[291]
قلت : وهذه الحكاية سمعتها شفاها منه أعلى الله مقامه ، ولم يكن هذه
الكرامات منه ببعيدة ، فانه ورث العلم والعمل منعمه الاجل الاكمل السيد
باقر القزويني خاصة السيد الاعظم ، والطود الاشيم ، بحر العلوم أعلى الله تعالى
درجتهم ، وكان عمه ادبه ورباه وأطلعه على الخفايا والاسرار ، حتى بلغ مقاما
لا يحوم حوله الافكار ، وحاز من الفضائل والخصائص ما لم يجتمع في غيره من
العلماء الابرار .
منها أنه بعد ما هاجر إلى الحلة واستقر فيها وشرع في هداية الناس وإيضاح
الحق وإبطال الباطل ، صار ببركة دعوته من داخل الحلة وأطرافها من الاعراب
قريبا من مائة ألف نفس شيعيا إماميا مخلصا مواليا لاولياء الله ، ومعاديا لاعداء
الله .
بل حدثني طاب ثراه أنه لما ورد الحلة لم يكن في الذين يدعون التشيع
من علائم الامامية وشعارهم ، إلا حمل موتاهم إلى النجف الاشرف ، ولا يعرفون
من أحكامهم شيئا حتى البراءة من أعداء الله ، وصاروا بهدايته صلحاء أبرار أتقياء
وهذه منقبة عظيمة اختص بها من بين من تقدم عليه وتأخر .
ومنها الكمالات النفسانية من الصبر والتقوى ، وتحمل أعباء العبادة ، و
سكون النفس ، ودوام الاشتغال بذكر الله تعالى ، وكان رحمه الله لا يسأل في بيته
عن أحد من أهله وأولاده ما يحتاج إليه من الغداء والعشاء والقهوة والغليان وغيرها
عند وقتها ، ولا يأمر عبيده وإماءه بشئ منها ، ولولا التفاتهم ومواظبتهم لكان يمر
عليه اليوم والليلة من غير أن يتناول شيئا منها مع ما كان عليه من التمكن والثروة
والسلطنة الظاهرة ، وكان يجيب الدعوة ، ويحضر الولائم والضيافات ، لكن يحمل
معه كتبا ويقعد في ناحية ، ويشتغل بالتأليف ، ولا خبر له عما فيه القوم ، ولا يخوض
معهم في حديثهم إلا أن يسأل عن أمر ديني فيجيبهم .
وكان دأبه في شهر الصيام أن يصلي المغرب في المسجد ويجتمع الناس ، ويصلي
بعده النوافل المرتبة في شهر رمضان ، ثم يأتي منزله ويفطر ويرجع ويصلي العشاء
[292]
بالناس ، ثم يصلي نوافلها المرتبة ، ثم يأتي منزله والناس معه على كثرتهم
فلما اجتمعوا واستقروا ، شرع واحد من القراء فيتلو بصوت حسن رفيع آيات
من كتاب الله في التحذير والترغيب ، والموعظة ، مما يذوب منه الصخر الاصم
ويرق القلوب القاسية ، ثم يقرء آخرا خطبة من مواعظ نهج البلاغة ، ثم يقرء آخرا
تعزية أبي عبدالله عليه السلام ثم يشرع أحد من الصلحاء في قراءة أدعية شهر رمضان
ويتابعه الآخرون إلى أن يجئ وقت السحور ، فيتفرقون ويذهب كل إلى
مستقره .
وبالجملة فقد كان في المراقبة ، ومواظبة الاوقات والنوافل والسنن والقراءة
مع كونه طاعنا في السن آية في عصره ، وقد كنا معه في طريق الحج ذهابا
وإيابا وصلينا معه في مسجد الغدير ، والجحفة ، وتوفي رحمه الله الثاني عشر من
ربيع الاول سنة 1300 قبل الوصول إلى سماوة ، بخمس فراسخ تقريبا ، وقد ظهر
منه حين وفاته من قوة الايمان والطمأنينة والاقبال وصدق اليقين ما يقضي منه
العجب ، وظهر منه حينئذ كرامة باهرة بمحضر من جماعة ، من الموافق والمخالف
ليس هنا مقام ذكرها .
ومنها التصانيف الرائقة الكثيرة ، في الفقه والاصول والتوحيد والكلام
وغيرها ، ومنها كتاب في إثبات كون الفرقة الناجية فرقة الامامية أحسن ما كتب
في هذا الباب ، طوبى له وحسن مآب .
الحكاية السابعة والاربعون
حدثني العالم الجليل ، والحبر النبيل ، مجمع الفضائل والفواضل ، الصفي
الوفي المولى على الرشتي طاب ثراه وكان عالما برا تقيا زاهدا حاويا لانواع العلم
بصيرا ناقدا من تلامذة السيد السند الاستاذ الاعظم دام ظله ، ولما طال شكوى
أهل الارض ، حدود فارس ومن والاه إليه من عدم وجود عالم عامل كامل نافذ الحكم
فيهم أرسله إليهم عاش فيهم سعيدا ومات هناك حميدا رحمه الله ، وقد صاحبته مدة
[293]
سفرا وحضرا ولم أجد في خلقه وفضله نظيرا إلا يسيرا .
قال : رجعت مرة من زيارة أبي عبدالله عليه السلام عازما للنجف الاشرف من طريق
الفرات ، فلما ركبنا في بعض السفن الصغار التي كانت بين كربلا وطويرج ، رأيت
أهلها من أهل حلة ، ومن طويرج تفترق طريق الحلة والنجف ، واشتغل الجماعة
باللهو واللعب والمزاح ، رأيت واحدا منهم لا يدخل في عملهم ، عليه آثار السكينة
والوقار لا يمازح ولا يضاحك ، وكانوا يعيبون على مذهبه ويقدحون فيه ، ومع
ذلك كان شريكا في اكلهم وشربهم ، فتعجبت منه إلى أن وصلنا إلى محل كان الماء
قليلا فأخرجنا صاحب السفينة فكنا نمشي على شاطئ النهر .
فاتفق اجتماعي مع هذا الرجل في الطريق ، فسألته عن سبب مجانبته عن
أصحابه ، وذمهم إياه ، وقدحهم فيه ، فقال : هؤلاء من أقاربي من أهل السنة ، وأبي
منهم وأمي من أهل الايمان ، وكنت أيضا منهم ، ولكن الله من علي بالتشيع
ببركة الحجة صاحب الزمان عليه السلام ، فسألت عن كيفية إيمانه ، فقال : اسمي ياقوت
وأنا أبيع الدهن عند جسر الحلة ، فخرجت في بعض السنين لجلب الدهن ، من أهل
البراري خارج الحلة ، فبعدت عنها بمراحل ، إلى أن قضيت وطري من شراء ما كنت
أريده منه ، وحملته على حماري ورجعت مع جماعة من أهل الحلة ، ونزلنا في
بعض المنازل ونمنا وانتبهت فما رأيت أحدا منهم وقد ذهبوا جميعا وكان طريقنا في
برية قفر ، ذات سباع كثيرة ، ليس في أطرافها معمورة إلا بعد فراسخ كثيرة .
فقمت وجعلت الحمل على الحمار ، ومشيت خلفهم فضل عني الطريق ، وبقيت
متحيرا خائفا من السباع والعطش في يومه ، فأخذت أستغيث بالخلفاء والمشايخ
وأسألهم الاعانة وجعلتهم شفعاء عند الله تعالى وتضرعت كثيرا فلم يظهر منهم شئ فقلت
في نفسي : إني سمعت من أمي أنها كانت تقول : إن لنا إماما حيا يكنى أبا صالح
يرشد الضال ، ويغيث الملهوف ، ويعين الضعيف ، فعاهدت الله تعالى إن استغثت به
فأغاثني ، أن أدخل في دين أمي .
فناديته واستغثت به ، فإذا بشخص في جنبعي ، وهو يمشي معي وعليه عمامة
[294]
خضراء قال رحمه الله : وأشار حنيئذ إلى نبات حافة النهر ، وقال : كانت خضرتها
مثل خضرة هذا النبات .
ثم دلني على الطريق وأمرني بالدخول في دين امي ، ( 1 ) وذكر كلمات
نسيتها ، وقال : ستصل عن قريب إلى قرية أهلها جميعا من الشيعة ، قال : فقلت :
يا سيدي أنت لا تجيئ معي إلى هذه القرية ، فقال ما معناه : لا ، لانه استغاث بي
ألف نفس في أطراف البلاد أريد أن أغيثهم ، ثم غاب عني ، فما مشيت إلا قليلا
حتى وصلت إلى القرية ، وكان في مسافة بعيدة ، ووصل الجماعة إليها بعدي بيوم
فلما دخلت الحلة ذهبت إلى سيد الفقهاء السيد مهدي القزويني طاب ثراه ، وذكرت
له القصة ، فعلمني معالم ديني ، فسألت عنه عملا أتوصل به إلى لقائه عليه السلام مرة
أخرى فقال : زر أبا عبدالله عليه السلام أربعين ليلة الجمعة ، قال : فكنت أزوره من الحلة
في ليالي الجمع إلى أن بقي واحدة فذهبت من الحلة في يوم الخميس ، فلما وصلت
إلى باب البلد ، فإذا جماعة من أعوان الظلمة يطالبون الواردين التذكرة ، وما
كان عندي تذكرة ولا قيمتها ، فبقيت متحيرا والناس متزاحمون على الباب
فأردت مرارا أن أتخفى وأجوز عنهم ، فما تيسر لي ، وإذا بصاحبي صاحب الامر عليه السلام
في زي لباس طلبة الاعاجم عليه عمامة بيضاء في داخل البلد ، فلما رأيته استغثت به
فخرج وأخذني معه ، وادخلني من الباب فما رآني أحد فلما دخلت البلد افتقدته
من بين الناس ، وبقيت متحيرا على فراقه عليه السلام ، وقد ذهب عن خاطري بعض
ما كان في تلك الحكاية .
الحكاية الثامنة والاربعون
حدثني العالم الجليل ، والمولى النبيل العدل الثقة الرضي المرضي الآميرزا
إسماعيل السلماسي وهو من أوثق أهل العلم والفضل وائمة الجماعة في مشهد
الكاظم عليه السلام عن والده العالم العليم المتقدم ذكره المولى زين العابدين السلماسي
________________________________________________________________
( 1 ) في الاصل المطبوع : " ثم دله على الطريق وأمره بالدخول في دين امه " الخ
وأظنه تصحيفا .
[295]
أو عن أخيه الثقة الصالح الاكبر منه في السن الآميرزا محمد باقر رحمه الله قال
سلمه الله والترديد لتطاول الزمان لان سماعي لهذه الحكاية يقرب من خمسين سنة
قال : قال والدي : مما ذكر من الكرامات للائمة الطاهرين عليهم السلام في سر من رأى
في المائة الثانية ، والظاهر أنه أواخر المائة أو في أوائل المائة الثالثة بعد الالف من
الهجرة أنه جاء رجل من الاعاظم إلى زيارة العسكريين عليهما السلام وذلك في زمن
الصيف وشدة الحر ، وقد قصد الزيارة في وقت كان الكليد دار في الرواق
ومغلقا أبواب الحرم ، ومتهيئا للنوم ، عند الشباك الغربي .
فلما أحس بمجيئ الزوار ، فتح الباب وأراد أن يزوره فقال له الزائر :
خذ هذا الدينار واتركني حتى أزور بتوجه وحضور فامتنع المزور وقال : لا أخرم
القاعدة فدفع إليه الدينار الثاني والثالث فلما رأى المزور كثرة الدنانير ازداد
امتناعا ومنع الزائر من الدخول إلى الحرم الشريف ورد إليه الدنانير .
فتوجه الزائر إلى الحرم وقال بانكسار : بأبي أنتما وأمي اردت زيارتكما
بخضوع وخشوع ، وقد اطلعتما على منعه إياي ، فأخرجه المزور ، وغلق الابواب
ظنامنه أنه يرجع إليه ويعطيه بكل ما يقدر عليه ، وتوجه إلى الطرف الشرقي
قاصدا السلوك إلى الشباك الذي في الطرف الغربي .
فلما وصل إلى الركن وأراد الانحراف إلى طرف الشباك ، رأى ثلاثة
اشخاص مقبلين صافين إلا أن أحدهم متقدم على الذي في جنبه بيسير وكذا
الثاني ممن يليه ، وكان الثالث هو أصغرهم وفي يده قطعة رمح وفي رأسه سنان
فبهت المزور عند رؤيتهم ، فتوجه صاحب الرمح إليه وقد امتلا غيظا واحمرت
عيناه من الغضب ، وحرك الرمح مريدا طعنه قائلا : يا ملعون بن الملعون كأنه
جاء إلى دارك أو إلى زيارتك فمنعته ؟ .
فعند ذلك توجه إليه أكبرهم مشيرا بكفه مانعا له قائلا : جارك ارفق بجارك
فأمسك صاحب الرمح ، ثم هاج غضبه ثانيا محركا للرمح قائلا ما قاله أولا
فأشار إليه الاكبر أيضا كما فعل ، فأمسك صاحب الرمح .
[296]
وفي المرة الثالثة لم يشعر المزور أن سقط مغشيا عليه ، ولم يفق إلا في
اليوم الثاني أو الثالث وهو في داره أتوابه أقاربه ، بعد أن فتحوا الباب عند المساء
لما رأوه مغلقا ، فوجدوه كذلك وهم حوله باكون فقص عليهم ما جرى بينه وبين
الزائر والاشخاص وصاح ادركوني بالماء فقد احترقت وهلكت ، فأخذوا يصبون
عليه الماء ، وهو يستغيث إلى أن كشفوا عن جنبه فرأوا مقدار درهم منه قد اسود
وهو يقول قد طعنني صاحب القطعة .
فعند ذلك اشخصوه إلى بغداد ، وعرضون على الاطباء ، فعجز الاطباء من
علاجه فذهبوا به إلى البصرة وعرضوه على الطبيب الافرنجي فتحير في علاجه لانه
جس يده ( 1 ) فما أحس بما يدل على سوء المزاج وما رأى ورما ومادة في الموضع
المذكور فقال : مبتدئا : إني أظن أن هذا الشخص قد اساء الادب مع بعض الاولياء
فاشتد بهذا البلاء ، فلما يئسوا من العلاج رجعوا به إلى بغداد فمات في الرجوع
إما في الطريق أو في بغداد والظاهر أن اسم هذا الخبيث كان حسانا .
الحكاية التاسعة والاربعون
بغية المريد في الكشف عن أحوال الشهيد للشيخ الفاضل الاجل تلميذه محمد
ابن علي بن الحسن العودي قال في ضمن وقائع سفر الشهيد رحمه الله من دمشق
إلى مصر ما لفظه :
واتفق له في الطريق ألطاف إلهية ، وكرامات جلية حكى لنا بعضها .
منها ما أخبرني به ليلة الاربعاء عاشر ربيع الاول سنة ستين وتسعمائة أنه
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 296 سطر 19 الى ص 304 سطر 18
في الرملة مضى إلى مسجدها المعروف بالجامع الابيض لزيارة الانبياء والذين في
الغار وحده ، فوجد الباب مقفولا وليس في المسيجد أحد ، فوضع يده على القفل
وجذبه فانفتح فنزل إلى الغار ، واشتغل بالصلاة والدعاء ، وحصل له إقبال على الله
________________________________________________________________
( 1 ) يقال : جس الشئ يجس بالضم مسه بيده ليتعرفه .
والمراد أنه أخذ نبضه
فلم يجد اختلالا في الدم يكون سببا لاحتراقه والنهابه .
[297]
بحيث ذهل عن انتقال القافلة ، فوجدها قد ارتحلت ، ولم يبق منها أحد فبقي متحيرا
في أمره مفكرا في اللحاق مع عجزه عن المشي وأخذ اسبابه ومخافته وأخذ يمشي
على أثرها وحده فمشى حتى أعياه التعب ، فلم يلحقها ، ولم يرها من البعد ، فبينما
هو في هذا المضيق إذ أقبل عليه رجل لاحق به وهو راكب بغلا ، فلما وصل إليه
قال له : اركب خلفي فردفه ومضى كالبرق ، فما كان إلا قليلا حتى لحق به القافلة
وأنزله وقال له : اذهب إلى رفقتك ، ودخل هو في القافلة قال : فتحريته مدة
الطريق أني أراه ثانيا فما رأيته اصلا ولا قبل ذلك .
الحكاية الخمسون
قال الشيخ الاجل الاكمل الشيخ علي ابن العالم النحرير الشيخ محمد ابن
المحقق المدقق الشيخ حسن ابن العالم الرباني الشهيد الثاني في الدر المنثور
في ضمن أحوال والده الامجد وكان مجاورا بمكة حيا وميتا أخبرتني زوجته
بنت السيد محمد بن أبي الحسن رحمه الله وأم ولده أنه لما توفي كن يسمعن عنده
تلاوة القرآن ، طول تلك الليلة .
ومما هو مشهور أنه كان طائفا فجاءه رجل بورد من ورد شتاء ليست في تلك
البلاد ، ولا في ذلك الاوان ، فقال له : من أين أتيت ؟ فقال : من هذه الخرابات
ثم أراد أن يراه بعد ذلك السؤال فلم يره .
قلت : ونقل نظيره في البحار ( 1 ) عن شيخه واستاذه السيد المؤيد الامجد
الآميرزا محمد الاسترابادي صاحب الكتب في الرجال وآيات الاحكام وغيرها
ويحتمل الاتحاد وكون الوهم من الراوي لاتحاد الاسم والمكان والعمل ، والله
العالم ، وهذا المقام من الشيخ المزبور غير بعيد فقد رأينا في ظهر نسخة من شرحه
على الاستبصار وكانت من متملكاته ، وكان في مواضع منها خطه وفي ظهره خط
ولده المذكور ما صورته : انتقل مصنف هذا الكتاب وهوالشيخ السعيد الحميد بقية
________________________________________________________________
( 1 ) راجع ج 52 ص 176 .
[298]
العلماء الماضين وخلف الكملاء الراسخين أعني شيخنا ومولانا ومن استفدنا من
بركاته العلوم الشرعية من الحديث والفروع والرجال وغيره ، الشيخ محمد بن
الشهيد الثاني من دار الغرور إلى دار السرور ليلة الاثنين العاشر من شهر ذي القعدة
الحرام سنة ألف وثلاثين من هجرة سيد المرسلين ، وقد سمعت منه قدس الله روحه
قبيل انتقاله بأيام قلائل مشافهة ، وهو يقول لي : إني أنتقل في هذه الايام ، عسى الله
أن يعينني عليها ، وكذا سمعه غيري ، وذلك في مكة المشرفة ، ودفناه برد الله
مضجعه في المعلى قريبا من زار خديجة الكبرى ، حرره الفقير إلى الله الغني
حسين بن حسن العاملي المشغري عامله الله بلطفه الخفي والجلي بالنبي والولي
والصحب الوفي في التاريخ المذكور ، ونقل في الدر المنثور هذه العبارة عن النسخة
المذكورة التي كانت عنده ، ورزقنا الله زيارته .
وفي أمل الآمل : الشيخ حسين بن الحسن العاملي المشغري كان فاضلا
صالحا جليل القدر شاعرا أديبا قرء علي .
الحكاية الحادية والخمسون
ما في كتاب الدمعة الساكبة لبعض الصلحاء من المعاصرين في آخر اللمعة
الاولى ، من النور السادس منه ، في معجزات الحجة عليه السلام .
قال : فالاولى أن يختم الكلام ، بذكر ما شاهدته في سالف الايام ، وهو
أنه اصاب ثمرة فؤادي ومن انحصرت فيه ذكور أولادي ، قرة عيني علي محمد حفظه
الله الفرد الصمد ، مرض يزداد آنا فآنا ويشتد فيورثني أحزانا وأشجانا إلى أن
حصل للناس من برئه اليأس وكانت العلماء والطلاب والسادات الانجاب يدعون
له بالشفاء في مظان استجابة الدعوات كمجالس التعزية وعقيب الصلوات .
فلما كانت الليلة الحادية عشرة من مرضه ، اشتدت حاله وثقلت أحواله
وزاد اضطرابه ، كثر التهابه ، فانقطعت بي الوسيلة ، ولم يكن لنا في ذلك حيلة
فالتجأت بسيدنا القائم عجل الله ظهوره وأرانا نوره ، فخرجت من عنده وأنا في
[299]
غاية الاضطراب ونهاية الالتهاب ، وصعدت سطح الدار ، وليس لي قرار ، وتوسلت
به عليه السلام خاشعا ، وانتدبت خاضعا ، وناديته متواضعا ، وأقول : يا صاحب الزمان
أغثني يا صاحب الزمان ادركني ، متمرغا في الارض ، ومتدحرجا في الطول
والعرض ، ثم نزلت ودخلت عليه ، وجلست بين يديه ، فرأيته مستقر الانفاس
مطمئن الحواس قد بله العرق لابل أصابه الغرق ، فحمدت الله وشكرت نعماءه التي
تتوالى فألبسه الله تعالى لباس العافية ببركته عليه السلام .
الحكاية الثانية والخمسون
العالم الفاضل السيد عليخان الحويزاوي في كتاب خير المقال عند ذكر من
رأى القائم عليه السلام قال : فمن ذلك ما حدثني به رجل من أهل الايمان ممن أثق به
أنه حج مع جماعة على طريق الاحساء في ركب قليل ، فلما رجعوا كان معهم رجل
يمشي تارة ويركب أخرى ، فاتفق أنهم أولجوا في بعض المنازل أكثر من غيره
ولم يتفق لذلك الرجل الركوب ، فلما نزلوا للنوم واستراحوا ، ثم رحلوا
من هناك لم يتنبه ذلك الرجل من شدة التعب الذي اصابه ، ولم يفتقدوه هم
وبقي نائما إلى أن ايقظه حر الشمس .
فلما انتبه لم ير أحدا ، فقام يمشي وهو موقن بالهلاك ، فاستغاث بالمهدي عليه السلام
فبينما هو كذلك ، فاذا هو برجل في زي أهل البادية ، راكب ناقته قال : فقال :
يا هذا أنت منقطع بك ؟ قال : فقلت : نعم ، قال : فقال : أتحب أن ألحقك
برفقائك ؟ قال : قلت : هذا والله مطلوبي لا سواه ، فقرب مني وأناخ ناقته ، وأردفني
خلفه ، ومشى فما مشينا خطا يسيرة إلا وقد أدركنا الركب ، فلما قربنا منهم
أنزلني وقال : هؤلاء رفقاؤك ثم تركني وذهب .
[300]
الحكاية الثالثة والخمسون
وفيه ومن ذلك ما حدثني به رجل من اهل الايمان من أهل بلادنا ، يقال
له : الشيخ قاسم ، وكان كثير السفر إلى الحج قال : تعبت يوما من المشي ، فنمت
تحت شجرة فطال نومي ومضى عني الحاج كثيرا فلما انتبهت علمت من الوقت
أن نومي قد طال وأن الحاج بعد عني ، وصرت لا أدري إلى أين أتوجه ، فمشيت
على الجهة وأنا أصيح باعلى صوتي : ياباصالح قاصدا بذلك صاحب الامر عليه السلام
كما ذكره ابن طاوس في كتاب الامان فيما يقال عند إضلال الطريق .
فبينا أنا اصيح كذلك وإذا براكب على ناقة وهو على زي البدو ، فلما رآني
قال لي : أنت منقطع عن الحاج ؟ فقلت : نعم ، فقال : اركب خلفي لالحقك بهم
فركبت خلفه ، فلم يكن إلا ساعة وإذا قد أدركنا الحاج ، فلما قربنا أنزلني
وقال لي : امض لشأنك ! فقلت له : إن العطش قد اضر بي فأخرج من شداده ركوة
فيها ماء ، وسقاني منه ، فوالله إنه ألذ وأعذب ماء شربته .
ثم إني مشيت حتى دخلت الحاج والتفت إليه فلم أره ، ولا رأيته في الحاج
قبل ذلك ، ولا بعده ، حتى رجعنا .
قلت : إن الاصحاب ذكروا أمثال هذه الوقائع في باب من رآه عليه السلام
بناء منهم على أن إغاثة الملهوف كذلك في الفلوات ، وصدور هذه المعجزات
والكرامات لا يتيسر لاحد إلا لخليفة الله في البريات ، بل هو من مناصبه الالهية
كما يأتي في الفائدة الاولى ، وأبوصالح كنيته عند عامة العرب ، يكنونه به في
أشعارهم ، ومراثيهم وندبهم ، والظاهر أنهم أخذوه من الخبر المذكور وأنه عليه السلام
المراد من ابي صالح الذي هو مرشد الضال في الطريق ، ولو نوقش في ذلك وادعي
إمكان صدورها من بعض الصلحاء والاولياء فهو أيضا يدل على المطلوب إذ لايستغيث
شيعته ومواليه عليه السلام إلا من هو منهم ، وواسطة بينهم وبين إمامهم الغائب عنهم ، بل
هو من رجاله وخاصته وحواشيه وأهل خدمته ، فالمضطر رأى من رآه عليه السلام .