[301]
وقال الشيخ الكفعمي ، رحمه الله ، في هامش جنته عند ذكر دعاء أم داود :
قيل : إن الارض لا يخلو من القطب ، واربعة أوتاد ، وأربعين أبدالا وسبعين نجيبا
وثلاثمائة وستين صالحا ، فالقطب هو المهدي عليه السلام ، ولا يكون الاوتاد أقل من
أربعة لان الدنيا كالخيمة والمهدي كالعمود وتلك الاربعة اطنابها ، وقد يكون
الاوتاد أكثر من اربعة ، والابدال أكثر من اربعين ، والنجباء أكثر من سبعين
والصلحاء اكثر من ثلاث مائة وستين ، والظاهر أن الخضر وإلياس ، من الاوتاد
فهما ملاصقان لدائرة القطب .
وأما صفة الاوتاد ، فهم قوم لا يغفلون عن ربهم طرفة عين ، ولا يجمعون
من الدنيا إلا البلاغ ، ولا تصدر منهم هفوات الشر ولا يشترط فيهم العصمة من
السهو والنسيان ، بل من فعل القبيح ، ويشترط ذلك في القطب .
وأما الابدال فدون هؤلاء في المراقبة ، وقد تصدر منهم الغفلة فيتداركونها
بالتذكر ، ولا يتعمدون ذنبا .
وأما النجباء فهم دون الابدال .
وأما الصلحاء ، فهم المتقون الموفون بالعدالة ، وقد يصدر منهم الذنب
فيتداركونه بالاستغفار والندم ، قال الله تعالى " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف
من الشيطان ، تذكروا فاذا هم مبصرون " ( 1 ) جعلنا الله من قسم الاخير لانا لسنا
من الاقسام الاول لكن ندين الله بحبهم وولايتهم ومن أحب قوما حشر معهم .
وقيل : إذا نقص أحد من الاوتاد الاربعة وضع بدله من الاربعين وإذا نقص
أحد من الاربعين وضع بدله من السبعين ، وإذا نقص أحد من السبعين ، وضع بدله
من الثلاثمائة وستين ، وإذا نقص أحد من الثلاثمائة وستين ، وضع بدله من
سائر الناس .
________________________________________________________________
( 1 ) الاعراف : 201 .
[302]
الحكاية الرابعة والخمسون
حدثني العالم الفاضل الصالح الورع في الدين الآميرزا حسين اللاهيجي
المجاور للمشهد الغروي أيده الله ، وهو من الصلحاء الاتقياء ، والثقة الثبت عند
العلماء ، قال : حدثني العالم الصفي المولى زين العابدين السلماسي المتقدم ذكره
قدس الله روحه أن السيد الجليل بحر العلوم ، أعلى الله مقامه ، ورد يوما في حرم
أمير المؤمنين عليه آلاف التحية والسلام ، فجعل يترنم بهذا المصرع :
جه خوش است صوت قرآن * ز تو دل ربا شنيدن
فسئل رحمه الله عن سبب قراءته هذا المصرع ، فقال : لما وردت في الحرم
المطهر رأيت الحجة عليه السلام جالسا عند الرأس يقرء القرآن بصوت عال ، فلما
سمعت صوته قرأت المصرع المزبور ولما وردت الحرم ترك قراءة القرآن ، وخرج
من الحرم الشريف .
الحكاية الخامسة والخمسون
رأيت في ملحقات كتاب أنيس العابدين ، وهو كتاب كبير في الادعية والاوراد
ينقل عنه العلامة المجلسي في المجلد التاسع عشر من البحار والآميرزا عبدالله
تلميذه في الصحيفة الثالثة ما لفظه : نقل عن ابن طاوس رحمه الله أنه سمع سحرا في
السرداب عن صاحب الامر عليه السلام أنه يقول : اللهم إن شيعتنا خلقت من شعاع أنوارنا
وبقية طينتنا ، وقد فعلوا ذنوبا كثيرة اتكالا على حبنا وولايتنا ، فان كانت
ذنوبهم بينك وبينهم فاصفح عنهم فقد رضينا ، وما كان منها فيما بينهم فاصلح بينهم
وقاص بها عن خمسنا ، وادخلهم الجنة ، وزحزحهم عن النار ، ولا تجمع بينهم وبين
أعدائنا في سخطك .
قلت : ويوجد في غير واحد من مؤلفات جملة من المتأخرين الذين قاربنا
عصرهم والمعاصرين هذه الحكاية بعبارة تخالف العبارة الاولى وهي هكذا :
[303]
" اللهم إن شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا ، وعجنوا بماء ولايتنا اللهم
اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا على حبنا وولائنا يوم القيامة ، ولا تؤاخذهم
بما اقترفوه من السيئات إكراما لنا ، ولا تقاصهم يوم القيامة مقابل أعدائنا
فان خففت موازينهم فثقلها بفاضل حسناتنا " .
ولم نجد أحدا منهم إلى الآن أسند هذه الحكاية إلى أحد رواها عن السيد
أورآها في واحد من كتبه ، ولا نقله العلامة المجلسي ومعاصروه ومن تقدم عليه
إلى عهد السيد ، ولا يوجد في شئ من كتبه الموجودة التي لم يكن عندهم أزيد منها .
نعم الموجود في أواخر المهج وقد نقله في البحار أيضا هكذا : كنت أنا بسر
من رأى ، فسمعت سحرا دعاء القائم عليه السلام فحفظت منه [ من ] الدعاء لمن ذكره
" الاحياء والاموات ( 1 ) وأبقهم أو قال وأحيهم في عزنا وملكنا وسلطاننا ودولتنا "
وكان ذلك في ليلة الاربعاء ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وستمائة .
واظن وإن كان بعض الظن إثما أن ما نقلناه أولا مأخوذ من كلام الحافظ
الشيخ رجب البرسي ونقل كلماته بالمعنى فانه قال : في أواخر مشارق الانوار بعد
نقل كلام المهج إلى قوله " ملكنا " ما لفظه : ومملكتنا وان كان شيعتهم منهم وإليهم
وعنايتهم مصروفة إليهم ، فكأنه عليه السلام يقول :
اللهم إن شيعتنا منا ومضافين إلينا ، وإنهم قد أساؤا وقد قصروا وأخطأوا
________________________________________________________________
( 1 ) كذا في الاصل المطبوع وهكذا المصدر ص 368 ، لكنه ذكر قبل ذلك دعاء
عن الحجة عليه السلام ولفظه :
" الهى بحق من ناجاك ، وبحق من دعاك ، في البر والبحر ، تفضل على فقراء المؤمنين
والمؤمنات ، بالغناء والثروة ، وعلى مرضى المؤمنين والمؤمنات ، بالشفاء والصحة ، وعلى
أحياء المؤمنين والمؤمنات ، باللطف والكرم ، وعلى أموات المؤمنين والمؤمنات ، بالمغفرة
والرحمة ، وعلى غرباء المؤمنين والمؤمنات بالرد إلى أوطانهم سالمين غانمين بحق محمد
وآله الطاهرين " فكأنه يريد أنه سمع ذلك الدعاء وقد زيد فيه عند ذكر أحياء المؤمنين
قوله " وأحيهم في عزنا وملكنا " الخ فتحرر .
[304]
رأونا صاحبا لهم رضا منهم ، وقد تقبلنا عنهم بذنوبهم ، وتحملنا خطاياهم لان
معولهم علينا ، ورجوعهم إلينا ، فصرنا لاختصاصهم بنا ، واتكالهم علينا كأنا
أصحاب الذنوب ، إذ العبد مضاف إلى سيده ، ومعول المماليك إلى مواليهم .
اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا على حبنا وطمعا في ولايتنا
وتعويلا على شفاعتنا ، ولا تفضحهم بالسيئات عند أعدائنا ، وولنا أمرهم في الآخرة
كما وليتنا أمرهم في الدنيا ، وإن أحبطت أعمالهم ، فثقل موازينهم بولايتنا ، وارفع
درجاتهم بمحبتنا .
انتهى .
وهذه الكلمات كما ترى من تلفيقاته شرحا لكلمات الامام عليه السلام تقارب العبارة
الشائعة ، وعصره قريب من عصر السيد ، وحرصه على ضبط مثل هذه الكلمات اشد
من غيره ، فهو أحق بنقلها من غيره لو صحت الرواية وصدقت النسبة وإن لم يكن
بعيدا من مقام السيد بعد كلام مهجه ، بل له في كتاب كشف المحجة كلمات تنبئ
عن أمر عظيم ومقام كريم :
منها قوله : واعلم يا ولدي محمد ألهمك الله ما يريده منك ، ويرضى به عنك
أن غيبة مولانا المهدي صلوات الله عليه التي تحيرت المخالف وبعض المؤالف هي
من جملة الحجج على ثبوت امامته ، وإمامة آبائه الطاهرين صلوات الله على جده
محمد وعليهم أجمعين لانك إذا وقفت على كتب الشيعة وغيرهم ، مثل كتاب الغيبة
لابن بابويه ، وكتاب الغيبة للنعماني ومثل كتاب الشفاء والجلاء ، ومثل كتاب
أبي نعيم الحافظ في أخبار المهدي ونعوته وحقيقة مخرجه وثبوته ، والكتب التي
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 304 سطر 19 الى ص 312 سطر 18
أشرت إليها في الطوائف ، وجدتها أو أكثرها تضمنت قبل ولادته أنه يغيب عليه السلام
غيبة طويلة ، حتى يرجع عن إمامته بعض من كان يقول بها ، فلو لم يغب هذه
الغيبة ، كان طعنا في لمامة آبائه وفيه ، فصارت الغيبة حجة لهم عليهم السلام وحجة له
على مخالفيه في ثبوت إمامته ، وصحة غيبته ، مع أنه عليه السلام حاضر مع الله على
اليقين ، وإنما غاب من لم يلقه عنهم لغيبتهم عن حضرة المتابعة له ولرب العالمين .
ومنها قوله فيه : وان أدركت يا ولدي موافقة توفيقك لكشف الاسرار عليك
[305]
عرفتك من حديث المهدي صلوات الله عليه ما لا يشتبه عليك ، وتستغني بذلك عن
الحجج المعقولات ومن الروايات فانه صلى الله عليه وآله حي موجود على التحقيق ، ومعذور
عن كشف أمره إلى أن يأذن له تدبير الله الرحيم الشفيق ، كما جرت عليه عادة
كثير من الانبياء والاوصياء ، فاعلم ذلك يقينا واجعله عقيدة ودينا ، فان أباك
عرفه أبلغ من معرفة ضياء شمس السماء .
ومنها قوله : واعلم يا ولدي محمد زين الله جل جلاله سرائرك وظواهرك
بموالاة أوليائه ومعادة أعدائه أنني كنت لما بلغتني ولادتك بمشهد الحسين عليه السلام
في زيارة عاشورا قمت بين يدي الله جل جلاله مقام الذل والانكسار والشكر لما
رأفني به من ولادتك من المسار والمبار ، وجعلتك بأمر الله جل جلاله عبده مولانا
المهدي عليه السلام ومتعلقا عليه ، وقد احتجنا كم مرة عند حوادث حدث لك إليه
ورأيناه في عدة مقامات في مناجات ، وقد تولى قضاء حوائجك بانعام عظيم في
حقنا وحقك لا يبلغ وصفي إليه .
فكن في موالاته والوفاء له ، وتعلق الخاطر به على قدر مراد الله جل جلاله و
مراد رسوله ومراد آبائه عليهم السلام ومراده عليه السلام منك ، وقدم حوائجه على حوائجك عند
صلاة الحاجات ، والصدقه عنه قبل الصدقة عنك وعمن يعز عليك ، والدعاء له قبل
الدعاء لك ، وقدمه عليه السلام في كل خير يكون وفاء له ، ومقتضيا لاقباله عليك
وإحسانه إليك ، واعرض حاجاتك عيه كل يوم الاثنين ويوم الخميس ، من كل
اسبوع بما يجب له من ادب الخضوع .
ومنها قوله بعد تعليم ولده كيفية عرض الحاجة إليه عليه السلام : واذكر له
أن أبا قد ذكر لك أنه أوصى به إليك ، وجعلك باذن الله جل جلاله عبده ، وأنني
علقتك عليه فانه يأتيك جوابه صلوات الله وسلامه عليه .
ومما أقول لك يا ولدي محمد ملا الله جل جلاله عقلك وقلبك من التصديق
لاهل الصدق ، والتوفيق في معرفة الحق : أن طريق تعريف الله جل جلاله لك
بجواب مولانا المهدي صلوات الله وسلامه عليه على قدرته جل جلاله ورحمته :
[306]
فمن ذلك ما رواه محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الوسائل عمن سماه قال :
كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أن الرجل يحب أن يفضي إلى إمامه ما يحب أن يفضي
به إلى ربه قال : فكتب إن كانت لك حاجة فحرك شفتيك فان الجواب يأتيك .
ومن ذلك ما رواه هبة الله بن سعيد الراوندي في كتاب الخرائج عن محمد بن
الفرج قال : قال لي علي بن محمد عليهما السلام : لذا أردت أن تسأل مسألة فاكتبها ، وضع
الكتاب تحت مصلاك ، ودعه ساعة ثم أخرجه وانظر فيه ، قال : ففعلت فوجدت
ما سألته عنه موقعا فيه ، وقد اقتصرت لك على هذا التنبيه ، والطريق مفتوحة إلى
إمامك لمن يريد الله جل جلاله عنايته به ، وتمام إحسانه إليه .
ومنها قوله في آخر الكتاب : ثم ما أوردناه بالله جل جلاله من هذه الرسالة
ثم عرضناه على قبول واهبه صاحب الجلالة نائبه عليه السلام في النبوة والرسالة ، وورد
الجواب في المنام ، بما يقتضي حصول القبول والانعام ، والوصية بأمرك ، والوعد ببرك
وارتفاع قدرك انتهى .
وعليك بالتأمل في هذه الكلمات ، التي تفتح لك أبوابا من الخير والسعادت
ويظهر منها عدم استبعاد كل ما ينسب إليه من هذا الباب ، والله الموفق لكل
خير وثواب .
الحكاية السادسة والخمسون
قال العالم الفاضل المتبحر النبيل الصمداني الحاج المولى رضا الهمداني
في المفتاح الاول من الباب الثالث من كتاب مفتاح النبوة في جملة كلام له في
أن الحجة عليه السلام قد يظهر نفسه المقدسة لبعض خواص الشيعة : أنه عليه السلام قد اظهر
نفسه الشريفة قبل هذا بخمسين سنة لواحد من العلماء المتقين المولى عبدالرحيم
الدماوندي الذي ليس لاحد كلام في صلاحه وسداده .
قال : وقال هذا العالم في كتابه : إني رأيته عليه السلام في داري في ليلة مظلمة
جدا بحيث لا تبصر العين شيئا واقفا في جهة القبلة وكان النور يسطع من وجهه المبارك
حتى أني كنت أرى نقوش الفراش بهذا النور .
[307]
الحكاية السابعة والخمسون
في كتاب المقامات للعالم الجليل المحدث السيد نعمة الله الجزائري حكاية
أخرى : حدثني رجل من أوثق إخواني في شوشتر في دارنا القريبة من المسجد الاعظم
قال : لما كنا في بحور الهند تعاطينا عجائب البحر ، فحكى لنا رجل من الثقات
قال : روى من أعتمد عليه أنه كان منزله في بلد على ساحل البحر ، وكان بينهم
وبين جزيرة من جزائر البحر مسير يوم أو أقل ، وفي تلك الجزيرة مياههم وحطبهم
وثمارهم ، وما يحتاجون إليه ، فاتفق أنهم على عادتهم ركبوا في سفينة قاصدين
تلك الجزيرة ، وحملوا معهم زاد يوم .
فلما توسطوا البحر ، أتاهم ريح عن ذلك القصد ، وبقوا على تلك
الحالة تسعة أيام حتى أشرفوا على الهلاك من قلة الماء والطعام ، ثم إن الهوى
رماهم في ذلك اليوم على جزيرة في البحر ، فخرجوا إليها وكان فيها المياه العذبة
والثمار الحلوة ، وأنواع الشجر ، فبقوا فيهانهارا ثم حملوا منها ما يحتاجون إليه
وركبوا سفينتهم ، ودفعوا .
فلما بعدوا عن الساحل ، نظروا إلى رجل منهم بقي في الجزيرة فناداهم
ولم يتمكنوا من الرجوع فرأوه قد شد حزمة حطب ، ووضعها تحت صدره ، وضرب
البحر عليها قاصدا لحوق السفينة ، فحال الليل بينهم وبينه وبقي في البحر .
وأما أهل السفينة ، فما وصلوا إلا بعد مضي أشهر ، فلما بلغوا أهلهم أخبروا
أهل ذلك الرجل فأقاموا مأتمه ، فبقوا على ذلك عاما أو أكثر ، ثم رأوا أن ذلك
الرجل قدم إلى أهله ، فتباشروا به ، وجاء إليه أصحابه فقص عليهم قصته .
فقال : لما حال الليل بيني وبينكم بقيت تقلبني الامواج وأنا على الحزمة
يومين حتى أوقعتني على جبل في الساحل ، فتعلقت بصخرة منه ، ولم أطق الصعود
إلى جوفه لارتفاعه ، فبقيت في الماء وما شعرت إلا بأفعى عظيمة ، اطول من المنار
[308]
وأغلظ منها ، فوقعت على ذلك الجبل ، ومدت رأسها تصطاد الحيتان من الماء فوق
رأسي فأيقنت بالهلاك وتضرعت إلى الله تعالى فرأيت عقربا يدب على ظهر الافعى
فلما وصل إلى دماغها لسعتها بابرته ، فاذا لحمها قد تناثر عن عظامها ، وبقي عظم
ظهرها واضلاعها كالسلم العظيم الذي له مراقي يسهل الصعود عليها .
قال : فرقيت على تلك الاضلاع حتى خرجت إلى الجزيرة شاكرا لله تعالى
على ما صنع فمشيت في تلك الجزيرة إلى قريب العصر ، فرأيت منازل حسنة مرتفعة
البنيان إلا أنها خالية لكن فيها آثار الانس .
قال : فاستترت في موضع منها فلما صار العصر رأيت عبيدا وخدما كل واحد
منهم على بغل فنزلوا وفرشوا فرشا نظيفة ، وشرعوا في تهيئة الطعام ، وطبخه ، فلما
فرغوا منه رأيت فرسانا مقبلين ، عليهم ثياب بيض ، وخضر ، ويلوح من وجوههم
الانوار فنزلوا وقدم إليهم الطعام .
فلما شرعوا في الاكل قال أحسنهم هيئة ، وأعلاهم نورا : ارفعوا حصة
من هذا الطعام لرجل غائب ، فلما فرغوا ناداني يا فلان بن فلان أقبل فعجبت منه
فأتيت إليهم ، ورحبوا بي فأكلت ذلك الطعام ، وما تحققت إلا أنه من طعام الجنة
فلما صار النهار ركبوا بأجمعهم ، وقالوا لي : انتظر هنا ، فرجعوا وقت العصر
وبقيت معهم أياما فقال لي يوما ذلك الرجل الانور : إن شئت الاقامة معنا في
هذه الجزيرة أقمت ، وإن شئت المضي إلى أهلك ، ارسلنا إلى معك من يبلغك
بلدك .
فاخترت على شقاوتي بلادي فلما دخل الليل أمر لي بمركب وأرسل معي
عبدا من عبيده ، فسرنا ساعة من الليل وأنا أعلم أن بيني وبين أهلي مسيرة أشهر
وأيام ، فما مضى من الليل قليل منه إلا وقد سمعنا نبيح الكلاب ، فقال لي ذلك
الغلام : هذا نبيح كلابكم ، فماشعرت إلا وأنا واقف على باب داري فقال : هذه
دارك انزل إليها .
فلمانزلت ، قال لي : قد خسرت الدنيا والآخرة ، ذلك الرجل صاحب
[309]
الدار عليه السلام فالتفت إلى الغلام فلم أره .
وأنا في هذا الوقت بينكم نادما على ما
فرطت .
هذه حكايتي .
وأمثال هذه الغرائب كثيرة لا نطول الكلام بها .
قلت : قد ذكرنا حكاية عن كتاب نور العيون ( 1 ) تقرب من هذه إلا أن
بينهما اختلاف كثير ، والله العالم بالاتحاد والتعدد .
الحكاية الثامنة والخمسون
حدثني جماعة من الاتقياء الابرار ، منهم السيد السند ، والحبر المعتمد
العالم العامل والفقيه النبييه ، الكامل المؤيد المسدد السيد محمد ابن العالم الاوحد
السيد أحمد ابن العالم الجليل ، والحبر المتوحد النبيل ، السيد حيدر الكاظمي
أيده الله تعالى وهو من أجلاء تلامذة المحقق الاستاذ الاعظم الانصاري طاب ثراه
وأحد أعيان أتقياء بلد الكاظمين عليهما السلام وملاذ الطلاب والزوار والمجاورين ، وهو
وإخوته وآباؤه أهل بيت جليل ، معروفون في العراق بالصلاح والسداد ، والعلم
والفضل والتقوى ، يعرفون ببيت السيد حيدر جده سلمه الله تعالى .
قال فيما كتبه إلي وحدثني به شفاها أيضا : قال محمد بن أحمد بن حيدر
الحسني الحسيني : لما كنت مجاورا في النجف الاشرف لاجل تحصيل العلوم الدينية
وذلك في حدود السنة الخامسة والسبعين بعد المائتين والالف من الهجرة النبوية
كنت أسمع جماعة من أهل العلم وغيرهم من أهل الديانة ، يصفون رجلا يبيع البقل
وشبهه أنه رأى مولانا الامام المنتظر سلام الله عليه ، فطلبت معرفة شخصه حتى
عرفته ، فوجدته رجلا صالحا متدينا وكنت أحب الاجتماع معه ، في مكان خال
لاستفهم منه كيفية رؤيته مولانا الحجة روحي فداه ، فصرت كثيرا ما أسلم عليه
واشتري منه مما يتعاطى ببيعه ، حتى صار بيني وبينه نوع مودة ، كل ذلك
مقدمة لتعرف خبره المرغوب في سماعه عندي حتى اتفق لي أني توجهت إلى
مسجد السهلة للاستجارة فيه ، والصلاة والدعاء في مقاماته الشريفة ليلة الاربعاء .
________________________________________________________________
( 1 ) راجع ص 259 : الحكاية التاسعة والعشرين ، والظاهر بل المسلم اتحادهما .
[310]
فلما وصلت إلى باب المسجد رأيت الرجل المذكور على الباب ، فاغتنمت
الفرصة وكلفته المقام معي تلك الليلة ، فأقام معي حتى فرغنا من العمل الموظف
في مسجد سهيل وتوجهنا إلى المسجد الاعظم مسجد الكوفة على القاعدة المتعارفة
في ذلك الزمان ، حيث لم يكن في مسجد السهلة معظم الاضافات الجديدة من
الخدام والمساكن .
فلما وصلنا إلى المسجد الشريف ، واستقر بنا المقام ، وعملنا بعض الاعمال
الموظفة فيه ، سألته عن خبره والتمست منه أن يحدثني بالقصة تفصيلا ، فقال ما
معناه :
إني كنت كثيرا ما أسمع من أهل المعرفة والديانة أن من لازم عمل الاستجارة
في مسجد السهلة أربعين ليلة اربعاء متوالية ، بنية رؤية الامام المنتظر عليه السلام وفق
لرؤيته ، وأن ذلك قد جربت مرارا فاشتاقت نفسي إلى ذلك ، ونويت ملازمة عمل
الاستجارة في كل ليلة أربعاء ، ولم يمنعني من ذلك شدة حر ولا برد ، ولا مطر
ولا غير ذلك ، حتى مضى لي ما يقرب من مدة سنة ، وأنا ملازم لعمل الاستجارة
وأبات ( 1 ) في مسجد الكوفة على القاعدة المتعارفة .
ثم إني خرجت عشية يوم الثلثاء ماشيا على عادتي وكان الزمان شتاء ، وكانت
تلك العشية مظلمة جدا لتراكم الغيوم مع قليل مطر فتوجهت إلى المسجد وأنا
مطمئن بمجيئ الناس على العادة المستمرة ، حتى وصلت إلى المسجد ، وقد غربت
الشمس واشتد الظلام وكثر الرعد والبرق ، فاشتد بي الخوف وأخذني الرعب
من الوحدة لاني لم أصادف في المسجد الشريف أحدا اصلا حتى أن الخادم
المقرر للمجيئ ليلة الاربعاء لم يجئ تلك الليلة .
فاستوحشت لذلك للغاية ثم قلت في نفسي : ينبغي أن اصلي المغرب وأعمل
عمل الاستجارة عجاله ، وأمضي إلى مسجد الكوفة فصبرت نفسي ، وقمت إلى
________________________________________________________________
( 1 ) قال الفيروز آبادي : بات يفعل كذا يبيت ويبات بيتا ومبيتا وبيتوتة : أي يفعله
ليلا وليس من النوم ، ومن أدركه الليل فقد بات .