الخصوصية الثالثة: الغيبة المستلزمة لعمر مفتوح مع انفتاح الزمن

من مقتضيات وخصائص المفهوم المهدوي عند أهل البيت (عليهم السلام) ، هو الاعتقاد بغيبة الإمام (عليه السلام) عن الأنظار، واستمراره على ذلك إلى حين يأذن الله سبحانه وتعالى له بالظهور، وإثبات هذه الخصوصية ننجزه في مرحلتين: ـ

 

الاُولى: مرحلة إثبات إمكانية العمر الطويل الى آخر الزمان

إن المشكلة الأساسية التي تواجه المفهوم المهدوي عند أهل البيت (عليهم السلام) ، تتمثل في ما يستلزمه هذا المفهوم من عمر مفتوح، مع انفتاح الزمن وممتد بامتداده، وقد عولجت هذه المشكلة بإجابات كثيرة نورد هنا إجابة السيد الشهيد الصدر عليها، فقد كتب يقول :

"هل بالإمكان أن يعيش الإنسان قروناً كثيرة كما هو المفترض في هذا القائد المنتظر لتغيير العالم، الذي يبلغ عمره الشريف فعلاً أكثر من ألف ومائة وأربعين سنة، أي حوالي (14) مرة بقدر عمر الإنسان الاعتيادي الذي يمر بكل المراحل الاعتيادية من الطفولة إلى الشيخوخة؟

كلمة الإمكان هنا تعني أحد ثلاثة معان : الإمكان العملي، والإمكان العلمي، والإمكان المنطقي أو الفلسفي.

وأقصد بالإمكان العملي : أن يكون الشيء ممكنا على نحو يتاح لي أو لك، أو لإنسان آخر فعلاً أن يحققه، فالسفر عبر المحيط، والوصول إلى قاع البحر، والصعود إلى القمر، أشياء أصبح لها إمكان عملي فعلاً. فهناك من يمارس هذه الأشياء فعلاً بشكل وآخر.

وأقصد بالإمكان العلمي : أن هناك أشياء قد لا يكون بالإمكان عملياً لي أو لك، أن نمارسها فعلاً بوسائل المدنية المعاصرة، ولكن لا يوجد لدى العلم ولا تشير اتجاهاته المتحركة إلى ما يبرر رفض إمكان هذه الأشياء ووقوعها وفقاً لظروف ووسائل خاصة، فصعود الإنسان إلى كوكب الزهرة لا يوجد في العلم ما يرفض وقوعه، بل إن اتجاهاته القائمة فعلاً تشير إلى إمكان ذلك، وإن لم يكن الصعود فعلاً ميسوراً لي أو لك ; لأن الفارق بين الصعود إلى الزهرة والصعود إلى القمر ليس إلاّ فارق درجة، ولا يمثل الصعود إلى الزهرة إلاّ مرحلة تذليل الصعاب الإضافية التي تنشأ من كون المسافة أبعد، فالصعود إلى الزهرة ممكن علمياً وإن لم يكن ممكناً عملياً فعلاً[1]. وعلى العكس من ذلك الصعود إلى قرص الشمس في كبد السماء فإنه غير ممكن علمياً، بمعنى أن العلم لا أمل له في وقوع ذلك، إذ لا يتصور علمياً وتجريبياً إمكانية صنع ذلك الدرع الواقي من الاحتراق بحرارة الشمس، التي تمثل اُتوناً هائلاً مستعراً بأعلى درجة تخطر على بال إنسان.

وأقصد بالإمكان المنطقي أو الفلسفي : أن لا يوجد لدى العقل وفق ما يدركه من قوانين قبلية ـ أي سابقة على التجربة ـ ما يبرر رفض الشيء والحكم باستحالته.

فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوي وبدون كسر إلى نصفين ليس له إمكان منطقي ; لأن العقل يدرك ـ قبل أن يمارس أي تجربة ـ أن الثلاثة عدد فردي وليس زوجاً، فلا يمكن أن تنقسم بالتساوي; لأن انقسامها بالتساوي يعني كونها زوجاً، فتكون فرداً وزوجاً في وقت واحد، وهذا تناقض، والتناقض مستحيل منطقياً. ولكن دخول الإنسان في النار دون أن يحترق، وصعوده للشمس دون أن تحرقه الشمس بحرارتها ليس مستحيلاً من الناحية المنطقية، إذ لا تناقض في افتراض أن الحرارة لا تتسرب من الجسم الأكثر حرارةً إلى الجسم الأقل حرارةً، وإنما هو مخالف للتجربة التي أثبتت تسرب الحرارة من الجسم الأكثر حرارةً إلى الجسم الأقل حرارةً إلى أن يتساوى الجسمان في الحرارة.

وهكذا نعرف أن الإمكان المنطقي أوسع دائرة من الإمكان العلمي، وهذا أوسع دائرة من الإمكان العملي.

ولا شك في أن امتداد عمر الإنسان آلاف السنين ممكن منطقياً; لأن ذلك ليس مستحيلاً من وجهة نظر عقلية تجريدية، ولا يوجد في افتراض من هذا القبيل أي تناقض ; لأن الحياة كمفهوم لا تستبطن الموت السريع، ولا نقاش في ذلك.

كما لا شك أيضاً ولا نقاش في أن هذا العمر الطويل ليس ممكناً إمكاناً عملياً، على نحو الإمكانات العملية للنزول إلى قاع البحر أو الصعود إلى القمر، ذلك لأن العلم بوسائله وأدواته الحاضرة فعلاً، والمتاحة من خلال التجربة البشرية المعاصرة، لا يستطيع أن يمدد عمر الإنسان مئات السنين، ولهذا نجد أن أكثر الناس حرصاً على الحياة وقدرة على تسخير إمكانات العلم، لا يتاح لهم من العمر إلاّ بقدر ما هو مألوف.

وأما الإمكان العلمي فلا يوجد علمياً اليوم ما يبرر رفضه من الناحية النظرية[2]. وهذا بحث يتصل في الحقيقة بنوعية التفسير الفسلجي لظاهرة الشيخوخة والهرم لدى الإنسان، فهل تعبر هذه الظاهرة عن قانون طبيعي يفرض على أنسجة جسم الإنسان وخلاياه ـ بعد أن تبلغ قمة نموها ـ أن تتصلب بالتدريج وتصبح أقل كفاءة للاستمرار في العمل، إلى أن تتعطل في لحظة معينة، حتى لو عزلناها عن تأثير أي عامل خارجي ؟ أو أن هذا التصلب وهذا التناقص في كفاءة الانسجة والخلايا الجسمية للقيام بأدوارها الفسيولوجية، نتيجة صراع مع عوامل خارجية كالميكروبات أو التسمم الذي يتسرب إلى الجسم من خلال ما يتناوله من غذاء مكثف أو أي عامل آخر ؟

وهذا سؤال يطرحه العلم اليوم على نفسه، وهو جاد في الإجابة عنه، ولا يزال للسؤال أكثر من جواب على الصعيد العلمي.

فإذا أخذنا بوجهة النظر العلمية التي تتجه إلى تفسير الشيخوخة والضعف الهرمي، بوصفه نتيجة صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية معينة، فهذا يعني أن بالإمكان نظرياً، إذا عزلت الأنسجة التي يتكون منها جسم الإنسان عن تلك المؤثرات المعينة، أن تمتد بها الحياة وتتجاوز ظاهرة الشيخوخة وتتغلب عليها نهائياً.

وإذا أخذنا بوجهة النظر الاُخرى التي تميل إلى افتراض الشيخوخة قانوناً طبيعياً للخلايا والأنسجة الحية نفسها، بمعنى أنها تحمل في أحشائها بذرة فنائها المحتوم، مروراً بمرحلة الهرم والشيخوخة وانتهاءً بالموت.

أقول : إذا أخذنا بوجهة النظر هذه، فليس معنى هذا عدم افتراض أي مرونة في هذا القانون الطبيعي، بل هو ـ على افتراض وجوده ـ قانون مرن ; لأننا نجد في حياتنا الاعتيادية ; ولأن العلماء يشاهدون في مختبراتهم العلمية، أن الشيخوخة كظاهرة فسيولوجية لا زمنية، قد تأتي مبكرة، وقد تتأخر ولا تظهر إلاّ في فترة متأخرة، حتى أن الرجل قد يكون طاعناً في السن ولكنه يملك أعضاء لينة، ولا تبدو عليه اعراض الشيخوخة كما نص على ذلك الأطباء[3]. بل إن العلماء استطاعوا عملياً أن يستفيدوا من مرونة ذلك القانون الطبيعي المفترض، فأطالوا عمر بعض الحيوانات مئات المرات بالنسبة إلى أعمارها الطبيعية ; وذلك بخلق ظروف وعوامل تؤجل فاعلية قانون الشيخوخة.

وبهذا يثبت علمياً أن تأجيل هذا القانون بخلق ظروف وعوامل معينة أمر ممكن علمياً، ولئن لم يتح للعلم أن يمارس فعلاً هذا التأجيل بالنسبة إلى كائن معقد معين كالإنسان، فليس ذلك إلاّ لفارق درجة بين صعوبة هذه الممارسة بالنسبة إلى الإنسان، وصعوبتها بالنسبة إلى أحياء اُخرى. وهذا يعني أن العلم من الناحية النظرية وبقدر ما تشير إليه اتجاهاته المتحركة لا يوجد فيه أبداً ما يرفض إمكانية إطالة عمر الإنسان، سواءً فسرنا الشيخوخة بوصفها نتاج صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية أو نتاج قانون طبيعي للخليّة الحيّة نفسها يسير بها نحو الفناء.

ويتلخص من ذلك: أن طول عمر الإنسان وبقاءه قروناً متعددة أمر ممكن منطقياً وممكن علمياً، ولكنه لا يزال غير ممكن عملياً، إلاّ أن اتجاه العلم سائر في طريق تحقيق هذا الإمكان عبر طريق طويل.

وعلى هذا الضوء نتناول عمر المهدي (عليه السلام) وما اُحيط به من استفهام أو استغراب، ونلاحظ:

إنه بعد أن ثبت إمكان هذا العمر الطويل منطقياً وعلمياً، وثبت أن العلم سائر في طريق تحويل الامكان النظري إلى إمكان عملي تدريجاً، لا يبقي للاستغراب محتوىً إلاّ استبعاد أن يسبق المهدي العلم نفسه، فيتحول الامكان النظري الى إمكان عملي في شخصه قبل أن يصل العلم في تطوره إلى مستوى القدرة الفعلية على هذا التحويل، فهو نظير من يسبق العلم في اكتشاف دواء ذات السحايا أو دواء السرطان.

وإذا كانت المسألة هي أنه كيف سبق الإسلام ـ الذي صمم عمر هذا القائد المنتظر ـ حركة العلم في مجال هذا التحويل ؟

فالجواب: إنه ليس ذلك هو المجال الوحيد الذي سبق فيه الإسلام حركة العلم.

أوَليست الشريعة الإسلامية ككل قد سبقت حركة العلم والتطور الطبيعي للفكر الإنساني قروناً عديدة؟[4]

أوَلم تناد بشعارات طرحت خططاً للتطبيق لم ينضج الإنسان للتوصل إليها في حركته المستقلة إلاّ بعد مئات السنين ؟

أوَلَم تأت بتشريعات في غاية الحكمة، لم يستطع الإنسان أن يدرك أسرارها ووجه الحكمة فيها إلاّ قبل برهة وجيزة من الزمن ؟ أو لم تكشف رسالة السماء أسراراً من الكون لم تكن تخطر على بال إنسان، ثم جاء العلم ليثبتها ويدعمها ؟

فإذا كنا نؤمن بهذا كله، فلماذا نستكثر على مرسل هذه الرسالة ـ سبحانه وتعالى ـ أن يسبق العلم في تصميم عمر المهدي؟[5] وأنا هنا لم أتكلم إلاّ عن مظاهر السبق التي نستطيع أن نحسّها نحن بصورة مباشرة، ويمكن أن نضيف إلى ذلك مظاهر السبق التي تُحدّثنا بها رسالة السماء نفسها.

ومثال ذلك: أنها تخبرنا بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد اُسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذا الإسراء[6] إذا أردنا ان نفهمه في إطار القوانين الطبيعية، فهو يعبر عن الاستفادة من القوانين الطبيعية بشكل لم يتح للعلم أن يحققه[7] إلاّ بعد مئات السنين، فنفس الخبرة الربانية التي أتاحت للرسول (صلى الله عليه وآله) التحرك السريع قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك، أتاحت لآخر خلفائه المنصوصين العمر المديد، قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك.

نعم، هذا العمر المديد الذي منحه الله تعالى للمنقذ المنتظر يبدو غريباً في حدود المألوف حتى اليوم في حياة الناس، وفي ما أنجز فعلاً من تجارب العلماء.

ولكن أوَ ليسَ الدور التغييري الحاسم الذي اُعد له هذا المنقذ غريباً في حدود المألوف في حياة الناس، وما مرت بهم من تطورات التاريخ ؟

أوَ لَيسَ قد اُنيط به تغيير العالم، وإعادة بنائه الحضاري من جديد على أساس الحق والعدل ؟

فلماذا نستغرب إذا اتّسم التحضير لهذا الدور الكبير ببعض الظواهر الغريبة والخارجة عن المألوف كطول عمر المنقذ المنتظر؟ فإن غرابة هذه الظواهر وخروجها عن المألوف مهما كان شديداً، لا يفوق بحال غرابة نفس الدور العظيم الذي يجب على اليوم الموعود إنجازه. فإذا كنا نستسيغ ذلك الدور الفريد[8] تاريخياً على الرغم من أنه لا يوجد دور مناظر له في تاريخ الإنسان، فلماذا لا نستسيغ ذلك العمر المديد الذي لا نجد عمراً مناظراً له في حياتنا المألوفة ؟ ولا أدري! هل هي صدفة أن يقوم شخصان فقط بتفريغ الحضارة الإنسانية من محتواها الفاسد وبنائها من جديد، فيكون لكل منهما عمر مديد يزيد على أعمارنا الاعتيادية أضعافاً مضاعفة ؟

أحدهما: مارس دوره في ماضي البشرية وهو النبي نوح، الذي نص القرآن الكريم[9] على أنه مكث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، وقدر له من خلال الطوفان أن يبني العالم من جديد.

والآخر: يمارس دوره في مستقبل البشرية وهو المهدي الذي مكث في قومه حتى الآن أكثر من ألف عام وسيقدر له في اليوم الموعود أن يبني العالم من جديد.

فلماذا نقبل نوح الذي ناهز الف عام على أقل تقدير ولا نقبل المهدي؟[10]

وقد عرفنا حتى الآن أن العمر الطويل ممكن علمياً، ولكن لنفترض أنه غير ممكن علمياً، وأن قانون الشيخوخة والهرم قانون صارم لا يمكن للبشرية اليوم، ولا على خطها الطويل أن تتغلب عليه، وتغير من ظروفه وشروطه، فماذا يعني ذلك ؟ إنه يعني أن إطالة عمر الإنسان ـ كنوح أو كالمهدي ـ قروناً متعددة، هي على خلاف القوانين الطبيعية التي أثبتها العلم بوسائل التجربة والاستقراء الحديثة، وبذلك تصبح هذه الحالة معجزة عطلت قانوناً طبيعياً في حالة معينة للحفاظ على حياة الشخص الذي اُنيط به الحفاظ على رسالة السماء، وليست هذه المعجزة فريدة من نوعها، أو غريبة على عقيدة المسلم المستمدة من نص القرآن والسنة[11]، فليس قانون الشيخوخة والهرم أشد صرامة من قانون انتقال الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة حتى يتساويا، وقد عطل هذا القانون لحماية حياة إبراهيم (عليه السلام) حين كان الاُسلوب الوحيد للحفاظ عليه تعطيل ذلك القانون. فقيل للنار حين اُلقي فيها إبراهيم (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم)[12] فخرج منها كما دخل سليماً لم يصبه أذىً، إلى كثير من القوانين الطبيعية التي عطلت لحماية أشخاص من الأنبياء وحجج الله على الأرض، ففلق البحر لموسى (عليه السلام)[13]، وشبه للرومان أنهم قبضوا على عيسى[14] ولم يكونوا قد قبضوا عليه، وخرج النبي محمد (صلى الله عليه وآله) من داره وهي محفوفة بحشود قريش التي ظلت ساعات تتربص به لتهجم عليه، فستره الله تعالى عن عيونهم وهو يمشي بينهم[15]. كل هذه الحالات تمثل قوانين طبيعية عطلت لحماية شخص، كانت الحكمة الربانية تقتضي الحفاظ على حياته، فليكن قانون الشيخوخة والهرم من تلك القوانين.

وقد يمكن أن نخرج من ذلك بمفهوم عام وهو أنه كلما توقف الحفاظ على حياة حجة لله في الأرض على تعطيل قانون طبيعي، وكانت إدامة حياة ذلك الشخص ضرورية لانجاز مهمته التي أعد لها، تدخلت العناية الربانية في تعطيل ذلك القانون لانجاز ذلك، وعلى العكس إذا كان الشخص قد انتهت مهمته التي اُعد لها ربانياً فإنه سيلقى حتفه ويموت أو يستشهد وفقاً لما تقرره القوانين الطبيعية.

ونواجه عادة بمناسبة هذا المفهوم العام السؤال التالي: كيف يمكن أن يتعطل القانون[16]؟ وكيف تنفصم العلاقة الضرورية التي تقوم بين الظواهر الطبيعية ؟ وهل هذه إلاّ مناقضة للعلم الذي اكتشف ذلك القانون الطبيعي، وحدد هذه العلاقة الضرورية على اُسس تجريبية واستقرائية ؟!

والجواب : أن العلم نفسه قد أجاب عن هذا السؤال بالتنازل عن فكرة الضرورة في القانون الطبيعي، وتوضيح ذلك : أن القوانين الطبيعية يكتشفها العلم على أساس التجربة والملاحظة المنتظمة، فحين يطرد وقوع ظاهرة طبيعية عقيب ظاهرة اُخرى يستدل بهذا الاطّراد على قانون طبيعي، وهو أنه كلما وجدت الظاهرة الاُولى وجدت الظاهرة الثانية عقيبها، غير أن العلم لا يفترض في هذا القانون الطبيعي علاقة ضرورية بين الظاهرتين نابعة من صميم هذه الظاهرة وذاتها، وصميم تلك وذاتها; لأن الضرورة حالة غيبية، لا يمكن للتجربة ووسائل البحث الاستقرائي والعلمي اثباتها، ولهذا فإن منطق العلم الحديث يؤكد أن القانون الطبيعي ـ كما يعرفه العلم ـ لا يتحدث عن علاقة ضرورية، بل عن اقتران مستمر بين ظاهرتين[17]، فإذا جاءت المعجزة وفصلت إحدى الظاهرتين عن الاُخرى في قانون طبيعي لم يكن ذلك فصماً لعلاقة ضرورية بين الظاهرتين.

والحقيقة أن المعجزة بمفهومها الديني، قد أصبحت في ضوء المنطق العلمي الحديث مفهومة بدرجة أكبر مما كانت عليه في ظل وجهة النظر الكلاسيكية إلى علاقات السببية.

فقد كانت وجهة النظر القديمة تفترض أن كل ظاهرتين اطّرد اقتران إحداهما بالاُخرى فالعلاقة بينهما علاقة ضرورة، والضرورة تعني أن من المستحيل أن تنفصل إحدى الظاهرتين عن الاُخرى، ولكن هذه العلاقة تحولت في منطق العلم الحديث إلى قانون الاقتران أو التتابع المطرد[18] بين الظاهرتين دون افتراض تلك الضرورة الغيبية.

وبهذا تصبح المعجزة حالة استثنائية لهذا الاطّراد في الاقتران أو التتابع دون أن تصطدم بضرورة أو تؤدي إلى استحالة.

وأما على ضوء الاُسس المنطقية للاستقراء[19] فنحن نتفق مع وجهة النظر العلمية الحديثة، في أن الاستقراء لا يبرهن على علاقة الضرورة بين الظاهرتين، ولكنا نرى أنه يدل على وجود تفسير مشترك لاطّراد التقارن أو التعاقب بين الظاهرتين باستمرار، وهذا التفسير المشترك كما يمكن صياغته على أساس افتراض الضرورة الذاتية، كذلك يمكن صياغته على أساس افتراض حكمة دعت منظم الكون إلى ربط ظواهر معينة بظواهر اُخرى باستمرار، وهذه الحكمة نفسها تدعو أحياناً إلى الاستثناء فتحدث المعجزة[20].

وهكذا يتّضح بنحو علمي منطقي مبرهن أن العمر الطويل أمر ممكن، ولا يلزم منه محذور علمي ولا فلسفي. وبهذا تنتهي المرحلة الاُولى من البحث في خصوصية الغيبة.

 

الثانية: مرحلة إثبات تحقق ذلك فعلاً في الإمام المهدي (عليه السلام)

والبحث في هذه المرحلة يتم بطريقين: 1 ـ عقائدي. 2 ـ تاريخي:

 

1 ـ الطريق العقائدي

ويمكن تقريره بثلاثة بيانات:

أ ـ إن هذه الخصوصية من اللوازم الذاتية للمفهوم المهدوي عند أهل البيت (عليهم السلام) ، فثبوت هذا المفهوم ـ بالنحو الذي مرّ آنفاً ـ ثبوتاً برهانياً قاطعاً، واتضاح بطلان ما سواه، يقودنا بنحو طبيعي إلى الاعتقاد بغيبة الإمام الثاني عشر (عليه السلام). فما دام الأئمة اثني عشر فقط، وأنهم معينين من قبل الله سبحانه وتعالى، وليس للناس دور في اختيارهم، فليس بإمكاننا إلاّ أن نتصور استمرار حياة الإمام الثاني عشر، ومواكبته للمسيرة البشرية وظهوره بعد ذلك في الشوط الأخير منها، ومن الطبيعي أن لا يتاح لإنسان يُقدّر له مثل هذا الهدف، وتقدر له مثل هذه الحياة الطويلة، أن يعيشها بصورة ظاهرة، ولابد له من أن يمارسها بنحو خفي غائب عن الأنظار، إلاّ أن يفترض وفاة الإمام المهدي (عليه السلام) في الزمان الطبيعي لأمثاله، ثم عودته للحياة في زمن الظهور، ولكن هذا الافتراض يلزم منه انقطاع الحجة في الفترة الفاصلة من وفاته إلى ظهوره، وهو مخالف لحديث الثقلين الذي يدل على تلازم الكتاب والعترة، وعدم افتراقهما في زمن من الأزمان حتى قيام الساعة والورود على الحوض، كما يلزم منه الاعتقاد برجعة الإمام المهدي إلى الحياة بعد وفاته، وهو مما لا قائل به بين المسلمين.

ب ـ الروايات الدالة على اتصاف الإمام المهدي بالغيبة، وقد ذكرتها بعض مصادر أهل السنّة مثل: ينابيع المودّة، وفرائد السمطين.

ففي ينابيع المودّة: عن كتاب فرائد السمطين عن الباقر عن أبيه عن جده عن علي (عليهم السلام) ، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : "المهدي من ولدي تكون له غيبة إذا ظهر يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً"[21].

وفيه عنه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : "أن علياً وصيي ومن ولده القائم المنتظر المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، والذي بعثني بالحق بشيراً ونذيراً أن الثابتين على القول بإمامته في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر" فقام إليه جابر بن عبدالله، فقال: يا رسول الله وللقائم من ولدك غيبة؟ قال: "اي وربي ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ـ ثم قال: ـ يا جابر إن هذا أمر من أمر الله وسر من سرّ الله فإياك والشّك فإن الشّك في أمر الله عزّ وجل كفر".

وفيه في الصفحة المذكورة عنه عن الحسن بن خالد، قال: قال علي بن موسى الرضا ـ رضي الله عنهما ـ : "إن الرابع من ولدي ابن سيدة الإماء يطهّر الله به الأرض من كل جور وظلم وهو الذي يشكّ الناس في ولادته وهو صاحب الغيبة فإذا خرج أشرقت الأرض بنور ربّها"[22].

وفيه: عنه عن أحمد بن زياد عن دعبل بن علي الخزاعي في حديث وروده على الرضا وانشاده قصيدته التائية، إلى أن قال: "إن الإمام بعدي ابني محمد وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم وهو المنتظر في غيبته والمطاع في ظهوره ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وأما متى يقوم؟ فإخبار عن الوقت، فقد حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة"[23].

وفيه: عن غاية المرام عن فرائد السمطين عن جابر بن عبدالله رفعه: "المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الاُمم يقبل كالشهاب الثاقب يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً".

وفيه: عنه عن فرائد السمطين في الصفحة المذكورة عن الباقر عن آبائه عن علي بن أبي طالب ـ سلام الله عليهم ـ رفعهُ: "المهدي من ولدي تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الاُمم ـ الى أن قال ـ ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً"[24].

وفيه: عن المناقب عن أبي جعفر محمد الباقر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : "طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو يأتم به في غيبته قبل قيامه ويتولى أولياءه ويعادي أعداءه ذلك من رفقائي وذوي مودتي وأكرم اُمتي عليَّ يوم القيامة".

وفيه: عنه عن أبي بصير عن الصادق جعفر بن محمد عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) ، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : "المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي وهو أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً، تكون له غيبة وحيرة في الاُمم حتى يضل الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً". وفيه: عنه مثل ذلك، غير أنه قال: "فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب يأتي بذخيرة الأنبياء (عليهم السلام) "... الحديث[25].

وفيه: (ص 494) عنه عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبدالله الأنصاري يقول: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله) : "يا جابر إن أوصيائي وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف بالباقر ستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثم جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم القائم اسمه اسمي وكنيته كنيتي ابن الحسن بن علي ذلك الذي يفتح الله تبارك وتعالى على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذلك الذي يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للإيمان".

ج ـ إن المهدي الموعود إن لم يكن إماماً معصوماً، وكان رجلاً عادياً من عامّة المسلمين، سوف لن يكون هناك تناسب بينه وبين ظهور المسيح (عليه السلام) معه، وهو نبي من اُولي العزم، ليؤيد المهدي ويدعو المسيحيين الى الإذعان بنبوّة النبي (صلى الله عليه وآله) ، فلابد وأن يكون المهدي الموعود إماماً معصوماً، وحيث إن الإمامة المعصومة ليست أمراً قابلاً للادّعاء بل تحتاج الى تعيين سماوي ونص نبوي يكشف عنها، ولم يجرِ ذلك في غير الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام) حتى على مستوى الادّعاء فضلاً عن الدليل والبرهان، وقد ثبتت وفاة الأئمة المتقدمين ودفنت أجسادهم في أماكن معلومة، وبقي الإمام الثاني عشر لم تُعلم له وفاة حتى الآن. فلابد من الاعتقاد باستمرار حياة هذا الإمام من حين ولادته الى حين ظهوره في آخر الزمان، ليكون مؤهلاً لتأييد المسيح (عليه السلام) له. يقول السيد سامي البدري في ذلك:

"فإن ظهور عيسى سوف يكون بحاجة إلى استيعاب علمي وقيادي من قبل المهدي الموعود، باعتباره يقوم شاهداً له وللرسالة التي يرفع شعارها وكتابها وتابعاً له. والمهدي على التصور السنّي لن يكون قادراً على استيعاب المسيح، بل هو غير قادر على استيعاب طوائف المسلمين.

لن يكون قادراً على استيعاب المسيح، لأن المسيح نبي ورسول معصوم ومؤيد إلهياً بالمعجزات، ومثله لا يمكن أن يستوعبه إنسان غير مؤيد بالمعجزات والعصمة والعلم التام.

ولن يكون قادراً على استيعاب الاُمة المسلمة بلا تأييد إلهي بالمعجزة والعصمة والعلم التام[26]

 

2 ـ الطريق التأريخي

ويمكن تقريره بثلاثة بيانات:

أ ـ إن التاريخ ـ وكما مرّ ـ قد شهد بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) ولم يشهد بوفاته، مما يدل على استمرار حياته، وحيث لا نتحسس وجوده، ولا نشخّص أحداً من الناس بعنوان أنه المهدي ابن الإمام الحسن العسكري، فلابد وأن تكون له حياة خفية غير ظاهرة للناس.

ب ـ إن التاريخ قد شهد بحصول مشاهدات عينية متكررة للإمام المهدي (عليه السلام) في زمان غيبته، وقد اُلّفت في ذلك كتب مثل كتاب (تبصرة الولي فيمن رآى القائم المهدي) للسيد هاشم البحراني، وذكر الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي في كتابه[27] 266 شخصاً ممن رأى الإمام المهدي في غيبته الصغرى مع ذكر قصص أكثرهم، وخصص فصلاً لمن رأى الإمام في غيبته الكبرى، وذكر عشرين كتاباً أورد أصحابها فيها القصص والأخبار التأريخية في ذلك، وها نحن نذكر قصة أوردها السيد صدر الدين الصدر في كتابه "المهدي" نقلاً عن الشيخ عبدالوهاب الشعراني في كتابه "طبقات العرفاء" في أحوال الشيخ حسن العراقي:

قال: "ترددت اليه مع سيدي أبي العباس الحريثي فقال: أتأذن لي أن أحكي لك حكايتي من مبتـدأ أمري إلى وقتي هذا كأنك كنت رفيقي من الصغر؟ فقلت له: نعم، فقال: كنت شاباً من دمشق، وكنت صانعـاً، وكنا نجتمع يوماً في الجمعة على اللهو واللعب والخمر، فجاءني التنبيه من الله تعالى يوماً ألهذا خلقت؟! فتركت ماهم فيه وهربت منهم فتبعوا ورائي فلم يدركوني، فدخلت جامع بني اُمية فوجدت شخصاً يتكلم على الكرسي في شأن المهدي (عليه السلام) فاشتقت إلى لقائه، فصرت لا أسجد سجدة إلا وسألت الله تعالى أن يجمعني معه، فبينما أنا ليلة بعد صلاة المغرب اُصلي صلاة السنة وإذا بشخص جلس خلفي ومسح على كتفي، وقال لي: قد استجاب الله تعالى دعاءك يا ولدي! مالك أنا المهدي. فقلت: تذهب معي إلى الدار، فقال: نعم، فذهب معي وقال: اخل لي مكاناً انفرد به فأخليت مكاناً فأقام عندي سبعة أيام بلياليها"[28].

وقال الشيخ علي بن عيسى الأربلي في كشف الغمة: "إن الناس ينقلون قصصاً وأخباراً في خوارق العادات للإمام المهدي (عليه السلام) يطول شرحها، وأنا أذكر من ذلك قصتين قريب عهد بزماني وحدثني بها جماعة من ثقاة اخواني.

الاُولى: إنّه كان في بلد الحلة بين الفرات ودجلة رجل اسمه إسماعيل بن الحسن، قال: اخواني حكى لنا إسماعيل، أنه خرج على فخذي الأيسر توثة [29]مقدار قبضة الإنسان فعجزت الأطباء عن علاجها فجاء بغداد ورآه أطباء الأفرنج، فقالوا: لا علاج لها، فتوجه إلى سامراء وزار الإمامين علي الهادي والحسن العسكري ـ رضي الله عنهما ـ ونزل السرداب ودعا الله تعالى تضرعاً، واستغاث بالإمام المهدي (عليه السلام) ثم مضى إلى دجلة فاغتسل ثم لبس ثوبه، فرأى أربعة فرسان خارجين من باب سور البلد وواحد شيخ بيده رمح وشاب آخر عليه فرجية ملونة، فصاحب الرمح يمين الطريق والشابان يسار الطريق والشاب صاحب الفرجية على الطريق، فقال له صاحب الفرجية: أنت تروح غداً إلى أهلك، فقال له: نعم، فقال صاحب الفرجية له: تقدم اليّ حتى أبصر ما يوجعك، فقدم إليه ومد يده إليه فعصر التوثة بيده فأوجعه ثم استوى على سرجه، فقال الشيخ صاحب الرمح: أفلحت يا إسماعيل، هذا الإمام، ثم ذهبوا وهو يمشي معهم، فقال الإمام: ارجع فقال: لا اُفارقك أبداً، فقال الإمام: المصلحة في رجوعك، فقال: لا اُفارقك أبداً، فقال الشيخ: يا اسماعيل ما تستحي! يقول لك الإمام ارجع مرتين فتخالفه! فوقف وتقدم الإمام خطوات، ثم التفت إليه وقال: يا إسماعيل إذا وصلت إلى بغداد فلابد أن يطلبك أبو جعفر، يعني الخليفة المستنصر بالله، فإذا حضرت عنده وأعطاك شيئاً فلا تأخذه، وقل لولدنا الرضا ليكتب لك إلى علي بن عوض فإنني اُوصيه يعطيك الذي تريد، ثم سار مع أصحابه فلم يزل قائماً يبصرهم حتى غابوا، ثم قعد على الأرض ساعة متأسفاً محزوناً وباكياً عن مفارقتهم، ثم جاء إلى سامراء فاجتمع القوم حوله، وقالوا: نرى وجهك متغيراً فما أصابك ؟ فقال: هل عرفتم الفرسان الذين خرجوا من البلد وساروا ساحل الشط، قالوا: هم الشرفاء أرباب الغنم، فقال لهم: بل هم الإمام وأصحابه، الشاب وصاحب الفرجية هو الإمام مس بيده المباركة مرضي، فقالوا: أرنيه، فكشف فخذه فلم يروا له أثراً فمزقوا ثيابه وأدخلوه في خزانة ومنعوا الناس عنه لكيلا يزدحموا عليه، ثم إن الناظر من طرف الخليفة جاء الخزانة وسأله عن هذا الخبر وعن اسمه ونسبه ووطنه وعن خروجه من بغداد أول هذا الاُسبوع ثم ذهب عنه. فبات إسماعيل في الخزانة وصلى الصبح وخرج مع الناس إلى أن بعُد من سامراء فرجع القوم ووادعوا، فسار منفرداً حتى وصل الى موضع، فرأى الناس مزدحمين على القنطرة العتيقة يسألون عمن ورد عليهم عن اسمه ونسبه وموضع مجيئه، فلما لاقوه عرفوه بالعلامات المذكورة فمزقوا ثيابه وأخذوها تبركاً وكان الناظر كتب إلى بغداد وعرفهم الحال، وكان الوزير طلب السعيد رضي الدين ليعرفه صحة الخبر فخرج رضي الدين الذي هو كان من أصدقاء إسماعيل وكان ضيفه قبل خروجه إلى سامراء، فلما رآه رضي الدين وجماعة معه فنزلوا عن دابتهم وأراهم فخذه فلم يروا شيئاً فغشي على رضي الدين ساعة، ثم أخذه بيده وأدخله على الوزير وهو يبكي ويقول: هذا أخي وأقرب الناس إلى قلبي، فسأله الوزير عن القصة فحكاها له فأحضر الأطباء الذين رأوا مرضه، وسألهم متى رأيتموه قالوا منذ عشرة أيام فكشف الوزير فخذ إسماعيل فليس فيها أثر، قالوا: هذا عمل المسيح (عليه السلام) فقال الوزير: نحن نعرف من عملها ثم أحضره الوزير عند الخليفة فسأله عن القصة، فحكى له ما جرى فأعطى له الف دينار، فقال: ما أجسر أن آخذ منه ذرّة فقال الخليفة ممن تخاف؟ فقال: من الذي فعل بي هذا، قال لي: لا تأخذ من أبي جعفر شيئاً. فبكى الخليفة، ثم قال علي بن عيسى: كنت احكي هذه القصة لجماعة عندي وكان شمس الدين ولده حاضراً عندي لا أعرفه، قال: أنا ابنه من صلبه فقلت: هل رأيت فخذ أبيك وهي مجروحة؟ قال: إني كنت صبياً في وقت جراحة فخذه، ولكن سمعت القصة من أبي واُمي وأقربائي وجيراني ورأيت فخذه بعدما صلحت ولا أثر فيها ونبت في موضعها شعر. وقال أيضاً: سألت السيد صفي الدين محمد بن محمد ونجم الدين حيدر ابن الأيسر، أخبراني بصحة هذه القصة وإنهما رأيا إسماعيل في مرضه وصحته، وحكى لي ولده أن أباه ذهب إلى سامراء بعد صحته أربعين مرة، طمعاً أن يعود له الوقت الذي رآه.

الثانية: حكى لي السيد باقي بن عطوة العلوي الحسني أن أباه عطوة لا يعترف بوجود الإمام محمد المهدي (عليه السلام) ويقول: إذا جاء الإمام فيبرئني من هذا المرض اصدق قولهم ؟ ويكرر هذا القول فبينما نحن مجتمعون وقت العشاء الأخيرة، صاح أبونا فأتيناه سراعاً فقال: إلحقوا الإمام في هذه الساعة خرج من عندي، فخرجنا فلم نر أحداً، فجئنا إليه وقال: انه دخل اليّ شخص وقال: يا عطوة فقلت: لبيك، قال: أنا المهدي قد جئت إليك أن اشفي مرضك، ثم مد يده المباركة وعصر وركي وراح فصار مثل الغزال، قال علي بن عيسى: سألت هذه القصة من غير ابنه فأقرّ بها"[30].

ومن هنا فقد آمن بعض الأعلام من أهل السنّة بحياته وبقائه أو هو لازم كلامهم. وقد ذكر السيد صدر الدين الصدر بعضهم فقال:

"منهم: الشيخ محيي الدين ابن العربي في الفتوحات على رواية الشيخ عبدالوهاب الشعراني في كتابه (اليواقيت والجواهر) الذي تقدم عيناً نقله عن كتاب (اسعاف الراغبين) ، فإن كون المهدي بن الحسن العسكري بلا فصل كما هو صريح كلامه مع وفاة الإمام الحسن العسكري في سنة مائتين وستين لازمه حياة المهدي وبقاؤه حتى يظهر أو أنه يموت ثم يحييه الله تعالى بقدرته. ولا أظن أن الشيخ محيي الدين يرضى بأن ينسب إليه الاحتمال الأخير.

ومنهم: الشيخ عبدالوهاب الشعراني في كتابه (اليواقيت والجواهر) على ما في اسعاف الراغبين حيث قال: المهدي بن الإمام الحسن العسكري ومولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم، هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي عن الإمام المهدي حين اجتمع به ووافقه على ذلك سيدي علي الخواص "[31].

ومنهم: الشيخ أبو عبدالله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي في كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان) على ما نقله اسعاف الراغبين، قال: ومن الأدلة على أن المهدي حي باق بعد غيبته إلى الآن، وأنه لا امتناع في بقائه: بقاء عيسى بن مريم، والخضر، وإلياس من أولياء الله تعالى، وبقاء الأعور الدجال وابليس اللعين من أعداء الله تعالى، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنّة[32].

ومنهم: الشيخ العارف الفاضل الخواجه محمد بارسا في كتابه (فصل الخطاب) على ما في ينابيع المودّة بعد أن ذكر ولادة المهدي المنتظر، وأن الله تعالى آتاه الحكمة وفصل الخطاب في سن الطفولة، كما منّ على يحيى وعيسى بذلك، قال: وطوّل الله تبارك وتعالى عمره كما طوّل عمر الخضر (عليه السلام) [33].

ومنهم: الشيخ صدر الدين القونوي في بعض وصاياه لتلامذته عند موته على ما في ينابيع المودة، حيث قال: إن الكتب التي كانت لي من كتب الطب وكتب الحكماء وكتب الفلاسفة فبيعوها وتصدقوا بثمنها للفقراء، وأما كتب التفسير والأحاديث والتصوف فاحفظوها في دار الكتب، واقرأوا كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) سبعين ألف مرة في الليلة، وبلّغوا مني سلاماً إلى المهدي (عليه السلام)[34].

أقول: يمكن أن يقال أن قوله ذلك لا يدل على وجود المهدي وحياته، إذ ربما قال ذلك، برجاء أن يدركوا ظهوره، ولكن الأول أظهر.

ومنهم: الشيخ سعد الدين الحموي على ما في ينابيع المودّة، نقلاً عن كتاب الشيخ عزيز بن محمد النسفي، عند كلامه في ترتيب الأولياء، وأن الله تعالى اختار في هذه الاُمة اثني عشر ولياً من أهل البيت فجعلهم خلفاء نبيّه المعظم (صلى الله عليه وآله) ، إلى أن قال: وأما آخر الأولياء، الذي هو آخر خلفاء النبي والولي والنائب الثاني عشر وخاتم الأولياء، فهو المهدي صاحب الزمان[35].

ومنهم: الشيخ شهاب الدين الهندي المعروف بملك العلماء في كتابه (هداية السعداء على ما في الدرر الموسوية) ، قال عند ذكره الأئمة الاثني عشر: التاسع يعني من ولد الحسين الإمام حجة الله القائم المهدي، وهو غائب، وله عمر طويل كما في المؤمنين عيسى وإلياس والخضر وفي الكافرين الدجال والسامري.

ومنهم الشيخ الكامل الشيخ محمد المعروف بخواجه بارسا في حاشية له على كتاب (فصل الخطاب) مضافاً إلى ما تقدم عنه على ما في (الدرر الموسوية) ، حيث قال: وبه (يعني بالمهدي) ختمت الخلافة والإمامة، وهو إمام منذ وفاة أبيه إلى يوم القيامة، وعيسى يصلي خلفه ويصدقه ويدعو الناس إلى ملته وهي ملة النبي (صلى الله عليه وآله).

... ومنهم: غير واحد من الفضلاء والعرفاء فإن الذي يظهر من أشعارهم العربية والفارسية المذكورة في ينابيع المودّة وغيره من بعض كتب المناقب، أنهم يرون حياة المهدي المنتظر، وأنه حي يرزق لوصفهم له بالولاية والإمامة والخلافة والنيابة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأنه الواسطة في الفيوضات الإلهية"[36].

ج ـ ونعتمد في تقرير البيان الثالث على ما كتبه السيد الشهيد محمد باقر الصدر (رضي الله عنه) حيث كتب يقول:

"إن الغيبة تجربة عاشتها اُمّة من الناس فترة امتدت سبعين سنة تقريباً، وهي فترة الغيبة الصغرى، ولتوضيح ذلك نمهد بإعطاء فكرة موجزة عن الغيبة الصغرى[37].

إن الغيبة الصغرى تُعبّر عن المرحلة الاُولى من إمامة القائد المنتظر عليه الصلاة والسلام، فقد قُدّر لهذا الإمام منذ تسلّمه للإمامة أن يستتر عن المسرح العام ويظلُّ بعيداً باسمه عن الأحداث، وإن كان قريباً منهابقلبه وعقله، وقد لُوحِظَ أن هذه الغيبة، إذا جاءت مفاجئة حققت صدمة كبيرة للقواعد الشعبية للإمامة في الاُمة الإسلامية; لأن هذه القواعد كانت معتادة على الاتصال بالإمام في كلّ عصر، والتفاعل معه والرجوع إليه في حلّ المشاكل المتنوعة، فإذا غاب الإمام عن شيعته فجأة وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحية والفكرية، سببت هذه الغيبة[38] المفاجئة الاحساس بفراغ دفعي هائل قد يعصف بالكيان كلّه ويشتت شمله، فكان لابدّ من تمهيد لهذه الغيبة; لكي تألفها هذه القواعد بالتدريج، وتكيّف نفسها شيئاً فشيئاً على أساسها، وكان هذا التمهيد هو الغيبة الصغرى التي اختفى فيها الإمام المهدي عن المسرح العام، غير أنه كان دائم الصلة بقواعده وشيعته عن طريق وكلائه ونوابه والثقات من أصحابه الذين يشكلون همزة الوصل بينه وبين الناس المؤمنين بخطه الإمامي[39]. وقد شَغَلَ مركز النيابة عن الإمام في هذه الفترة أربعة ممن أجمعت تلك القواعد على تقواهم وورعهم ونزاهتهم التي عاشوا ضمنها وهم كما يلي:

1 ـ عثمان بن سعيد العمري.

2 ـ محمد بن عثمان بن سعيد العمري.

3 ـ أبو القاسم الحسين بن روح.

4 ـ أبو الحسن علي بن محمد السمري.

وقد مارس هؤلاء الأربعة[40] مهام النيابة بالترتيب المذكور، وكلما مات أحدهم خلفه الآخر الذي يليه بتعيين من الإمام المهدي (عليه السلام).

وكان النائب يتصل بالشيعة ويحمل أسئلتهم إلى الإمام، ويعرض مشاكلهم عليه، ويحمل إليهم أجوبته شفهية أحياناً وتحريرية[41] في كثير من الأحيان، وقد وجدت الجماهير التي فقدت رؤية إمامها العزاء والسلوة في هذه المراسلات والاتصالات غير المباشرة. ولاحظت أن كلّ التوقيعات والرسائل كانت ترد على الإمام المهدي (عليه السلام) بخط واحد وسليقة واحدة[42] طيلة نيابة النواب الأربعة التي استمرت حوالي سبعين عاماً، وكان السمري هو آخر النواب، فقد أعلن عن انتهاء مرحلة الغيبة الصغرى التي تتميز بنواب معينين، وابتداء الغيبة الكبرى التي لا يوجد فيها أشخاص معينون بالذات للوساطة بين الإمام القائد والشيعة، وقد عبّر التحول من الغيبة الصغرى إلى الغيبة الكبرى عن تحقيق الغيبة الصغرى لأهدافها وانتهاء مهمتها; لأنها حصّنت الشيعة بهذه العملية التدريجية عن الصدمة والشعور بالفراغ الهائل بسبب غيبة الإمام، واستطاعت أن تكيّف وضع الشيعة على أساس الغيبة، وتعدّهم بالتدريج لتقبل فكرة النيابة العامة عن الإمام، وبهذا تحولت النيابة من أفراد منصوصين[43] إلى خط عام[44]، وهو خط المجتهد العادل البصير باُمور الدنيا والدين، تبعاً لتحول الغيبة الصغرى إلى غيبة كبرى.

والآن بإمكانك أن تقدّر المواقف في ضوء ما تقدم، لكي تدرك بوضوح أن المهدي حقيقة عاشتها اُمة من الناس، وعبّر عنها السفراء والنواب طيلة سبعين عاماً من خلال تعاملهم مع الآخرين، ولم يلحظ عليهم أحدٌ، كل هذه المدة تلاعب في الكلام، أو تحايلاً في التصرف أو تهافتاً في النقل. فهل تتصور ـ بربّك ـ أن بإمكان اُكذوبة أن تعيش سبعين عاماً، ويمارسها أربعة على سبيل الترتيب كلهم يتفقون عليها، ويظلون يتعاملون على أساسها وكأنها قضية يعيشونها بأنفسهم ويرونها بأعينهم، دون أن يبدر منهم أي شيء يثير الشك، ودون أن يكون بين الأربعة علاقة خاصة متميزة تتيح لهم نحواً من التواطؤ، ويكسبون من خلال ما يتصف به سلوكهم من واقعية ثقة الجميع، وإيمانهم بواقعية القضية التي يدّعون أنهم يحسونها ويعيشون معها؟!

لقد قيل قديماً: إنّ حبل الكذب قصير، ومنطق الحياة يثبت أيضاً أن من المستحيل عملياً بحساب الاحتمالات أن تعيش اُكذوبة بهذا الشكل، وكل هذه المدة، وضمن كلّ تلك العلاقات والأخذ والعطاء، ثم تكسب ثقة جميع من حولها.

وهكذا نعرف أن ظاهرة الغيبة الصغرى يمكن أن تعتبر بمثابة تجربة علمية لإثبات مالها من واقع موضوعي، والتسليم بالإمام القائد، بولادته وحياته وغيبته[45]، وإعلانه العام عن الغيبة الكبرى التي استتر بموجبها عن المسرح ولم يكشف نفسه لأحد[46]"[47].

تابع الفصل الثالث:

القيمة العقائدية لمفهوم المهدوية


[1] الكلام في وقته دقيق علمياً، فهو يقول: إنه ممكن علمياً، ولكنه لم يكن قد تحقق فعلاً، والواقع أن كثيراً من الإنجازات في عالم الفضاء، وتسيير المركبات الفضائية إلى كواكب وتوابع الأرض وغيرها قد أصبحت حقائق في أواخر القرن العشرين.

[2] نعم، لا يوجد مبرر علمي واحد يرفض هذه النظرية، بل إن علماء الطب منشغلون فعلاً بمحاولات حثيثة لإطالة عمر الإنسان، وأن هناك عشرات التجارب التي تتم في هذا المجال، وذلك وحده ينهض دليلاً قوياً على الإمكان النظري أو العلمي.

[3] يؤكد الأطباء والدراسات الطبية على هذه الملاحظة، وأن لديهم مشاهدات كثيرة في هذا المجال، ولعل هذا هو الذي دفعهم إلى إجراء محاولات وتجارب لإطالة العمر الطبيعي للإنسان، وكالمعتاد كان مسرح التجربة في البداية هي الحيوانات لميسورية ذلك، وعدم وجود محاذير اُخرى تمنع إجراء مثل تلك التجارب على الإنسان.

[4] هذه التساؤلات التي يثيرها السيد الشهيد (رضي الله عنه) تهدف إلى ترسيخ حقيقة مهمة، هي أن الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) عندما بشر (بالمهدي) ، وهو حالة غير اعتيادية في سياق البشرية، تنبئ في جملتها عن تسجيل سبق في الامكانية العملية، بعد تأكيد الامكانية العلمية، أي لبقاء الإنسان مدة أطول بكثير من المعتاد، فإن مثل هذا السبق في التنبيه على حقائق في هذا الوجود كان قد سجله القرآن والحديث الشريف في موارد كثيرة جداً في مسائل الطبيعة والكون والحياة. راجع : القرآن والعلم الحديث، الدكتور عبد الرزاق نوفل.

[5] إشارة إلى أن هذا من قبيل الاعجاز أيضاً، وهو افاضة ربانية خاصة، وهذا أمر لا يسع المسلم انكاره، بعد أن أخبرت بامثاله الكتب السماوية، وبالأخص القرآن، كالذي ورد في شأن عمر النبي نوح (عليه السلام) ، وكذا ما أخبر به القرآن من المغيبات الاُخرى، على أن كثيراً من أهل السنة ومن المتصوفة وأهل العرفان يؤمنون بوقوع الكرامات ومايشبه المعجزات للأولياء والصلحاء والمقربين من حضرة المولى تعالى. راجع : التصوف والكرامات، الشيخ محمد جواد مغنية. وراجع التاج الجامع للاُصول: 5 / 228، كتاب الزهد والرقائق.

[6] إشارة إلى الآية المباركة: (سبحان الذي اسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى...) الاسراء: 1.

[7] إشارة إلى تصميم المركبات الفضائية، وركوب الفضاء والتوغل إلى مسافات بعيدة عن أرضنا، وقطعها في ساعات أو أيام معدودة، وقد أضحت هذه حقائق في حياتنا المعاصرة في أواخر القرن العشرين.

[8] إشارة إلى ما اُعد للإمام المهدي المنتظر من دور ومهمة تغييرية على مستوى الوجود الإنساني برمته كما يشير الحديث ؤالصحيح: "يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً". وهذا الدور وهذه المهمة عليها الاجماع بين علماء الإسلام، والاختلاف حصل في اُمور فرعية. ومن هنا كان التساؤل الذي أثاره السيد الشهيد (رضي الله عنه) له مبرر منطقي قوي.

[9] في الآية المباركة: (فلبث فيهم الف سنة إلاّ خمسين عاماً) العنكبوت: 14.

[10] السؤال موجه إلى المسلمين المؤمنين بالقرآن الكريم وبالحديث النبوي الشريف، وقد روى علماء السنة لغير نوح ما هو أكثر من ذلك. راجع تهذيب الاسماء واللغات، النووي: 1 /176، ولا يصح أن يشكل أحد بأن ذاك أخبر به القرآن فالنص قطعي الثبوت، وهو يتعلق بالنبي المرسل نوح (عليه السلام) ، أما هنا فليس لدينا نص قطعي، ولا الأمر متعلق بنبي.

والجواب: إن المهمة أولاً واحدة، وهي تغيير الظلم والفساد، وأن الوظيفة كما أوكلت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ، فقد أوكلت هنا إلى من اختاره الله تعالى أيضاً كما هو لسان الروايات الصحيحة. قال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) : "لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً... " التاج الجامع للاصول: 5/ 343.

وأما من جهة قطعية النص، فأحاديث المهدي بلغت حد التواتر، وهو موجب للقطع والعلم، فلا فرق في المقامين. راجع: التاج الجامع للاُصول: 5/ 341 و 360 فقد نقل التواتر عن الشوكاني، وانتهى المحققون من علماء الفريقين إلى القول بأن من كفر بالمهدي فقد كفر بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وليس ذلك إلاّ بلحاظ أنه ثبت بالتواتر، وأنه من ضرورات الدين، والمنكر لذلك كافر اجماعاً. وراجع: الإشاعة لاشراط الساعة، البرزنجي في بحثه حول المهدي. وقد نقلنا حكاية التواتر في المقدمة أيضاً.

[11] أي أن الأمر يصبح من قبيل المعجز، وهو ما نطق به القرآن، وجاء في صحيح السنة المطهرة، والإعجاز حقيقة رافقت دعوة الأنبياء، وادعاء سفارتهم عن الحضرة الإلهية، وهو ما لا يسع المسلم إنكاره أو الشك فيه، بل إن غير المسلم يشارك المسلم في الاعتقاد بالمعجزات.

[12] الأنبياء: 69.

[13] إشارة إلى قوله تعالى: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) الشعراء: 63.

[14] إشارة إلى قوله تعالى: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم...) النساء: 157.

[15] راجع : سيرة ابن هشام: 2 / 483، فقد نقل هذه الحادثة وهي مجمع عليها.

[16] قد يقال: إن القانون بصفته قانوناً لا بد أن يطرد، ولا يتصور التعطيل والانخرام، وقد لاحظ بعضهم أن الانخرام إنما هو بقانون آخر، كما هو الأمر بالنسبة إلى قانون الجاذبية، الذي يستلزم جذب الاشياء إلى المركز، ومع ذلك فإن الماء يصعد بعملية الامتصاص في النباتات من الجذر إلى الاعلى بواسطة الشعيرات، وهذا بحسب قانون آخر هو (الخاصية الشعرية). راجع: القرآن محاولة لفهم عصري / الدكتور مصطفى محمود.

[17] وقد بسط الشهيد الصدر القول في هذه المسألة في كتابه فلسفتنا فراجع: 295 و 299.

[18] راجع فلسفتنا: 282 وما بعدها.

[19] راجع بسط وشرح النظرية في "الاسس المنطقية للاستقراء" حيث توصل الإمام الشهيد الصدر (رضي الله عنه) إلى اكتشاف مهم وخطير على صعيد نظرية المعرفة بشكل عام.

[20] بحث مستفاد من كتاب بحث حول المهدي للسيد الشهيد الصدر (قدس سره) : 65 ـ 80 بتحقيق وتعليق الدكتور عبدالجبار شرارة.

[21] ينابيع المودّة: 3/296، الباب الثامن والسبعون.

[22] المصدر السابق: 3/297، الباب الثامن والسبعون.

[23] ينابيع المودّة: 3/310، الباب الثمانون.

[24] المصدر السابق: 3/386، الباب الرابع والتسعون.

[25] ينابيع المودّة: 3/397.

[26] شبهات وردود، الحلقة الرابعة: 32.

[27] من هو المهدي: 460.

[28] المهدي: 149 صدر الدين الصدر.

[29] التوثة: بثرة متقرحة.

[30] ينابيع المودّة: 3/315 ـ 317.

[31] اسعاف الراغبين: 157.

[32] اسعاف الراغبين: 227.

[33] ينابيع المودّة: 3/304، الباب التاسع والسبعون.

[34] المصدر السابق: 3/340، الباب الرابع والثمانون.

[35] ينابيع المودّة: 3/352، الباب السابع والثمانون.

[36] المهدي: 146 ـ 148.

[37] راجع: الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، فقد توسّع في بحثها.

[38] إشارة الى الغيبة الكبرى.

[39] راجع: تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي، السيد هاشم البحراني، دفاع عن الكافي، السيد ثامر العميدي: 1/ 568 وما بعدها.

تاريخ وفاة السفير الأوّل حدوداً 280 هـ، والثاني305 هـ، والثالث326 هـ، والرابع 328 هـ.

[40] راجع ترجمة هؤلاء الأربعة في كتاب الغيبة الصغرى للسيد محمد الصدر، الفصل الثالث: 395 وما بعدها، نشر دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت 1980.

[41] وهذه تعرف بالتوقيعات، وهي الأجوبة التحريرية والشفوية التي نقلت عن الإمام المهدي (عليه السلام). راجع: الاحتجاج، الطبرسي: 2/ 523 وما بعدها.

[42] مما استقر في الأوساط الأدبية وعند نقاد الأدب قديماً وحديثاً أن الاُسلوب هو الرجل، وهذه المقولة صحيحة. ومن هنا رأينا وسمعنا أن كثيراً من الاُدباء وقارئي الأدب يميزون بمجرد قراءة النص شعرياً كان أم نثرياً أنه لفلان أو لفلان، وما ذلك إلاّ لأن الاُسلوب هو الرجل، وأن لكلّ كاتب سمةً وطابعاً خاصاً في كتابته يمكن تمييزه عن غيره، هذا فضلاً على تميّز خطّه الشريف من غيره من الخطوط.

[43] إشارة إلى النواب الأربعة المذكورين.

[44] وهو ما اصطلح عليه (بالمرجعية الدينية) ، ويلاحظ هنا الصفات التي يرى الإمام الشهيد لزوم توفرها في المرجعية.

[45] إن اتصال الإمام القائد المهدي بقواعده الشيعية عن طريق نوابه ووكلائه، أو بأساليب اُخرى متنوعة واقع تاريخي موضوعي ليس من سبيل إلى إنكاره، كما في السفارة، فضلاً عن الدلائل الاُخرى الكثيرة المستندة إلى إخبار من يجب تصديقه، ثم هو مقتضى الأحاديث المتواترة، كحديث: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية" وغير ذلك. إنّ كل ذلك جموعاً ـ وهو محل اتفاق أكثر طوائف الملة الإسلامية ـ يدحض وبشكل قاطع ما يثيره المتشككون حول وجود الإمام واستمرار حياته المباركة الشريفة، راجع: الغيبة الصغرى، السيّد محمد الصدر: 566.

[46] ورد التوقيع الشريف عن الإمام القائد المهدي (عليه السلام) بعدم إمكان رؤيته بشكل صريح بعد وقوع الغيبة الكبرى، وهذا محل اتفاق علماء الإمامية. وراجع مناقشة المسألة في: الغيبة الصغرى / السيد محمد الصدر: 639 وما بعدها.

[47] بحث حول المهدي : 108 ـ 111 بتحقيق وتعليق الدكتور عبدالجبار شرارة