(42)

 

الفصل الرابع

في إثبات ذلك من جهة العامة

و قد ورد ذلك في كثير من كتبهم و نقلوه مشايخهم و رواه أحاديثهم فمن ذلك أن شيخهم الذي لا ينكرون فضله و علمه و يرجعون إليه في أقواله و يقتدون بأعماله و هو الفقيه العلامة عندهم الذي يسمونه مفتي العراقين محدث الشام صدر الحفاظ فخر الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد النوفلي المعروف بالكنجي الشافعي فإنه صنف كتابا في هذا الباب سماه بالبيان في أخبار صاحب الزمان و قال في خطبته إني قد عريته عن طرق الشيعة تعرية تركيب الحجة إذ كل ما تلقته الشيعة بالقبول و إن كان صحيح النقل فإنما هو خريت منارهم و خدارية ذمارهم فكان الاحتجاج بغيره آكد.

 

 

===============

(43)

و روى عدة من الأخبار تدل على وجوده و تعيينه استخرجها من كتب المشايخ المتقدمين عليه و أسندها إلى رجالهم و رواه أحاديثهم الذين أوصلوا الروايات إليه فمن ذلك ما رواه متصلا و ذكر رجاله في كتابه عن النبي ص أنه قال يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي و لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي ثم قال الكنجي هذا حديث صحيح أخرجه الحافظ محمد بن عيسى الترمذي في جامعه الصحيح.

و من ذلك ما ذكر إسناده يرفعه إلى علقمة بن عبد الله قال بينا نحن عند رسول الله ص إذ أقبل فتية من بني هاشم فلما رآهم النبي ص اغرورقت عيناه و تغير وجهه فقلت ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه فقال إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا و إن أهل بيتي سيلقون من بعدي بلاء و تشريدا و تطريدا حتى يأتي قوم من

 

 

===============

(44)

قبل المشرق و معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونها حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي فيملأها قسطا كما ملئوها جورا فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم و لو حبوا على الثلج و من ذلك ما يرفعه إلى أعثم الكوفي في كتاب الفتوح عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع قال ويحا للطالقان فإن لله عز و جل بها كنوزا ليست من ذهب و لا فضة و لكنها رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته و هم أنصار المهدي آخر الزمان و من ذلك ما رواه متصلا إلى النبي ص أنه قال فيلتفت المهدي و قد نزل عيسى ابن مريم كأنما يقطر من شعره الماء فيقول المهدي تقدم صل بالناس فيقول عيسى إنما أقيمت الصلاة لك قال فيصلي عيسى خلف رجل من ولدي فإذا صليت قام عيسى حتى جلس في المقام فبايعه فيمكث أربعين سنة أول الآيات في زمانه الدجال ثم نزول عيسى ثم نار تخرج من عدن تسوق الناس إلى المحشر ثم قال الكنجي و هذا الحديث أخرجه أبو نعيم في مناقب المهدي ع و من ذلك ما رواه متصلا إلى النبي ص و ذكر حديثا

 

 

===============

(45)

طويلا منه أن النبي ص ضرب بيده على كتف الحسين ع و قال من هذا مهدي الأمة ثم قال الكنجي هذا حديث صحيح أخرجه الدارقطني صاحب الجرح و التعديل. و من ذلك ما رواه متصلا إلى النبي ص و ذكر حديثا طويلا خاطب به فاطمة ع اقتصرنا على ذكر المطلوب منه أنه قال و منا سبطا هذه الأمة و هما ابناك الحسن و الحسين و هما سيدا شباب أهل الجنة و أبوهما و الذي بعثني بالحق خير منهما يا فاطمة و الذي بعثني بالحق إن منهما مهدي هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرجا و مرجا و تظاهرت الفتن و تقطعت السبل و أغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم صغيرا و لا صغير يوقر كبيرا فيبعث الله عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة و قلوبا غلفا يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان و يملأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا و الحديث بطوله. قال الكنجي في آخر الحديث هذا الحديث رواه صاحب حلية الأولياء أيضا في كتابه المترجم بذكر نعت المهدي و أخرجه الطبراني شيخ أهل الصنعة في معجمه الكبير. لا يقال هذا الحديث يخالف ما عليه الشيعة الإمامية لأنهم قائلون إن المهدي من ولد الحسين ع و إنه خاتم الأئمة الاثني عشر و قد ذكر أنه من ولد

 

 

===============

(46)

الحسن هذا خلف. لأنا نقول لا نسلم أن هذا الخبر مخالف لما نحن فيه و لا مناف لما ذهبنا إليه لأن النبي ص قال منهما يعني الحسن و الحسين ع و الأمر كما قال لأن الإمام الباقر ع جد المهدي ع أمه بنت عم أبيه الحسن السبط ع و هو أول فاطمي ولد لفاطميين و قد تقدم ذكر ذلك في بابه فهو من الحسن و الحسين و كذلك كل من كان من ولده و المهدي من ولده فيكون منهما فقد طابق ما ذهبنا إليه ما قاله النبي ص و من ذلك ما يرفعه إلى زر عن عبد الله قال قال رسول الله ص لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي قال الكنجي هذا حديث حسن صحيح قال و في الباب عن علي و أبي سعيد و أم سلمة و أبي هريرة و قد ذكر هذا الحديث بطرق كثيرة متعددة منها عن أبي هريرة أيضا و منها عن محمد بن عيسى الترمذي بطريق آخر غير الأول و منها عن زر عن عبد الله بطريق آخر غير الأول أيضا و ذكر فيه أنه أخرجه أبو داود في سننه و منها يرفعه إلى عاصم الآبري في كتاب مناقب الشافعي

 

 

===============

(47)

ثم ذكر بعد ذلك أن الحافظ أبو نعيم جمع طرق هذا الحديث عن الجم الغفير في مناقب المهدي كلهم عن عاصم بن أبي النجود عن زر عن عبد الله عن النبي ص منهم سفيان بن عيينة بطرق شتى و منهم قطر بن خليفة و طرقه بطرق شتى و منهم أبو إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني بطرق شتى و منهم الأعمش بطرق شتى و منهم حفص بن عمرو و منهم سفيان الثوري بطرق شتى و منهم شعبة بطرق شتى و منهم واسط بن الحارث و منهم يزيد بن معاوية أبو شيبة و منهم سليمان بن قرم بطرق شتى و منهم جعفر الأحمر و منهم سلام أبو المنذر و منهم أبو شهاب محمد بن إبراهيم الكناني بطرق شتى و منهم عمرو بن عبيد الطيالسي بطرق شتى و منهم أبو بكر بن عياش بطرق شتى و منهم أبو الجحاف داود بن أبي العوف بطرق شتى و منهم عبد الملك بن أبي غنية و منهم محمد بن عياش العامري بطرق شتى و منهم عمرو بن أبي قيس الملائي و منهم عمار بن زريق و منهم عبد بن جبير بن

 

 

===============

(48)

حكيم الأسدي و منهم عمر بن عبد الله بن بشر و منهم أبو الأحوص و منهم سعد بن الحسن ابن أخت ثعلب و منهم معاذ بن هشام و منهم يوسف بن يونس و منهم غالب بن عثمان و منهم حمزة الزيات و منهم شيبان و منهم الحكم بن هشام و رواه غير عاصم و هو عمرو بن مرة. و إذا اتفق هؤلاء أئمة رواة الأخبار و الأحاديث و الآثار عندهم على تعيين الإمام المهدي ع و أنه هو الإمام المعني الذي ذهبنا إليه و وقع اتفاقنا عليه كان إنكاره بعد ذلك محال و دخول في الضلال مع أنه قد ورد في هذا الكتاب و في غيره من طرق العامة ما يوافق ما نحن عليه في هذا الباب روايات كثيرة و أخبار و قصص و آثار أعرضنا عنها و ذكرنا هذا منها إذ الغرض من ذكرها ليس إثبات ذلك من طريقهم إذ الحق ثابت بما بيناه و ظاهر مما قررناه بل الغرض مما ذكرنا إلزام المنكرين منهم بما ورد عنهم.

كشف و إيضاح و كيف ينكر أمر شهد بصحته المعقول و طابقه على ذلك المنقول أ ليس من الأمر المعلوم الذي تسلمه الخصوم أن الله تعالى جرت عادته أن يبعث في الأمم السالفة

 

 

===============

(49)

رسولا بعد رسول يعرفهم ما أخذ عليه من العهود و المواثيق و يخرجهم من ظلمات الشبهات إلى سعة المجال بعد الضيق. و لا بد له من خاصية تشرفه عليهم حتى يقبلوا ما أتى به إليهم و تلك الخاصية هي العصمة التي اتفق على وجوبها للنبيين كافة المسلمين و قد ثبت في زماننا هذا أن محمدا ص خاتم النبيين فلا بد من شخص بعده يكون في مرتبته يقوم بشريعته و يبلغها إلى من بعده من أمته و يجب أن يكون له تلك الخاصية ليكون له عليهم المزية و إلا لوسعهم القول في مخالفته فلا يتم فائدة إرسال النبي و بعثه فوجب وجود إمام معصوم ليبين للناس شرائع هذا الرسول و يبين لهم ما أخذ عليهم من المواثيق و العهود و ما أمروا به و نهوا عنه بالمعقول و المنقول. و لم يثبت العصمة إلا لهم و الباقي منهم هو الإمام القائم ع الذي شهد بتعيينه الموافق و المخالف فمن عدل عن طريقه و أنكر وجوده و بقاءه و إمامته فقد ارتطم في الضلال و وقع في المحال ذلك هو الخسران المبين

 

 

===============

(50)

 

الفصل الخامس

في ذكر والدته و ولادته و ما يتعلق بذلك

فأما ولادته فذلك مما صح روايته عن أحمد بن محمد الأيادي يرفعه إلى الشيخ الصدوق أبي الحسن محمد بن جعفر الأسدي و كان لا يطعن عليه في شي‏ء من الأحوال قال ولد القائم محمد بن الحسن ع النصف من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين و كان سنه عند وفاة أبيه ع خمس سنين و هو صاحب السيف من أئمة الهدى ع و القائم بالحق و المنتظر لدين الله و له غيبتان إحداهما أطول من الأخرى أما الأولى فمن وقت ولادته إلى انقطاع السفراء بينه و بين رعيته و خواص شيعته و أما الطولى فهي بعد الأولى إلى أن يأذن الله في ظهوره و يجب وقت خروجه و حضوره فعندها يقوم بالسيف فيقتل المنافقين و يدمر المشركين و يهلك أعداء الدين كله لله و يحصل ما وعده الله

 

 

===============

(51)

تعالى في كتابه المبين وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ. و أما والدته فمن ذلك ما جاز لي روايته عن الشيخ محمد بن علي بن بابويه رحمه الله يرفعه إلى أبي الحسن محمد بن بحر الشيباني قال وردت كربلاء سنة ست و ثمانين و مائتين و زرت قبر غريب رسول الله ص ثم انكفأت إلى مدينة السلام متوجها إلى مقابر قريش على ساكنها السلام في وقت تضرم الهواجر و توقد السماء فلما وصلت إلى مشهد الكاظم ع و استنشقت روائح تربته المغمورة من الرحمة المحفوفة بحدائق الغفران بكيت عليها بعبرات متقاطرة و زفرات متتابعة و قد حجب الدمع طرفي عن النظر فلما رقأت العبرة و انقطع النحيب فتحت بصري و إذا أنا بشيخ قد انحنى صلبه

 

 

===============

(52)

و تقوس منكباه و ثفنت جبهته و راحتاه و هو يقول لآخر معه يا ابن أخ لقد نال عمك شرفا بما حمله السيدان من غوامض الغيوب و شرائف العلوم التي لم يحمل مثلها إلا سلمان و قد أشرفت على استكمال المدة و انقضاء العمر و لست أجد في أهل الولاية من يفضي إليه بسر قلت يا نفس لا يزال العناء و المشقة ينالان منك بإتعابي الخف و الحافر في طلب العلم و قد قرعت سمعي من الشيخ لفظة تدل على حال جسيم و أمر عظيم فقلت أيها الشيخ و من السيدان قال البحران المغيبان في الثرى بسر من رأى قلت فإني أقسم بالموالاة و شرف محل هذين السيدين من الإمامة و الوراثة أني خاطب علمهما و طالب آثارهما و باذل من نفسي الإيمان المؤكدة على حفظ أسرارهما قال إن كنت صادقا فيما تقول فأحضر ما صحبك من الآثار عن نقلة آثارهم فأخرجت له ما حضرني من ذلك قال صدقت أنا بشر بن سلمان النخاس من ولد أبي أيوب الأنصاري أحد موالي أبي الحسن و أبي محمد ع و جارهما بسر من رأى قلت فأكرم أخاك بعض ما شاهدت من آثارهما.

 

 

===============

(53)

قال كان مولاي أبو الحسن علي بن محمد العسكري فقهني في أمر الرقيق فكنت لا أشتري و لا أبيع إلا بإذنه فاجتنبت بذلك موارد الشبهات حتى كملت معرفتي فيه و حسنت الفرق بين الحلال و الحرام فبينا أنا ذات ليلة في منزلي بسر من رأى و قد مضى هوي من الليل إذ قرع الباب قارع فعدوت مسرعا فإذا بكافور الخادم رسول مولاي أبي الحسن ع يدعوني إليه فلبست ثيابي و دخلت عليه و إنه يحدث ابنه أبا محمد و أخته حكيمة من وراء الستر فلما جلست قال يا بشر إنك من ولد الأنصار و هذه الولاية لم تزل فيكم يرثها خلف من سلف فأنتم ثقاتنا أهل البيت و إني مزكيك و مشرفك بفضيلة تسبق فيها سباق الشيعة في الموالاة بها بسر أطلعك عليه و أنفذك في تتبعه و كتب كتابا تلطفا بخط رومي و لغة رومية و طبع عليه خاتمه و أعطاني ششتقة صفراء فيها مائتان و عشرون دينارا فقال خذها و توجه بها إلى بغداد و احظر معبرات الفرات ضحوة يوم كذا و كذا فإذا وصلت سترى إلى جانبك زواريق السبايا و سيبرزن

 

 

===============

(54)

منها و يستحدق بهن طوائف المبتاعين من وكلاء قواد بني العباس و شراذم من فتيان العراق فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخاس عامة نهارك إلى أن يبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا لابسة حريرتين صفيقتين تمتنع من السفور و لمس المعترض و الانقياد لمن يحاول لمسها و يشغل نظره بتأمل مكاشفها من وراء الستر الرقيق فيضربها النخاس فتصرخ صرخة رومية فاعلم أنها تقول وا هتك ستراه فيقول بعض المبتاعين علي بثلاث مائة دينار فقد زادني العفاف فيها رغبة فتقول بالعربية لو برزت في زي سليمان بن داود على سرير ملكه ما بدت لي فيك رغبة فأشفق على مالك فيقول النخاس فما الحيلة لا بد من بيعك فتقول الجارية و ما العجلة و لا بد من اختيار مبتاع يسكن قلبي إلى أمانته و وفائه. فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخاس و قل له إن معي كتابا مطلقا لبعض الأشراف كتبه بلغة رومية و خط رومي وصف فيه كرمه و وفاءه و نبله و سخاءه فناولها لتتأمل فيه أخلاق صاحبه فإن مالت إليه و رضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك قال بشر بن سليمان النخاس فامتثلت جميع ما حده لي مولاي أبو الحسن ع في أمر الجارية فلما نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا و قالت

 

 

===============

(55)

لعمر بن يزيد النخاس بعني من صاحب هذا الكتاب و حلفت بالمحرجة العظيمة إنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها فما زلت أشاحه في ثمنها حتى استقر الأمر على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي من الدنانير في الششتقة فاستوفى مني و تسلمت منه الجارية ضاحكة مستبشرة و انصرفت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد فما أجدها حتى أخرجت كتابة مولانا ع من جيبها و جعلت تلثمه و تضعه على خدها و تطبقه على جفنها و تمسحه على بدنها فقلت متعجبا منها تلثمين كتابا و لا تعرفين صاحبه فقالت أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء أعرني سمعك و فرغ لي قلبك أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم و أمي من ولد الحواريين تنسب إلى شمعون أنبئك العجب أن جدي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه و أنا بنت ثلاثة عشر سنة فجمع في قصره من نسل الحواريين و القسيسين و الرهبان ثلاثمائة رجل و من ذوي الأخطار منهم سبعمائة رجل و جمع من أمراء الأجناد و قواد العساكر و نقباء الجيوش و ملوك العشائر أربعة آلاف رجل و أبرز من بهو ملكه عرشا مسوغا من أصناف

 

 

===============

(56)

الجواهر إلى صحن القصر فرفعه فوق أربعين مرقاة فلما صعد ابن أخيه و أحدقت به الصلبان و قامت الأساقفة عكفا و نشرت أسفار الإنجيل تساقطت الصلبان من الأعالي فلصقت بالأرض و تقوضت الأعمدة و انهارت إلى القرار و خر الصاعد مغشيا عليه فتغيرت ألوان الأساقفة و ارتعدت فرائصهم و قال كبيرهم لجدي أيها الملك اعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال هذا الدين المسيحي و المذهب الملكاني فتطير جدي تطيرا شديدا و قال للأساقفة أقيموا هذه الأعمدة و ارفعوا هذه الصلبان و أحضروا أخا هذا المدبر المنكوس جده لأزوج منه هذه الصبية فيندفع نحوسه عنكم بسعوده. فلما فعلوا ذلك حدث على الثاني مثل ما حدث على الأول و تفرق الناس و قام جدي قيصر مغتما فدخل قصره و أرخيت الستور فرأيت في تلك الليلة كان المسيح و شمعون و عدة من الحواريين اجتمعوا في قصر جدي و نصبوا فيه منبرا يباري السماء علوا و ارتفاعا في الموضع الذي كان فيه جدي نصب عرشه فدخل عليهم محمد ص مع فتية و عدة من بنيه فقام إليه المسيح و اعتنقه فقال له يا روح الله إني جئتك خاطبا من وصيك شمعون فتاته

 

 

===============

(57)

مليكة لابني هذا و أومأ بيده إلى أبي محمد ابن صاحب هذا الكتاب فنظر المسيح إلى شمعون ع فقال قد أتاك الشرف فصل رحمك برحم رسول الله ص قال قد فعلت فصعدوا ذلك المنبر فخطب محمد رسول الله ص و زوجني. فلما استيقظت من منامي أشفقت أن أقص هذه الرؤيا على أبي و جدي مخافة القتل فكنت أسر ما في نفسي و لا أبديها لهم و ضرب صدري بمحبة أبي محمد ع حتى امتنعت من الطعام و الشراب و ضعفت نفسي و دق شخصي و مرضت مرضا شديدا فما بقي في مدائن الروم طبيب إلا أحضره جدي و سأله عن دوائي فلما برح به اليأس قال يا قرة عيني هل يخطر ببالك شهوة فأوردكها في هذه الدنيا فقلت يا جدي أرى أبواب الفرج مغلقة فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من أسارى المسلمين و فككت عنهم الأغلال و تصدقت عليهم و منيتهم الخلاص رجوت أن يهب المسيح و أمه العافية و الشفاء فلما فعل ذلك تجلدت في إظهار صحة بدني و تناولت يسيرا من الطعام فسر بذلك جدي و أقبل على إكرام الأسارى و إعزازهم. فرأيت أيضا بعد أربع ليال كأن سيدة النساء قد زارتني و معها مريم بنت عمران و ألف من وصائف الجنان فقالت لي مريم هذه سيدة النساء أم زوجك

 

 

===============

(58)

أبي محمد فأتعلق بها و أبكي و أشكو إليه امتناع أبي محمد من زيارتي فقالت سيدة النساء ع إن ابني أبا محمد لن يزورك و أنت مشركة بالله على دين مذهب النصارى و هذه أختي مريم تبرأ إلى الله تعالى من دينك فإن ملت إلى رضا الله عز و جل و رضا المسيح ابن مريم ع و مريم ع عنك و زيارة أبي محمد إياك فقولي أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله فقلت فلما تكلمت بهذه الكلمة ضمتني سيدة النساء ع إلى صدرها و طيبت نفسي و قالت الآن توقعي زيارة أبي محمد فإني منفذته إليك فانتبهت و أنا أقول وا شوقاه إلى لقاء أبي محمد فلما كان في الليلة القابلة جاءني أبو محمد ع في منامي فرأيت كأني أقول له لم جفوتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبي بجوامع حبك فقال ما كان تأخري عنك إلا لشركك فإذا قد أسلمت فإني زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله شملنا في العيان فما قطع عني زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية. قال بشر فقلت لها و كيف وقعت في الأسارى فقالت أخبرني أبو محمد ليلة من الليالي أن جدك سيسرب جيوشا إلى قتال المسلمين يوم كذا و كذا

 

 

===============

(59)

ثم يتبعهم فعليك باللحاق لهم متنكرة في زي الخدم مع عدة من الوصائف في طريق كذا ففعلت فوقعت علينا طلائع المسلمين حتى كان من أمري ما كان و شاهدت و ما شعر بأني ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية أحد سواك و ذلك باطلاعي إياك عليه و لقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته و قلت نرجس فقال هذا اسم الجواري. قال بشر فقلت العجب إنك رومية و لسانك لسان العرب قالت بلغ من ولوع جدي و حمله إياي على تعلم الآداب أن أوعز إلى امرأة ترجمان له في الاختلاف إلي فكانت تقصدني صباحا و مساء و تفيدني العربية حتى استمر عليها لساني و استقام. قال بشر فلما انكفأت بها إلى سر من رأى دخلت على مولانا أبي الحسن العسكري ع فقال لها كيف أراك الله عز و جل عز الإسلام و ذل النصرانية و شرف آل محمد نبيه ع فقالت كيف أصف لك ما أنت أعلم به مني قال فإني أحب أن أكرمك فأيما أحب إليك عشرة آلاف درهم أم بشرى لك فيها شرف الأبد قالت بل البشرى قال ع أبشري بولد يملك الدنيا شرقا و غربا و يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما قالت ممن قال ممن خطبك رسول الله ص ليلة كذا في شهر كذا من سنة كذا بالرومية قالت من المسيح ع و وصيه قال فممن المسيح و وصيه قالت من ابنك أبي محمد قال فهل تعرفينه قالت و هل خلوت ليلة من زيارته منذ الليلة التي أسلمت فيها على يد سيدة النساء أمه فقال أبو الحسن ع

 

 

===============

(60)

يا كافور ادع لي أختي حكيمة فلما دخلت عليه قال ع لها ها هية فاعتنقتها طويلا و سرت به كثيرا فقال لها مولانا يا بنت رسول الله أخرجيها إلى منزلك و علميها الفرائض و السنن فإنها زوجة أبي محمد و أم القائم صلوات الله عليه و على آبائه أجمعين و أما خبر ولادته بالطريق المذكور يرفعه إلى موسى بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ع قال حدثتني حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى ع قالت بعث إلي أبو محمد الحسن بن علي ع فقال يا عمة اجعلي إفطارك الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان و إن الله عز و جل سيظهر في هذه الليلة الحجة و هو حجته في أرضه قالت فقلت و من أمه قال نرجس فقلت و الله جعلني الله فداك ما أرى بهذا أثرا قال هو كما أقول لك فجئت فلما سلمت و جلست جاءت تنزع خفي و قالت يا سيدتي كيف أمسيت قلت بل أنت سيدتي و سيدة أهلي قالت فأنكرت قولي و قالت ما هذا يا عمة فقلت يا بنية إن الله سيهب لك في هذه الليلة غلاما سيدا في الدنيا و الآخرة قالت فخجلت و استحيت فلما فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت و أخذت مضجعي فرقدت فلما كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة ففرغت من صلاتي و هي نائمة ليس بها حادث ثم جلست معقبة ثم اضطجعت ثم انتبهت فزعة و هي راقدة ثم قامت فصلت و نامت

 

 

===============

(61)

قالت حكيمة فخرجت أتفقد الفجر فإذا أنا بالفجر الأول كذنب السرحان و هي نائمة قالت حكيمة فدخلتني الشكوك فصاح أبو محمد فقال لا تعجلي يا عمة فإن الأمر قد قرب قالت فجلست فقرأت حم السجدة و يس فبينا أنا كذلك إذا انتبهت فزعة فوثبت إليها فقلت باسم الله عليك تحسين شيئا قالت نعم يا عمة فقلت لها اجمعي نفسك و اجمعي قلبك فهو ما قلت لك قالت حكيمة فأخذتني فترة و أخذتها فترة فانتبهت بحس سيدي فكشفت عنه الثوب فإذا به ع ساجدا يتلقى الأرض بمساجده فضممته ع إلي فإذا به منظف فصاح أبو محمد هلمي إلي ابني فجئت به إليه فوضع يده تحت أليتيه و ظهره و وضع قدمه في صدره ثم أولج لسانه في فيه و أمر يده على عينيه و سمعه و مفاصله ثم قال تكلم يا بني فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا رسول الله ص ثم صلى على أمير المؤمنين و على الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين إلى أن وقف على أبيه ع ثم أحجم فقال أبو محمد ع يا عمة اذهبي به إلى أمه ليسلم عليها ثم ائتني به فذهبت به إلى أمه فسلم

 

 

===============

(62)

عليها و رددته إليه فوضعه ع في المجلس و قال يا عمة إذا كان يوم السابع فأتينا قالت حكيمة رضي الله عنها فلما أصبحت جئت لأسلم على أبي محمد ع و كشفت الستر لأتفقد سيدي ع فلم أره فقلت له جعلت فداك ما فعل سيدي فقال استودعناه الذي استودعته أم موسى قالت حكيمة فلما كان يوم السابع جئت فسلمت و جلست فقال هلمي إلى ابني فجئت بسيدي ع و هو في الخرقة ففعل به كفعلته الأولى ثم قال تكلم يا بني فقال ع أشهد أن لا إله إلا الله و الصلاة على رسول الله ص و على أمير المؤمنين و على الأئمة بسم الله الرحمن الرحيم وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ قال موسى ثم سألت عقيد الخادم عن هذا فقال صدقت حكيمة رضي الله عنها و بالطريق المذكور يرفعه إلى محمد بن عبد الله الظهري قال أتيت حكيمة أسألها عن الحجة و ما اختلف الناس فيه من الحيرة التي هم فيها فقالت لي اجلس ثم حكت لي الحكاية المذكورة بعينها و زادت عليها أنه قالت فتناوله

 

 

===============

(63)

الحسن ع مني و الطير ترفرف على رأسه فناوله لسانه فشرب منه ثم قال امضي به إلى أمه لترضعه و رديه إلي قالت فناولته أمه فأرضعته و رددته إلى أبي محمد ع و الطير ترفرف على رأسه فصاح بطائر منها فقال احفظه و رده إلينا في كل أربعين يوما فتناوله و طار به في جو السماء و معه سائر الطير فسمعت أبا محمد ع يقول استودعك الله الذي أودعته أم موسى موسى ع فبكت نرجس فقال اسكتي فإن الرضاع محرم عليه إلا من ثديك و سيعاد إلينا كما رد موسى إلى أم موسى كما ذكر الله تعالى في كتابه فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ قالت حكيمة قلت و ما هذا الطائر قال هذا روح القدس الموكل بالأئمة ع يوفقهم و يسددهم و يربيهم بالعلم قالت حكيمة و لما كان بعد أربعين يوما رد الغلام و وجه إلى ابن أخي ع و دخلت فإذا أنا بصبي يتحرك و يمشي بين يدي فقلت سيدي هذا ابن سنتين فتبسم ع ثم قال إن أولاد الأنبياء و الأوصياء إذا كانوا أئمة ينشئون بخلاف ما ينشأ غيرهم فإن الصبي منا إذا أتي عليه شهر كان كمن أتي عليه سنة و إن الصبي منا ليتكلم في بطن أمه و يقرأ القرآن و يعبد ربه عز و جل عند الرضاع و تطيعه الملائكة و تنزل عليه صباحا و مساء قالت حكيمة فلم أزل أرى ذلك الصبي في كل أربعين يوما إلى أن رأيته رجلا قبل مضي أبي محمد ع بأيام قلائل فلم أعرفه فقلت لابن أخي ع من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه فقال هذا ابن نرجس

 

 

===============

(64)

و هذا خليفتي من بعدي و عن قليل تفقدوني فاسمعي له و أطيعي قالت حكيمة فمضى أبو محمد ع بأيام قلائل و افترق الناس كما ترى و الله إني لأراه صباحا و مساء و إنه لينبئني عن كل ما تسألوني عنه فأخبركم و و الله إني لا أريد أن أسأله عن الشي‏ء فيبدأني به و إنه ليرد علي الأمر فيخرج إلي منه جوابه من ساعته من غير مسألتي و قد أخبرني البارحة بمجيئك إلي و أمرني أن أخبرك بالحق قال محمد بن عبد الله فو الله لقد أخبرتني بأشياء لم يطلع عليها أحد إلا الله تعالى فعلمت أن ذلك صدق و عدل من الله عز و جل و قد أطلعهم على ما لم يطلع عليه أحدا من خلقه.

و بالطريق المذكور يرفعه إلى أبي جعفر العمري رضي الله عنه قال لما ولد السيد ع قال أبو محمد ع ابعثوا إلى أبي عمرو فبعث إليه فصار إليه فقال اشتر لنا عشرة آلاف رطل خبزا و عشرة آلاف رطل لحما و فرقه قال أحسبه قال على بني هاشم و عق عنه بكذا و كذا شاة و بالطريق المذكور يرفعه إلى محمد بن معاوية بن حكيم و محمد بن أيوب بن نوح و محمد بن عثمان العمري قالوا عرض علينا أبو محمد الحسن بن علي ع ابنه ص و نحن في منزله و كنا أربعين رجلا

 

 

===============

(65)

فقال هذا إمامكم من بعدي و خليفتي عليكم أطيعوه و لا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا قالوا فخرجنا من عنده فما مضت أيام قلائل حتى مات أبو محمد ع .