الفصل الرابع
القسم
الثاني: البداء وعلامات الظهور
شرائط الظهور
إن
قانون العرض والطلب ، يقتضي أن يكون الطلب متناسباً مع العرض ، لأنه في غير هذه
الصورة ، يختل نظام الحياة والتعادل ، ويسود نظام المجتمع الفوضى والاضطراب
والفساد.
وكما
نعلم ، فإن جميع الأنبياء الذين أرسلهم الله سبحانه و تعالى إلى البشر عبر التاريخ
لهداية الناس ، واجهوا - أثناء أداء عملهم المقدس - ردود فعل شديدة ومضادة ، من
قبل الناس المجحدين ، من غير أن يهتموا بالهدف السامي والرسالة الإنسانية للأنبياء
.. فقام الجاهلون بالتعرض والأذى للأنبياء والقادة السماويين الكبار ، لدرجة أن
أعظمهم وهو النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله يقول: (لم يؤذ نبي من قومه كما
أوذيت) ، وسبحانه وتعالى يقول ]يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ
رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون[ (1) إن استمرار هذا الاصطدام أدى إلى نتائج عنيفة كسجن
ونفي وأذى الأنبياء عليهم السلام ،
وأكثرهم
فقد حياته العزيزة في هذا السبيل ، ورغم ذلك فإن الله العطوف الرحيم ، ولإتمام
حجته لم يبخل بنعمة وجودهم على عبادة ، بل استمر العطاء ، وأوجد أحد عشر رجلاً
فذاً لانظير لهم (بدءاً من أمير المؤمنين (عليه السلام) - حتى الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام)) أفضل خلف لرسول الله صلى الله عليه وآله ، وكانوا يمتلكون
أبرز الصفات الإنسانية والفضائل الإسلامية ، وكانوا أفضل أفراد الأمة الإسلامية في
عصرهم ، وكانوا يهدفون من قيادة المجتمع الإنساني الفضيلة والعدل الإلهي ، ومع ذلك
وبشاهدة التاريخ ، فإنهم طيلة قرنين ونصف ، بعد رحيل خاتم الأنبياء صلى الله عليه
وآله كانوا بعيدين أو أبعدوا عن الساحة السياسية الإسلامية ، لدرجة إنهم ما إن
شرعوا يقومون في إرشاد الناس الغافلين ، حتى كانوا يواجهون بالاضطهاد والسجن
والقتل .. ومن هنا نستنتج أن هذا العرض السماوي (المتمثل ببعث الأنبياء والأئمة
عليهم السلام) ،لم يكن متناسباً مع هذا الطلب الإنساني (المتمثل بإجحاد بني البشر
لرسالة السماء).
إن
سوء تصرف البشر على مر التاريخ ، وردود فعلهم السيئة ، التي تجاوزت الحدود ،كان لا
بدّ أن يرى الإنسان نتائج أفعاله الدالة على التمرد والعصيان ، ولهذا السبب شاءت
الحكمة الإلهية أن يغيب آخر شخص من القادة العظام (الإمام المهدي (عليه السلام))
عن الأنظار لمدة طويلة ، ليظهر لدى الناس ، حس الطلب لمثل هذا الإمام العالي القدر
، وفي ذلك الزمن ، التي تكون فيه الأرض ممهدة ، فإن الله تبارك وتعالى سيظهره
ويجعله بين طالبيه .. فعندما يتهيأ الوقت المناسب في كل الأمور ، وتصبح الأوضاع
مساعدة لذلك ، ويدب اليأس في قلوب معظم الناس ، ويطلبوا من أعماق قلوبهم من الله
العزيز الحكيم قائداً ومنقذاً ، فإنه سبحانه وتعالى سيظهر منجي العالم لإصلاح
الأوضاع المنحرفة والفاسدة إصلاحاً جذرياً ، ولتبدأ عملية إنقاذ الناس من الظلم
والجور ، ونشر العدل والقسط.
ولكن
.. لا بدّ لهذا اليوم الموعود ، وهذا الفجر المقدس المنتظر من علامات وشروط ..
علامات تدل عليه ، وشروط تحقق نجاحه .. فإن انتصار ثورة ما أو تحقيق هدف منشود
إنما يتوقف على توفر الظروف المناسبة ، فمتى تهيأت الأجواء ومقومات النجاح تحقق
الهدف .. فحركة ونهضة مثل ثورة الإمام المهدي (عليه السلام) التي تختزل مجهود كل
الأنبياء والرسل والأئمة الأطهار عليهم السلام ، وتهدف إلى تحقيق العدل الإلهي ،
وهداية البشرية جميعاً نحو شريعة الله الخالدة .. إذاً فنهضة المهدي (عليه السلام)
المبتدئة بيوم ظهوره المقدس ، هي حركة عميقة وشاملة ومتجذرة ودائمة وإنسانية ،
تتجاوز فوارق اللغة واللون والعرق والقومية ، وتحقق تحرير الإنسان ، ورد إعتباره
وكرامته المهدورة عبر العصور ، وتحاول إجتثاث الفساد والإنحراف والظلم ، بكل
أشكاله والوانه وصوره.
ولا
يمكن لحركة شاملة وعميقة كهذه ، أن تحدث من لاشيء بل ينبغي أن تسبقها إرهاصات ،
تهيء الأرضية المناسبة لنجاحها ، ولا بدّ من توفر مقومات وشروط النجاح ، ولعل أهم
هذه الشروط (2) هي:
أولا:
الأيدلوجية الفكرية الكاملة والقابلة للتنفيـذ في كـــل الأمكنــه والأزمنة والتي
تضمن الرفاة للبشرية جمعاء:
لا بدّ
أن تكون هذه الأيدلوجية ، هي القانون السائد في المجتمع ، وأن تكفل حل كل مشاكل
البشرية ، وتستأصل جميع مظالمها .. وكما نعرف أن الدين الإسلامي هو آخر الشرائع
السماوية ، وأن العقل البشري قاصر عن إيجاد العدل الكامل في العالم ، وأن الله
سبحانه وتعالى وعد في القرآن الكريم بتطبيق العدل الكامل ، والعبادة المخلصة على
وجه الأرض ، بل كان هذا هو الغرض الأساسي للخلق: ]وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ[ (3).
إذاً ..
ينحصر وجود هذه الأيدلوجية في الإسلام ، لعدم إمكان حصولها من العقل البشري ، وعدم
إمكان نزول شريعة أخرى بعد الإسلام ، ]وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ[ (4).
إذاً ..
في زمن الظهور ، سوف تتم تربية العالم ثقافياً من جهة الإسلام الواقعي (الأيدلوجية
الفكرية) ، الذي يقوم عليه نظام الإمام المهدي (عليه السلام) في دولته العالمية ..
فالشعوب غير المسلمة ، سوف تدعى إلى الإسلام ، وسوف تعتنقه باقتناع وسهولة ،
وبالتالي تتم إزالة الإختلافات في العقائد الفكرية ويتبع الجميع الحق والحقيقة ..
وكل من أسلم من جديد ، أو هو كان مسلماً سلفاً ، سوف يربى على الثقافة الإسلامية
العامة الضرورية ، ومن ثم يبدأ التصاعد والتكامل الثقافي ، كل حسب قابليته وجهوده.
وللتعريف
بالأيدلوجية الفكرية الكاملة المتمثلة بالإسلام نوضح:
1- الأحكام
الإسلامية الحقيقة ، التي كانت معلنة قبل الظهور.
2- الأفكار
والمفاهيم ، التي يتم تجديدها يومئذ.
3- الأفكار والمفاهيم
الناتجة عن تطور الفكر الإسلامي.
4- الأحكام
والمفاهيم المؤجلة ، التي لم تعلن قبل ذلك ، وكان إعلانها منوطاً بتحقيق الدولة
العالمية
5- الأنظمة
التفصيلية ، التي يسنها القائد المهدي (عليه السلام) نفسه في حدود الشريعة من أجل
ضبط الوقائع المختلفة.
6- القواعد
العامة ، التي يضعها القائد المهدي (عليه السلام) للحكام الذين يوزعهم على الأرض.
7- القواعد
العامة ، التي يضعها الإمام المهدي (عليه السلام) لخاصته من أجل استمرار تربية
البشرية ، وتكاملها في المدى البعيد (5).
وبهذه
الأحكام والقواعد تستطيع الأيدلوجية الفكرية الكاملة أن تأخذ طريقاً إلى التطبيق
وتربية البشرية بالتدريج.
ثانيا:وجود
القائد المحنك العظيم ، الذي يمتلك القابلية الكاملـة لقيـادة العالم كله ونشر
العدل:
صفات
هذا القائد المحنك ، وفرها الله تعالى في المهدي (عليه السلام) كقائد أمثل للبشرية
ليتكفل بعلمه وتعاليمه تطبيق الإسلام الصحيح في اليوم الموعود .. وبقاؤه الطويل مع
أجيال عديدة من البشر ، ضروري لتولية مهام القيادة في يوم الفجر المقدس .
إذاً
.. قابلية المهدي (عليه السلام) لقيادة العالم تكتمل في:
1-
العصمة .. بالإضافة إلى الإلهام والوحي .. ونقصد بالإلهام والوحي كما حصل لـ: مريم
بنت عمران عليها السلام ، وأم النبي موسى (عليه السلام): ]وَأَوْحَيْنَا إِلَى
أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ … [ (6).
2- الرصيد
الضخم من التجارب ، التي يكتسبها من خلال طول الزمن في عصر الغيبة ، ما يوجب له
الاطلاع المباشر على قوانيين تطور التاريخ ، وتسلسل حوادثه ، وما يؤثر على
المجتمعات البشريه.
3- الأعمال
والتضحيات ، التي يقوم بها في عصر الغيبة في سبيل الإسلام والمسلمين ، ومالها من
بالغ الأثر في تصاعد كماله وترسخه.
من هذا
الفهم ، نستطيع أن نبرهن بانفصال المهدي (عليه السلام) عن العصمة والإلهام ، وعدم
تكامله الطويل خلال الزمان .. ما يحجب عنه قابليه القيادة العالمية ولذا يلزمنا
افتراض أن المهدي يولد في آخر الزمان (كما تعتقد العامة). إذاً .. بهذا
التصور ، المهدي (عليه السلام) ليس أكثر من فرد من المؤمنين المخلصين ، وإذا كان
القائد كذلك فكيف بالجنود والأنصار ، ومع هذا التصور يستحيل القيام بالمهمة الكبرى
لليوم الموعود وتنفيذ الوعد الإلهي فيه ومن هنا ، لا بدّ من التأكيد على اطروحة
الشيعة الإمامية لفهم المهدي (عليه السلام) القائمة على الإيمان بوجوده وغيبته حتى
يظهره الله تعالى .
بهذا
الشكل ، استطعنا أن نستوعب بكل سهولة ووضوح (فضلاً عن الأدلة والنصوص) تصور الشيعة
الإمامية في الإمام المهدي (عليه السلام) الذي يتميز بخصائص مهمة:
أ-
الإيمان بعصمة الإمام المهدي (عليه السلام) باعتباره الإمام الثاني عشر من الإئمة
المعصومين عليهم السلام.
ب-
الإيمان بكونه القائد الشرعي الوحيد للعالم عامة ، ولقواعده الشعبية خاصة ، طيلة
زمان وجوده ، سواء كان غائباً أو حاضراً.
ت-معاصرته
لأجيال عديدة من الأمة الإسلامية خاصة والبشرية عامة.
ث-كونه
على مستوى الإطلاع على الأحداث يوماً فيوماً وعاماً فعاماً ، عارفاً بأسبابها
ونتائجها وخصائصها.
ج-كونه
على ارتباط مباشر بالناس خلال غيبته ، يراهم ويرونه ويتفاعل معهم ويتفاعلون معه ،
إلا إنهم لا يعرفون بحقيقته (7).
إننا
ينبغي أن نذعن بأن خصائص الإمام المهدي (عليه السلام) في التصور الإمامي ليست من
وهم الخيال ، بل هي خصائص أساسية في تكوين قيادته وتمكنه من تحقيق المجتمع العادل
، كما أراده الله تعالى ، وكما وعد به .. وعليه نشير إلى أن القائد العظيم ، الذي
هو نداء الملايين ومهوى أفئدة الأجيال ومحط أنظار الأمم ومحقق آمال الشعوب:
·
ولد يوم (15) شعبان عام 255 هـ ، وأبوه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ، وأمه
السيدة نرجس (مليكة بنت يشوعاء بن قيصر ملك الروم ، وأمها من ولد أحد الحواريين
المنتسب إلى وصي المسيح شمعون).
· لايزال
حياً ، ويعيش إلى الآن على وجه الأرض ، يأكل ويشرب ويعبد الله ، وينتظر الأمر له
بالخروج والظهور.
· غائب
عن الأبصار ، وقد يراه الناس ولا يعرفونه.
· له
اشراف على العالم ، واحاطته بأخبار العباد والبلاد وكل ما يجري في العالم بإذن
الله.
· سيظهر
في يوم معلوم عند الله ، مجهول عندنا وتحدث علامات حتمية قبل ظهوره (أشرنا إليها
في الفصل الثالث بالتفصيل).
· إذا
ظهر يحكم الكرة الأرضية كلها ، وتخضع له جميع الدول والشعوب في العالم.
· يطبق
الإسلام الصحيح ، كما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وتنقاد له كافة
الأديان والملل.
· ينزل
النبي عيسى (عليه السلام) من السماء ، ويصلي خلفه.
ثالثا
: وجود العدد الكافي من الناصرين المؤازرين المنفذين بين يدي القائد العظيم:
يحتاج
القائد في تطبيق العدل على كافة أرض المعمورة (العالم) إلىعدد كافي من الرجال
الناصرين والمؤيدين ، لكي ينتشر الإسلام بالجهاد انتشاراً طبيعياً ، لذا يلزم
لتحقيق ثورة الإمام المهدي (عليه السلام) إعداد جيش وقوة ضاربه (قدرة تنفيذية)
تدعم الإمام (عليه السلام) وتطيع أوامره ، وهذا أمر ضروري وحاجة ماسة لاغنى عنها
.. وهنا لا بدّ من التفريق بين قادة الجيش وأفراده.
1- قادة الجيش: ( أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام))
هؤلاء
القادة والأصحاب ، لهم دور كبير في قيادة الجيوش وفتح البلاد وإداره الأمور وغير
ذلك .. ويكتسب هؤلاء الأصحاب أهميتهم من جهة كونهم مؤمنين مخلصين ، أختيروا بعناية
خاصة ، وقد أثبتوا جدارتهم وقدرتهم على التضحية في سبيل الأهداف الإسلامية العليا
.. وكلما كان الهدف أوسع وأكبر ، تطلب مقداراً من الإيمان والإخلاص بشكل أعمق ..
فكيف لو كان هدفاً عالمياً ، لم ينله فيما سبق أي قائد كبير ولا نبي عظيم ، وإنما
خط الأنبياء والمرسلين ، وما بذلوه من تضحيات كلها من مقدمات هذا الهدف الكبير
وإرهاصاته .. لذا يكتسب من يشارك في تنفيذ هذه الأهداف السامية والعالية أهمية
خاصة ، ويتطلب شروطاً خاصة ، وأهم ما يشترط توفرها في هؤلاء القادة (الأصحاب):
أ-
الوعي .. بكل مافي الكلمة من معنى ، بالإضافة إلى الشعور الحقيقي بأهمية
وعدالة الهدف الذي يسعى إليه القائد المهدي (عليه السلام) وإيمانهم العميق
بالأيدلوجية (الإسلام) التي يسعى إلى تطبيقها.
ب-
الإستعداد للتضحية في سبيل الهدف ، مهما تطلب الأمر من تضحيات جسام.
أما عدد
هؤلاء القادة (الأصحاب) ، فقد نصت الروايات وبشكل مستفيض يكاد أن يكون متواتراً ،
إن عددهم بمقدار جيش النبي صلى الله عليه وآله في غزوة بدر (ثلاثمائة وثلاثة عشر
رجلاً) وهم الذين عبر عنهم الإمام أمير المؤمنين والإمام الصادق عليهم السلام
بقولهما: (هم أصحاب الألويه) (8) ، وكما في الخبر عن جابر الجعفي قال: قال: أبو جعفر
(عليه السلام): (يبايع القائم بين الركن والمقام ثلاثمائة ونيف ، عدة أهل بدر
فمنهم النجباء من أهل مصر ، والأبدال من أهل الشام ، والأخيار من أهل العراق) (9) .. وأهم ما يميز هؤلاء الأصحاب القادة الـ (313):
أ-
شباب لا كهول فيهم إلا أقل القليل كالملح في الطعام.
ب-
اتصافهم بالإخلاص من أعلى درجاته وقوة إيمانهم (رهبان بالليل ليوث بالنهار).
ت-
الإخلاص للقائد المهدي (عليه السلام) والإيمان بقيادته.
ث-
مبايعتهم للمهدي (عليه السلام) - لأول مرة - بعد جبرائيل (عليه السلام) واستماعهم
لخطبته ، وأول من يدافع عنه.
ج-
إنهم قادة الجيش خلال القتال.
ح-
سيكونون الفقهاء والحكام والقضاة في دولة المهدي العالمية.
2- أفراد الجيش: (الأنصار)
هم
المؤمنون الصالحون الذين يلتحقون بالإمام المهدي (عليه السلام) في مكة المكرمة
وغيرها من المدن ، وينضوون تحت لوائه ويحاربون أعداءه ، وهؤلاء الأنصار عدد ضخم من
الجيش ، لايقل عن عشرة الآف شخص مقاتل في نواته الأولى عند بدء الحركة ، وقد جاء
في الخبر عن الإمام الصادق (عليه السلام) (وما يخرج إلا في أولي قوة ، وما تكون
أولو قوة أقل من عشرة الآف) (10) .. وهذا العدد كافٍ للمهدي (عليه السلام) في أول
حركته ، فكلما اتسعت حركته فإن جيشه يتسع ، وتتضح أهدافه وتتكاثر أسلحته ، ولذا
سمي جيش الإمام المهدي (عليه السلام) (بجيش الغضب) ، باعتبارهم يمثلون غضب الله
تعالى على المجتمع الفاسد ، وشعار الجيش (يالثارات الحسين) بما للشعار من معنى ،
ووحدة الأهداف بين حركة الإمام الحسين (عليه السلام) وحركة الإمام المهدي (عليه
السلام).
ويستفاد
من مجمل الأحاديث والروايات ، أن هؤلاء الأنصار (العقد أو الحلقة كما عبرت عنه بعض
الروايات) جماعات وجماهير لهم نصيب وافر من الإيمان الكامل والعقيدة الراسخة [أقل
امتيازاً من الأصحاب (313)] ، ويخرج الإمام المهدي (عليه السلام) من مكة في بداية
ظهوره بهذا العدد من الأنصار (عشرة الآف رجل) يمثلون نواة جيشه .. ومن الطبيعي أن
الآلاف من الناس سوف يلتحقون به مع مرور الوقت .. وعلى هذا تستطيع تصور مدى كثرة
جيوش الإمام وعساكره.
رابعا:
وجود قاعدة شعبيه مؤيدة ذات مستوى مـن النضــج
والوعي:
وهنا
لا بدّ أن نشير إلى نقطتين مهمتين:
1- إستعداد شعوب العالم:
إن
المؤمنين المخلصين يمثلون الطليعة الواعية والرائدة الأولى في يوم الظهور ، ولكن
تطبيق الأيدلوجية الفكرية (الإسلام) يحتاج إلى عدد أكبر من القواعد الشعبية
الكافية ، ليكونوا هم المثل الصالحة لتطبيق قوانين وتعاليم الإسلام في العالم ،
حين يبدأ انتشاره يومئذ .. وهنا لا بدّ من بلوغ الأمة الإسلامية ككل إلى درجة من
النضج الفكري والثقافي ، بحيث تستطيع أن تستوعب وتتفهم القوانين والأساليب الجديدة
التي يتخذها الإمام المهدي (عليه السلام) في دولة الحق والعدل ، ولا يتم ذلك إلا
باستعداد جماعات كثيرة من البشر للتجاوب مع حركة يوم الفجر المقدس وتعليماته ..
وهذا الشعور والاستعداد يتوفر لهذه الجماعات وإن كانت قبل الظهور تمارس شيئاً من
العصيان والإنحراف.
2- اليأس والقنوط العالمي من التجارب السابقة:
يأس
العالم أو الرأي العام العالمي ككل من الحلول المدعاة للمشاكل العالمية من غير
طريق الإسلام .. وهنا لا بدّ أن يشعر الناس بفشل كل التجارب السابقة ، التي
ادعت لنفسها حل مشاكل العالم ، ثم افتضح أمرها وانكشف زيفها ، وذلك بسبب شيوع
الظلم والجور والفساد والاضطهاد الشديد إلى درجة أن يصل المجتمع الإنساني إلى حد
القنوط من تحقق الإصلاح عن طريق المنظمات العالمية التي تحمل عناوين مختلفة ..
وينعكس هذا الشعور على شكل الرغبة والحاجة والإلحاح لطلب أفكار أو اطروحة عادلة
جديدة (الأيدلوجية الإسلامية) تكفل الحل الحقيقي للمشاكل والمظالم العالمية .. من
هنا فإن شعور الجماهير بالظلم والإضطهاد ، بالإضافة إلى أن يتوفر لديها النمو
الذهني والفكري ، والرغبة للقضاء على هذا الظلم والإستبداد .. سيكون هذا من أفضل
الأرضيات لتقبل يوم الظهور وتعليماته.
للإيضاح
، ينبغي أن نتحدث عن شرائط الظهور بشكلب موجز ، ويمكن تلخيص أهمها فيما يلي:
1-
وجود الأيدلوجية الفكرية الكاملة (الدين الإسلامي ) ، التي تتكفل حل كل مشاكل
البشرية وتستأصل جميع مظالمها.
2- وجود
القائد المحنك العظيم ، الذي يمتلك القابلية للقيام بمهام يوم الظهور ونشر العدل
في العالم كله.
3- وجود
العدد الكافي من الأفراد (الأصحاب - الأنصار) لفتح العالم على أساس العدل.
4- بلوغ
الأمة الإسلامية ككل إلى درجة من النضج الفكري والثقافي ، بحيث تستطيع أن تستوعب
وتتفهم القوانين والأساليب الجديدة التي يتخذها القائد المهدي (عليه السلام) في
دولة الحق والعدل (القاعدة الشعبية).
5- يأس
العالم والرأي العام العالمي ككل من الحلول المدعاة للمشاكل العالمية من غير طريق
الإسلام (القاعدة الشعبية).
6- تطرف
إنحراف الظالمين إلى حد يكون على مستوى نبذ الشريعة الإسلامية ومخالفة أحكامها (11).
فعندما
تكون كل الشرائط المطلوبة قد اجتمعت في زمن واحد .. فالأيدلوجية الفكرية موجودة
بين البشر ، متمثلة بتعاليم الإسلام ، والقائد موجود متمثل بالإمام المهدي (عليه
السلام) ، وأصبحت الأمة قابلة لتفهم القوانين والتعاليم الجديدة ، التي تكون على
وشك الصدور في اليوم الموعود ، والعدد الكافي من الجيش العقائدي القيادي متوفر
لفتح العالم ، ونشر العدل والسلام مع وجود العامل المساعد لهم ، وهو انكشاف نقاط
الضعف لكل التجارب البشرية والمبادي والقوانين الوضعية السابقة على الظهور واليأس
من حل بشري جديد .. فإذا اجتمعت هذه الشرائط ، كان يوم الظهور (الفجر المقدس)
ناجزاً ، لاستحالة تخلف الوعد الإلهي والبشارة النبوية .. ومن هنا نعرف أن وقت
الظهور منوط باجتماع هذه الشرائط .. بل نستطيع القول بأن هذه الشرائط بصيغتها
الموسعة ، تكون هي الشروط الأساسية لانجاح يوم الظهور ، وعليها تكتب له النجاح
والتقدم والتوسع والإنتشار.
بعد
هذا الإيضاح لشرائط الظهور في هذا القسم وشرح علامات الظهور في الفصل الثالث ..
يمكننا أن نوضح بعض الفروق بينهما سواء من ناحية الفهم والمعنى أو الخصائص
والصفات:
1- ارتباط
الظهور بالشرائط ارتباط واقعي ، وارتباطه بالعلامات كدلالة واعلام وكشف.
2- لشرائط
الظهور ارتباط سببي وواقعي ، أما علامات الظهور فهي عبارة عن عدة حوادث مبعثرة لا
يوجد بينهما ارتباط واقعي.
3- إن
شرائط الظهور لا بدّ أن تجتمع في وقت زمني واحد ، بعكس علامات الظهور فهي حوادث
مبعثرة في الزمان.
4- علامة
الظهور حادثة طارئة ، لا يمكن بطبعها أن تدوم مهما طال زمانها ، بخلاف شرائط
الظهور وبعض أسبابها ، فإنها بطبعها قابلة للبقاء.
5- إن
العلامات تحدث وتنفذ بأجمعها قبل الظهور ، في حين أن الشرائط لاتوجد بشكل متكامل
إلا عند الظهور.
6- شرائط
الظهور من المتعذر تماماً التأكد من اجتماعها ، أما علامات الظهور فبالإنتباه
والتدقيق ، يمكن التأكد مما وجد منها ومما لم يوجد (12) .
البداء وعلامات الظهور
إن
الحديث عن الإمام المهدي (عليه السلام) وعلامات ظهوره هو حديث عن أخبار غيبية
وحوادث في المستقبل .. فيثار تساؤل: هل كل الروايات التي وردت عن المعصومين
عليهم السلام ، والتي تتحدث عن علامات ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ، وبعد
التأكد من سند الرواية وصحتها ، وصدق مقولتها عن المعصوم (عليه السلام) ؟ هل
لا بدّ لكل تلك الأخبار الغيبية والتنبؤات المستقبلية من أن تتحقق .. أم أن هناك
ما يمنع ذلك ، ويحول دون وقوع ما أخبر عنه المعصوم (عليه السلام) ؟
وهنا
يلزم علينا التطرق إلى (البداء) كموضوع فلسفي وعقائدي ، له علاقة وطيدة وحساسة
بموضوع الإمام المهدي (عليه السلام) وعلامات ظهوره.
البداء
في اللغة: الظهور بعد الخفاء.
البداء
في الإصطلاح: ظهور شيء بعدما كان خافياً على الناس. ويمكن توضيح ذلك بمعنى: أن
الله سبحانه وتعالى قد يظهر شيئاً على لسان نبيه أو وليه أو في ظاهر الحال لمصلحة
تقتضي ذلك الإظهار ، ثم يمحوه فيكون غير ما قد ظهر أولا .. وهذا منطلق من قوله
تعالى في كتابه الكريم: ]يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ
أُمُّ الْكِتَابِ[ (13) ، وقوله تعالى ]وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا
كَسَبُوا[ (14) ، أي ظهر لهم ما كان خافياً عليهم سيئات ما كسبوا ..
وقوله تعالى ]ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ[ (15) ، وهذا المعنى من البداء: أي الظهور بعد الخفاء ،
يحصل كثيراً للإنسان فقط .. ولا يحصل في حق الله (عليه السلام) لأنه يلزم الجهل
عليه ، ونحن نعتقد بأن سبحانه وتعالى لايجهل شيئاً بل هو عالم بالحوادث كلها ،
غابرها وحاضرها ومستقبلها ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فلا يتصور
فيه الظهور بعد الخفاء ، ولا العلم بعد الجهل ، بل الأشياء دقيقها وجليلها حاضرة
لديه ، ومصداق ذلك قوله تعالى ]إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ
وَلا فِي السَّمَاءِ[ (16).
ولذا ،
ينسب البداء إلى الله سبحانه وتعالى بمعنى: أظهر الله ما كان خافياً على الناس لا
خافياً عليه .. وبعبارة أخرى: فكل ما ظهر بعد الخفاء فهو بداء من الله للناس ،
وليس بداء لله وللناس ، ويقرب ذلك قوله تعالى ]وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا
لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ[ (17).
ولتوضيح
وتبسيط الصورة ، نقول إن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ، دلت على أن مصير
العباد ، يتغير بحسب أفعالهم وصلاح أعمالهم ، من الصدقة والإحسان وصلة الرحم وبر
الوالدين والإستغفار والتوبة وشكر النعمة وأداء حقها ، إلى غير ذلك من الأمور التي
تغير المصير ، وتبدل القضاء ، وتزيد في الأرزاق والأعمار والآجال ، كما أن لسيء
الأعمال تاثيراً في تغيير مصيرهم بعكس ذلك .. ويدل على هذا قوله تعالى ]إِنَّ
اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ[ (18).
وخلاصة
القول: البداء إذا نسب إلى الله سبحانه وتعالى فهو بداء منه ، وإذا نسب إلى الناس
فهو بداء لهم ، فالبداء من الله هو إظهار ماخفي على الناس ، والبداء من الناس
بمعنى ظهور ما خفي لهم.
هناك
نوع من البداء ما اصطلح على تسميته (بالبداء الغيبـي أو الإخباري) ومورده خبر
النبي صلى الله عليه وآله أو خبر الأئمة عليهم السلام عن وقوع أمر ما في المستقبل
.. وما يعنينا البحث عنه هنا ، هو خصوص الخبر في علامات ظهور الإمام المهدي (عليه
السلام) لا كل خبر .. ولا بدّ من توضيح: بأن لله تبارك وتعالى لوحين:
الأول:
اللوح المحفوظ ، وهو اللوح الذي لا تغيير لما كتب فيه ، ولا تبديل لما قدر فيه ،
وهو مطابق لعلم الله تعالى ، قال تعالى ]بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ! فِي لَوْحٍ
مَحْفُوظٍ[ (19).
الآخر:
لوح المحو و الإثبات ، فيكتب فيه شيء ، حسب وجود مقتضيه ، ولكنه لا يلبث أن يمحى
لفقدان شرطه أو وجود مانعه ، قال تعالى: ]يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ[ (20) ، وقوله تعالى: ]ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ
مُسَمًّى عِنْدَهُ[ (21).
وهنا
يثار سؤال: هل كل علامات ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) التي دونت في كتب
الأخبار و أُثبتَ صحة سندها ، لا بدّ من وقوعها وتحققها؟ أم أن البداء يتطرق
إليها؟
وللجواب
على السؤال .. لا بدّ من تقسيم علامات الظهور إلى قسمين:
1-
أمور وعلامات موقوفة.
2- أمور
وعلامات محتومة.
وكما
جاء في الروايات عن الفضل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إن من الأمور
أموراً موقوفة وأموراً محتومة) (22) .. وعن معلى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد الله (عليه
السلام) يقول: (من الأمر محتوم ، ومنه ما ليس بمحتوم) (23) ، ولهذا نوضح البداء وعلاقته بـ:
أولا:
علامات الظهور والأمور الموقوفة:
إن
الأصل في علامات الظهور والأخبار الغيبيه أو حوادث المستقبل إنها موقوفه ، ما لم
توجد قرينة أو دليل يستدل به على الحتم ، وقد ذهب جهابذة العلماء (كالمفيد والصدوق
والطوسي) إلى أن الأصل في هذا النوع من الأخبار أنه من الموقوف ، ما لم يستدل على
خلاف ذلك بقرينة تدل على حتمه .. كقوله (عليه السلام) (السفياني من المحتوم) ..
وعليه فإن كثيراً من علامات الظهور حتى ما صح سنده ، هي من الأمور الموقوفه ، أي
معلقة على مشيئة من الله تعالى ، أي من الجائز أن لايقع بعض منها ، وتكون قابلة
للتغيير أو التبديل أو التقدم أو التأخر.
إن
هذه الأمور والآيات والعلامات الموقوفة ، لها ارتباط باللوح الآخر (لوح المحو
والإثبات) .. فإذا أخبر النبي صلى الله عليه وآله أو أحد المعصومين عليهم السلام
بشيء ، فلا بدّ أن يستند في أخباره ، إلى شيء يكون مصدراً لأخباره ومنشأ لاطلاعه
.. فإذا تحقق شيء مما أخبر عنه (عليه السلام) - وهي كثيرة جداً - فإن ذلك يكشف عن تحقق
شرائطه ، وفقد موانعه ، واكتمال عناصر علته .. أي أن الأحداث سارت على طبيعتها
لتحقق ذلك الخبر.
أما إذا
لم يقع الخبر أو الحدث (أي حصل فيه البداء) فإن ذلك يكشف عن فقد شرط ، أو عروض
مانع ، أقتضى التأثير بعدم تحقق الخبر ]يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ[ (24).
فالخبر
الموقوف في بلاء أو غيره ، قد يتوسل المؤمنون إلى الله في كشفه ، أو في منع وقوعه
، أو في تأخيره الخ .. أو أنهم قد يقومون ببعض الأعمال الصالحة التي تعجل بالفرج ،
أو تدفع البلاء أو تمنع وقوعه.
وهكذا
يتضح بعض وجوه الحكمة في سر جعل بعض الخبر من الموقوف ، وكأن الحكمة في جعل الوقف
هو الأصل في الخبر ، إنما هي إيكال إختيار وقوع البلاء أو تعجيل الخيرات كالفرج
وغير ذلك إلى الفرد (المسلم) ، فبعمله السيء وعدم توسله وعدم تضرعه يقع المخبر عنه
، ويجري الأمر إلى غايته ، وبعمله الحسن أو توبته وتوسله إلى الله تعالى ينكشف منه
ذلك ويتعجل الفرج .. ولهذا روي أنه (ما عُبد الله (عليه السلام) بمثل البداء).
وخلاصة
القول .. أن البداء يتدخل في علامات الظهور الموقوفه ، ويتطرق إليها ، أي
تكون قابلة للتغير والتبدل ، ومن الجائز عدم وقوع بعضها.
ثانيا:
علامات الظهور والأمور المحتومة:
إن
علائم الظهور المحتومة هي خمس كما في الرواية عن عمر بن حنظلة قال: سمعت أبا عبد
الله (عليه السلام) يقول: (قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني ،
والسفياني ، والصيحة ، وقتل النفس الزكيه ، والخسف بالبيداء) (25) .. وكذلك الحديث المروي عن أبي عبد الله (عليه
السلام): (قلنا له السفياني من المحتوم؟ فقال: نعم ، وقتل النفس الزكية من المحتوم
، والقائم من المحتوم ، وخسف البيداء من المحتوم ، وكف تطلع من السماء من المحتوم
، والنداء ، فقلت وأي شيء النداء؟ فقال: مناد ينادي باسم القائم واسم أبيه) (26) .. وهناك روايات عديدة وكثيرة تحدد هذه المحتومات
الخمس حتى أن هذه النصوص بلغت حد التواتر.
إن
العلائم المحتومة ، هي الأخبار التي لا بدّ من تحققها ، وهي التي تحدث قطعاً ولها
أشد الارتباط بالظهور ، وتكون مقارنة لظهوره (عليه السلام).. ولا علاقة
للبداء فيها ، باعتبار أن البداء في المحتموم ينافي حتميته ، لأن معنى البداء في
الشيء هو العدول عنه ، فحتمي الوجود يصبح بواسطة البداء غير حتمي وكذلك
العكس .. وهذا رأي معظم أساطين العلماء: كالسيد أبي القاسم الخوئي (28) والسيد جعفر مرتضى العاملي (27) والشيخ الطوسي حيث قال في غيبته: " .. والضرب
الآخر هو ما يجوز تغيره في نفسه ، لتغير المصلحة عند تغير شروطه ، فإنا نجوز جميع
ذلك ، كالأخبار عن الحوادث في المستقبل ، إلا أن يرد الخبر على وجه يعلم أن مخبره
لا يتغير ، فحينئذ نقطع بكونه ، ولأجل ذلك قرن الحتم بكثير من المخبرات ، فاعلمنا
أنه مما لا يتغير أصلاً ، فعند ذلك نقطع به" (29) .. وعليه نؤكد أن العلامات المحتومه لا يبدو لله
فيها.
إن أساس
الإشكال ، الذي يعارض هذا الرأي ، الرواية التي ذكرها النعماني في غيبته (عن محمد
بن همام قال: حدثنا محمد بن أحمد بن عبد الله الخالنجي قال: حدثنا أبو هاشم داوود
بن القاسم الجعفري قال: كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام) ، فجرى
ذكر السفياني ، وما جاء في الرواية من أن أمره من المحتوم ، فقلت لأبي جعفر (عليه
السلام): هل يبدو لله في المحتوم ، قال: نعم ، قلنا له: فنخاف أن يبدو الله في
القائم ، فقال: إن القائم من الميعاد والله لا يخلف الميعاد) (30) .. والذي علق عليه العلامة المجلسي في موسوعته
البحار حيث قال: "لعل للمحتوم معانٍ يمكن البداء في بعضها .. ثم إنه يحتمل أن
يكون المراد بالبداء في المحتوم ، البداء في خصوصياته ، لا في أصل وقوعه كخروج
السفياني قبل ذهاب بني العباس ونحو ذلك" (31).
إلا
أننا لا نميل إلى رأي العلامة المجلسي باعتبار أن البداء في المحتوم لا يبقى فرقاً
بين خبر محتوم وغيره ، ومن ثم لا داعي للتقسيم بين أمور موقوفه وأمور محتومه .. -
هذا فضلاً إلى أن سند الرواية ضعيف (32) - بالإضافة إلى تعارض هذا الرأي (البداء في المحتوم)
مع كثير من الروايات:
عن عبد
الملك بن أعين قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فجرى ذكر القائم (عليه السلام)
فقلت له: (أرجو أن يكون عاجلاً ولا يكون سفياني فقال: لا والله ، إنه لمن المحتوم
الذي لا بدّ منه) (33) .. عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام):
(إن من الأمور أموراً موقوفة وأموراً محتومة ، وإن السفياني من المحتوم الذي لا
بدّ منه) (34) .. عن حمران بن أعين عن أبي عبد الله (عليه السلام)
أنه قال: (من المحتوم الذي لا بدّ أن يكون من قبل قيام القائم: خروج السفياني وخسف
بالبيداء وقتل النفس الزكيه والمنادي من السماء) (35) .. عن حمران ابن أعين ، عن أبي جعفر محمد بن علي
(عليه السلام) (في قوله تعالى ]ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ[ (36). قال: إنهما أجلان: أجل محتوم ، وأجل موقوف ، قال له
حمران: ما المحتوم؟ قال: الذي لايكون غيره ، قال: وما الموقوف؟ قال: هو الذي لله
فيه المشيئة ، قال حمران: إني لأرجو أن يكون أجل السفياني من الموقوف ، فقال أبو
جعفر (عليه السلام): لا والله إنه من المحتوم) (37) .
وهناك
أحاديث كثيره تذكر هذه العلامات الخمس ، وتؤكد على حتميتها ، أي تحقق الخبر فيها ،
وذلك باكتمال شرائطه وفقد موانعه وتمامية عناصر علته.
إن
المحتومات الخمس من آكد العلامات ، وأوثقها وأمتنها رواية .. والقول بعدم تدخل
البداء فيها هو الرأي الراجح .. وبافتراض تدخل البداء فيها (الرأي الآخر) أي تغير
إحدى هذه العلامات الحتمية الخمس ، فمثلاً: محو صورة السفياني ، مما سيؤدي الى محو
صورة الخسف باعتبار الخسف بجيشه ، كما سيؤدي محو السفياني الى محو الأصهب والأبقع
وربما معركة قرقيسيا أو بعض منها ، وكذلك فتنة الشام ، وفتن العراق ، وحتى جزء
كبير من صورة اليماني والخراساني وغير ذلك ، مما سيمحو أغلب علامات الظهور
.. لذا نؤكد على أن المحتوم لا يبدو الله فيه.
ثالثا:
البداء وقيام الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام):
إن ظهور
الإمام المهدي المنتظر(عجل الله تعالى فرجه) وقيامه من آكد الأمور المحتومة بل هو
أكثر من ذلك ، باعتبار قيامه (عليه السلام) وعد إلهي ، قال تعالى في كتابه الكريم
]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ
كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ[ (38). فهذا وعد إلهي صريح للمؤمنين ، الذين قاسوا الظلم
والعذاب بأن يستخلفهم في الأرض ، أي أن يوفقهم سبحانه وتعالى لبسط نفوذهم وسلطتهم
وسيادتهم على العالم أجمع ، وهذا ما لم يتحقق على مدى التاريخ ، منذ العصر الغابر
إلى عصرنا الحاضر .. أذن فهو ما سيتحقق في مستقبل الدهر يقيناً ، طبقاً للوعد
الإلهي القطعي غير القابل للتغيير أو التبديل أو التخلف أو المحو (أي غير قابل
لتدخل البداء فيه).
إن ظهور
الإمام المهدي (عليه السلام) وقيامه ، من الأمور حتميه الوقوع ، ولا يتدخل الله
سبحانه وتعالى للتغيير فيها ، مع قدرته على ذلك ، إذ أن ذلك يتنافى مع صفاته
الربوبية ومع حكمته ورحمته .. فمثلا: الله قادر على فعل القبيح وعلى الظلم ولكن
يستحيل صدورها منه ، قال تعالى ]وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا[ (39) لأن ذلك يتنافى مع عدل الله ، ومع كونه لا يفعل
القبيح .. وكذا قيام القائم المهدي (عليه السلام) من هذا القبيل باعتباره وعداً
إلهياً ، والله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد .. ولذا روي عن يحي بن وثاب ، عن
عبد الله بن عمر قال: سمعت الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (لو لم يبقى
من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم ، حتى يخرج رجل من ولدي ، فيملأها
عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً ، كذلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
يقول) (40).
رابعا:
توقيت ظهور القائم (عليه السلام):
قد دلّت
عدة من الروايات بالنهي عن التوقيت ، أو تعيين وقت محدد لظهور الإمام المهدي (عليه
السلام) ، وتكذيب من وَقَّتَ لظهوره (عليه السلام) وقتاً معيناً ، لأن ذلك سر من
أسرار الله .. عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد اله (عليه السلام): (يا محمد من
أخبرك عنا توقيتاً فلا تهابه أن تكذبه ، فإنا لا نوقت لأحد وقتاً) (41) .. عن الفضيل قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل
لهذا الأمر وقت؟ فقال: (كذب الوقاتون ، كذب الوقاتون ، كذب الوقاتون) (42) .. عن عبد الرحمن بن كثير قال: كنت عند أبي عبد الله
(عليه السلام) إذ دخل عليه مهزم فقال له: جعلت فداك أخبرني عن هذا الأمر ، الذي
ننتظره متى هو؟ فقال: (يا مهزم كذب الوقاتون ، وهلك المستعجلون ، ونجا المسلمون ،
وإلينا يصيرون) (43) .
فمضمون
أخبار كثيرة تدل على أن ظهور الإمام الحجة ابن الحسن (عليه السلام) أمر مخفي ، قد
أخفاه الله تعالى عن الناس لحكمته .. إن وقت الظهور ، وإن كان محدداً في علم الله
الأزلي ، ولكنه بالنسبة إلى علله وشرائطه ينبغي أن لا يفترض له وقت محدد.
إن
توقيت الظهور باعتبار علاماته ، وخصوصاً ما صرحت الأخبار بقرب حصولها من زمن
الظهور وما تتضمن هذه العلامات من توقيت ، مثل خروج السفياني في رجب ، والصيحة في
رمضان ، والخسوف والكسوف في رمضان ، وقتل ذي النفس الزكية قبل خمسة عشر يوماً من
الظهور ، فإن هذا يؤكد بأن العلامات لو وقعت لدلت على قرب الظهور ، وهذه قضيه صادقة
لا تشتمل على التوقيت المنهي عنه على الإطلاق ، وإنما هو توقيت إجمالي ، فإن عدم
الإطلاع على زمان وقوع هذه العلامات ، يلزم بطبيعة الحال الجهل بزمن ظهوره (عليه
السلام) وعدم تحديد وقته .. ولذا فان الأحاديث والأخبار التي ذكرناها في الفصل
الثالث ، ليس فيها تصريح بوقت أو تعيين زمان محدد للظهور ، بل إنما هي علائم
للظهور ، كما أوضحت عن أئمتنا عليهم السلام ، وهي تفيد التلميح واشارات لقرب
الظهور ، والعلم عند الله سبحانه وتعالى ]يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ[ (44).
إن
الحكمة الإلهية شاءت أن يكون وقت ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) فجائياً من أجل
إنجاح يوم الفجر المقدس ، باعتبار أن تاريخ الظهور لو كان محدداً معروفاً ، لكان
من أشد العوامل على فشل الثورة العالمية وفناء الدوله العادلة ، فإنه يكفي أن
يحتمل الأعداء ظهوره في ذلك التاريخ ، فيجتمعوا للقضاء عليه ، في أول أمره وقبل
نجاح ثورته واتساع حركته .. بالإضافة إلى ذلك فإن المؤمنين المخلصين سوف يصابون
بإحباط وخيبة أمل ، عندما يعرفون وقت ظهوره (عليه السلام) ويكون بعيد جداً عن
عصرهم ما سيؤدي إلى الكسل والخمول وعدم توفر الدافعية للإخلاص أكثر وأكثر ، وتلاشي
الطموح بأن يصبحوا من أنصاره وأعوانه ، وكذلك عدم الدعاء له بتعجيل الفرج .
(
اللهم عجل فرجه ، وسهل مخرجه)
دعاء للإمام المهدي (عليه السلام)
أَلّلهُمَّ
صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَكْرِمْ أَوْلِياءَكَ
بِإِنْجَازِوَعْدِكَ ، وَبَلِّغْهُمْ دَرَكَ ما يَأْمُلُونَهُ مِنْ نَصْرِكَ ،
وَاكْفُفْ عَنْهُمْ بَأْسَ مَنْ نَصَبَ الخِلافَ عَلَيْكَ ، وَتَمَرَّدَ
بِمَنْعِكَ عَلى رُكُوبِ مُخالَفَتِكَ ، وَاسْتَعَانَ بِرِفْدِكَ عَلى فَلِّ
حَدِّك ، وَقَصَّدَ لِكَيْدِكَ بِأَيْدِك ، وَوَسِعْتَهُ حِلْماً لِتَأْخُذَهُ
عَلى جَهْرَةٍ ، وَتَسْتَأْصِلَهُ على عِزَّةٍ ، فَإِنَّكَ اللّهُمَّ قُلْتَ
وَقُوْلُكَ الحَقُّ ، ]حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ
وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً
أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ
نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[ (45) وَقُلت: ]فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ[ (46)
وَإنَّ
الغَايَةَ عِنْدَنَا قَدْ تَناهَتْ ، وَإنّا لِغَضَبِكَ غَاضِبونَ ، وعَلى نَصْرِ
الحَقِّ مُتَغْاضِبون ، وَإِلى وُرُودِ أمْرك مُشْتاقُونَ ، وَلإِنْجازِ وَعْدِكَ
مُرْتَقِبونَ ، وَلِحُلولِ وَعِيدِكَ بِأَعْدَائِكَ مُتَوَقِّعُونَ.
أَللّهُمَّ
فَاْذَنْ بِذلِكَ وَافْتَحْ طُرُقَاتِهِ وَسَهِّلْ خُروجَهُ ، وَوَطِّئ مَسالِكَهُ
، وَأَشْرِعْ شَرائِعَهُ ، وَأَيِّدْ جُنودَهُ وَأعْوَانَهُ ، وَبَادر بَأْسَكَ
القومَ الظَّالِمينَ ، وَأَبْسِطْ سَيْفَ نِقْمَتِكَ عَلى أَعْدَائِكَ
المُعَانِدينَ ، وَخُذْ بِالثَأْرِ إِنَّكَ جَوادٌ مَكّارٌ.(47)
1 -
سورة يس (30)
2 -
لمزيد من التوسع في هذا الموضوع (شروط الظهور) يمكن الرجوع إلى موسوعة الإمام
المهدي u تاريخ الغيبة الكبرى ، وتاريخ ما بعد الظهور
للسيد محمد صادق الصدر
3 -
سورة الذاريات (56)
4 -
سورة آل عمران (85)
5 -
تاريخ ما بعد الظهور للسيد الصدر ص470
6 -
سورة القصص (7)
7 -
تاريخ ما بعد الظهور للسيد الصدر ص39
8 -
كمال الدين وتمام النعمة الصدوق ص673 ، يوم الخلاص ص256 ، المهدي من المهد إلى
الظهور ص395
9 -
غيبة الشيخ الطوسي ص284 ، منتخب الأثر ص468
10 -
الإرشاد للمفيد ج2 ص383 بلفظ مختلف ، كمال الدين وتمام النعمة الصدوق ص654 ، تاريخ
ما بعد الظهور ص270 ، المهدي من المهد إلى الظهور ص428
11 -
تاريخ ما بعد الظهور للسيد الصدر ص203
12 -
تاريخ الغيبة الكبرى للسيد الصدر ص396-399
13 -
سورة الرعد (39)
14 -
سورة الزمر (48)
15 -
سورة يوسف (35)
16 -
سورة آل عمران (5)
17 -
سورة الزمر (47)
18 -
سورة الرعد (11)
19 -
سورة البروج (21-22)
20 -
سورة الرعد (39)
21 -
سورة الأنعام (2)
22 -
غيبة النعماني ص204 ، بحار الأنوار ج52 ص249
23 -
غيبة النعماني ص202
24 -
سورة الرعد (39)
25 -
إكمال الدين للصدوق ج2 ص650 ، غيبة الطوسي ص267 ، غيبة النعماني ص169 ، بحار
الأنوار ج52 ص204 ، إعلام الورى ص426 ، منتخب الأثر ص439
26 -
غيبة النعماني ص172 ، منتخب الأثر ص455
27 -
عندما سأله محمد فقيه مكاتبة ، كما ذكر في كتابه السفياني ص102
28 -
ذكر رأيه في كتابه: دراسة في علامات الظهور ص60
29 -
غيبة الشيخ الطوسي ص265
30 -
غيبة النعماني ص205 ، بحار الأنوار ج52 ص250
31 -
بحار الأنوار ج52 ص251
32 -
السفياني وعلامات الظهور محمد فقيه ص102
33 -
غيبة النعماني ص203 ، بحار الأنوار ج52 ص249
34 -
غيبة النعماني ص204 ، بحار الأنوار ج52 ص249
35 -
غيبة النعماني ص176 ، منتخب الأثر ص455
36 -
سورة الأنعام (2)
37 -
بحار الأنوار ج52 ص249
38 -
سورة النور (55)
39 -
سورة الكهف (49)
40 -
الإرشاد للمفيد ج2 ص340 ، إعلام الورى ص401 ، بحار الأنوار ج51 ص133
41 -
غيبة النعماني ص195 ، غيبة الطوسي ص262 ، بشارة الإسلام ص298 ، بحار الأنوار ج52
ص104
42 -
غيبة الطوسي ص262 ، بحار الأنوار ج52 ص103 ، منتخب الأثر ص463
43 -
غيبة النعماني ص198 ، غيبة الطوسي ص262 ، بحار الأنوار ج52 ص104 ، بشارة الإسلام
ص299 ، منتخب الأثر ص463
44 -
سورة الرعد (39)
45 -
سورة يونس (24)
46 -
سورة الزخرف (55)
47 -
منتخب الأثر ص522 ، الصحيفة الهادية والتحفة المهدية ص93