، ووقف وقرأ له فاتحة الكتاب ، ونحن أهل البلد نمر ولا نفعل ذلك ، فوقفت وقرأت الفاتحة والتوحيد ، فلما فرغت سلمت عليه ، فرد السلام ، وقال لي : يا علي أنت ذاهب لزيارة السيد مهدي ؟ قلت : نعم ، قال : فاني معك .
فلما صرنا ببعض الطريق قال لي : يا علي لا تحزن على ما أصابك من الخسران وذهاب المال في هذه السنة ، فانك رجل امتحنك الله بالمال فوجدك مؤديا للحق وقد قضيت ما فرض الله عليك ، وأما المال فانه عرض زائل يجيئ ويذهب ، وكان قد أصابني خسران في تلك السنة لم يطلع عليه أحد مخافة الكسر ، فاغتممت في نفسي وقلت : سبحان الله كسري قد شاع وبلغ حتى إلى الاجانب ، إلا أني قلت له في الجواب : الحمد لله على كل حال ، فقال : إن ما ذهب من مالك سيعود

[284]


إليك بعد مدة ، وترجع كحالك الاول ، وتقضي ما عليك من الديون .
قال : فسكت وأنا مفكر في كلامه حتى انتهينا إلى باب داركم ، فوقفت ووقف ، فقلت : ادخل يا مولاي فأنا من أهل الدار فقال لي : ادخل أنت أنا صاحب الدار ، فامتنعت فأخذ بدي وأدخلني أمامه فلما صرنا إلى المسجد وجدنا جماعة من الطلبة جلوسا ينتظرون خروج السيد قدس سره من داخل الدار لاجل البحث .
ومكانه من المجلس خال لم يجلس فيه أحد احتراما له ، وفيه كتاب مطروح .
فذهب الرجل ، وجلس في الموضع الذي كان السيد قدس سره يعتاد الجلوس فيه ثم أخذ الكتاب وفتحه ، وكان الكتاب شرائع المحقق قدس سره ثم استخرج من الكتاب كراريس مسودة بخط السيد قدس سره ، وكان خطه في غاية الضعف لا يقدر كل أحد على قراءته ، فأخذ يقرء في تلك الكراريس ويقول للطلبة : الا تعجبون من هذه الفروع وهذه الكراريس ؟ هي بعض من جملة كتاب مواهب الافهام في شرح شرائع الاسلام وهو كتاب عجيب في فنه لم يبرز منه إلا ست مجلدات من أول الطهارة إلى أحكام الاموات .
قال الوالد أعلى الله درجته : لما خرجت من داخل الدار رأيت الرجل جالسا في موضعي فلما رآني قام وتنحى عن الموضع فألزمته بالجلوس فيه ، ورأيته رجلا بهي المنظر ، وسيم الشكل في زي غريب ، فلما جلسنا أقبلت عليه بطلاقة وجه وبشاشة ، وسؤال عن حاله واستحييت أن أسأله من هو وأين وطنه ؟ ثم شرعت في البحث فجعل الرجل يتكلم في المسألة التي نبحث عنها بكلام كأنه اللؤلؤ المتساقط فبهرني كلامه فقال له بعض الطلبة : اسكت ما أنت وهذا ، فتبسم وسكت .
قال رحمه الله : فلما انقضى البحث قلت له : من أين كان مجيئك إلى الحلة ؟ فقال : من بلد السليمانية ، فقلت : متى خرجت ؟ فقال : بالامس خرجت منها ، وما خرجت منها حتى دخلها نجيب باشا فاتحا لها عنوة بالسيف وقد قبض على أحمد باشا الباباني المتغلب عليها ، وأقام مقامه أخاه عبدالله باشا ، وقد كان أحمد باشا المتقدم

[285]


قد خلع طاعة الدولة العثمانية وادعى السلطنة لنفسه في السليمانية .
قال الوالد قدس سره : فبقيت مفكرا في حديثه وأن هذا الفتح وخبره لم يبلغ إلى حكام الحلة ، ولم يخطر لي أن أسأله كيف وصلت إلى الحلة وبالامس خرجت من السليمانية ، وبين الحلة والسليمانية ما تزيد على عشرة أيام للراكب المجد .
ثم إن الرجل أمر بعض خدمة الدار أن يأتيه بماء فأخذ الخادم الاناء ليغترف به ماء من الحب فناداه لا تفعل ! فان في الاناء حيوانا ميتا فنظر فيه ، فاذا فيه سام أبرص ميت فأخذ غيره وجاء بالماء إليه فلما شرب قام للخروج .
قال الوالد قدس سره فقمت لقيامه فودعني وخرج فلما صار خارج الدار قلت للجماعة هلا أنكرتم على الرجل خبره في فتح السليمانية فقالوا : هلا أنكرت عليه ؟ قال : فحدثني الحاج علي المتقدم بما وقع له في الطريق وحدثني الجماعة بما وقع قبل خروجي من قراءته في المسودة ، وإظهار العجب من الفروع التي فيها .
قال الوالد أعلى الله مقامه : فقلت : اطلبوا الرجل وما أظنكم تجدونه هو والله صاحب الامر روحي فداه فتفرق الجماعة في طلبه فما وجدوا له عينا ولا أثرا فكأنما صعد في السماء أو نزل في الارض .
قال : فضبطنا اليوم الذي أخبر فيه عن فتح السليمانية فورد الخبر ببشارة الفتح إلى الحلة بعد عشرة أيام من ذلك اليوم ، وأعلن ذلك عند حكامها بضرب المدافع المعتاد ضربها عند البشائر ، عند ذوي الدولة العثمانية .
قلت : الموجود فيما عندنا من كمتب الانساب أناسم ذا الدمعة حسين ويلقب أيضا بذي العبرة ، وهو ابن زيد الشهيد ابن علي بن الحسين عليهما السلام ويكنى بأبي عاتقة ، وإنما لقب بذي الدمعة لبكائه في تهجده في صلاة الليل ، ورباه الصادق عليه السلام فأرثه علما جما وكان زاهدا عابدا وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائة

[286]


زوج ابنته بالمهدي الخليفة العباسي وله أعقاب كثيرة ، ولكنه سلمه الله أعرف بما كتب .
الحكاية الخامسة والاربعون قال سلمه الله : وحدثني الوالد أعلى الله مقامه قال : لازمت الخروج إلى الجزيرة مدة مديدة لاجل إرشاد عشائر بني زبيد إلى مذهب الحق ، وكانوا كلهم على راي أهل التسنن ، وببركة هداية الوالد قدس سره وإرشاده ، رجعوا إلى مذهب الامامية كماهم عليه الآن ، وهم عدد كثير يزيدون على عشرة آلاف نفس وكان في الجزيرة مزار معروف بقبر الحمزة بن الكاظم ، يزوره الناس ويذكرون له كرامات كثيرة ، وحوله قرية تحتوي على مائة دار تقريبا .
قال قدس سره : فكنت استطرق الجزيرة وأمر عليه ولا أزوره لما صح عندي أن الحمزة بن الكاظم مقبور في الري مع عبدالعظيم الحسني فخرجت مرة على عادتي ونزلت ضيفا عند أهل تلك القرية ، فتوقعوا مني أن أزور المرقد المذكور فأبيت وقلت لهم : لا أزور من لا أعرف ، وكان المزار المذكور قلت رغبة الناس فيه لا عراضي عنه .
ثم ركبت من عندهم وبت تلك الليلة في قرية المزيدية ، عند بعض ساداتها فلما كان وقت السحر جلست لنافلة الليل وتهيأت للصلاة ، فلما صليت النافلة بقيت ارتقب طلوع الفجر ، وأنا على هيئة التعقيب إذ دخل علي سيد أعرفه بالصلاح والتقوى ، من سادة تلك القرية ، فسلم وجلس .
ثم قال : يا مولانا بالامس تضيفت أهل قرية الحمزة ، وما زرته ؟ قلت : نعم قال : ولم ذلك ؟ قلت : لاني لا أزور من لا أعرف ، والحمزة بن الكاظم مدفون بالري ، فقال : رب مشهور لا اصل له ، ليس هذا قبر الحمزة بن موسى الكاظم وان اشتهر أنه كذلك بل هو قبر أبي يعلى حمزة بن القاسم العلوي العباسي أحد علماء الاجازة وأهل الحديث ، وقد ذكره أهل الرجال في كتبهم ، وأثنوا عليه

[287]


بالعلم والورع .
فقلت في نفسي : هذا السيد من عوام السادة ، وليس من أهل الاطلاع على الرجال والحديث ، فلعله أخذ هذا الكلام عن بعض العلماء ، ثم قمت لارتقب طلوع الفجر ، فقام ذلك السيد وخرج وأغفلت أن أسأله عمن أخذ هذا لان الفجر قد طلع ، وتشاغلت بالصلاة .
فملا صليت جلست للتعقيب حتى طلع الشمس وكان معي جملة من كتب الرجال فنظرت فيها ولذا الحال كما ذكر فجاءني أهل القرية مسلمين علي وفي جملتهم ذلك السيد فقلت : جئتني قبل الفجر وأخبرتني عن قبر الحمزة أنه أبويعلى حمزة بن القاسم العلوي فمن أين لك هذا وعمن أخذته ؟ فقال : والله ماجئتك قبل الفجر ولا رأيتك قبل هذه الساعة ، ولقد كنت ليلة أمس بائتا خارج القرية في مكان سماه وسمعنا بقدومك فجئنا في هذا اليوم زائرين لك .
فقلت لاهل القرية : الآن لزمني الرجوع إلى زيارة الحمزة فاني لا أشك في أن الشخص الذي رأيته هو صاحب الامر عليه السلام ، قال : فركبت أنا وجميع أهل تلك القرية لزيارته ، ومن ذلك الوقت ظهر هذا المزار ظهورا تاما على وجه صار بحيث تشد الرحال إليه من الاماكن البعيدة .
قلت : في رجال النجاشي : حمزة بن القاسم بن علي بن حمزة بن الحسن ابن عبيدالله بن العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام أبويعلى ثقة جليل القدر من أصحابنا كثير الحديث له كتاب " من روى عن جعفر بن محمد عليهما السلام من الرجال " وهو كتاب حسن .
وكر الشيخ الطوسي أنه يروي عن سعد بن عبدالله ويروي عنه التلعكبري رحمه الله ، إجازة فهو في طبقة والد الصدوق .

[288]


الحكاية السادسة والاربعون قال أيده الله : وحدثني الوالد اعلى الله مقامه قال : خرجت يوم الرابع عشر من شهر شعبان من الحلة أريد زيارة الحسين عليه السلام ليلة النصف منه ، فلما وصلت إلى شط الهندية ، وعبرت إلى الجانب الغربي منه ، وجدت الزوار الذاهبين من الحلة وأطرافها ، والواردين من النجف ونواحيه ، جميعا محاصرين في بيوت عشيرة بني طرف من عشائر الهندية ، ولا طريق لهم إلى كربلاء لان عشيرة عنزة قد نزلوا على الطريق ، وقطعوه عن المارة ، ولا يدعون أحدا يخرج من كربلا ولا أحدا يلج إلا انتهبوه .
قال : فنزلت على رجل من العرب وصليت صلاة الظهر والعصر ، وجلست أنتظر ما يكون من أمر الزوار ، وقد تغيمت السماء ومطرت مطرا يسيرا .
فبينما نحن جلوس إذ خرجت الزوار بأسرها من البيوت متوجهين نحو طريق كربلا ، فقلت لبعض من معي : اخرج واسال ما الخبر ؟ فخرج ورجع إلي وقال لي : إن عشيرة بني طرف قد خرجوا بالاسلحة النارية ، وتجمعوا لايصال الزوار إلى كربلا ، ولو آل الامر إلى المحاربة مع عنزة .
فلما سمعت قلت لمن معي : هذا الكلام لا أصل له ، لان بني طرف لاقابلية لهم على مقابلة عنزة في البر ، واظن هذه مكيدة منهم لاخراج الزوار عن بيوتهم لانهم استثقلوا بقاءهم عندهم ، وفي ضيافتهم .
فبينما نحن كذلك إذ رجعت الزوار إلى البيوت ، فتبين الحال كما قلت
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 288 سطر 19 الى ص 296 سطر 18 فلم تدخل الزوار إلى البيوت وجلسوا في ظلالها والسماء متغيمة ، فأخذتني لهم رقة شديدة ، وأصابني انكسار عظيم ، وتوجهت إلى الله بالدعاء والتوسل بالنبي وآله ، وطلبت إغاثة الزوار مما هم فيه .
فبينما أنا على هذا الحال إذ أقبل فارس على فرس رابع ( 1 ) كريم لم أر مثله

________________________________________________________________
( 1 ) يعنى أنه داخل في السنة الخامسة ، يقال : اربع الغنم : دخلت في السنة الرابعة والبقر وذوات الحافر : دخلت في السنة الخامسة ، وذوات الخف دخلت في السابعة .

[289]


وبيده رمح طويل وهو مشمر عن ذراعيه ، فأقبل يخب به جواده ( 1 ) حتى وقف على البيت الذي أنافيه ، وكان بيتا من شعر مرفوع الجوانب ، فسلم فرددناعليه السلام ثم قال : يا مولانا يسميني باسمي بعثني من يسلم عليك ، وهم كنج محمد آغا وصفر آغا ، وكانا من قواد العساكر العثمانية يقولان فليأت بالزوار ، فانا قد طردنا عنزة عن الطريق ، ونحن ننتظره مع عسكرنا في عرقوب السليمانية على الجادة ، فقلت له : وأنت معنا إلى عرقوب السليمانية ؟ قال : نعم ، فأخرجت الساعة وإذا قد بقي من النهارساعتان ونصف تقريبا فقلت : بخيلنا ، فقدمت إلينا ، فتعلق بي ذلك البدوي الذي نحن عنده وقال : يا مولاي لا تخاطر بنفسك وبالزوار وأقم الليلة حتى يتضح الامر ، فقلت له : لا بد من الركوب لادراك الزيارة المخصوصة .
فلما رأتنا الزوار قد ركبنا ، تبعوا أثرنا بين حاشر وراكب فسرنا والفارس المذكور بين أيدينا كأنه الاسد الخادر ، ونحن خلفه ، حتى وصلنا إلى عرقوب السليمانية فصعد عليه وتبعناه في الصعود ، ثم نزل وارتقينا على أعلى العرقوب فنظرنا ولم نر له عينا ولا أثرا ، فكأنما صعد في السماء أو نزل في الارض ولم نر قائدا ولا عسكرا .
فقلت لمن معي : أبقي شك في أنه صاحب الامر ؟ فقالوا : لا والله ، وكنت وهو بين أيدينا اطيل النظر إليه كأني رأيته قبل ذلك ، لكنني لا اذكر أين رأيته فلما فارقناتذكرت أنه هو الشخص الذي زارني بالحلة ، وأخبرني بواقعة السليمانية .
وأما عشيرة عنزة ، فلم نر لهم اثرا في منازلهم ، ولم نر أحدا نساله عنهم سوى أنا رأينا غبرة شديدة مرتفعة في كبد البر ، فوردناكربلا تخب بنا خيولنا

________________________________________________________________
( 1 ) الخبب : مراوحة الفرس بين يديه ورجليه اى قام على أحداهما مرة وعلى الاخرى مرة ، وقيل هو السرعة .

[290]


فوصلنا إلى باب البلاد ، وإذا بعسكر على سور البلد فنادوا من أين جئتم ؟ وكيف وصلتم ؟ ثم نظروا إلى سواد الزوار ثم قالوا سبحان الله هذه البرية قد امتلات من الزوار أجل أين صارت عنزة ؟ فقلت لهم : اجلسوا في البلد وخذوا أرزاقكم ولمكة رب يرعاها .
ثم دخلنا البلد فاذا أنابكنج محمد آغا جالسا على تخت قريب من الباب فسلمت عليه فقام في وجهي فقلت له : يكفيك فخرا أنك ذكرت باللسان ، فقال : ما الخبر ؟ فأخبرته بالقصة ، فقال لي : يا مولاي من أين لي علم بأنك زائر حتى أرسل لك رسولا وأنا وعسكري منذ خمسة عشر يوما محاصرين في البلد لا نستطيع أن نخرج خوفا من عنزة ، ثم قال : فأين صارت عنزة ؟ قلت : لا علم لي سوى أني رأيت غبرة شديدة في كبد البر كأنها غبرة الظعائن ثم أخرجت الساعة وإذا قد بقي منالنهار ساعة ونصف ، فكان مسيرنا كله في ساعة وبين منازل بني طرف وكربلا ثلاث ساعات ثم بتنا تلك الليلة في كربلا .
فلما أصبحنا سألنا عن خبر عنزة فأخبر بعض الفلاحين الذين في بساتين كربلا قال : بينما عنزة جلوس في أنديتهم بيوتهم إذا بفارس قد طلع عليهم على فرس مطهم ، وبيده رمح طويل ، فصرخ فيهم بأعلى صوته يا معاشر عنزة قد جاء الموت الزؤام ( 1 ) عساكر الدولة العثمانية تجبهت عليكم بخيلها ورجلها ، وها هم على أثري مقبلون فارحلوا وما أظنكم تنجون منهم .
فألقى الله عليهم الخوف والذل حتى أن الرجل يترك بعض متاع بيته استعجالا بالرحيل ، فلم تمض ساعة حتى ارتحلوا باجمعهم وتوجهوا نحو البر فقلت له : صف لي الفارس فوصف لي وإذا هو صاحبنا بعينه ، وهو الفارس الذي جاءنا والحمد لله رب العالمين ، والصلاة على محمد وآله الطاهرين حرره الاقل ميرزا صالح الحسيني .

________________________________________________________________
( 1 ) الزؤام من الموت : الكريه أو المجهز السريع .