الفجر المقدس المهدي عليه السلام

إرهاصات اليوم الموعود وأحداث سنة الظهور

 مجتبى السادة

 

  مقدمة

  تمهيد

الفصل الأول: الغيبة والظهور

الفصل الثاني: إرهاصات عامة للظهور

الفصل الثالث: أحداث سنة الظهور حسب التسلسل الزمني

الفصل الرابع: شرائط الظهور

 

 

 

 

مقدمة

 

أحداث وأخبار تتسارع يومياً ، زلزال مدمر هنا وعاصفة قوية هناك ، إنقلاب عسكري هنا و حرب طاحنة هناك ، سقوط طائرة هنا و حادث تصادم مروع هناك .. و هكذا الأحداث دواليك تتسارع يومياً ، وفي زحمة هذه الأحداث وخضمها ، ينسى الإنسان أو يتناسى ، يغفل أو يغيب عن ذهنه ، الأحداث والأخبار التي من الممكن أن تعطيه دلالة مهمة ، وعلامة بارزة لقرب ظهور إمامنا صاحب الزمان (عجل الله فرجه).

 كثير من الناس لا يعرفون أصلا ما هي علامات الظهور ، لم يَطَّلِع عليها أو لم يسمع بها ، ولم تخطر له على بال ، وبعضهم وإن كان سمع بعض هذه العلامات .. إلا أن العلامات تظل مبهمة لديه ، ومع وفرتها ، تداخل الغث مع السمين .. فشكك بعض الناس في كثير منها ، حتى أنهم أصبحوا لا يعرفون المحتوم من غيره.

 وفي هذا الكتاب ، أحاول قدر الإمكان ، تسليط الضوء على علامات ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) ، وأسعى لتبويبها على شكل أحداث متسلسلة زمنيا ، لكي يستطيع المؤمن المنتظِر للفجر المقدس أن يتابعها و يترقبها.. فكثير من الكتّاب حاول تبويب العلامات على نوعين فقط: محتوم وغير محتوم ، أو ذكروا العلامات مجملا من غير تبويب .. إلا أنني ، لم أجد من رتب أحداث وعلامات الظهور على شكل أحداث زمنية متسلسلة ، وهذا هو الأهم في الفترة الزمنية الحالية للمؤمنين .. حتى لا ينخدعوا بمدعي المهد ويه ، وحتى لا تتخطفهم الأحداث بكثرتها .. وهذا هو موضوع الفصل  الثالث ، حيث تم ترتيب أحداث النصف الثاني لسنة الظهور على شكل تسلسل زمني شهري (من شهر رجب – حتى شهر محرم) .. واعتمدنا في ذلك على الروايات الشريفة ، التي توضح تاريخاً أو تثبت توقيتاً معيناً كيوم أو شهر ، من غير تحديد للسنة ، وهذا منهج بحثنا في هذا الفصل ، ووفقنا والحمد لله ، لتحديد جميع علامات الظهور المحتومة ، وهناك علامات ظهور عديدة ، لم نستدل فيها على تحديد زمني معين ، ولذا لم نذكرها – وتحتاج إلى من يبحث فيها – ويعتبر هذا الجزء (الفصل الثالث) بحق صلب وعمود الكتاب ، والدافع الأساسي وراء كتابته سد الثغرة في المكتبة الاسلامية.

 أما في التمهيد ، أو بعبارة أخرى ، مدخل لبحث الموضوع ، فحاولت أن أناقش أصل الفكرة (وجود الإمام المهدي (عليه السلام)) ، واعتمـدت الأسلـوب العلمي الرصين ، في الرد على المشككين باستخدام الإحصائيات والفهارس من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ، وضربت أمثلة واضحة من كلا المصدرين.

 أما في الفصل الأول ، فتطرقت إلى الغيبة الصغرى باختصار ، وكيف بدأ تهيئة الناس تدريجياً لتقبل فكرة الغيبة الكبرى .. وكما حدث التدرج في موضوع الغيبة من صغرى إلى كبرى ، ليعتادها الناس ويألفوها ، كذلك الأمر بالنسبة للظهور ، من ظهور أصغر إلى الظهور الأكبر (الفجر المقدس).

أما في الفصل الثاني فتكلمت عن إرهاصات عامة للظهور وفساد آخر الزمان ، وتقدم عصر الفتن والظلم على عصر الظهور والعدل ، وهذا مضمون واضح للروايات .. ثم حاولت أن أناقش علامـات الظهـور كأخبار وتنبؤات مستقبلية ، هل تحقق بعض منها عبر التاريخ؟ وأثبتنا ذلك وضربنا بعض الأمثلة المثبتة.

 أما في الفصل الرابع والأخير .. فبحثت في شرائط الظهور وأوضحتها على شكل نقاط ، وذكرت الخصائص والصفـات ، باعتبار إذا اجتمعت هذه الشـرائط ، كان يوم الفجر المقدس ناجزاً .. ومن ثم تكلمت عن الفرق بين علامات الظهور وشرائط الظهور.

 أما في القسم الثاني من الفصل الرابع فبحثت في موضـوع البداء وعلامـات الظهور ، علماً بأن (البداء) كموضوع فلسفي وعقائدي ، كثير من العلماء بحث وكتب فيه ، أما ربطه بعلامات الظهور فقليل جداً جداً من كتب فيه ، يكاد لا يذكر أو تطرقوا إليه بشكل مختصر جداً كأسطر معدودة ، مما دفعنا للبحث فيه ، وحاولت قدر الإمكان أن أبسط لغة البحث وأسلوب العرض.

بشكل عام ، اعتمدت على تبسيط لغة الكتابة وتعميق الفكرة ، ليكون الكتاب مستوعباً ومتاحاً لأكبر شريحة ممكنة.

 أما تسمية الكتاب بـ (الفجر المقدس) وذلك لارتباط وقت الفجر بالإمام المهدي (عليه السلام) بأشياء عديدة .. فولادته (عليه السلام) في الفجر ، وظهوره (عليه السلام) في الفجر ، وصيحة جبرئيل الدال عليه في رمضان في الفجر .. (وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال في تفسير قوله تعالى: ]وَالْفَجْرِ ! وَلَيَالٍ عَشْرٍ[ إن المراد من الفجر (القائم (عليه السلام)) ، وروي عنه أيضاً في تفسير سورة ]إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ[ أن معنى ]حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ[ حتى قيام وظهور القائم (عليه السلام))  )(1)

 نسأل الله التوفيق.

 


1 - النجم الثاقب ج1 ص73 ، إلزام الناصب ج1 ص105 ، 107

 

 

 تمهيد


أولا: المهدي في القرآن الكريم

 ثانيا: المهدي في السنة الشريفة

  

إن موضوع الإمام المهدي (عليه السلام) ، بات من المسائل الحساسة جدا .. ، وخاصة في هذه الفترة بالذات ، حيث بات بعض من الناس يستفسر عن أصل الموضوع وتفاصيله ، وثار جدل وخلاف فيه. ومع الأسف الشديد ، فقد أصبح القول بوجود الإمام المهدي (عليه السلام) مادة للتهاتر و السخرية ، وبدأ التشكيك في أصل القضية من قبل بعض الكتاب ضد الشيعة الإمامية (الإثني عشرية) ، واتهامهم باختراع فكرة (المهدي بن الحسن العسكري(عليه السلام)) من وهم الخيال ، و ادعائهم بأن الشيعة (الإمامية) تحاول تعزيز هذه الفكرة أو النظرية بكل الوسائل ، حتى تصبح من فرضية وهمية إلى حقيقة بديهية ، لا تقبل الجدل أو الشك.

 إن موضوع الخلاف حول وجود (الإمام المهدي(عليه السلام)) وولادته قديم ، منذ مئات السنين ،حتى إن أفراداً معدودين كابن خلدون وأحمد أمين المصري ومن تبعهم ، يشككون في صدور هذه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله .. والقرائن المتوفرة في أيدينا ، تدل على أن التشكيك من قبل هؤلاء ، أو الباعث على ترددهم ، لم يكن لضعف في الأخبار ، بل كانوا يجدون أن الروايات الواردة في المهدي (عليه السلام) مشتملة على مسائل لا تكاد تصدق - من وجهة نظرهم -  أو إنهم لم يستطيعوا أن يميزوا الأحاديث الصحيحة عن غيرها.

 على كل حال ، يلزمنا قبل كل شيء ، إن نوضح أن النصوص والروايات قد تواترت حول شخصية المهدي (عليه السلام) وعلامات شخصه ، حتى لم يعد هناك مجال للغموض في ذلك ، بل إن الروايات الواردة في المهدي (عليه السلام) من الكثرة بحيث لا يستطيع أي محقق إسلامي - من أي مذهب كان - أن ينكر تواترها ، بل إن أشد الفرق الإسلامية تزمتاً وتعصباً أذعنت لهذا الأمر ولم تنكره ، و أُلفت بعض الرسائل التي تثبت صحة الأخبار الواردة في المهدي (عليه السلام).

 بالطبع ليس مجال بحثنا استعراض كل تلك  الآيات القرآنية والروايات والنصوص حول المهدي (عليه السلام) ، لكنني سأكتفي بعرض إحصائيات وفهارس توضح حجم النصوص الواردة في الموضوع ، ومن ينشد المزيد ، يمكنه مراجعة القرآن الكريم وكتب تفسيره وكتب الحديث.

أولا: المهدي في القران الكريم:

 القرآن الكريم أخبر عن الإمام المهدي (عليه السلام) و قيام حكومته في مواضع عديدة ، وآيات متعددة .. وإن الآيات المؤولة بالإمام المهدي (عليه السلام) حسب ما ورد في الأحاديث كثيرة جداً ، وقد جمع بعضها العلامة المعاصر السيد صادق الحسيني الشيرازي في كتاب سماه: (المهدي في القران) فذكر (106) من الآيات القرآنية الشريفة التي جمعها ونقلها عن مصادر أهل العامة فقط ، أغلبها من كتاب (ينابيع المودة) للقندوزي .. شرحت: تفسيراً ، أو تأويلاً ، أو تنـزيلاً ، أو تطبيقاً أو تشبيهاً في الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) .. وسنستعرض في الفهرس القادم ما مجموعة (118) آية مؤولة في الإمام المهدي (عليه السلام)  اعتمدنا في ذلك على كتاب المهدي في القران ، وكتاب إلزام الناصب.

 

 المهدي في القرآن الكريم

 

أرقام الآيات

عدد الآيات

السورة

م

2-3-60-124-148-155-261-285

ثمان

البقرة

1

83-141-200

ثلاث

آل عمران

2

47-59-69-83-159

خمس

النساء

3

12-14-54

ثلاث

المائدة

4

31-40-89-115-158

خمس

الأنعام

5

48-187

اثنتان

الأعراف

6

39-75

اثنتان

الأنفال

7

16-33-36

ثلاث

التوبة

8

 

أرقام الآيات

عدد الآيات

السورة

م

20

واحدة

يونس

9

8-21-80-86

أربع

هود

10

94-110

اثنتان

يوسف

11

29

واحدة

الرعد

12

5-24

اثنتان

إبراهيم

13

36-37-38-75

أربع

الحجر

14

5-6-13-33

أربع

الإسراء

15

12-13-105

ثلاث

الأنبياء

16

7-41-55-60-65-77-78

سبع

الحج

17

55

واحدة

النور

18

4-21

اثنتان

الشعراء

19

82-83

اثنتان

النمل

20

5-6

اثنتان

القصص

21

4-5-6

ثلاث

الروم

22

21-29

اثنتان

السجدة

23

33

واحدة

الأحزاب

24

18-51-52-53-54

خمس

سبا

25

39-79-80-81-88

خمس

ص

26

56-69

اثنتان

الزمر

27

 

أرقام الآيات

عدد الآيات

السورة

م

7

واحدة

غافر

28

53

واحدة

فصلت

29

1-17-18-23

أربع

الشورى

30

61-66

اثنتان

الزخرف

31

10-11-12-13

أربع

الدخان

32

14

واحدة

الجاثية

33

18

واحدة

محمد

34

25-28

اثنتان

الفتح

35

31-42

اثنتان

ق

36

23

واحدة

الذاريات

37

1

واحدة

القمر

38

41

واحدة

الرحمن

39

10-11

اثنتان

الواقعة

40

17

واحدة

الحديد

41

22

واحدة

المجادلة

42

9-14

اثنتان

الصف

43

8

واحدة

التغابن

44

24

واحدة

الجن

45

8-9-10

ثلاث

المدثر

46

 

أرقام الآيات

عدد الآيات

السورة

م

15

واحدة

التكوير

47

1

واحدة

البروج

48

 بعد ذكر هذا الكم الهائل من الآيات الشريفة المؤولة في الإمام المهدي (عليه السلام) ، هل هناك مجال للشك في أصل الموضوع ، أم هل هي فكرة من أوهام وخيال الشيعة الإمامية؟!!!.

وسنعرض بعض الآيات الكريمة ، لتكون هداية لمن ألقي السمع وهو شهيد .. و هي غير الآيات التي سنستعرضها في دفات الفصل الثالث الموضحة علامات ظهوره (عليه السلام) وبعض الحوادث المرافقة لقيامة ، كخسف البيداء والصيحة ، إلى غير ذلك ، إلماماً للفائدة المرجوة:

 1- قوله تعالى: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (1)

عن رفاعة بن موسى قال: سمعت الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يقول في قوله تعالى (و له أسلم ...... وكرها) قال: (إذا قام القائم المهدي لا تبقى أرض إلا نودي فيها بشهادة أن لا اله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله) (2)

 إن هذه الآية الكريمة إشارةٍ إلى عهد المهدي المنتظر (عليه السلام) إذ في زمانه الكلمة كلها لله على وجه الأرض ، لأن كل من في الأرض ، يُسلم ويخضع لله تعالى ، ولم يتم هذا حتى اليوم ، لا في عهد الأنبياء السابقين عليهم السلام و لا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ولا في عهود بعده.

2- قوله تعالى (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) (3)

عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: .. (فإذا خرج المهدي (عليه السلام) أسند ظهره إلى الكعبة و اجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أتباعه ، فأول ما ينطق به هذه الآية (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) ثم يقول: أنا بقية الله وخليفته وحجته عليكم ، فلا يسلم عليه أحد إلا قال السلام عليك يا بقية الله في الأرض) (4).

3- قوله تعالى (وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (5).

عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (ويل هذه الأمة من ملوك جبابرة ، كيف يقتلون ويخيفون المطيعين إلا من أظهروا طاعتهم ، فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه يعرفهم بلقبه ، (فإذا) أراد الله (عليه السلام) أن يعيد الإسلام عزيزاً ، قصم كل جبار عنيد ، وهو القادر على ما يشاء ، أن يصلح أمة بعد فسادها ، ثم قال صلى الله عليه وآله: يا حذيفة ، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد ، لطول الله ذلك اليوم ، حتى يملك رجل من أهل بيتي تجري الملاحم على يديه ، ويظهر الإسلام ، ثم قال صلى الله عليه وآله: لا يخلف الله وعده وهو سريع الحساب) (6) .. هذا تطبيق من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله العالم بحقائق القران ومعاريضه ومراميه ، لهذه الآية الكريمة على حفيده الإمام المهدي (عليه السلام).

4- قوله تعالى )قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ! قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنْظَرِينَ ! إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ( (7)

عن الحسن بن خالد قال: قال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ( (إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) وهو يوم خروج قائمنا .. فقيل له: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ومن القائم منكم أهل البيت؟ .. قال الرابع من ولدي ابن سيدة الإماء ، يطهر الله به الأرض من كل جور و ظلم) (8)

5-قوله تعالى (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (9)

عن أبى الجارود عن الباقر (عليه السلام) قال: (هذه الآية نزلت في المهدي وأصحابه ، يملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها ، ويظهر الله بهم الدين ، حتى لا يرى أثر من الظلم و البدع) وعنه (عليه السلام) قال: (هذه الآية لآل محمد صلى الله عليهم إلى آخر الأئمة ، والمهدي (عليه السلام) وأصحابه يملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها ، ويظهر الدين ، ويميت الله به وبأصحابه البدع والباطل كما أمات السفهاء الحق حتى لا يرى أثر من الظلم ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر) (10)

6- قوله تعالى (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) (11)

عن المفضل بن عمر قال: سألت الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن قوله (عليه السلام) (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) الآية ، قال: (هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه و هو إنه قال (يارب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي) فتاب عليه إنه التواب الرحيم فقلت له: يابن رسول الله صلى الله عليه وآله فما يعني بقوله (فَأَتَمَّهُنَّ) قال: (يعني: أتمهن إلى القائم المهدي إثني عشر إماماً ، تسعة من ولد الحسين) (12)

علماً بأنه يمكن القول ، بأن القرآن الكريم حوى إشارات عديدة ، تبشر بشكل عام بيوم موعود ، ينتصر فيه عباد الله الصالحون ، حيث يظهر الدين الإسلامي على الدين كله .. مثل الآيات الشريفة: الأنبياء آية (105) ، النور آية (55) ، القصص آية (5) ، التوبة آية (33) ، الصف آية (9) .. إلى غير ذلك ، وكل هذه الآيات تبشر المؤمنين بنصر الله ، وأنه سيحل اليوم ، الذي يسود فيه الإسلام ربوع الأرض ، و ستحل عبادة الله وحده ، محل الشرك والكفر ، وسينعم العالم بعصر مشرق ، مفعم بالإيمان والسلام على يدي منقذ البشرية المهدي المنتظر (عليه السلام).

 

ثانياً: المهدي في الأحاديث الشريفة:

تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليهم السلام حول الإمام المهدي (عليه السلام) ، و نقلها الشيعة و السنة في كتبهم .. وهذه الأحاديث بكثرة وبتواتر يقطع بصحتها ، فلا يكاد يخلو منها كتاب في الحديث أو معجم في التراجم والسير .. و إن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ، كان يبشر الأمة الإسلامية بظهوره في كل ناد و محفل ومنتدى ومجمع ، فتارة يبشر المسلمين بالإمام المهدي (عليه السلام) في ضمن الإئمة الاثني عشر ، وإنه هو الثاني عشر ، وتارة أخرى ، يخبر عنه ويؤكد أنه من ولد فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) ، وأنه من صلب الإمام الحسين (عليه السلام) ، وأنه الإمام التاسع من ولد الحسين (عليه السلام) .. ومن خلال البحث والتدقيق ، يتضح لكل ذي لب أن موضوع المهدي (عليه السلام) كان من المسائل المسلم بها في عهد الرسول صلى الله عليه وآله ، وكان المسلمون ينتظرون ظهور رجل يقيم العدل ، ويمحق الظلم ، ويصلح شأن العالم ، ولهذا لم يكونوا يتساءلون عن أصل الموضوع .. وكانت معظم استفساراتهم ، تدور حول مسائل فرعية ، عن أصله ونسبه ، عن اسمه وكنيته ، عن صفاته وخصاله ، عن علامات ظهوره ، عن سبب غيبته وماينبغي عمله يومئذ .. إلى غير ذلك من الإستفسارات.

إن الأحاديث الشريفة المروية حول الإمام المهدي (عليه السلام) كثيرة جداً وواضحة بحيث لا تعطي مجالاً للشك في أصله ونسبه وولادته إلى غير ذلك ، من الإثارات التي يحاول المشككون أن يثيروها حول اعتقادات الشيعة في هذا الموضوع ، وسأعرض بعض الإحصائيات ، موضحاً الكَم الهائل من الروايات ، معتمداً في ذلك على كتاب (منتخب الأثر) للسيد لطف الله الصافي الكلبايكاني.

 

المهدي في الأحاديث الشريفة

 

عدد الأحاديث

معاني الأحاديث

م

91

الأئمة اثنا عشر ، أولهم علي (عليه السلام) و آخرهم المهدي (عليه السلام)

1

94

الأئمة اثنا عشر ، و آخرهم المهدي (عليه السلام)

2

139

الأئمة اثنا عشر ، تسعة منهم من ولد الحسين (عليه السلام)

3

107

الأئمة اثنا عشر ، تسعة منهم من ولد الحسين وتاسعهم قائمهم

4

50

الأئمة اثنا عشر بأسمائهم

5

389

المهدي من أهل البيت (عترة النبي)

6

214

المهدي من ولد أمير المؤمنين (عليه السلام)

7

192

المهدي من ولد فاطمة عليها السلام

8

185

المهدي من ولد الحسين (عليه السلام)

9

148

المهدي تاسع أولاد الحسين (عليه السلام)

10

185

المهدي من ولد علي بن الحسين (عليه السلام)

11

103

المهدي من ولد الباقر (عليه السلام)

12

103

المهدي من ولد الصادق (عليه السلام)

13

99

المهدي  السادس من ولد الصادق (عليه السلام)

14

101

المهدي من ولد موسى الكاظم (عليه السلام)

15

98

المهدي الخامس من ولد الكاظم (عليه السلام)

16

95

المهدي الرابع من ولد الرضا (عليه السلام)

17

عدد الأحاديث

معاني الأحاديث

م

90

المهدي الثالث من ولد محمد الجواد (عليه السلام)

18

90

المهدي من ولد الهادي (عليه السلام)

19

146

المهدي ابن الحسن العسكري(عليه السلام)

20

147

المهدي اسم أبيه الحسن (عليه السلام)

21

48

المهدي يواطيء اسمه اسم النبي صلى الله عليه وآله وكنيته أيضاً

22

9

المهدي ابن سيدة الإماء

23

136

المهدي هو الثاني عشر من الإئمة و خاتمهم

24

123

المهدي يملأ الأرض عدلاً

25

10

المهدي له غيبتان

26

25

المهدي يؤم المسلمين بالصلاة بحضور عيسى بن مريم (عليه السلام)

27

214

في ولادته و تاريخها و بعض حالات أمه

28

657

التي تبشر بظهوره

29

راجع الفصل الثالث

في علامات ظهوره

30

 

بعد ذكر هذا العدد الضخم من إحصائيات الأحاديث الشريفة الموضحة لنسب الإمام المهدي (عليه السلام) ، لم يبقَ مجال للشك في ولادته و نسبه .. وسأكتفي بعرض بعض الأحاديث المروية عن المعصومين عليهم السلام:

 

1-النبي الأكرم صلى الله عليه وآله:

 عن أبى بصير ، عن الصادق (عليه السلام) ، عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (المهدي من ولدي ، اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي ، وهو أشبه الناس بي خلقا وخلقاً ، يكون له غيبة وحيرة في الأمم حتى تضل الخلق عن أديانهم ، فعند ذلك ، يقبل كالشهاب الثاقب ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت ظلماً وجورا). (13)

 

 2-أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):

 عن أبى جعفر الثاني الإمام الجواد (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (للقائم منا غيبة ، أمدها طويل ، كإني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته ، يطلبون المرعى فلا يجدونه ، ألا: فمن ثبت منهم على دينه ، ولم يقسُ قلبه لطول مدة غيبة إمامه ، فهو معي ، و في درجتي يوم القيامة ، ثم قال: إن القائم منا ، إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة ، فلذلك تخفى ولادته و يغيب شخصه). (14)

 

 3-فاطمة الزهراء عليها السلام:

 عن يونس بن ظبيان عن الإمام جعفر بن محمد (عليه السلام) عن أبيه الإمام محمد بن علي (عليه السلام) عن أبيه الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) عن أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) قال: (قالت لي أمي فاطمة عليها السلام لما ولدتك دخل إليّ رسول الله صلى الله عليه وآله ، فناولتك إياه في خرقة صفراء ، فرمى بها ، و أخذ خرقة بيضاء لفك بها ، و أذن في أذنك الأيمن وأقام في الأيسر ، ثم قال: يا فاطمة خذيه ، فإنه أبو الأئمة ، تسعة من ولده أئمة أبرار و التاسع مهديهم) (15)

 

 4-الإمام الحسن (عليه السلام):

 عن أبى سعيد عقيصا عن الإمام الحسن (عليه السلام) أنه قال: (أما علمتم أنه مامنا أحد إلا و يقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه ، إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه ، فإن الله (عليه السلام) يخفي ولادته ، ويغيب شخصه ، لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج ، ذاك التاسع من ولد أخي الحسين ، ابن سيدة الإماء ، يطيل الله عمره في غيبته ، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة ، ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير) (16)

 

5-الإمام الحسين (عليه السلام):

 عن أبى عبد الله بن عمر قال: (سمعت الحسين بن علي بن أبى طالب (عليه السلام) قال: لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد ، لطول الله ذلك اليوم ، حتى يخرج رجل من ولدي ، فيملأها عدلاً و قسطاً ، كما ملئت جوراً و ظلماً كذلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول) (17)

 

 6-الإمام السجاد (عليه السلام):

 عن سعيد بن جبير قال: سمعت زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: (في القائم منا سنن من الأنبياء عليهم السلام ، سنة من أبينا آدم ، وسنة من نوح ، وسنة من إبراهيم ، وسنة من موسى ، وسنة من عيسى ، وسنة من أيوب ، وسنة من محمد صلى الله عليه وآله: فأما من آدم و نوح فطول العمر ، وأما من إبراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس ، وأما من موسى فالخوف و الغيبة ، وأما من عيسى فاختلاف الناس فيه ، وأما من أيوب فالفرج بعد البلوى ،  وأما من محمـــد فالخروج بالسيف) (18)

 

7-الإمام الباقر (عليه السلام):

 عن أبى الجارود زياد بن المنذر عن أبى جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (قال لي: يا ابا الجارود ، إذا دار الفلك وقال الناس: مات القائم أو هلك ، بأي واد سلك؟ و قال الطالب: أنى يكون ذلك؟ و قد بليت عظامه فعند ذلك فارجوه ، فإذا سمعتم به فاتوه ولو حبواً على الثلج) (19)

 

 8-الإمام الصادق (عليه السلام):

 عن صفوان بن مهران عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (من أقر بجميع الأئمة و جحد المهدي ، كان كمن أقر بجميع الأنبياء و جحد محمداً صلى الله عليه وآله نبوته ، فقيل له: يأبن رسول الله فمن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع ، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته) (20)

 

 9- الإمام الكاظم (عليه السلام):

 عن يونس بن عبد الرحمن قال: (دخلت على موسى بن جعفـر (عليه السلام)

فقلت له: يابن رسول الله أنت القائم بالحق؟ فقال: أنا القائم بالحق ، ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله و يملأها عدلاً كما ملئت جوراً هو الخامس من ولدي ، له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه ، يرتد فيها أقوام و يثبت فيها آخرون ، ثم قال (عليه السلام): طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا ، الثابتين على موالاتنا و البراءة من أعدائنا ، أولئك منا و نحن منهم ، قد رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة ، فطوبى لهم ، هم و الله معنا في درجتنا يوم القيامة) (21)

 

 10- الإمام الرضا (عليه السلام):

 دخل دعبل الخزاعي شاعر أهل البيت على الإمام علي الرضا (عليه السلام) وأنشد قصيدته التائية الشهيرة:

 (مدارس آيات خلت من تلاوة) إلى أن قال: قال لي الرضا: أفلا ألحق بيتين بقصيدتك؟ قلت بلى يابن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:

 وقبر بطوس يالها  من مصيبـة             ألحت على الأحشاء بالزفرات

إلى الحشر حتى يبعث الله قائماً              يفرج عنا الهـم والـــــــــكربات

 قال دعبل: ثم قرأت باقي القصيدة عنده ، فلما انتهيت إلى قولي:

 خروج إمام لا محالة خـارج              يقـوم على اســـــم الله والبركات

يميز فينا كل حـق وباطـــــــل             ويجزي  على النعماء و النقمات

 بكى الإمام الرضا (عليه السلام) بكاءً شديداً ، ثم رفع رأسه إلى دعبل ، وقال له: يا خزاعي .. نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين .. فهل تدري من هذا الإمام؟ ومتى يقوم؟ فقال: لا يامولاي .. إلا إنى سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد و يملأها عدلاً كما ملئت جوراً.

فقال الإمام: يادعبل .. الإمام بعدي : محمد ابني ، وبعد محمد: ابنه علي ، وبعد علي: ابنه الحسن ، وبعد الحسن: ابنه الحجة القائم ، وهو المنتظر في غيبته ، المطاع في ظهوره ، لولم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم ، حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ، وأما متى يقوم فإخبار عن الوقت. لقد حدثني أبى عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة)(22)

 

 11- الإمام الجواد (عليه السلام):

 عن الصقر بن أبى دلف قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام) يقول:

(أن الإمام بعدي ابني علي ، أمره أمري وقوله قولي وطاعته طاعتي ، ثم سكت ، فقلت له يابن رسول الله فمن الإمام بعد علي؟ قال: ابنه الحسن ، قلت يابن رسول الله فمن الإمام بعد الحسن؟ فبكى (عليه السلام) بكاءً شديداً ثم قال: إن من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر ، فقلت له يابن رسول الله ، ولم سمي القائم؟ قال: لأنه يقوم بعد موت ذكره ، وارتداد أكثر القائلين بإمامته ، فقلت له: ولم سمي المنتظر؟ قال: لأن له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها ، فينتظر خروجه المخلصون ، وينكره المرتابون ، ويستهزئ بذكره الجاحدون ، ويكذب فيه الوقاتون ، ويهلك فيه المبطلون ، وينجو فيه المسلمون) (23)

 

 12- الإمام الهادي (عليه السلام):

 عن عبد العظيم عن عبد الله الحسني قال: دخلت على سيدي و مولاي علي بن محمد (عليه السلام) فلما أبصرني قال لي: (مرحبا بك يا أبا القاسم ، أنت ولينا حقا ، فقلت له: يابن رسول الله إنى أريد أن أعرض عليك ديني ، فإن كان مرضياً ثبت عليه حتى ألقي الله (عليه السلام) فقال: هات يا أبا القاسم ، فقلت: إنى أقول: إن الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء ، خارج من الحدين حد الإبطال وحد التشبيه ، وإنه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر بل مجسم الأجسام ومصور الصور وخالق الأعراض والجواهر ورب كل شيء ومالكه وجاعله و محدثه ، وإن محمداً عبده ورسوله وخاتم النبيين فلا نبي بعده إلى يوم القيامة ، إن شريعته خاتمة الشرايع فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة ، وإن الإمام و الخليفة وولي الأمر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثم الحسن ، ثم الحسين ، ثم علي بن الحسين ، ثم محمد بن علي ، ثم جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم علي بن موسى ، ثم محمد بن علي عليهم السلام ، ثم أنت يا مولاي ، فقال ومن بعدي الحسن فكيف للناس بالخلف من بعده ، قال: فقلت: وكيف ذلك يامولاي ؟ قال: لأنه لا يرى شخصه ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، قال: فقلت: أقررت وأقول: إن وليهم ولي الله ، وعدوهم عدو الله ، وطاعتهم طاعة الله ، ومعصيتهم معصية الله ، وأقول : إن المعراج حق والمسألة في القبر حق ، وان الجنة حق ، والنار حق ، والصراط حق ، والميزان حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وإن الله يبعث من في القبور ، وأقول: إن الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة والزكاة والصوم و الحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقال: علي بن محمد (عليه السلام) يا أبا القاسم هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده فاثبت عليه ، ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) (24)

 

 13- الإمام العسكري (عليه السلام):

 عن أحمد بن إسحق الأشعري قال: (دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده فقال لي مبتدئاً: يا أحمد بن إسحق إن الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام) ، ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجة الله على خلقه ، به يدفع البلاء عن أهل الأرض ، وبه ينزل الغيث ، وبه يخرج بركات الأرض قال: فقلت: يابن رسول الله فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض مسرعاً فدخل البيت ، ثم خرج وعلى عاتقه غلام كانَّ وجهه الفجر ليلة البدر من أبناء ثلاث سنين ، فقال: يا أحمد بن إسحق لولا كرامتك على الله (عليه السلام) وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا ، إنه سميِّ برسول الله صلى الله عليه وآله وكنيِّه ، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ، يا أحمد بن إسحق مثله في هذه الأمة مثل الخضر ، ومثله مثل ذي القرنين ، والله ليغيبن غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلا من ثبته الله (عليه السلام) على القول بإمامته ، ووفقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه فقال: أحمد بن إسحق فقلت: يا مولاي فهل من علامة يطمئن إليها قلبي فنطق الغلام (عليه السلام) بلسان عربي فصيح فقال: أنا بقية الله في أرضه ، و المنتقم من أعدائه ولا تطلب أثراً ، بعد عني يا أحمد بن إسحق قال: أحمد بن إسحق فخرجت مسروراً فرحاً ، فلما كان من الغد عدت إليه فقلت: يابن رسول الله لقد عظم سروري بما مننت به عليّ ، فما السنة الجارية فيه من الخضر و ذي القرنين قال: طول الغيبة يا أحمد قلت: يابن رسول الله وإن غيبته لتطول قال: أي وربي حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به ، ولا يبقى إلا من أخذه الله (عليه السلام) عهده لولايتنا وكتب في قلبه الإيمان ، وأيده بروح منه يا أحمد بن إسحق هذا أمر من أمر الله ، وسرّ من سرّ الله ، وغيب من غيب الله ، فخذ ما أتيتك واكتمه ، وكن من الشاكرين ، تكن معنا غداً في عليين)(25)

 

 14- الإمام المهدي (عليه السلام):

 ذكر في التوقيع الصادر من الناحية المقدسة إلى إسحق بن يعقوب: ( .. وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله تعالى (عليه السلام) يقول (لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (26) إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه ، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي ، وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب ، وإني أمان لأهل الأرض ، كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، فاغلقوا باب السؤال عما لا يعنيكم ، ولا تتكلفوا علم ما قد كفيتم ، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج ، فان ذلك فرجكم) (27)

 بعد استعراض هذا القدر الوافي من الآيات الكريمة المؤولة بالإمام (عليه السلام) والروايات الشريفة المتواترة الصحيحة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن أئمة أهل البيت عليهم السلام حول الإمام الحجة (عليه السلام) .. هل يبقى مجال - بعد ذلك - للخلاف أو الاختلاف أو الشك أو الاجتهاد في موضوع الإمام المهدي (عليه السلام) أو ولادته؟ .. إذ من المستحيل عقلاً وعرفاً أن تكون هذه الأخبار والأحاديث صحيحة وأن يكون الإمام المهدي (عليه السلام) لم يولد بعد .. وكل من لم يقتنع بعد بكل هذه النصوص ، فمن الواجب عليه أن يؤمن بولادته الآن .. وإلا فاليرمِ  برأيه في سلة المهملات ، وليخرج من ملة رسول الله صلى الله عليه وآله حيث جاء في الحديث الشريف: (عن غياث بن إبراهيم عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني) (28)

 


1 - سورة آل عمران (83)

2 - المهدي في القرآن – الشيرازي ص15 ، مجموعتي ج2 ص327 - دخيل

3 - سورة هود (86)

4 - المهدي في القرآن – ص57

5 - سورة الروم (6)

6 - المهدي في القرآن ص108

7 - سورة الحجر (36-38)

8 - المهدي في القرآن ص64 ، الزام الناصب ج1 ص69

9 - سورة الحج (41)

10 - إلزام الناصب ج1 ص76 ، مجموعتي – دخيل ج2 ص329

11 - سورة البقرة (124)

12 - المهدي في القرآن ص6 ، إلزام الناصب ج1 ص179

13 - إعلام الورى ص399 ، منتخب الأثر ص182 ، المهدي من المهد إلى الظهور ص54 ، كمال الدين ج1 ص286

14 - إعلام الورى ص400 ، منتخب الأثر ص255 ، المهدي من ا لمهد إلى الظهور ص63 ، كمال الدين ج1 ص303

15 - منتخب الأثر ص89

16 - إعلام الورى ص400 ، منتخب الأثر ص206 ، المهدي من المهد إلى الظهور ص68 ، كمال الدين ج1 ص316

17 - إعلام الورى ص402 ، المهدي من المهد إلى الظهور ص69 ، كمال الدين ج1 ص318 ، الإرشاد للمفيد ج2 ص340

18 - إعلام الورى ص402 ، منتخب الأثر ص300 ، المهدي من المهد إلى الظهور ص74 ، كمال الدين ج1 ص322

19 - إعلام الورى ص402 ، المهدي من المهد إلى الظهور ص77 ، كمال الدين ج1 ص326

20 - كمال الدين ج2 ص333 ، إعلام الورى ص403 ، منتخب الأثر ص218 ، المهدي من المهد إلى   الظهور ص80

21 - كمال الدين ج2 ص361 ، إعلام الورى ص407 ، منتخب الأثر ص219 ، المهدي من المهد إلى الظهور ص83

22 - كمال الدين ج2 ص372 ، إعلام الورى ص318 ، منتخب الأثر ص221 ، المهدي من المهد إلى الظهور ص84 ، ديوان دعبل الخزاعي الدجيلي ص143 ، حوارات حول المنقذ ص49 ، مجموعتي ج2 ص343

23 - كمال الدين ج2 ص 378 ، إعلام الورى ص409 ، منتخب الأثر ص 224

24 - كمال الدين ج2 ص380 ، إعلام الورى ص410

25 - كمال الدين ج2 ص384 ، إعلام الورى ص 412 ، منتخب الأثر ص228 ، المهدي من المهد إلى الظهور ص188

26 - سورة المائدة (101)

27 - كمال الدين ج2 ص485 ، غيبة الشيخ الطوسي ص177 ، إعلام الورى ص424 ، المهدي من المهد إلى الظهور ص214

28 - كمال الدين ج2 ص412 ، إعلام الورى ص399 ، منتخب الأثر ص492

 

الفصل الأول

 

القسم الأول: الغيبة (الصغرى - الكبرى)

 القسم الثاني: الظهور  (الأصغر- الأكبر) 

القسم الأول:

 الغيبة: (الصغرى- الكبرى)

اعتاد المسلمون و المؤمنون منهم خاصة ، منذ بداية دعوة الرسول صلى الله عليه وآله على تلقي الأحكام الإسلامية و التعاليم الشرعية مباشرة من الرسول صلى الله عليه وآله ، ومن بعده على يد الأئمة المعصومين الأطهار ، ولم يكن هناك أي حاجز يمنعهم من تلقي تلك الأحكام مباشرة. وبالتالي لم يكن ينتاب المؤمنين أو القاعدة الشعبية المؤمنة أي شك بتلك الأحكام ، فهي صادرة من إمام معصوم ، وان بدأ لهم أي ارتياب بالحكم الشرعي فمن السهل التأكد من صحة الأمر بالاتصال بالمعصوم (عليه السلام) مباشرة حيث وجودهم عليهم السلام بين ظهرانيهم ، وحينها لا بدّ من تطبيق الحكم الشرعي من غير تردد.. هكذا كان الحال الذي اعتاده المؤمنون من زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وحتى زمن الإمام العسكري (عليه السلام) ، (260سنة).

 اختلف الحال في زمن إمامة المهدي (عليه السلام) ، فبعد أن كان متاحاً للمؤمنين أن يلتقوا بالإمام المعصوم مباشرة ، يتلقون على يديه الأحكام الشرعية ، أصبح من العسير رؤية الإمام المعصوم .. لذا بدا يدب الشك في نفوس كثير من المسلمين عندما يسمعون الحكم الشرعي من الفقيه وخاصة للأحكام التي ليس فيها نص صريح يدل عليها – كاجتهاد من قبل عالم الدين – وتلك المرحلة جديدة بالنسبة للمؤمنين ، لم يعتادوا عليها طوال مائتين وستين سنة ، وان كان الأئمة عليهم السلام يهيئون أصحابهم باستمرار للتأقلم مع مثل هذه الظروف في السفر و الغزوات ، إلا أن المعصوم يظل قريب المنال ، من السهل الرجوع إليه ولو  في أحلك الظروف.

 وعلى إثر هذا الوضع الجديد في زمن إمامة المهدي (عليه السلام) ، ولكونها مرحلة جديدة ، لم يألفها الناس ولم يكونوا مهيئين نفسياً لها ، حيث لا يلتقون بالمعصوم ولا يستطيعون الرجوع إليه في المستجدات من الأحكام والمسائل الإسلامية .. لذا بدأ ترتيبات عصر الغيبة الصغرى ، عصر إمامة المهدي (عليه السلام) وقيادته للمجتمع بتعين سفراء ، وان لم يكن أمر السفارة غريبا على أذهان الموالين بعد أن كان نظام الإمامين العسكريين قائما على ذلك بشكل معتاد.

 لذا بدا تهيئة الناس تدريجياً لتقبل فكرة الغيبة الكبرى و احتجاب الإمام (عليه السلام) عن الأنظار ، من خلال ترتيبات ظروف الغيبة الصغرى ، وتعيين السفراء الأربعة:

· السفير الأول : عثمان بن سعيد العمري - بداية عام (260هـ) ، ولمدة (5 سنوات).

· السفير الثاني : ابنه محمد بن عثمان العمري ، ولمدة       (40 سنة).

· السفير الثالث : أبو القاسم حسين بن روح النوبختي ،     ولمدة (21 سنة).

· السفير الرابع : علي بن محمد السمري حتى عام (329هـ)، ولمدة (3 سنين).

 ففترة الغيبة الصغرى دامت على التحديد تسعا وستين عاما وستة أشهر وخمسة عشر يوما. (1)

إن الهدف الأساسي من السفارة هو تهيئة الأذهان للغيبة الكبرى وتعويد الناس تدريجيا على احتجاب الإمام (عليه السلام) ، وفي نفس الوقت تهدف السفارة كذلك إلى القيام بمصالح المجتمع ، وخاصة القواعد الشعيبة الموالية للأئمة عليهم السلام تلك المصالح التي تقضي بطبيعة الحال بانعزال الإمام واختفائه عن مسرح الحياة .. منها:

 أولا: أخذ الأحكام مباشرة من المعصوم بلقائه مباشرة (في زمن عصر الأئمة عليهم السلام).

ثانيا: لقاء مباشر بفقيه أو سفير للمعصوم (عليه السلام) (الفقيه أو السفير يلتقي بالمعصوم (عليه السلام)) - الغيبة الصغرى -.

ثالثا: لقاء أو أخذ الأحكام من فقيه (الفقيه لا يلتقي بالمعصوم (عليه السلام))    - الغيبة الكبرى - .

 فلولا هذا التدرج إذاً لاختلف الحال أو قد يؤدي الوضع إلى نتيجة سيئة ، فمثلا قد يؤدي إلى الإنكار المطلق لوجود المهدي (عليه السلام) ولكن هنا تنبع حكمة الأئمة عليهم السلام في هذا التدرج.

 بعد هذا التمهيد البسيط عن الغيبة الصغرى وبداية الغيبة الكبرى ، بخروج توقيع مقدس من الإمام المهدي (عليه السلام) يقول فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم: يا علي بن محمد السمري: أعظم الله أجر إخوانك فيك ، فانك ميت ما بينك وبين ستة أيام ، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامة. فلا ظهور إلا بإذن الله تعالى ذكره ، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً. وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة ، إلا فمن أدعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة ، فهو كذاب مفتر. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)(2) 

 نصل إلى آخر جزء من المخطط الذي سار عليه الإمام المهدي (عليه السلام) للوصول إلى الغيبة الكبرى ، ليكون الإمام المهدي (عليه السلام) مذخوراً لليوم الموعود .. فقد كانت الغيبة الصغرى كافية لاثبات وجود المهدي (عليه السلام) بما يصل إلى الناس عن طريق سفرائه ، كما أوجبت بكل وضوح أن يعتاد الناس على غيبة الإمام ويستسيغون فكرة اختفائه ، بعد أن كانوا يعاصرون عهد ظهور الأئمة عليهم السلام ، وإمكان الوصول إلى مقابلة الإمام.

 وللعلم فان الإمام المهدي (عليه السلام) كان متدرجا في الاحتجاب ، فهو أقل احتجاباً في أول هذه الفترة ، وكلما مشى الزمان زاد احتجابه ، حتى لا يكاد ينقل عنه المشاهدة في زمن السفير الرابع لغير السفير نفسه ، وحينما كانت هذه الفترة مشارفة على الانتهاء، كان الجيل المعاصر لزمن ظهور الأئمة (عليه السلام) قد انتهى ، وبدأت تظهر أجيال جديدة اعتادت غيبة الإمام (عليه السلام) وفكرة القيادة وراء حجاب ، وأصبحت معدة ذهنيا بشكل كامل لتقبل فكرة الغيبة الكبرى واحتجاب الإمام عن قواعده الشعبية تماما.

 وهذا واضح جدا في التسلسل الطبيعي لتطور الأحداث ، والتدرج في الاحتجاب ، ومع ذلك يواصل الإمام (عليه السلام) في مسيرة المخطط العام وذلك بمساندة إنجاح مرجعية الشيخ المفيــد (336هـ - 413هـ) باعتبارها أول مرجعية موالية للإمام (عليه السلام) بعد فترة الغيبة الصغرى ، وفي بداية عهد الغيبة الكبرى ، حتى يصبح للقواعد الشعبية المؤمنة ثقة في المراجع وعلماء الدين.

 فمن  الحكايات المعروفة المشهورة(3): حكاية فتوى الشيخ المفيد في قضية  (المرأة المتوفاة وفي بطنها جنين حي) ثم إصلاح الفتوى من قبل الإمام (عليه السلام): يذكر أن أحد القرويين - في العراق - وفد إلى مجلس الشيخ المفيد و سأله عن امرأة حامل ماتت وجنينها حيّ في بطنها ، هل تدفن هكذا ، أم تشق بطنها و يستخرج الطفل منها؟ فأجاب الشيخ: ادفنوها هكذا ، فخرج الرجل عائداً أدراجه وفي أثناء الطريق ، رأى فارساً مسرعاً يتبعه ، وحين وصل إليه ترجل وقال له: يا رجل ، الشيخ المفيد يقول: شقوا بطن هذه المتوفاة واخرجوا الطفل ثم ادفنوها. والتزم القروي بهذا التصحيح. وبعد مدة أخبر الشيخ المفيد بما جرى ، فقال: إنه لم يرسل أحداً ولاشك إن الفارس هو صاحب الزمان (عليه السلام) وبالفعل التزم بيته لا يغادر حتى جاءه التوقيع من صاحب  الأمر (عليه السلام): {عليكم الإفتاء وعلينا تسديدكم وعصمكم من الخطأ} فما كان من الشيخ المفيد إلا إن عاود الجلوس على منبر الفتيا.

 وهنا لابدّ من الإشارة إلى أن جل هدفنا من هذه الحادثة هو إثبات إن مراجع التقليد الأتقياء والعلماء العظام الزاهدين ، كانوا على الدوام موضعا للعناية الخاصة من قبل إمام العصر (عليه السلام) سواء كانت هذه العناية والرعاية على شكل لقاء أو إظهار للتقدير أو تقديم للشكر أو الدعاء بالخير أو الإرشاد والتوجيه أو تصحيح الاشتباهات والأخطاء إلى غير ذلك .. كما أشار الإمام (عليه السلام) في تصريح الكتاب الصادر عنه إلى الشيخ المفيد - قدس سره- حينما قال: {إنّا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم ، ولولا ذلك لنزل بكم البلاء واصطلمكم الأعداء} (4)

 

 

القسم الثاني

الظهور (الأصغر- الأكبر)

 كما إن غيبة الإمام ولي العصر (عليه السلام) تنقسم إلى قسمين:

· الغيبة الصغرى.

· الغيبة الكبرى.

 فان ظهور الإمام (عليه السلام) ينقسم كذلك إلى قسمين:

· الظهور الأصغر.

· الظهور الأكبر (الفجر المقدس).

 

ولإيضاح هذه الفكرة بشيء من التفصيل نؤكد:

 إن الغيبة الصغرى وقعت والشيعة آنذاك كانت لهم صلة مباشرة بإمامهم المعصوم (عليه السلام) ، ولم يكونوا مهيئين للانقطاع التام عن الإمام (عليه السلام) .. ذلك أنهم لم يكونوا يستوعبون كيف يأتلفون ويجتمعون دونما رابطة مباشرة بإمامهم المعصوم (عليه السلام) ، ولا كيف يستنبطون الأحكام الإسلامية والتعاليم الشرعية وغيرها من عشرات الموضوعات التي يرجعون فيها إلى الإمام (عليه السلام) في زمان حضوره ، وهي  موضوعات عليهم أن يتعهدوها بأنفسهم في زمن الغيبة.

 إن أحداً لا يصل إلى الإمام (عليه السلام) في غيبته الصغرى ، ولكن ارتباط الشيعة بالإمام (عليه السلام) كان بواسطة السفراء الأربعة ، ولئلا يقع الناس في حيرة. فمن خلال مدة الغيبة الصغرى - سبعين سنة تقريبا - يكونون قد وطنوا أنفسهم على ذلك ، وولد جيل يكون مهيأ ذهنيا للدخول في عصر الغيبة الكبرى.

 والعكس صحيح من ناحية أخرى ، فكما حدث لتدرج موضوع الغيبة من صغرى إلى كبرى ليعتادها الناس ويألفوها ، كذلك الأمر بالنسبة للظهور ، من ظهور أصغر إلى الظهور الأكبر (الفجر المقدس) ، ومعنى هذا إن الظهور الأصغر - رغم أن الناس لا يلتقون خلاله بالإمام بقية الله (أرواحنا فداه) مباشرة - يشهد ظهور أحداث منطقية متتابعة تعد مقدمة للظهور الأكبر (5) .. ويمكن تشبيه ذلك كما جاء في بعض الروايات – وقد ذكرنا إحداها في صدر الكتاب– بالشمس المنيرة ، ونحن نعلم بأن الشمس وقبل غروبها تماماً تبقى أشعتها لمدة معينة حتى تغيب تماماً ويحل الظلام الدامس ، وكذلك طلوع الشمس فانه لا يكون مباشرة بل يبدأ الخيط الأبيض ثم الفجر ثم نور باهت يزداد تدريجياً حتى طلوع الشمس ساطعة في السماء. وهكذا فان ظهور الحجة بن الحسن (عليه السلام) وهو كالشمس المنيرة في سماء الولاية ، لابدّ أن يسبقه ظهور أصغر يهيئ الأرضية للظهور الكامل لوجوده المقدس ، وهذا ما حصل فعلا في غيبته ، إذ سبقت غيبته الكبرى ، غيبة صغرى ، ولا شك فان طريقة الغيبة الصغرى تختلف حتماً عن طريقة الظهور الأصغر ، حيث يشع نور الأفق بظهوره الأصغر متمثلاً بالقضايا التالية (6):

 

 أولا: نضج الأفكار وتقدم العلم والتكنلوجيا.

 ظهرت مواهب علمية عظيمة للبشرية واكتشافات محيرة ، حيث كان الإنسان من قبل سبعين عاماً تقريباً يركب الدواب في أسفاره بينما الآن يستعمل السيارة والقطار والطائرة ، وفي تلك الأيام لم يكن لديه هاتف أو مذياع أو تلفاز أو لاقط أو نقال أو الحاسوب (الكمبيوتر) ، ولكنه اليوم يمتلك كل تلك الأجهزة ، ولم يكن لدى الإنسان هذه المنتجات النفطية العظيمة كذلك استخدامه للفلزات والمعادن ، بينما يعيش الآن مستخدما النفط والمعادن على احسن وجه ، بل إن ما حققه الإنسان في هذه المدة القصيرة من القرن التاسع عشر لا يمكن مقارنتها بجميع اكتشافاته وعلومه وانتاجاته خلال عمر الحضارة كلها.

 ولهذا نقول إن هذه الإختراعات والتطور الهائل في عقلية البشر هي مقدمة لظهور الحجة (عليه السلام) حيث أن الناس الذين يريدون بيعة صاحب الزمان (عليه السلام) لابدّ وأن تكون لهم المواهب والإمكانات العلمية حتى يقتنعوا أو يفهموا المواضيع التي سيطرحها بقية الله (عليه السلام) ، حيث أنه ينتقل من المشرق إلى المغرب في طرفة عين ، كما جاء في الروايات ( عن محمد بن علي (عليه السلام) انه قال: الفقداء قوم يفقدون من فرشهم فيصبحون بمكة وهو قول الله (عليه السلام) ]أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا[ (7) وهم أصحاب القائم (عليه السلام)) (8) .

وكما هو معروف بأن معجزات الأنبياء والرسل و الأئمة عليهم السلام  يجب أن تكون مطابقة للفنون والعلوم في زمانهم .. لذا فان الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) الذي سيظهر في زمن تقدمت فيه العلوم التكنولوجية والفنية والتسليحية ، حيث تجوب الفضاء الأقمار الصناعية ، ووصول اختراعات الإنسان لكوكب المريخ ووسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية والإنترنت.. ستكون له (عليه السلام) معجزة من الباري (عليه السلام) ، حيث ذكرت الروايات بأنه إذا تكلم في مكان ما فان الجميع من سكان الأرض يسمعونه وبدون استخدام الأجهزة الحديثة. (عن أبى جعفر محمد بن علي (عليه السلام) انه قال: الصيحة لا تكون إلا في شهر رمضان لأن  شهر رمضان شهر الله وهي صيحة جبرائيل إلى هذا الخلق ، ثم قال (عليه السلام) ينادي مناد من السماء باسم القائم فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب لا يبقى راقدا إلا استيقظ ولا قائم إلا قعد ولا قاعدا إلا قام على رجليه فزعا من ذلك الصوت فرحم الله من اعتبر بذلك الصوت فأجاب فان الصوت صوت جبرائيل الروح الأمين.) (9) .

 إن العلماء والمثقفين الذين يستعملون العقول الإلكترونية والأجهزة المتطورة والأقمار الصناعية وغيرها من أجل إيصال  الصوت والصورة إلى بقاع العالم ، سيستسلمون إلى امكانيات صاحب الزمان (عليه السلام) الذي ينقل الصوت بدون أجهزة أو أقمار صناعية ويجدونه إنسانا خارقا للعادة  فيؤمنون به ويتبعهم الآخرون حتماً .

 وذكرت الروايات بان الحجة (عليه السلام) سيمتطى السحاب للتنقل بين الأماكن والقارات: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : (إذا أذن الإمام دعى الله باسمه العبراني ، فأتيحت له صحابته الثلاثمائة والثلاثة عشر قزع كقزع الخريف ، فهم أصحاب الأولوية ، منهم من يفقد عن فراشه ليلاً فيصبح بمكة ، ومنهم من يرى يسير في السحاب نهاراً يعرف باسمه وأسم أبيه وحليته ونسبه ، قلت : جعلت فداك أيهم أعظم أيماناً ، قال: الذي يسير في السحاب نهاراً وهم المفقودون وفيهم نزلت هذه الآيه: ]أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا[ )(10).

 ومن الطبيعي أن أصحاب العقول والعلماء الذين صنعوا الطائرات والأقمار الفضائية والصواريخ سيخرون صاغرين مستسلمين للإمام (عليه السلام) إثر مشاهدتهم إياه يركب السحاب مع أصحابه متنقلاً بين الأماكن.

 وتأسيساً على هذا ، فان مثل هذه الأفكار والمكتشفات العلمية تمكن البشر من الوصول إلى إدراك معجزات الإمام بقية الله كما لو إنها عمل طبيعي ، أو أن الله سبحانه وتعالى قد رشد هذه الأفكار العلمية في هذا الزمان تمهيدا لاستقبال الظهور الأكبر (الفجر المقدس ).

 

  ثانيا : تعلق الناس بالإمام (عليه السلام) وتداول اسمه.

 من الأمور التي أصبحت مألوفة لنا هذه الأيام - ونؤكد على هذه الفترة الزمنية – أن نجد الكثير من الناس حين يواجهون الأزمات ، ويجدون أنفسهم وجها لوجه مع الأحداث الكبيرة والخطيرة - تراهم – يظهرون اهتماماً متزايداً بقضية الإمام المهدي (عليه السلام) وبعلائم الظهور ،  ويبحثون عن المزيد مما يمنحهم بصيص أمل ، ويلقى لهم بعض الضوء على ما سيحدث في المستقبل القريب أو البعيد.

 كما نجد عدداً من الكتّاب والمؤلفين - في هذه الفترة - يحاولون الاستجابة لهذه الرغبة الظاهرة ويبذلون جهوداً كبيرة لترسيم مستقبل الأحداث وفق ما تيسر لهم فهمه من النصوص الحاضرة لديهم.

 هذا ، ونلاحظ أن الكتب والأبواب الخاصة بالإمام المهدي (عليه السلام) كانت تقتصر في القرون الإسلامية الأولى على نقل الأحاديث بأسانيدها فقط ، ثم أضيف إليها في القرون التي تلتها عنصر المناظرة الكلامية ، ثم أضيف عنصر العرفان والتصوف .. وفي الفترة الأخيرة صدرت في الموضوع عشرات الكتب والمقالات في معظم البلاد الإسلامية ، وحاول عدد غير قليل منها إن يتخطى أسلوب السرد والمناظرة ويعتمد أسلوب التحليل والفهم والإدراك، وهذا هو المطلوب.. ولا يقتصر الأمر على الشيعة فقط ، بل حتى الطوائف والمذاهب الأخرى. (11)

 وبالقياس فإن الشيعة في هذا العصر أكثر اهتماماً وذكراً لصاحب الزمان (عليه السلام) من الجيل السابق ، ففي إيران – وقبل عقود قليلة – لم تكن هناك جلسة واحدة من أجل دعاء الندبة (12) ، أما اليوم فقد غدت مجالس الدعاء عامرة ، وصارت المجالس كبيرة تنوّه باسمه المقدّس ، وألفت الكتب في إثبات وجوده (عليه السلام) ، إلى جوار مظاهر أخرى يذكر فيها اسم الإمام (عليه السلام) كالاحتفال بيوم مولده الشريف ، قد صارت لافتة لأنظار الناس وشائعة حتى للعوام ومذكرة باسمه المقدس .. أليس انتشار صفات وأسماء الحجة (عليه السلام) بهذا الشكل في المدارس والمساجد والشوارع والجلسات وعند عموم الناس دليلاً لبزوغ فجر نور بقية الله في الأرض ، و على هذا فإننا فرحون و مسرورون لأننا نعيش في زمان بدا فيه ضياء الفجر المقدس يشع على العالم ، آملين أن تتمتع عيوننا بجمال ظهوره النوراني.

 ثالثا : العالم يبحث عن حكومة عالمية موحده.

لو رجعنا إلى التاريخ لوجدنا أن تشكيل منظمة الأمم المتحدة أعقبت الحربين العالميتين الأولى والثانية .. فبعد أن رأى العالم الخسائر الهائلة بالأرواح البشرية التي تجاوزت الملايين ، فكر الزعماء بتشكيل مثل هذه المنظمة ، حتى إذا ظهرت مشاكل عالمية تنذر بحرب بين الدول والشعوب ، تتدخل الجمعية وتعقد جلستها لتتدارس هذه الحالة لتحول دون نشوب الحرب.

 كذلك على صعيد المسلمين لم يمر عليهم زمن مثل عصرنا تتشكل فيه رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة ، حيث يجتمع العلماء مرة واحدة كل عام .. بالإضافة إلى منظمات عالمية كثيرة كجامعة الدول العربية ، منظمة عدم الانحياز ، و.. الخ.

 إن هذه الأفكار وتشكيل المنظمات الدولية ، تشير إلى حاجة العالم إلى حكومة عالمية واحدة حتى يستتب الأمن والاستقرار والعدل. ان وجود مثل هذه الجمعيات والإحساس بالحاجة إلى هذه المنظمات ألا يعني هذا العمل وهذه الأفكار بالحاجة الماسة إلى حكومة الإمام المهدي (عليه السلام) العالمية.. وهذا دليل واضح على طلوع الفجر المقدس للظهور الأصغر .. إننا ننادي بأعلى أصواتنا يا صاحب الزمان – إن العالم في انتظار حكومتك العالمية.

 تنويه:

عندما نقول: الظهور الأصغر ، لا نعني تعيين وقت لظهوره المقدس - والعياذ بالله – لأن ذلك لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ولكننا نقول بأن هذه التجليات والظواهر ربما تكون بداية لظهوره المقدس ، وقد لاتكون كذلك ، وربما يعقبها ظلام دامس ، ذلك أن الأمر كله تحت الإرادة الإلهية وان الله سبحانه وتعالى فعّال لما يريد

 


1 - موسوعة الإمام المهدي – تاريخ الغيبة الصغرى – محمد الصدر ص416

2 - تاريخ الغيبة الصغرى – محمد الصدر ص415 ، إعلام الورى ص417 ، جنة المأوى ص318

3 - رعاية الإمام المهدي u للمراجع والعلماء الأعلام – علي الجهرمي ص61

4 - الإحتجاج للطبرسي ، بحار الأنوار ج53 ص175

5 - معراج الروح – السيد حسن الأبطحي ص57

6 - المصلح الغيبي – السيد حسن الأبطحي ص144

7 - سورة البقرة (148)

8 - الغيبة للنعماني ص213 ، كمال الدين وتمام النعمة ص654

9 - الغيبة للنعماني ص170 ، غيبة الطوسي ص274

10 - الغيبة للنعماني ص213 ، كمال الدين وتمام النعمة ص672 ، منتخب الأثر ص476

11 - وآخر ما وجدت من كتب في هذا المجال لواحد من الجمهور: دراسة لـ: عبدالعليم عبدالعظيم البستوني – وهو عبارة عن مجلدين: أحدهما بعنوان (المهدي المنتظر) والآخر بعنوان (الموسوعة في أحاديث المهدي) .. وإن كان بالدراسة كثير من الأخطاء والمغالطات وبعض الأفكار المتعصبة .. وهي من إصدار دار ابن حزم بمكة  – وتوزيع مكتبة تهامة – الطبعة الأولى عام 1420هـ – 1999م.

12 - المصلح الغيبي – السيد حسن الأبطحي ص147

الفصل الثاني

 

القسم الأول: ارهاصات عامة للظهور.

 القسم الثاني: تنبؤات متحققة تاريخيا. 

القسم الأول:

ارهاصات عامة للظهور

 إن البشرية عامة والأمة الإسلامية خاصة ، لابدّ أن تمر بظروف صعبة وقاسية من الظلم والجور والانحراف حتى يبدا ظهور الفجر المقدس ، واستنتاجاً من فكرة الحديث النبوي المتواتر القائل: إن المهدي  (عليه السلام)يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً .. وبالرجوع إلى الروايات الشريفة ، نجد أن هناك أخباراً دالة على صعوبة الزمان وفساده بشكل مطلق ، فضلا عن الإشارة إلى حوادث معينة .. ومن هذا المنطلق يمكن أن نستلخص عدة أمور:

 1-الأخبار الدالة على امتلاء الأرض ظلماً وجوراً:

وهو مضمون مستفيض بل متواتر من الروايات (1) وعلى شكل نص صريح وواضح بامتلاء الأرض جوراً وظلماً قبل ظهور المهدي (عليه السلام) في اليوم الموعود.

 2-الأخبار الدالة على وجود الفتن وازدياد تيارها وتكاثرها إلى حد مروع:

 عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) في حديث طويل يتحدث فيه عن (الفتن المضلة المهولة) (2) وما روى أيضا عن الإمام الجواد (عليه السلام) أنه قال: (لا يقوم القائم (عليه السلام) إلا على خوف شديد من الناس وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس وطاعون ، قبل ذلك وسيف قاطع بين العرب ، واختلاف شديد في الناس وتشتت في دينهم وتغيير من حالهم .. الحديث). (3)

 وللفتنة عدة معان نوجزها في الآتي:

·      الامتحان والابتلاء والاختبار

·      الكفر والضلال والإثم

·      اختلاف الناس بالآراء

·      القتل وما يقع بين الناس من حروب.

 3- الأخبار الدالة على الجزع من صعوبة الزمن وضيق النفس الشديد منه:

 عن أبى عبد الله الصادق (عليه السلام): أنه يعاني المؤمنون في زمـان

الغيبة من (ضنك شديد وبلاء طويل وجزع وخوف)(4)  فمن ذلك أن الرجل يمر بقبر أخيه فيقول يا ليتني مكانه .. ومن الواضح أن الجزع وتمني الموت يكون نتيجة للشعور بالمشاكل والمصائب التي يمر بها الفرد في المجتمع المنحرف.

4- الأخبار الدالة على وجود الحيرة والبلبلة في الأفكار والاعتقاد:

 كالخبر الذي روي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال عن المهدي (عليه السلام) فيما قال : (يكون حيرة وغيبة تضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون) (5) والحيرة هنا يراد بها عدة وجوه.. كالحيرة في العقائد الدينية ، نتيجة للتيارات الباطلة التي تواجه جهلا وفراغا فكريا في الأمة ، مما يحمل الفرد الاعتيادي على الانحراف .. أو الحيرة في الإمام المهدي (عليه السلام) نفسه (6) بمعنى أن طول غيبته توجب وقوع الناس في الشك والاختلاف في شانه أو الحيرة بالجهاد الواجب في زمن الغيبة من دون قائد وموجه و رائد.

  5- الأخبار الدالة على الحروب  والقتل:

 تصف الأحاديث الشريفة الوضع السياسي في عصر الظهـور

بفقدان الاستقرار وكثرة الحروب والاقتتال : (قبل هذا الأمر قتل بيوح .. قيل وما البيوح؟ قال: دائم لا يفتر )(7) .. بل إن بعض الروايات تصف الحروب والاقتتال بذهاب ثلثي سكان الأرض ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (لا يخرج المهدي حتى يقتل الثلث ويموت الثلث ويبقى الثلث). (8)

      ويمكن إعادة عنونة هذه الأخبار بحسب ما يتلائم مع معطيات ومصطلحات هذه الأيام وليس حسب مصطلح الرواية: فمثلاً بالإمكان تشبيه الصورة بالآتي : الانحراف الفكري ، الانحراف الاجتماعي ، الانحراف الأخلاقي ، الانحراف الاقتصادي ، الانحراف السياسي ، .. وهكذا ، ولعل أفضل ما يشير إلى ذلك بشيء من التفصيل حديث الرسول صلى الله عليه وآله: عن ابن عباس، قال: (حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع ، فأخذ بحلقة باب الكعبة ، ثم أقبل علينا بوجهه.

 فقال: ألا أخبركم بأشراط الساعة!

فكان أدنى الناس منه يومئذ سلمان t فقال : بلى يا رسول الله.

فقال صلى الله عليه وآله: إن من أشراط القيامة ، إضاعة الصلوات واتباع الشهوات ، والميل مع الأهواء وتعظيم أصحاب المال وبيع الدين بالدنيا. فعندها يذاب قلب المؤمن في جوفه ، كما يذاب الملح في الماء ، مما يرى من المنكر فلا يستطيع إن يغيره.

قال سلمان: وان هذا لكائن يا رسول الله؟

 فقال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، إن عندها يليهم أمراء جورة ، ووزراء فسقه ، وعرفاء ظلمة ، وأمناء  خونة.

 فقال سلمان: وان هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، إنّ عندها يكون المنكر معروفاً ، والمعروف منكراً ، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين ، ويصدق الكاذب ويكذب الصادق.

 قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، فعندها إمارة النساء ، ومشاورة الإماء ، وقعود الصبيان على المنابر ، ويكون الكذب طرفا ، والزكاة مغرما والفيء مغنما ، ويجفو الرجل والديه ويبر صديقه ، ويطلع الكوكب المذنب.

 قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، وعندها تشارك المرأة زوجها في التجارة ، ويكون المطر فيضا ويغيض الكرام غيضا ، ويحتقر الرجل المعسر ، فعندها تقارب الأسواق ، إذ قال هذا: لم أبع شيئاً ، وقال هذا: لم أربح شيئا ، فلا ترى إلا ذاما لله.

 قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، فعندها تليهم أقوام إن تكلموا قتلوهم وان سكتوا استباحوهم ، ليستأثرون بفيئهم ، وليطأون حرمتهم وليسفكنَّ دمائهم ، وليملأنَّ قلوبهم دغلاً ورعبا ، فلا تراهم إلا وجلين خائفين مرعوبين مرهوبين.

قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 فقال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، إن عندها يؤتى بشيء من المشرق وبشيء من المغرب يلون أمتي ، فالويل لضعفاء أمتي منهم ، والويل لهم من الله ، لا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً  ولا يتجافون عن مسيء ، جثثهم جثث الآدميين وقلوبهم قلوب الشياطين.

 قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، وعندها يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء ، ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية في بيت أهلها ، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال ، وتركبن ذوات الفروج السروج ، فعليهن من أمتي لعنة الله.

 قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، وعندها تزخرف المساجد ، كما تزخرف البيع والكنائس وتحلى المصاحف وتطول المنارات وتكثر الصفوف ، قلوب متباغضة والسن مختلفة.

 فقال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، وعندها تحلى ذكور أمتي بالذهب ويلبسون الحرير والديباج ويتخذون جلود النمور صفافا.

 قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، وعندها يظهر الربا ، ويتعاملون بالعينة والرشا ، ويوضع الدين وترفع الدنيا.

قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، وعندها يكثر الطلاق فلا يقام حد ، ولن يضروا الله شيئا.

 قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، وعندها تظهر القينات والمعازف ، وتليهم شرار أمتي.

 قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، وعندها يحج أغنياء أمتي للنزهة ، ويحج أوساطها للتجارة ، ويحج فقراؤهم للريا والسمعة، فعندها يكون أقوام يتفقهون لغير الله ، ويكثر أولاد الزنا ، ويتغنون بالقرآن، ويتهافتون بالدنيا.

 قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، ذاك إذا انتهكت المحارم ، واكتسبت المآثم وسلط الأشرار على الأخيار ، ويفشو الكذب وتظهر اللجاجة ، وتفشو الفاقة ، ويتباهون في اللباس ، ويمطرون في غير أوان المطر ، ويستحسنون الكوبة والمعازف ، وينكرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى يكون المؤمن في ذلك الزمان أذل من الأَمة ، ويظهر قراؤهم وعبادهم فيما بينهم التلاوم ، فأولئك يدعون في ملكوت السماوات: الأرجاس الأنجاس.

 قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، فعندها لا يخشى الغني على الفقير ، حتى أن السائل يسأل في الناس فيما بين الجمعتين لا يصيب أحداً يضع في كفه شيئاً.

 قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله؟

 قال صلى الله عليه وآله: أي والذي نفسي بيده يا سلمان ، فعندها يتكلم الروبيضه.

 قال سلمان: ما الروبيضه؟ يا رسول الله ، فداك أبى وأمي.

 قال صلى الله عليه وآله: يتكلم في أمر العامة من لم يكن يتكلم ، فلم يلبثوا إلا قليلا..) الحديث. (9)

 هذا لعمري ما كنا ولا زلنا نشاهده في عصور الفسق والضلالة التي نعيشها ونطلع عليها بالحس والعيان ، فصلى الله عليك يا رسول الله إذ أخبرتنا بذلك .. وسلام الله تعالى عليك يا مهدي الإسلام إذ تزيل كل ذلك وتبدله إلى القسط والعدل.

إن هذه الأخبار التي ذكرناها هي دالة على فساد الزمان بنحو مطلق ، من دون الإشارة إلى حوادث بعينها ، علماً بأن تقدم عصر الفتن على الظهور ، أو عصر الظلم على العدل من واضحات الأحاديث والروايات ... ولابدّ من الإشارة والتنويه إلى أن اقتران بعض هذه الأخبار بما قبل قيام الساعة ، لا يكون مضراً بما فهمناه ، باعتبار أن السابق على ظهور المهدي (عليه السلام) سابق على قيام الساعة ، وليس من الضروري أن تكون أشراط الساعة واقعة قبلها مباشرة.

 

القسم الثاني:

تنبؤات متحققة تاريخيا

إن كل علامات الظهور تتضمن اخباراً بالمستقبل! .. ولا يمكن الإخبار بالمستقبل إلا عن طريق التعليم من قبل علام الغيوب جل شأنه ، إما بالوحي أو بالإلهام أو بما يمت إليه بصلة بواسطة أو بوسائط ، كما كانت عليه صفة النبي صلى الله عليه وآله و الأئمة المعصومين عليهم السلام من بعده ، وهذا هو الثابت في عقيدة الإسلام ، قال تعالى في كتابه الكريم (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ! إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ).(10)

 إذاً ، فما دام المعصوم (عليه السلام) عارفاً بحوادث المستقبل ، أمكنه الإخبار بها بطبيعة الحال .. أما بالنسبة إلى الحوادث أو العلامات التي بشرت الروايات بوقوعها قبل الظهور ولو بزمن طويل ، فالسر في مصداقيتها على الظهور وكونها علامة عليه ، هو إن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام يختارون بعض الحوادث الكبرى الملفتة للنظر مما يعلمون وقوعه في المستقبل ، بالوحي أو بالإلهام ، فيخبرون به مرتبطاً بالظهور ، حتى إذا ما وقعت الحادثة في الأزمان ثبت عند الجيل المعاصر لها والأجيال المتأخرة عنها صدق هذه الأخبار .. إما بالنسبة إلى الحوادث القريبة من الظهور ، بحسب أخبار الروايات فالسر في دلالتها على الظهور هو إن الله تعالى يوجد بعض الحوادث ، خصيصاً من أجل أن تصبح علامة على الظهور ، وإلفات نظر الناس إليه ، وخاصة أولئك المؤمنين المخلصين المنتظرين بفارغ الصبر الفجر المقدس. إذاً ، فبعض العلامات المذكورة في الروايات متضمنة بعض الأخبار المحددة الدالة على الظهور.

 من الطريف أن بعض الأخبار التي قالها النبي صلى الله عليه وآله أو أحد الأئمة عليهم السلام وسجلها أهل الحديث في مصادرهم ، قبل حدوث الحادثة المطلوبة ، ثم وقعت الحادثة فعلا في التاريخ بحيث نعلم جزماً أنها لم تسجل في المصادر بعد حدوثها .. وهو لأكبر القرائن على صدق هذه الروايات نفسها فضلا عن إثبات المهدي (عليه السلام).

 وما أثبت التاريخ على حدوثه مما ورد الأخبار به في الروايات عدة أمثلة نذكر بعضاً منها:

 

 التنبؤ الأول:

 أخبار النبي صلى الله عليه وآله و الأئمة عليهم السلام عن شؤون دولة بني

العباس من حيث انحرافهم وفسادهم وخروجهم عن جادة الحق:

(عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي: يا عباس ويل لولدي من ولدك وويل لولدك من ولدي فقال: يا رسول الله ، أفلا اجتنب النساء. قال إن علم الله قد مضى والأمور بيده وان الأمر سيكون في ولدي)(11) . فدولة بني العباس واضحة في التاريخ ، وما وقع بينها وبين الأئمة عليهم السلام أحفاد رسول الله صلى الله عليه وآله من ولد علي وفاطمة عليهم السلام من الخلاف وماذاقوه من بني العباس من التشريد والمطارده والتعسف ، أوضح من أن يذكر وأشهر من أن يسطر .. ويمكن الرجوع إلى كتاب (مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الأصفهاني للإيضاح اكثر .. وكذلك بعض الروايات دلت عن الاخبار بهلاك بني العباس وزوال ملكهم كالخبر الذي ورد (عن الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث انه قال: ثم يملك بنو العباس فلا يزالون في عنفوان من الملك وغضارة من العيش ، حتى يختلفوا فيما بينهم ، فإذا اختلفوا ذهب ملكهم) (12).

 

 التنبؤ الثاني:

 ما ورد في الروايات من زوال دولة بني أمية ، قبل زوالها بطبيعة الحال: كالحديث الذي ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) انه قال: (يقوم القائم (عليه السلام) في وتر من السنين تسع واحده ثلاث خمس ، وقال: إذا اختلفت بنوا أمية وذهب ملكهم ، ثم يملك بنو العباس فلا يزالون .. الحديث)(13) .  علما بأن الإمام الباقر (عليه السلام) قد توفى قبل زوال ملك بني أمية وقيام دولة العباسيين بثمانية عشر سنة.

 

التنبؤ الثالث:

 ما ورد في الروايات من اختلاف أهل المشرق والمغرب :

كالحديث الذي ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) أيضا ، حيث قال: (واختلف أهل المشرق والمغرب) (14).. ولهذا الاختلاف شواهد كثيرة في التاريخ كاختلاف أهل المشرق والمغرب في حدود البلاد الإسلامية ، وهذا ما حدث فعلا في التاريخ الإسلامي طويلا ، حيث كان الشرق يحكمه العباسيين والغرب – بمعنى الأندلس الإسلامية - يحكمه الأمويون ، أو إن الغرب بمعنى الفاطميون في الشمال الأفريقي حيث أسسوا الدولة الفاطمية ، وفي كلا الحالين ، كانوا منفصلين عن خلافة الشرق العباسية.

 أو ما حدث ويحدث في العصر الحديث ، منذ الحرب العالمية الثانية إلى ألآن .. من وجود الدولتين الكبيرتين في العالم ، التي تمثل إحداهما زعامة ما يسمى بالكتلة الشرقية ، وتمثل الأخرى زعامة ما يسمى بالغرب. وعلى أية حال ، فقد جعل هذا الاختلاف بين أهل الشرق وأهل الغرب من علائم الظهور .. وهذا لعمري لإحدى المعجزات التي تشارك في الدلالة على صدق الرواية نفسها ، فضلاً عن إثبات صاحب البيعة (عليه السلام) في الرواية .. فكما جاء في الحديث الذي نقله النعماني في غيبته (حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثني أحمد بن يوسف بن يعقوب أبو الحسين الجعفي قال: حدثني إسماعيل بن مهران قال: حدثنا الحسن بن علي ابن أبى حمزة ، عن أبيه ووهب عن أبى بصير عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: يقوم القائم (عليه السلام) في وتر من السنين تسع واحده ثلاث خمس ، وقال: إذا اختلفت بنو أميه وذهب ملكهم ، ثم يملك بنو العباس فلا يزالون في عنفوان من الملك ، وغضاره من العيش حتى يختلفوا فيما بينهم ، فإذا اختلفوا ذهب ملكهم ، واختلف أهل المشرق وأهل المغرب ، نعم وأهل القبلة ، ويلقى الناس جهد شديد مما يمر بهم من الخوف ، فلا يزالون بتلك الحال حتى ينادي مناد من السماء ، فإذا نادى فالنفير النفير ، فو الله لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس ... الحديث ).(15)

 والتنبؤات الثلاث السابقة ووقوعها فعلاً في التاريخ الطويل ، بعد صدور الرواية وتسجيل أهل الحديث لها في مصادرهم أكبر دليل على صدقها .

 

 التنبؤ الرابع :

 أخبار النبي صلى الله عليه وآله بانحراف القيادة الإسلامية في المجتمع بعده: فمن ذلك: (ما رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله عن الله  (عليه السلام) في بعض كلامه مع رسوله في المعراج حيث جعل ذلك من علامات الظهور فقال: وصارت الأمراء كفرة وأوليائهم فجرة وأعوانهم ظلمه وذوي الرأي منهم فسقه ، فعند ذلك ثلاث خسوف ، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ، وخراب البصرة على يد رجل من ذريتك يتبعه الزنوج ... الحديث) (16) .

 وعنه صلى الله عليه وآله: (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي ، وسيقوم فيهم رجال ، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس)(17) وهذا ما حدث بالفعل بعد النبي صلى الله عليه وآله حين قام الحكم في العالم الإسلامي على المصلحة والإرث ، وتفاصيل ذلك أشهر من أن يذكر ، واستعمال الخمور في بلاط الخلفاء يكاد يكون من الواضحات ، ويذكر في كثير من مصادر التاريخ ، ولعل خير شاهد على ذلك ، موقف المتوكل العباسي من الإمام الهادي (عليه السلام) حيث أرسل جماعة من الأتراك لمداهمة بيت الإمام (عليه السلام) والقبض عليه في جوف الليل ، فألقوا عليه القبض وهو يقرأ القرآن ، وحُمل إلى المتوكل ، فمثل بين يديه ، والمتوكل يشرب وفي يده كأس. فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جانبه ، وناوله الكأس الذي في يده ، فقال: يا أمير ، ما خامر لحمي ودمي قط ، فاعفني ، فأعفاه..  الخ الحادثة.(18)

 

 التنبؤ الخامس:

 ما ورد الأخبار عنه بثورة صاحب الزنج:

فمن ذلك ما جاء في الحديث السابق عن ابن عباس .. وهذا ما حدث بالفعل على يد صاحب الزنج ، وهو الرجل الذي ثار في البصرة عام 255هـ – سنة ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) – واسمه علي بن محمد ، وزعم انه علوي – وان كان يختلف عن أهل البيت عقائديا وفكريا – استمر يعيث في المجتمع فساداً خمسة عشر عاماً إلى أن قتل عام 270هـ ، وعمدة ما ارتكز عليه في ثورته – مضافاً إلى دعواه الانتساب بالنسب العلوي - أنه وجه دعوته بشكل رئيسي إلى العمال والطبقة الكادحة من الشعب ، وخاصة العبيد المماليك منهم ، ومن ثم سمي صاحب الزنج ، أي قائد العبيد (19).. وكيف انه عاث في المجتمع المسلم فساداً وكلف الدولة العباسية كثيراً ، وكبد البصرة وكثيراً من المدن الأعاجيب من القتل والنهب والتشريد.

 وهذا الحدث التاريخي من أكبر الأدلة على صدق الرواية وصدق محدثها عليه أفضل الصلاة والسلام.

 

 التنبؤ السادس:

 ما ورد الأخبار عن ظهور العلم ببلدة يقال لها قم :

فمن ذلك ما جاء عن الأمام الصادق (عليه السلام) : (ستخلو الكوفة من المؤمنين ويأزر عنها العلم كما تأزر الحيّة في جحرها ، ثم يظهر العلم ببلدة يقال لها قم ، وتصير معدناً للعلم والفضل حتى لا يبقى في الأرض مستضعف في الدين حتى المخدرّات في الحجال ، وذلك عند قرب ظهور قائمنا .. الحديث) (20)

 وهذا ما حدث بالفعل في العقدين الأخيرين ، وعظمة هذه الرواية عندما نعرف أن أمامنا يتكلم عن ظهور العلم الديني في بلدة قم المجهولة المكان في ذلك الزمان ، حيث كان أهلها عبده أوثان ونيران ، ثم تكون هذه البلدة بعد حديثه بألف ومئتي عام تقريبا مدينة علم الشيعه ومركز دراستهم ... وقد ذكرنا حديث الأمام الصادق (عليه السلام) عن بلدة قم لاحتواه تصريحا بذهاب العلم قبل قيام القائم (عليه السلام) من الكوفة (النجف الأشرف ) بسبب ظلم السلطان وتشريد علماء الدين وقتلهم وطردهم .

هناك الكثير من العلامات والتنبؤات التي ذكرتها الروايات تحققت في التاريخ :-

فمن ذلك ما جاء في الرواية عن جابر بن يزيد الجعفي قال: قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام): (يا جابر الزم الأرض ، ولا تحرك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات أذكرها لك إن أدركتها: أولها اختلاف بنى العباس ، وما أراك تدرك ذلك ، ولكن به حدث من بعدي عني ، ومنادياً ينادي في السماء ، ويجيئكم صوت من ناحية دمشق بالفتح ، وتخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية ، وتسقط طائفة من مسجد دمشق الأيمن ، ومارقة تمرق من ناحية الترك ، ويعقبها مرج الروم ، وسيقبل أخوان الترك حتى ينزلوا الجزيرة ، وسيقبل مارقة الروم حتى ينزلوا الرملة ، فتلك السنة يا جابر فيها اختلاف كثير في كل أرض من ناحية المغرب ، فأول أرض المغرب أرض الشام .. الحديث)(21) .

 بالأضافه إلى ان هناك علامات عدة ذكرها الشيخ المفيد في الإرشاد مختصراً : ( قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي (عليه السلام) وحوادث تكون أمام قيامه ، وآيات ودلالات: فمنها خروج السفياني ، وقتل الحسني ، واختلاف بني العباس في الملك الدنياوي ، وكسوف الشمس في النصف من شهر رمضان ، وخسوف القمر في آخره على خلاف العادات ، وخسف بالبيداء ، وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب ، وركود الشمس من عند الزوال إلى وسط أوقات العصر ، وطلوعها من المغرب ، وقتل نفسٍ زكيةٍ بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين ، وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام ، وهدم حائط مسجد الكوفة ، وإقبال رايات سود من قِبَلِ خرا سان ، وخروج اليماني ، وظهور المغربي بمصر وتملُّكه للشامات ، ونزول الترك الجزيرة ، ونزول الروم الرملة ، وطلوع نجم المشرق يضيء كما يضيء القمر ثم ينعطف حتى يكاد يلتقي طرفاه ، وحمرة تظهر في السماء وتنتشر في آفاقها ، ونار تظهر بالمشرق طُولاً وتبقى في الجو ثلاثة أيام أو سبعة أيام ، وخلع العرب أعنتها وتملكها البلاد وخروجها عن سلطان العجم ، وقتل أهل مصر أميرهم ، وخراب الشام واختلاف ثلاث رايات فيه ، ودخول رايات قيس والعرب إلى مصر ، ورايات كندة إلى خرا سان ، و ورود خيل من قبل المغرب حتى تربط بفناء الحيرة ، وإقبال رايات سود من المشرق نحوها ، وبشق في الفرات حتى يدخل الماء أزقة الكوفة ، وخروج ستين كذاباً كلهم يدّعي النبوة ، وخروج اثني عشر من آل أبي طالب كلهم يدعي الإمامة لنفسه ، وإحراق رجل عظيم القدر من شيعة بني العباس بين جلولاء وخانقين ، وعقد الجسر مما يلي الكرخ بمدينة السلام ببغداد ، وارتفاع ريح سوداء بها أول النهار وزلزلة حتى ينخسف كثير منها ، وخوف يشمل أهل العراق وبغداد وموت ذريع فيه ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ، وجراد يظهر في أوانه وغير أوانه حتى يأتي على الزرع والغلات وقلة ريع لما يزرعه الناس ، واختلاف صنفين من العجم وسفك دماء كثيرة فيما بينهم ، وخروج العبيد عن طاعة ساداتهم وقتلهم مواليهم ، ومسخ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا قردة وخنازير ، وغلبة العبيد على بلاد السادات ، ونداء من السماء حتى يسمعه أهل الأرض كل أهل لغة بلغتهم ، ووجه وصدر يظهران من السماء للناس في عين الشمس ، وأموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون ، ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة تتّصل فتحيي به الأرض من بعد موتها وتعرف بركاتها وتزول بعد ذلك كل عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهدي (عليه السلام) فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة فيتوجهون نحوه لنصرته) (22) .

 من هاتين الروايتين نجد أن عدداً من العلامات والأخبار قد تحقق في التاريخ – نذكر بعضاً منها بشكل مختصر - وللاطلاع على روايات أكثر يفضل مراجعة:

 1- كتاب: (الغيبة) للشيخ الأجل محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني المعروف بابن أبي زينب ، من علماء القرن الثالث الهجري ، وهو تلميذ ثقة الإسلام الكليني ، وهذا الكتاب من نفائس الكتب المدونة في هذا الباب ، وقد مدحه الشيخ المفيد في الإرشاد ، ويظهر من ذلك عدم وجود مصنف قبله أفضل منه.

2- كتاب: كمال الدين وتمام النعمة ، للشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن با بويه القمي (المعروف بالصدوق) ، من علماء القرن الرابع الهجري المتوفى سنة 381هـ .

3- كتاب: (الغيبة) للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المعروف (بشيخ الطائفة) ، المتوفى سنة 460هـ .

 

 تنبؤات أخرى متحققة تاريخياً:

 فمن التنبؤات التي تحققت في التاريخ نذكر بالإضافة إلى ما أشرنا إليه سابقاً بعضاً منها باختصار:

 أولا: إقبال رايات سود من قبل خراسان: وينطبق ذلك على ثورة أبي مسلم الخراساني.

 ثانيا: ظهور المغربي بمصر وتملكه الشامات: وينطبق ذلك على المعز الفاطمي عندما نشر دعوته عام 396هـ ، في الشمال الأفريقي عندما غزا الشام واستولى عليها.

 ثالثا: نزول الترك الجزيرة: عندما بقيت أرض الجزيرة تحت الحكم العثماني التركي فترة طويلة من الزمن ، يبدأ من عام 941هـ وحتى سقوط حكمهم عام 1335هـ بالاحتلال البريطاني أثناء الحرب العالمية الأولى.

 رابعا: نزول الروم الرملة: والروم في لغة عصر المعصومين عليهم السلام هم الأوربيون بشكل عام ، والرملة منطقة في مصر ومنطقة في الشام ، وينطبق هذا التنبؤ على الاستعمار الفرنسي لمصر بقيادة نابليون بونابرت ، أو الاحتلال الفرنسي لسوريا بعد الحرب العالمية الأولى وإخراج العثمانيين منها.

 خامسا: خلع العرب أعنتها وتملكها البلاد ، وخروجها عن سلطان العجم: وهذا ما عشناه في العصر الحديث .. عصر الثورات العربية بقصد التحرر من الاستعمار الأجنبي ، وسيطرة أشخاص من أهل البلاد على الحكم.

 سادسا: قتل اهل مصر أميرهم: وينطبق ذلك على الرئيس أنور السادات عندما قتلته جماعة خالد الاسلامبولي.

 سابعا: اختلاف صنفين من العجم ، وسفك دماء كثيرة فيما بينهم: وينطبق ذلك على حروب الدول الأوربية فيما بينها ، مثل الحرب بين فرنسا وألمانيا أو بين بريطانيا وألمانيا أو بين تركيا و اليونان .. ويكفينا النظر إلى الحربين العالميتين الواقعتين في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي.

 نكتفي بهذا القدر من التنبؤات المتحققة تاريخياً ، وهي بمجموعها تشكل دليلاً قطعياً على صدق قائليها المعصومين عليهم السلام ، ذلك الصدق الدال على صدق سائر أقوالهم بما فيه أخبارهم عن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) .. ولابدّ من زيادة الارتباط العاطفي والشعوري بقضية الإمام  (عليه السلام)، ليست كمرتكز عقائدي فقط ، بل لأنها قضية مصيرية ملحة ، فالمطلوب أذن: أن يسهم ما وقع في بعث الأمل ورفع درجة الارتباط بالإمام (عليه السلام) إلى مستوى أعلى وأكثر حيوية وفاعلية وجدية ، ويعمق في الفرد المؤمن الشعور بالمسؤولية ، ليعيش في كنف الإمامة بكل ما تمثله من عطاء في مجال العمل والسلوك والموقف وفي جميع مفردات الحياة.

 


1 - انظر بشارة الإسلام ص18

2 - موسوعة المهدي تاريخ الغيبة الكبرى ص242

3 - غيبة النعماني ص170 ، بحار الأنوار ج52 ص231

4 - موسوعة المهدي تاريخ الغيبة الكبرى ص245 ، منتخب الأثر ص434

5 - غيبة النعماني ص104 ، الموسوعة ص246

6 - انظر بشارة الإسلام ص86 ، بحار الأنوار ج52 ص228

7 - الممهدون للمهدي ص49 ، بحار الأنوار ج52 ص182

8 - المهدي – آية الله الصدر ص198 ، يوم الخلاص ص564

9 - بشارة الإسلام ص25 ، منتخب الأثر ص432

10 - سورة الجن (26-27)

11 - بشارة الإسلام ص11

12 - غيبة النعماني ص175

13 - غيبة النعماني ص175

14 - غيبة النعماني ص175

15 - غيبة النعماني ص175

16 - بشارة الإسلام ص5

17 - تاريخ  الغيبة الكبرى ص450

18 - تاريخ الغيبة الكبرى ص59

19 - تاريخ الغيبة الصغرى ص72

20 - منتخب الأثر ص443 ، حوارات حول المنقذ ص296 ، يوم الخلاص ص480

21 - غيبة النعماني ص187 ، بحار الأنوار ج52 ص237

22 - الإرشاد للمفيد ج2 ص368 ، بحار الأنوار ج52 ص220 ، بشارة الإسلام ص175