[ 21 ]
إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن
ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيزي الله الشاكرين " ( 1 ) .
يا مفضل ويقوم الحسن عليه السلام إلى جده صلى الله عليه وآله فيقول : يا جداه
كنت مع أميرالمؤمنين في دار هجرته بالكوفة حتى استشهد بضربة عبدالرحمان
ابن ملجم لعنه الله فوصاني بما وصيته ياجداه ، وبلغ اللعين معاوية قتل أبي
فأنفذ الدعي اللعين زيادا إلى الكوفة في مائة ألف وخمسين الف مقاتل ( 2 ) فأمر
بالقبض علي وعلى اخي الحسين وسائر إخواني وأهل بيتي ، وشيعتنا وموالينا وأن
يأخذ علينا البيعة لمعاوية لعنه الله ، فمن يأبى منا ضرب عنقه وسير إلى معاوية رأسه .
فلما علمت ذلك من فعل معاوية ، خرجت من داري ، فدخلت جامع
الكوفة للصلاة ، ورقأت المنبر واجتمع الناس ، فحمدت الله وأثنيت عليه ، وقلت :
معشر الناس عفت الديار ، ومحيت الآثار ، وقل الاصطبار ، فلا قرار على همزات
الشياطين وحكم الخائنين ، الساعة والله صحت البراهين ، وفصلت الآيات ، وبانت
المشكلات ، ولقد كنا نتوقع تمام هذه الآية تأويلها قال الله عزوجل " وما محمد
إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن
ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " ( 32 ) فلقد مات والله
________________________________________________________________
( 1 ) آل عمران : 144 .
( 2 ) هو زياد بن عبيد الثقفي الذي استلحقه معاوية وجعله أخا له من ابي سفيان ، وقد
كان حين قتل علي عليه السلام عاملا له على بلاد فارس وكرمان ، يبغض معاوية وبشنأه .
فأطمعه معاوية وكاتبه وراسله بعد أن صالح مع الحسن السبط عليه السلام فخرج زياد
من معقله بفارس بعد ما استوثق من معوية لنفسه ، فجاءه في دمشق وسلم عليه بامرة المؤمنين .
فكما ترى أراد كاتب هذا الحديث أن يعلل صلح الحسن السبط مع معوية بأنه عليه السلام
كان مهضوما وحيدا لا يستطيع أن يبارزه ، لكنه جاء بترهات من مخائله تخالف التاريخ
الواضح المشهور من رأس .
( 3 ) آل عمران : 144 .
[ 22 ]
جدي رسول الله صلى الله عليه ونله وقتل أبي عليه السلام وصاح الوسواس الخناس في قلوب الناس
ونعق ناعق الفتنة ، وخالفتم السنة ، فيالها من فتنة صماء عمياء ، لا يسمع لداعيها
ولا يجاب مناديها ، ولا يخالف واليها ، ظهرت كلمة النفاق ، وسيرت رايات أهل
الشقاق ، وتكالبت جيوش أهل المراق ، من الشام والعراق ، هلموا رحمكم الله إلى
الافتتاح ، والنور الوضاح ، والعلم الجحجاج ، والنور الذي لا يطفى ، والحق الذي
لا يخفى .
أيها الناس تيقظوا من رقدة الغفلة ، ومن تكاثف الظلمة ( 1 ) فوالذي فلق
الحبة ، وبرء النسمة ، وتردى بالعظمة ، لئن قام إلي منكم عصبة بقلوب صافية
ونيات مخلصة ، لا يكون فيها شوب نفاق ، ولا نية افتراق ، لاجاهدن بالسيف
قدما قدما ، ولاضيقن من السيوف جوانبها ( 2 ) ومن الرماح أطرافها ، ومن
الخيل سنابكها ، فتكلموا رحمكم الله .
فكأنما ألجموا بلجام الصمت عن إجابة الدعوة ، إلا عشرون رجلا فانهم
قاموا إلي فقالوا : يا ابن رسول الله ما نملك إلا أنفسنا وسيوفنا ، فها نحن بين يديك
لامرن طائعون ، وعن رأيك صادرون ، فمرنا بما شئت ! فنظرت يمنة ويسرة فلم أر
أحدا غيرهم .
فقلت : لي اسوة بجدي رسول الله حين عبدالله سرا ، وهو يومئذ في تسعة
وثلاثين رجلا فلما أكمل الله له الاربعين صار في عدة واظهر أمر الله ، فلو كان
معي عدتهم جاهدت في الله حق جهاده .
ثم رفعت رأسي نحو السماء فقلت : اللهم إني قد دعوت وأنذرت ، وأمرت
ونهيت ، وكانوا عن إجابة الداعي غافلين ، وعن نصرته قاعدين ، وعن طاعته مقصرين
ولاعدائه ناصرين ، اللهم فأنزل عليهم رجزك ، وبأسك وعذابك ، الذي لا يرد عن
القوم الظالمين ونزلت .
________________________________________________________________
( 1 ) في الاصل المطبوع " ومن تكانيف الظلمة " فتحرر .
( 2 ) كأن الضمير يرجع إلى دمشق الشام .
[ 23 ]
ثم خرجت من الكوفة راحلا إلى المدينة ، فجاؤني يقولون : إن معاوية
أسرى سراياه إلى الانبار والكوفة ، وشن غاراته على المسلمين ، وقتل من لم يقاتله
وقتل النساء والاطفال ، فأعلمتهم أنه لا وفاء لهم ، فأنفذت معهم رجالا وجيوشا
وعرفتهم أنهم يستجيبون لمعاوية ، وينقضون عهدي وبيعتي ، فلم يكن إلا ما قلت
لهم ، وأخبرتهم .
ثم يقوم الحسين عليه السلام مخضبا بدمه هو وجميع من قتل معه ، فاذا رآه رسول
الله صلى الله عليه وآله بكى وبكى أهل السماوات والارض لبكائه ، وتصرخ فاطمة عليها السلام فتزلزل
الارض ومن عليها ، ويقف أمير المؤمنين والحسن عليهما عن يمينه ، وفاطمة عن
شماله ، ويقبل الحسين عليه السلام فيضمه رسول الله رسول الله صلى الله عليه ونله إلى صدره ، ويقول : يا حسين !
فديتك قرت عيناك وعيناي فيك ، وعن يمين الحسين حمزة أسد الله في ارضه ، وعن
شماله جعفر بن ابي طالب الطيار ، ويأتي محسن تحمله خديجة بنت خويلد ، وفاطمة
بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه السلام وهن صارخات وأمة فاطمة تقول " هذا يومكم الذي
كنتم توعدون " ( 1 ) اليوم " تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من
سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا " ( 2 ) .
قال : فبكى الصادق عليه السلام حتى اخضلت لحيته بالدموع ، ثم قال : لاقرت
عين لا تبكي عند هذا الذكر ، قال : وبكى المفضل بكاء طويلا ثم قال : يا مولاي
ما في الدموع يا مولاي ؟ فقال : ما لا يحصى إذا كان من محق .
ثم قال المفضل : يا مولاي ما تقول في قوله تعالى " وإذا الموؤدة سئلت * بأي
ذنب قتلت " ( 3 ) قال : يا مفضل والموؤدة والله محسن ، لانه منا لا غير ، فمن
قال غير هذا فكذبوه .
قال المفضل : يا مولاي ثم ماذا ؟ قال الصادق عليه السلام : تقوم فاطمة بنت رسول
الله صلى الله عليه وآله فيقول : اللهم أنجز وعدك وموعدك لي فيمن ظلمني وغصبني ، وضربني و
________________________________________________________________
( 1 ) الانبياء : 103 .
( 2 ) آل عمران : 30 .
( 3 ) التكوير : 8 .
[ 24 ]
جزعني بكل أولادي ، مفتبكيها ملائكة السماوات السبع وحملة العرش ، وسكان
الهواء ، ومن في الدنيا ، ومن تحت أطباق الثرى ، صائحين صارخين إلى الله
تعالى ، فلا يبقى احد ممن قاتلنا وظلمنا ورضي بما جرى علينا إلا قتل في ذلك
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 24 سطر 4 الى ص 32 سطر 4
اليوم ألف قتلة ( 1 ) دون من قتل في سبيل الله ، فانه لا يذوق الموت وهنو كما قال الله
عزوجل " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون *
فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا
خوف عليهم ولا هم يحزنون " ( 2 ) .
قال المفضل : يا مولاي إن من شيعتكم من لا يقول برجعتكم ؟ فقال عليه السلام :
إنما سمعوا قول جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن سائر الائمة نقول : " ولنذيقنهم
من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر " ( 3 ) قال الصادق عليه السلام : العذاب الادنى
عذاب الرجعة ، والعذاب الاكبر عذاب يوم القيامة " الذي تبدل الارض غير الارض
والسموات وبرزوا لله الواحد القهار " ( 4 ) .
قال المفضل : يا مولاي نحن نعلم أنكم اختيار الله في قوله تعالى : " نرفع
درجات من نشاء " ( 5 ) وقوله : " الله أعلم حيث يجعل رسالاته " ( 6 ) وقوله : " إن
________________________________________________________________
( 1 ) توهم الكاتب أن القتل ألف قتلة اشد عليهم من نار الجحيم أعاذنا الله منه
واله تعالى يقول : " لا يقضى عليهم فيموتوا " ويحكى عنهم أنهم يقولون : " يا مالك ليقض
علينا ربك " .
هذا مع ما ورد أنه لا سبيل بعد الحشر إلى الممات .
ثم العجب استثناؤه من
هؤلاء الظلمة ، الذين استشهدوا في سبيل الله لقوله تعالى " بل أحياء " والحال أنه تعالى
يقول " لا يفلح الظالمون " .
( 2 ) آل عمران : 169 و 170 .
( 3 ) السجدة : 21 .
ومراد الكاتب أن ضمير الجمع في قوله تعالى : " لنذيقنهم "
يراد به رسول الله والائمة عليهم السلام .
( 4 ) ابراهيم : 48 .
( 5 ) الانعام : 83 ، يوسف : 76 .
( 6 ) الانعام : 124 .
[ 25 ]
الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من
بعض والله سميع عليم " ( 1 ) .
قال الصادق عليه السلام : يامفضل فأين نحن في هذه الآية ؟ قال المفضل : فوالله
" إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبقي والذين آمنوا والله ولي
المؤمنين " ( 2 ) وقوله : " ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين " ( 3 ) وقوله :
عن إبراهيم " واجنبني وبني أن نعبد الاصنام " ( 4 ) وقد علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله
وأمير المؤمنين عليه السلام ماعبدا صنما ولا وثنا ولا اشركا بالله طرفة عين .
وقوله : " وإذا ابتلى
إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي
قال لا ينال عهدي الظالمين " ( 5 ) والعهد عهد الامامة لا يناله ظالم .
قال : يا مفضل وما علمك بأن الظالم لا ينال عهد الامامة ؟ قال المفضل :
يا مولاي لا تمتحني بما لا طاقة لي به ، ولا تختبرني ولا تبتلني ، فمن علمكم علمت
ومن فضل الله عليكم أخذت .
قال الصادق عليه السلام : صدقت يا مفضل ولولا اعترافك بنعمة الله عليك في ذلك
لما كنت هكذا فأين يا مفضل الآيات من القرآن في أن الكافر ظالم ؟ قال : نعم
يا مولاي قوله تعالى : " والكافرون هم الظالمون ( 6 ) " والكافرون هم الفاسقون " ومن
كفر وفسق وظلم لا يجعله الله للناس إماما .
قال الصادق عليه السلام : أحسنت يا مفضل فمن اين قلت برجعتنا ؟ ومقصرة
________________________________________________________________
( 1 ) آل عمران : 33 .
( 2 ) آل عمران : 68 .
( 3 ) الحج : 78 .
( 4 ) ابراهيم : 35 .
( 5 ) البقرة : 124 .
( 6 ) البقرة : 254 ، وما بعده آية متوهمة لا توجد في القرآن كيف والفاسق هو الذي
دخل في جماعة المسلمين ، لكنه فسق وخرج عن حكم الله ، والكافر لم يدخل في حكم الله
بعد ، ولذلك يقول الله عزوجل : " ان المنافقين هم الفاسقون " براءة : 68 .
ويقول : " ومن
لم يحكم بما أنزل الله فأولئك الفاسقون " المائدة : 47 وغير ذلك .
[ 26 ]
شيعتنا تقول : معنى الرجعة أن يرد الله إلينا ملك الدنيا وأن يجعله للمهدي .
ويحهم متى سلبنا الملك حتى يرد علينا .
قال المفضل : لا والله وما سلبتموه ولا تسلبونه لانه ملك النبوة والرسالة
والوصية والامامة .
قال الصادق عليه السلام : يا مفضل لو تدبر القرآن شيعتنا لما شكوا في فضلنا أما
سمعوا قوله عزوجل " ونريد أن نمن معلى الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة
ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم
ما كانوا يحذرون " ( 1 ) .
والله يا مفضل إن تنزيل هذه الآية في بني إسرائيل وتأويلها فينا وإن
فرعون وهامان تيم وعدي .
قال المفضل : يا مولاي فالمتعة ؟ قال : المتعة حلال طلق والشاهد بها قول
الله عزوجل " ولا جناح عليكم فيمال عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم
علم الله أنكم ستذكرونهن ، ولكن لا تواعدوهن سرا ، إلا أن تقولوا قولا
معروفا " ( 2 ) أي مشهودا والقول المعروف هو المشتهر بالولي والشهود ، وإنما احتيج
إلى الولي والشهود في النكاح ، ليثبت النسل ويصح النسب ويستحق الميراث ، وقوله
" وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " ( 3 )
وجعل الطلاق في النساء المزوجات غير جائز إلا بشاهدين ذوي عدل من المسلمين وقال
في سائر الشهادات على الدماء والفروج والاموال والاملاك : " واستشهدوا شهيدين
من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء " ( 4 ) .
وبين الطلاق عز ذكره فقال : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن
لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم " ( 5 ) ولو كانت المطلقة تبين بثلاث تطليقات
________________________________________________________________
( 1 ) القصص : 5 و 6 .
( 2 ) البقرة : 235 .
( 3 ) النساء : 4 .
( 4 ) البقرة : 228 .
( 5 ) الطلاق : 21 .
[ 27 ]
تجمعها كلمة واحدة أو أكثر منها أو أقل لما قال الله تعالى " وأحصوا العدة واتقوا
الله ربكم " إلى قوله : " تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري
لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا * فاذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أوفارقوهن
بمعروف واشهدوا ذوي عدل منكم ، وأقيموا الشهادة لله ، ذلكم يوعظ به من كان
يؤمن بالله واليوم الآخر " وقوله : " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " هو نكر
يقع بين الزوج وزوجته ، فيطلق التطليقة الاولى بشهادة ذوي عدل .
وحد وقت التطليق هو آخر القروء ، والقرء هو الحيض ، والطلاق يجب عند
آخر نقطة بيضاء تنزل بعد الصفرة والحمرة ، وإلى التطليقة الثانية والثالثة ما يحدث
الله بينهما ، عطفا أو زوال ما كرهاه ، وهو قوله : " والمطلقات يتربصن بأنفسهن
ثلاثة قروء ، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله
واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ، ولهن مثل الذي
عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم " ( 1 ) هذا لقوله في أن
للبعولة مراجعة النساء من تطليقة إلى تطليقة ، إن أرادوا إصلاحا وللنساء مراجعة
الرجال في مثل ذلك .
ثم بين تبارك وتعالى فقال : " الطلاق مرتان : فإمساك بمعروف أو تسريح
باحسان " .
وفي الثالثة ، فان طلق الثالثة بانت فهو قوله : " فان طلقها فلا تحل له
من بعد حتى تنكح زوجا غيره " ( 2 ) ثم يكون كسائر الخطاب لها .
والمتعة التي أحلها الله في كتابه وأطلقها الرسول عن الله لسائر المسلمين فهي
قوله عزوجل : " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم
وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ، فما استمتعتم
به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد
الفريضة إن الله كان عليما حكيما " ( 3 ) والفرق بين المزوجة والمتعة أن للزوجة
________________________________________________________________
( 1 ) البقرة : 228 و 229 .
( 2 ) البقرة : 230 .
( 3 ) النساء : 23 .
[ 28 ]
صداقا وللمتعة أجرة .
فتمتع سائر المسلمين ( 1 ) على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله في الحج وغيره ، وأيام
أبي بكر ، واربع سنين ، أيام عمر ، حتى دخل على أخته عفرا فوجد في حجرها
طفلا يرضع من ثديها فنظر إلى درة اللبن في فم الطفل فأغضب وأرعد واربد
وأخذ الطفل على يده ، وخرج حتى أتى المسجد ، ورقا المنبر وقال : نادوا في الناس
إن الصلاة جامعة ، وكان غير وقت صلاة يعلم الناس أنه لامر يريده عمر فحضروا
فقال : معاشر الناس من المهاجرين والانصار وأولاد قحطان من منكم يحب أن يرى
المحرمات عليه من النساء ، ولها مثل هذاالطفل ؟ قد خرج من أحشائها وهو يرضع
على ثديها وهي غير متبعلة ؟ فقال بعض القوم : ما نحب هذا ؟ فقال : ألستم تعلمون
أن أختي عفرا ( 2 ) بنت خيثمة أمي وابي الخطاب غير متبعلة ؟ قالوا : بلى قال : فاني
دخلت عليها في هذه الساعة ، فوجدت هذا الطفل في حجرها فناشدتها أنى لك هذا ؟
فقالت : تمتعت .
فأعلموا سائر الناس ! أن هذه المتعة التي كانت حلالا للمسلمين في عهد
رسول الله صلى الله عليه وآله قد رأيت تحريمها ، فمن أبي أبي ضربت جنبيه بالسوط ( 3 ) فلم يكن
________________________________________________________________
( 1 ) السائر بمعنى الباقي ، وقولهم سائر الناس همج : اى باقى الناس باتفاق أهل
اللغعة كما في اللسان .
وقد يستعمل في كلام المولدين بمعنى الجميع كما في هذا الكلام
نعم ، قال الجوهري في الصحاح : وسائر الناس : جميعهم .
( 2 ) لم يعنونها أصحاب الرجال وانما عنونوا صفية بنت الخطاب كانت زوجة قدامة
ابن مظعون ، وأظن القصة مجعولة مختلقة ، فان عمر بن الخطاب كان يتعصب لسنن الجاهلية
ولذلك أنكر على رسول الله صلى الله عليه وآله متعة الحج ولم يحل عن احرامه في حجة الوداع
مع أنه لم يسق الهدى ، وقال " أننطلق وذكر أحدنا تقطر " فالظاهر أنه كان يجد انكار متعة
النساء في نفسه من زمن رسول الله صلى الله عليه وآله .
لا أنه دخل على عفراء الخ .
( 3 ) بل كان أوعد على المتعة بالرجم ، ففى صحيح مسلم ج 1 ص 467 عن ابي نضرة
قال : كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها ، قال : فذكرت ذلك لجابر
[ 29 ]
في القوم منكر قوله ، ولا راد عليه ، ولا قائل لا يأتي رسول بعد رسول الله أو كتاب بعد
كتاب الله ، لا نقبل خلافك على الله وعلى رسوله وكتابه .
بل سلموا ورضوا .
قال المفضل : يا مولاي فما شرائط المتعة ؟ قال : يا مفضل لها سبعون شرطا
________________________________________________________________
ابن عبدالله فقال : على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فلما قام عمر
اي بأمر الخلافة قال : ان الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء ، وان القرآن قد نزل
منازله ، فأتموا الحج والعمرة كما أمركم والله وأبتوا نكاح هذه النساء ، فلن اوتي برجل
نكح امرأة إلى أجل الا رجمته بالحجارة .
وفي سنن البيهقي ج 7 ص 206 عن أبي نضرة مثل هذا الحديث ولفظه :
قال : قلت : ان ابن الزبير ينهى عن المتعة ! وان ابن عباس يأمر بها ؟ ! فقال :
يعني جابر على يدى جرى الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومع
أبي بكر ، فلما ولى عمر خطب الناس فقال : ان رسول الله صلى الله عليه وآله هذا الرسول ، وان
القرآن هذا القرآن ، وانهما كانتا متعتان على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما :
أحدهما متعة النساء ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل ، الا غيبته بالحجارة .
وكيف كان فقد استفاض عنه قوله " متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أحرمهما وأعاقب
عليهما " كما تجده في أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 342 ، الحيوان للجاحظ ج 4 ص
278 ، البيان والتبيين له ج 2 ص 282 ، شرح النهج لابن ابي الحديد ج 1 ص 182
( الخطبة الشقشقية ) وهكذا ج 12 ص 251 ( الخطبة 223 ) وفيات الاعيان للقاضي أحمد
ابن خلكان ج 2 ص 359 ( ط ايران ترجمة يحيى بن اكثم " ونقله ارباب التفاسير عند
قوله تعالى " فما استمتعتم به منهن " منهم الفخر الرازي في ج 10 ص 50 من تفسيره الكبير
والطبرسي في مجمع البيان ج 3 ص 32 .
وفي رواية اخرى وارسلها القوشجى في أواخر مباحث الامامة من كتابه شرح التجريد
ص 408 " ط ايران 1301 ) : أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهن
وأحرمهن ، وأعاقب عليهن : متعة الاحج ، ومتعة النساء ، وحي على خير العمل .
وان شئت فراجع الدر المنثور ج 2 ص 139 141 ، ترى فيهاروايات كثيرة
في ذلك .
[ 30 ]
من خالف فيها شرطا واحدا ظلم نفسه ، قال : قلت : يا سيدي قد أمرتمونا أن لا نتمتع
ببغية ولا مشهورة بفساد ولا مجنونة وأن ندعو المتعة إلى الفاحشة ، فان أجابت فقد
حرم الاستمتاع بها ، وأن نسأل أفارغة أم مشغولة ببعل أو حمل أو بعدة ؟ فان
شغلت بواحدة من الثلاث فلا تحل ، وإن خلت فيقول لها : متعيني نفسك على كتاب
الله عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله نكاحا غير سفاح أجلا معلوما بأجرة معلومة وهي
ساعة أو يوم أو يومان أو شهر أو سنة أو ما دون ذلك أو أكثر ، والاجرة ما تراضيا عليه
من حلقة خاتم أو شيع نعل أو شق تمرة إلى فوق ذلك من الدراهم والدنانير أو
عرض ترضى به ، فان وهبت له حل له كالصداق الموهوب من النساء المزوجات
الذين قال الله تعالى فيهن : " فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " ( 1 ) .
ثم يقول لها : على ألا ترثيني ولا أرثك ، وعلى أن الماء لي أضعه منك حيث
أشاء ، وعليك الاستبراء خمسة وأربعين يوما أو محيضا واحدا ، فاذا قالت : نعم
أعدت القول ثانية وعقدت النكاح ، فان أحببت وأحبت هي الاستزادة في الاجل
زدتما ، وفيه ما رويناه ( 2 ) فان انت تفعل فعليها ما تولت من الاخبار عن نفسها ولا
________________________________________________________________
( 1 ) النساء : 4 .
( 2 ) يجوز الاستزادة في المدة لكنه بعد انقضاء المدة أو بذلها بعقد جديد وليس عليها
عدة منه ففي الكافي ج 5 ص 458 عن أبان بن تغلب قال : قلت لابي عبدالله عليه السلام :
جعلت فداك الرجل يتزوج المرأة متعة فيتزوجها على شهر ثم انها تقع في قلبه فيجب أن
يكون شرطه أكثر من شهر ، فهل يجوز أن يزيدها في أجرها ويزداد في الايام قبل أن تنقضى
أيامه التي شرط عليها ؟ فقال : لا ، لا يجوز شرطان في شرط يعني أجلان في عقد قلت :
فكيف يصنع ؟ قال : يتصدق عليها بما بقى من الايام ثم يستأنف شرطا جديدا .
نعم نقل العلامة في المختلف جواز الزيادة في الاجل والمهر قبل انقضاء المدة
ايضا فراجع .
واعلم أن ما ذكره الكاتب في هذا الفصل مروى بروايات أهل البيت عليهم السلام ، تراها
منبثة في كتاب النكاح أبواب المتعة من الوسائل .