[311]
صلاة المغرب فصليتها ، ثم توجهت لعمل الاستجارة ، وصلاتها ودعائها ، وكنت
أحفظه .
فبينما أنا في صلاة الاستجارة إذ حانت مني التفاتة إلى المقام الشريف المعروف
بمقام صاحب الزمان عليه السلام ، وهو في قبلة مكان مصلاي ، فرأيت فيه ضياء كاملا
وسمعت فيه قراءة مصل فطابت نفسي ، وحصل كمال الامن والاطمينان ، وظننت
أن في المقام الشريف بعض الزوار ، وأنا لم أطلع عليهم وقت قدومي إلى المسجد
فأكملت عمل الاستجارة ، وأنا مطمئن القلب .
ثم توجهت نحو المقام الشريف ودخلته ، فرأيت فيه ضياء عظيما لكني لم ار
بعيني سراجا ولكني في غفلة عن التفكر في ذلك ، ورأيت فيه سيدا جليلا مهابا
بصورة أهل العلم ، وهو قائم يصلي فارتاحت نفسي إليه ، وأنااظن أنه من الزوار
الغرباء لاني تأملته في الجملة فعلمت أنه من سكنة النجف الاشرف .
فشرعت في زيارة مولانا الحجة سلام الله عليه عملا بوظيفة المقام ، وصليت
صلاة الزيارة ، فلما فرغت أردت أكلمه في المضي إلى مسجد الكوفة ، فهبته
وأكبرته ، وأنا أنظر إلى خارج المقام ، فأرى شدة الظلام ، وأسمع صوت الرعد
والمطر ، فالتفت إلي بوجهه الكريم برأفة وابتسام ، وقال لي : تحب أن تمضي إلى
مسجد الكوفة ؟ فقلت : نعم يا سيدنا عادتنا أهل النجف إذا تشرفنا بعمل هذا المسجد
نمضي إلى مسجد الكوفة ، ونبات فيه ، لان فيه سكانا وخداما وماء .
فقام ، وقال : قم بنا نمضي إلى مسجد الكوفة ، فخرجت معه وأنا مسرور به
وبحسن صحبته فمشينا في ضياء وحسن هواء وأرض يابسة لا تعلق بالرجل وأنا غافل
عن حال المطر والظلام الذي كنت أراه ، حتى وصلنا إلى باب المسجد وهو روحي
فداه معي وأنا في غاية السرور والامن بصحبته ، ولم أر ظلاما ولا مطرا .
فطرقت باب الخارجة عن المسجد ، وكانت مغلقة فأجابني الخادم من الطارق ؟
فقلت : افتح الباب ، فقال : من أين أقبلت في هذه الظلمة والمطر الشديد ؟ فقلت : من
مسجد السهلة ، فلما فتح الخادم الباب التفت إلى ذلك السيد الجليل فلم أره وإذا
[312]
بالدنيا مظلمة للغاية ، واصابني المطر فجعلت أنادي يا سيدنا يامولانا تفضل فقد
فتحت الباب ، ورجعت إلى ورائي اتفحص عنه وأنادي فلم أر أحدا اصلا وأضر بي
الهواء والمطر والبرد في ذلك الزمان القليل .
فدخلت المسجد وانتبهت من غفلتي وكأني كنت نائما فاستيقظت وجعلت
ألوم نفسي على عدم التنبه لما كنت ارى من الآيات الباهرة ، وأتذكر ما شاهدته
وأنا غافل من كراماته : من الضياء العظيم في المقام الشريف مع أني لم أر سراجا
ولو كان في ذلك المقام عشرون سراجا لما وفي بذلك الضياء وذكرت أن ذلك السيد
الجليل سماني باسمي مع أني لم أعرفه ولم أره قبل ذلك .
وتذكرت أني لما كنت في المقام كنت أنظر إلى فضاء المسجد ، فأرى
الظلام الشديد ، واسمع صوت المطر والرعد ، وإني لما خرجت من المقام مصاحبا
له سلام الله عليه ، كنت أمشي في ضياء بحيث أرى موضع قدمي ، والارض يابسة
والهواء عذب ، حتى وصلنا إلى باب المسجد ، ومنذ فارقني شاهدت الظلمة والمطر
وصعوبة الهواء ، إلى غير ذلك من الامور العجيبة ، التي أفادتني اليقين بأنه الحجة
صاحب الزمان عليه السلام الذي كنت أتمنى من فضل الله التشرف برؤيته ، وتحملت
مشاق عمل الاستجارة عند قوة الحر والبرد لمطالعة حضرته سلام الله عليه فشكرت
الله تعالى شأنه ، والحمد لله .
الحكاية التاسعة والخمسون
وقال أدام الله أيام سعادته في كتابه إلي : حكاية اخرى اتفقت لي ايضا وهي
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 312 سطر 19 الى ص 320 سطر 18
أني منذ سنين متطاولة كنت أسمع بعض أهل الديانة والوثاقة يصفون رجلا من
كسبة أهل بغداد أنه رأى مولانا الامام المنتظر سلام الله عليه ، وكنت أعرف ذلك
الرجل ، وبيني وبينه مودة ، وهو ثقة عدل ، معروف باداء الحقوق المالية ، وكنت
أحب أن أساله بيني وبينه ، لانه بلغني أنه يخفي حديثه ولا يبديه إلا لبعض
الخواص ممن يأمن إذاعته خشية الاشتهار ، فيهزأ به من ينكر ولادة المهدي وغيبته
[313]
أو ينسبه العوام إلى الفخر وتنزيه النفس ، وحيث إن هذا الرجل في الحياة
لا أحب أن أصرح باسمه خشية كراهته ( 1 ) .
وبالجملة فاني في هذه المدة كنت أحب أن اسمع منه ذلك تفصيلا حتى
اتفق لي أني حضرت تشييع جنازة من أهل بغداد في أواسط شهر شعبان من هذه
السنة ، وهي سنة اثنتين وثلاثمائة بعد الالف من الهجرة النبوية الشريفة في حضرة
الامامين : مولانا موسى بن جعفر وسيدنا محمد بن علي الجواد سلام الله عليهما وكان
الرجل المزبور في جملة المشيعين ، فذكرت ما بلغني من قصته ، ودعوته وجلسنا
في الرواق الشريف ، عند باب الشباك النافذ إلى قبة مولانا الجواد عليه السلام ، فكلفته
بأن يحدثني بالقصة ، فقال ما معناه :
________________________________________________________________
( 1 ) ومن عجيب الاتفاق أنى لما اشتغلت بتأليف هذه الرسالة صادف أيام الزيارة
المخصوصة فخرجت من سامراء ولما دخلت بلد الكاظمين عليهما السلام نزلت على جنابه سلمه
الله فسألته عما عنده من تلك الوقائع ، فحدثني بهذه الحكاية .
فسألته أن يكتب إلى فقال اني سمعتها منذ سنين ولعله سقط عنى منها شئ وصاحبها
موجود نسأله مرة أخرى حتى نكتبها كما هي الا أن لقائي أياه صعب جدا فانه منذ اتفقت
له هذه القصة قليل الانس بالناس اذا جاء من بغداد للزيارة يدخل الحرم ويزور ويقضى
وطره ويرجع إلى بغداد ولا يطلع عليه أحد فيتفق أنى لا أراه في السنة الامرة أو مرتين
في الطريق .
فقلت له سلمه الله : انى أزور المشهد الغروى وأرجع إلى آخر الشهر ونرجو من
الله أن يتفق لقاؤكم اياه في هذه المدة .
ثم قمت من عنده ودخلت منزلى فدخل على سلمه الله بعد زمان قليل من هذا اليوم
وقال كنت في منزلى فجاءني شخص وقال : جاؤا بجنازة من بغداد في الصحن الشريف
وينتظرونك للصلاة عليه فقمت وذهبت معه ودخلت الصحن وصليت عليها واذا بالمؤمن
الصالح المذكور وهو فيهم ، إلى آخر ما ذكره أيده الله تعالى وهذه من بركات الحجة
عليه السلام ، منه رحمه الله .
[314]
إنه في سنة من سني عشرة السبعين ، كان عندي مقدار من مال الامام عليه السلام
عزمت على إيصاله إلى العلماء الاعلام في النجف الاشرف ، وكان لي طلب على
تجارها فمضيت إلى زيارة أمير المؤمنين سلام الله عليه في إحدى زياراته المخصوصة
واستوفيت ما أمكنني استيفاؤه من الديون التي كانت لي وأوصلت ذلك إلى متعددين
من العلماء الاعلام من طرف الامام عليه السلام لكن لم يف بما كان علي منه ، بل بقي
علي مقدار عشرين توماما فعزمت على إيصال ذلك إلى احد علماء مشهد الكاظمين .
فلما رجعت إلى بغداد أحببت اداء ما بقي في ذمتي على التعجيل ، ولم يكن
عندي من النقد شئ فتوجهت إلى زيارة الامامين عليهما السلام في يوم خميس ، وبعد
التشرف بالزيارة ، دخلت على المجتهد دام توفيقه وأخبرته بما بقي في ذمتي من
مال الامام عليه السلام وسألته أن يحول ذلك علي تدريجا ورجعت إلى بغداد في أواخر
النهار حيث لم يسعني لشغل كان لي ، وتوجهت إلى بغداد ماشيا لعدم تمكني من
كراء دابة .
فلما تجاوزت نصف الطريق رأيت سيدا جليلا مهابا متوجها إلى مشهد
الكاظمين عليهما السلام ماشيا ، فسلمت عليه فرد علي السلام ، وقال لي : يا فلان وذكر
اسمي لم لم تبق هذه الليلة الشريفة ليلة الجمعة في مشهد الامامين ؟ فقلت : يا سيدنا
عندي مطلب مهم منعني من ذلك ، فقال لي : ارجع معي وبت هذه الليلة الشريفة
عند الامامين عليهما السلام وارجع إلى مهمك غدا إنشاء الله .
فارتاحت نفسي إلى كلامه ، ورجعت معه منقادا لامره ، ومشيت معه بجنب
نهر جار تحت ظلال أشجار خضرة نضرة ، متدلية على رؤوسنا ، وهواء عذب ، وأنا
غافل عن التفكر في ذلك ، وخطر ببالي أن هذا السيد الجليل سماني باسمي
مع أنه لم أعرفه ، ثم قلت في نفسي : لعله هو يعرفني وأنا ناس له .
ثم قلت في نفسي : إن هذا السيد كأنه يريد مني من حق السادة وأحببت
أن أوصل إلى خدمته شيئا من مال الامام الذي عندي ، فقلت له : يا سيدنا عندي
من حقكم بقية لكن راجعت فيه جناب الشيخ الفلاني لاؤدي حقكم باذنه
[315]
وأناأعني السادة فتبسم في وجهي ، وقال : نعم ، وقد أوصلت بعض حقنا إلى
وكلائنا في النجف الاشرف أيضا .
وجرى على لساني أني قلت له : ما أديته مقبول ؟
فقال : نعم ، ثم خطر في نفسي أن هذاالسيد يقول بالنسبة إلى العلماء الاعلام
" وكلائنا " واستعظمت ذلك : ثم قلت : العلماء وكلاء على قبض حقوق السادة
وشملتني الغفلة .
ثم قلت : يا سيدنا قراء تعزية الحسين عليه السلام يقرؤن حديثا أن رجلا رأى
في المنام هودجا بين السماء والارض فسال عمن فيه ، فقيل له : فاطمة الزهراء
وخديجة الكبرى ، فقال : إلى أين يريدون ؟ فقيل : زيارة الحسين عليه السلام في هذه
الليلة ليلة الجمعة ، ورأى رقاعا تتساقط من الهودج ، مكتوب فيها أمان من النار
لزوار الحسين عليه السلام في ليلة الجمعة ، هذا الحديث صحيح ؟ فقال عليه السلارم : نعم زيارة
الحسين عليه السلام في ليلة الجمعة أمان من النار يوم القيامة .
قال : وكنت قبل هذه الحكاية بقليل قد تشرفت بزيارة مولانا الرضا عليه السلام
فقلت له : يا سيدنا قد زرت الرضا علي بن موسى عليهما السلام وقد بلغني أنه ضمن لزواره
الجنة ، هذا صحيح ؟ فقال عليه السلام : هو الامام الضامن ، فقلت : زيارتي مقبولة ؟
فقال عليه السلام : نعم مقبولة .
وكان معي في طريق الزيارة رجل متدين من الكسبة ، وكان خليطا لي
وشريكا في المصرف ، فقلت له : يا سيدنا إن فلانا كان معي في الزيارة زيارته
مقبولة ؟ فقال : نعم ، العبد الصالح فلان زيارته مقبولة ، ثم ذكرت له
جماعة من كسبة أهل بغداد كانوامعنا في تلك الزيارة وقلت : إن فلانا وفلانا و
ذكرت أسماءهم كانوا معنا ، زيارتهم مقبولة ؟ فأدار عليه السلام وجهه إلى الجهة الاخرى
وأعرض عن الجواب ، فهبته وأكبرته وسكت عن سؤاله
فلم أزل ماشيا معه على الصفة التي ذكرتها حتى دخلنا الصحن الشريف
ثم دخلنا الروضة المقدسة ، من الباب المعروف بباب المراد ، فلم يقف على باب
الرواق ، ولم يقل شيئا حتى وقف على باب الروضة من عند رجلي الامام موسى
[316]
عليه السلام ، فوقفت بجنبه ، وقلت له : يا سيدنا اقرء حتى أقرأ معك ، فقال :
السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أمير المؤمنين ، وساق على باقي أهل
العصمة عليهم السلام حتى وصل إلى الامام الحسن العسكري عليه السلام .
ثم التفت إلي بوجه الشريف ، ووقف متبسما وقال : أنت إذا وصلت إلى
السلام على الامام العسكري ما تقول ؟ فقلت : أقول : السلام عليك يا حجة الله يا
صاحب الزمان ، قال : فدخل الروضة الشريفة ، ووقف على قبر الامام موسى عليه السلام
والقبلة بين كتفيه .
فوقفت إلى جنبه ، وقلت : يا سيدنا زرحتى أزور معك ، فبدأ عليه السلام بزيارة
أمين الله الجامعة المعروفة فزار بها وأنا أتابعه ، ثم زار مولانا الجواد عليه السلام ، ودخل
القبة الثانية قبة محمد بن علي عليهما السلام ووقف يصلي فوقفت إلى جنبه متأخرا عنه
قليلا ، احتراما له ، ودخلت في صلاة الزيارة فخطر ببالي أن أسأله أن يبات معي
تلك الليلة لاتشرف بضيافته وخدمته ، ورفعت بصري إلى جهته ، وهو بجنبي
متقدما علي قليلا فلم أره .
فخففت صلاتي ، وقمت وجعلت أتصفح وجوه المصلين والزوار لعلي أصل
إلى خدمته ، حتى لم يبق مكان في الروضة والرواق إلا ونظرت فيه ، فلم ارله
اثرا أبدا ، ثم انتبهت وجعلت أتأسف على عدم التنبه لما شاهدته من كراماته وآياته
من انقيادي لامره [ مع ] ما كان لي من الامر المهم في بغداد ، ومن تسميته إياي
مع أني لم أكن رأيته ولاعرفته ، ولما خطر في قلبي أن أدفع إليه شيئا من حق
الامام عليه السلام وذكرت له أني راجعت في ذلك المجتهد الفلاني لادفع إلى السادة
باذنه ، قال لي ابتداء منه : نعم وأوصلت بعض حقنا إلى وكلائنا في النجف
الاشرف .
ثم تذكرت أني مشيت معه بجنب نهر جار تحت أشجار مزهرة متدلية على
رؤوسنا ، وأين طريق بغداد وظل الاشجار الزاهرة في ذلك التاريخ ، وذكرت أيضا
أنه سمى خليطي في سفر زيارة مولانا الرضا باسمه ، ووصفه بالعبد الصالح ، وبشرني
[317]
بقبول زيارته وزيارتي ثم لنه أعرض بوجهه الشريف عند سؤالي إياه عن حال
جماعة من أهل بغداد من السوقة كانوا معنا في طريق الزيارة ، وكنت أعرفهم
بسوء العمل ، مع أنه ليس من أهل بغداد ، ولا كان مطلعا على أحوالهم لولا أنه
من أهل بيت النبوة والولاية ، ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق .
ومما افادني اليقين بأنه المهدي عليه السلام أنه لما سلم على أهل العصمة عليهم السلام
في مقام طلب الاذن ، ووصل السلام إلى مولانا الامام العسكري ، التفت إلي
وقال لي : أنت ما تقول إذا وصلت إلى هنا ؟ فقلت : أقول : السلام عليك يا حجة الله
يا صاحب الزمان ، فتبسم ودخل الروضة المقدسة ثم افتقادي إياه وهو في صلاة
الزيارة لما عزمت على تكليفه بأن أقوم بخدمته وضيافته تلك الليلة ، للى غير ذلك
مما أفادني القطع بأنه هو الامام الثاني عشر صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين
والحمد لله رب العالمين .
وينبغي أن يعلم أن هذا الرجل والرجل المتقدم ذكره في القصة السابقة
هما من السوقة ، وقد حدثاني بهذين الحديثين باللغة المصحفة التي هي لسان أهل
هذا الزمان ، فاللفظ مني ، مع المحافظة التامة على المعنى ، فهو حديث بالمعنى
وكتب أقل أهل العلم : محمد بن أحمد بن الحسن الحسيني الكاظمي مسكنا .
قلت : ثم سألته أيده الله تعالى عن اسمه وحدثني غيره ايضا أن اسمه الحاج علي
البغدادي وهو من التجار وأغلب تجارته في طرف جدة ومكة وما والاها ، بطريق
المكاتبة ، وحدثني جماعة من أهل العلم والتقوى من سكنة بلدة الكاظم عليه السلام بأن
الرجل من أهل الصلاح والديانة والورع ، والمواظبين على اداء الاخماس والحقوق
وهو في هذا التاريخ طاعن في السن ( 1 ) ( أحسن الله عاقبته .
________________________________________________________________
( 1 ) يقال : طعن في السن : شاخ وهرم .
[318]
* " ( فائدتان ) " *
* " الاولى " *
روى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن الحسن بن أحمد المكتب والطبرسي
في الاحتجاج مرسلا أنه خرج التوقيع إلى أبي الحسن السمري :
يا علي بن محمد السمري اسمع أعظم الله أجر إخوانك فيك ، فانك ميت
ما بينك وما بين ستة أيام ، فاجمع أمرك ، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد
وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامة ، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره ، وذلك بعد
الامد ، وقسوة القلوب وامتلاء الارض جورا ، وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة
ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة ، فهو كذاب مفتر ، ولا
حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ( 1 ) .
وهذا الخبر بظاهره ينافي الحكايات السابقة وغيرها مما هو مذكور في البحار
والجواب عنه من وجوه :
الاول : أنه خبر واحد مرسل ، غير موجب علما ، فلا يعارض تلك الوقائع
والقصص التي يحصل القطع عن مجموعها بل ومن بعضها المتضمن لكرامات ومفاخر
لا يمكن صدورها من غيره عليه السلام ، فكيف يجوز الاعراض عنها لوجود خبر ضعيف
لم يعمل به ناقله ، وهو الشيخ في الكتاب المذكور كما يأتي كلامه فيه ، فكيف
بغيره والعلماء الاعلام تلقوها بالقبول ، وذكروها في زبرهم وتصانيفهم ، معولين
عليها معتنين بها .
________________________________________________________________
( 1 ) راجع غيبة الشيخ ص 257 وقد أخرجه في البحار باب أحوال السفراء ج 51
ص 361 عن غيبة الشيخ وكمال الدين ( ج 2 ص 193 ) .
فراجع .
[319]
الثاني : ما ذكره في البحار بعد ذكر الخبر المزبور ما لفظه : لعله محمول
على من يدعي المشاهدة مع النيابة ، وإيصال الاخبار من جانبه إلى الشيعة على
مثال السفراء لئلا ينافي الاخبار التي مضت وسيأتي فيمن رآه عليه السلام والله يعلم ( 1 ) .
الثالث : ما يظهر من قصة الجزيرة الخضراء ، قال الشيخ الفاضل علي بن
فاضل المازندراني : فقلت للسيد شمس الدين محمد وهو العقب السادس من أولاده
عليه السلام : يا سيدي قد روينا عن مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الامر عليه السلام
أنه قال : لما أمر بالغيبة الكبرى : من رآني بعد غيبتي فقد كذب ، فكيف فيكم من
يراه ؟ فقال : صدقت إنه عليه السلام إنما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه
من أهل بيته ، وغيرهم من فراعنة بني العباس ، حتى أنالشيعة يمنع بعضها بعضا
عن التحدث بذكره ، وفي هذا الزمان تطاولت المدة وأيس منه الاعداء ، وبلادنا
نائية عنهم ، وعن ظلمهم وعنائهم ، الحكاية ( 2 ) .
وهذا الوجه كما ترى يجري في كثير من بلاد أوليائه عليهم السلام .
الرابع : ما ذكره العلامة الطباطبائي في رجاله في ترجمة الشيخ المفيد بعد
ذكر التوقيعات ( 3 ) المشهورة الصادرة منه عليه السلام في حقه ما لفظه : وقد يشكل أمر
هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى ، مع جهالة المبلغ ، ودعواه المشاهدة المنافية
بعد الغيبة الصغرى ، ويمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن ، واشتمال
التوقيع على الملاحم والاخبار عن الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الله وأولياؤه
باظهاره لهم ، وأن المشاهدة المنفية أن يشاهد الامام عليه السلام ويعلم أنه الحجة عليه السلام
حال مشاهدته له ، ولم يعلم من المبلغ ادعاؤه لذلك .
وقال رحمه الله في فوائده في مسالة الاجماع بعد اشتراط دخول كل من
________________________________________________________________
( 1 ) راجع ج 52 ص 151 باب من ادعى الرؤية في الغيبة الكبرى .
( 2 ) راجع ج 52 ص 172 " باب نادر فيمن رآه عليه السلام " .
( 3 ) ذكرها المجلسي رحمه الله في باب ما خرج من توقيعاته عليه السلام راجع
ص 174 178 من هذا المجلد .
[320]
لا نعرفه : وربما يحصل لبعض حفظة الاسرار من العلماء الابرار العلم بقول الامام
عليه السلام بعينه على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدة الغيبة ، فلا يسعه التصريح
بنسبة القول إليه عليه السلام فيبرزه في صورة الاجماع ، جمعا بين الامر باظهار الحق
والنهي عن إذاعة مثله بقول مطلق ، انتهى .
ويمكن أن يكون نظره في هذا الكلام إلى الوجه الآتي .
الخامس : ما ذكره رحمه الله فيه أيضا بقوله : وقد يمنع ايضا امتناعه في
شأن الخواص وإن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار ، ودلالة بعض الآثار .
ولعل مراده بالآثار الوقائع المذكورة هنا وفي البحار أوخصوص ما
رواه الكليني في الكافي والنعماني في غيبته والشيخ في غيبته بأسانيدهم المعتبرة
عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال : لا بد لصاحب هذا الامر من غيبة ، ولا بد له في
غيبته من عزلة ، وما بثلاثين من وحشة ( 1 ) .
وظاهر الخبر كما صرح به شراح الاحاديث أنه عليه السلام يستأنس بثلاثين
من أوليائه في غيبته ، وقيل : إن المراد أنه على هيئة من سنه ثلاثون أبدا وما
في هذا السن وحشة وهذا المعنى بمكان من البعد والغرابة ، وهذه الثلاثون الذين
يستأنس بهم الامام عليه السلام في غيبته لا بد أن يتبادلوا في كل قرن إذ لم يقدر لهم من
العمر ما قدر لسيدهم عليه السلام ففي كل عصر يوجد ثلاثون مؤمنا وليا يتشرفون بلقائه .
________________________________________________________________
( 1 ) راجع الكافي في ج 1 ص 340 ، غيبة النعماني ص 99 ، غيبة الشيخ ص 111
وقد ذكره المجلسي رضوان الله عليه في ج 52 ص 153 و 157 ، وقال : يدل على
-بحار الانوار مجلد: 49 من ص 320 سطر 19 الى ص 328 سطر 18
كونه عليه السلام غالبا في المدينة وحواليها وعلى أن معه ثلاثين من مواليه وخواصه ، ان
مات أحدهم قام آخر مقامه .
أقول : ويؤيده ما رواه الشيخ في غيبته ص 111 عن المفضل بن عمر قال : سمعت
أبا عبدالله عليه السلام يقول : ان لصاحب هذا الامر غيبتين احداهما تطول حتى يقول بعضهم
مات ويقول بعضهم قتل ، ويقول بعضهم ذهب ، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه الانفر يسير
لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره الا المولى الذي يلي أمره .