(66)

 

الفصل السادس

في ذكر غيبته و السبب الموجب لتواريه عن شيعته

اعلم أنه قد استطال الغيبة طوائف من أهل المحال و زين الشيطان لأهل الضلال استبعاد طول غيبة الإمام المهدي ع. و ليس ذلك بعجب أ ليس عبدة العجل حين غاب موسى ع في مناجاة ربه عشرة أيام استطالوا الغيبة و رجعوا على الأعقاب و خرجوا عن طاعة أخيه هارون ع و كان سبب كفرهم و خروجهم عن السعادة الأبدية و انسلاخهم عن الحضرة المقدسة الربانية هو استطالة الغيبة. و لم يكن بد من أن يقع مثل ذلك في هذه الأيام

لقول النبي ع تحذو أمتي حذو بني إسرائيل حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة

و كيف يستبعد ما جرت به السنة الإلهية و أجراه الله تعالى في أنبيائه و غيبتهم عن أعدائه و إظهارهم بعد الغيبة لأوليائه أ ما علموا أن الله تعالى أخفى شخص

 

 

===============

(67)

إبراهيم ع و ولادته في زمن نمرود يقتل أولاد رعيته في طلبه فلما علم الله حصول المصلحة في إظهاره و أظهره الله تعالى كما هو المشهور في قصته ثم أنجاه من النار بقدرته. و كذلك موسى ع و حكايته مشهورة و في القرآن المجيد مذكورة و كذا يوسف ع مع قرب موضعه من أبيه و ظهوره بعد خفائه و كذا إدريس ع فإنه أول من غاب من أيدي الكفرة الملحدين و دعا على قومه إلا تمطر عليهم السماء فمكثوا عشرين سنة حتى هلكوا جوعا و سغبا ثم ظهر عليهم و قد أخذ منهم الجهد مأخذه فتابوا و أقلعوا فدعا الله لهم فأمطرت السماء عليهم فخصبوا. و كذا صالح ع فإنه غاب عن قومه مدة متطاولة فافترقوا على ثلاثة فرق جاحدون و شاكون و متيقنون ثم خرج عليهم و قد تغيرت أوصافه فعرض نفسه على الجاحدين فأنكروه و طردوه ثم على الشاكين فأبوه و لم يجيبوه ثم على المتيقنين فطلبوا منه ما يدل عليه فذكرهم و عرفهم فرجعوا إليه و هذا شأن قائمنا ع في قيامه و دنو أيامه. و أقرب الأحوال شبها بأحواله في تقلبه و تصرفه و انتقاله أحوال موسى

 

 

===============

(68)

ع فإن يوسف ع عهد إلى أمته عند موته أن الفتنة تحيط بهم و تشملهم و تستولي عليهم القبط و أن بطون نسائهم تشق و تذبح الأطفال حتى يدفع الله عنهم بالقائم من ولد لاوي بن يعقوب و ذكر غيبته لهم ثم وقعت الغيبة و الشدة الشديدة على بني إسرائيل و هم ينتظرون قيام القائم فمكثوا كذلك أربعمائة سنة حتى آن وقت ولادة موسى ع فاشتد الأمر عليهم و جرى الأمر بولادة موسى ع و إلقائه في اليم و تربيته في دار فرعون إلى أن نشأ و تزعزع كما هو في الكتاب العزيز و كان لبني إسرائيل رجل عالم يستريحون إلى حديثه و يفرجون عن أنفسهم الكرب باجتماعهم إليه فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم موسى ع و كان في ذلك الوقت حديث السن و هو مع فرعون فعدل عن الموكب و أقبل إليهم و تحته بغلة و عليه طيلسان خز فلما رآه ذلك العالم عرفه فقام إليه و أكب عليه يقبل يديه و رجليه و قال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرانيك فلما رأى شيعته ذلك علموا أنه هو فأكبوا على الأرض شكرا لله عز و جل فلم يزدهم على أن قالوا ارجعوا إلى أن يعجل الله فرجكم ثم غاب عنهم مدة حتى خرج إلى مدين و مكث مدة طويلة هناك فكانت تلك الغيبة الثانية و كانوا يخرجون إلى الصحاري و يسألون الله تعالى الفرج فمكثوا

 

 

===============

(69)

نيفا و خمسين سنة و قد اشتد عليهم الأمر فإذا هم بموسى قد أقبل راكب حمار حتى وقف عليهم و قد أعطاه الله الرسالة و كلمه و قربه نجيا و ذلك في ليلة واحدة و كذلك يفعل الله تعالى بالإمام القائم ع يصلح أمره في ليلة واحدة. و كذا أسباط بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطا أولهم يوشع وصي موسى ع أئمة واحد بعد واحد مستترين عن عموم الناس ظاهرين لخواص شيعتهم حتى وصل الأمر إلى الثاني عشر منهم فاختفى عنهم مدة طويلة ثم ظهر لبني إسرائيل و بشرهم بداود و قتله لجالوت و أنه يكلمه الحجر فيقول له احملني تقتل بي جالوت و كذلك إمامنا ع إذا حان وقت خروجه له علم ينشر و سيف ينصلت و ينطقان و يقولان قم يا ولي الله فاقتل أعداء الله. و كذا سليمان بن داود ع فإنه غاب عن قومه مدة متطاولة و كان يأوي إلى امرأة قد تزوجها لا تعرف أنه سليمان و كان يخرج فيعمل في البحر مع الصيادين فخرج يوما على عادته فأخذ سمكة بأجرة عمله فشق بطنها فإذا الخاتم فلبسه فعكف عليه الطير و الوحش و الجن و الإنس و كذا إمامنا ص الخاتم معه إذا لبسه اجتمع الكل إليه. و آصف وصي سليمان كان في بني إسرائيل و غاب عنهم مدة طويلة لما كان يلقاه من المحن من جبابرة زمانه ثم ظهر لهم ثم غاب عنهم فقالوا أين الملتقى فقال على السراط. و كذا دانيال كان في يد بخت‏نصر يعذبه بأنواع العذاب ثم غيبه في

 

 

===============

(70)

جب مكث فيه تسعين سنة يأتيه الله برزقه على يد ملك من ملائكته ثم رأى بخت‏نصر في النوم و الملائكة تهبط على الجب أفواجا فخاف من فارطه فأخرجه و أظهره لأصحابه و جعله ناظرا في أمور مملكته و جمع إليه من نفى من شيعته فلما مات وصى إلى عزير فغيبه الله مائة سنة ثم أظهره الله بعد ذلك فمكث في قومه إلى أن مات ثم استترت الحجج إلى أن أظهر زكريا و ابنه يحيى و بشرا بعيسى ع ثم إن عيسى ظهر بعد أن أخفته مريم فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا و كان له غيبات يسيح فيها في الأرض و لا يعرف قومه خبره إلى أن يظهر عليهم و أوصى إلى شمعون فلما مضى شمعون اشتدت عليهم البلوى فمكثوا مائتين و خمسين سنة بغير حجة ظاهرة و في هذه الفترة كانت غيبة سلمان الفارسي رضي الله عنه. و كذا نبينا ص غاب عن قومه في الغار ثم ظهر بعد الاستتار و لم يزل كل واحد من الأنبياء ع و أوصيائهم إما غائب مستور أو ظاهر

 

 

===============

(71)

مؤيد منصور و كذا الإمام ع لا بد بعد استتاره و غيبته من أن يأذن الله في ظهوره و نصرته فيملأها عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما. و كيف يعرض الشك في غيبة الإمام الحجة ع و قد اتفق على وقوعها الأئمة المعصومون و نقلها عنهم متواترا الرجال الثقات الأبرار الصالحون و دون ذلك في الصحف و أثبت في الكتب قبل حصولها و وقوعها بما ينيف عن مائتي سنة فوقع الحال كما ذكروه مطابقا لما قرروه. و قد أشبهت غيبة الإمام غيبة من تقدمه من آبائه النبيين الكرام و إذا أذن الله تعالى و صلح هذا العالم لخروجه خرج و لا حرج. لا يقال الذي ثبت في القرآن هو غيبة الأنبياء ع و ظهورهم بعد الغيبة و أنتم لا تدعون في إمامكم النبوة فلا تكون حاله حال الأنبياء في الغيبة. لأنا نقول أنتم لا تشكون أن الأئمة قائمون مقام النبيين في إقامة الحجج و البراهين و الإعذار و الإنذار عن رب العالمين إلى كافة المخلوقين فلا فرق بينهم إلا في رتبة الإرسال و ما عدا ذلك فهم فيه سواء فيدخل فيهم هذا الحال و ظهور الأنبياء و غيبتهم إنما هو لمصلحة رآها الله تعالى لبريته فحصل لهم ذلك ليتم به أداء شريعته و الأئمة كذلك فيجري ذلك في زمانهم كما جرى في زمان أنبيائهم و قد شهد القرآن بمساواة النبي في سائر الأحوال عدا مرتبة الإرسال و إن شككتم في ذلك فاقرءوا آية الابتهال فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ أ ليس قد جعل الله نفس النبي ع كنفس علي و ابنه في ذلك المقام و كذا الخبر

 

 

===============

(72)

عن قول النبي ص لعلي ع

أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فجعل له جميع مراتبه إلا النبوة و لا فرق بين النبي و الإمام في غير ما أخرجه الاستثناء. و أما السبب فلا يجب علينا ذكره لأن المعصوم لا يسأل عن أفعاله لأنها إنما تحمل على الوجوب و الاستحباب و لا يجب أن يعلل بالأسباب و لكنا نذكره لنفي الشك و الارتياب فنقول ظهوره ع سبب لإقامة الحدود و تنفيذ الأحكام و اختفاؤه سبب لتعطيل كثير من حدود شريعة النبي ص و إذا كان كذلك علمنا أن الله تعالى و الإمام ع ليس سببا للغيبة و إلا لزم عليهما ترك الواجب و هو محال فتعين أن يكون السبب عدم الناصر و امتناع صلوحية الحاضر فإذا حصل المساعد على تنفيذ أموره و صلحت هذه الأمة لحضوره ظهر بأمر ربه فيملأ الدنيا عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا. فلو قال الخصم فهلا ظهر إلى أعدائه و لو أدي ذلك إلى قتله كما فعل جده الحسين ع سلمنا أن الخوف على نفسه و عدم الناصر يمنع من الظهور فلا يظهر لأعدائه فما المانع من ظهوره لأوليائه و تعليمهم الأحكام و إقامة الحدود فيهم كما أمر بها المشرع ع. قلنا الجواب على وجوه الأول أنا قد بينا أن المعصوم لا يجب تعليل أفعاله لأنها إنما تحمل على الصحة و إلا لما كان معصوما. الثاني أن الحسين ع لما اجتمعت له شرط الخميس و هم سبعون

 

 

===============

(73)

رجلا كما يريد هو و يعلم منهم وجب عليه القيام و القائم ع لم يحصل له ذلك فلا يجب عليه القيام. الثالث أنا لا نمنع من ظهوره لأوليائه لكن ليس الكل صالحا لظهوره عليهم و وصوله لهم بل البعض قد حصل له ذلك و سيأتي ذكر وكلائه و رواته إن شاء الله تعالى. ثم إن اللطف موجود حاصل للجميع لأن من يقول بإمامته لا يأمن أن يظهر فيعاقبه على المعصية و يثيبه على الطاعة فهم مع جزمهم بوجوده و إمكان حضوره لا يزالون قريبين إلى الطاعة بعيدين عن المعصية فاللطف حاصل لهم. فإن قلت لو كان المهدي منصوبا من قبل الله تعالى لكانت غيبته و حذره و تمكين الظالمين من قهره و مفارقته عن رعيته مناقضة لغرض الله تعالى لكن مناقضة غرضه محال فكونه من قبله تعالى محال. قلت إن الله تعالى علم أن في خلقه من يوحده و يأتمر بأمره و أن لهم أعداء يعيبونهم و يقصدونهم فلو أنه عز و جل قصر الأيدي عنهم جبرا و قهرا لبطلت الحكمة و ثبت الإجبار رأسا و بطل الثواب و العقاب و العبادات و أسند هذا الباب لكنه سبحانه جعل الدفع عن أوليائه بضرب من الضروب لا تبطل معه العبادات و لا ينقطع به المثوبات و العقوبات و لا يقع الإلجاء إليه ليكون الحجة له سبحانه لا عليه فكان غيبة الإمام ع عن أعدائه و مبغضيه ضربا من تلك الضروب.

 

 

===============

(74)

و ليست هذه الغيبة مستجدة في أيام المهدي ع و لكنها (تعجير) هجير الأنبياء و المرسلين من لدن آدم أبي النبيين أ لا ترى كيف وعد الله سائر ملائكته بظهور آدم بعد غيبته و ذكر ذلك في كتابه المبين وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً روي أن وعده لهم بذلك قبل أن يخلق آدم بسبعمائة سنة و كان آدم غائبا عند وقوع هذا الكلام. و لا يصح للخصم إنكار غيبة آدم ع و حصول هذه الأعوام أ ليس قد قال للملائكة إنه سيأتي في الأرض بخليفة فالغيبة حاصلة قبل ذلك و لو بساعة واحدة و الساعة الواحدة لا تخلو عن حكمة و ما حصل في الساعة من الحكمة حصل في الساعتين ضعفين و على هذا كلما زاد الوقت في الغيبة زادت الحكمة فإذا زالت المحنة ظهر فائدة الحكمة و تحقق ظهوره ع و وجب عليه القيام. و لما كان خبر الغيبة خبرا مشهورا و أمرها أمرا مأثورا نقله المخالف و المؤالف عن النبي ص التبس على أكثر الناس حالها و لم يعرف من المراد بها إلا الخواص لا جرم اشتبه الأمر فيها فزعم بعض الشيعة أن المراد محمد بن الحنفية و بعضهم أن المراد جعفر الصادق و بعضهم موسى

 

 

===============

(75)

الكاظم و قد تقدم ذكر هذه الفرق و بطلان مقالتهم. و يكفي في بطلان ما هم عليه موت من نسبوها إليه إلا من عصم الله من المؤمنين و وفقهم للتمسك بالحق المبين من أهل المعرفة و العلم الذين تطابق ما ذهبوا إليه من المنقول على ما انتهضت به أدلة المعقول فرسموا البنيان على أسه و أقروه في موضعه فتلقوا أمر الغيبة من إمام بعد إمام إلى محمد بن الحسن ع فضبطوا وقته و زمانه و ميلاده و عرفوا دلائله و أعلامه و شاهده بعضهم و علم أحكامه فهم على يقين من أمره في حين غيبته و مشهده. و إذا حقق اللبيب أمره وجده غير مشكوك في إمامته و ظهوره بعد غيبته لأن المنكر لإمامته لا يخلو إما أن يكون قائلا بإمامة أجداده الأحد عشر أو لا فإن كان الأول لزمه القول به لثبوت الغيبة عنده و موت كل من ادعيت له و لم يبق ممن ادعي له الغيبة إلا هو فتعين لها حتما و إن كان الثاني فالبحث معه ليس في إمامته بل في إمامة آبائه و إذا ثبتت إمامة آبائه كما قلنا لزم القول بإمامته كما قررنا. لا يقال إنه غائب عن أبصار الناس هذه المدة المتطاولة فلو ظهر لما عرف أنه هو و أنتم تدعون أن الإمام حجة على رعيته و مع غيبته تبطل حجته. لأنا نقول أما أولا فإنه لا بد أن يظهر مع ظهوره معجز يدل على أنه هو المشار إليه لدلالة ذلك المعجز عليه. و أما ثانيا فممنوع و سند المنع أن حال إمامنا ع في غيبته كحال النبي ص في سفره

 

 

===============

(76)

و حضره و ذلك أنه ع لما كان بمكة لم يكن بالمدينة و بالعكس و لما سافر لم يكن بالحضر و بالعكس و كان ع في جميع هذه الأحوال حاضرا في مكان غائبا عن غيره من الأماكن و لم تسقط حجته عن أهل الأماكن التي غاب عنها و بان منها و كذا الإمام ع لم تسقط حجته و إن كان غائبا. و حيث كان الإقرار بغيبة الإمام ع هو كمال الإسلام و تمام النعمة على الأنام لم يكن فيما استبعده الناس من شرائط الدين و شرائعه بأعظم من الإقرار بغيبة الإمام ع و ذلك لأنه سبحانه و تعالى مدح المؤمنين على إيمانهم بالغيب قبل مدحه لهم على إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و الإيمان بسائر ما أنزل الله في الكتاب. و مما صح لي روايته عن الشيخ محمد بن علي بن بابويه يرفعه إلى يحيى بن أبي القاسم قال سألت الصادق ع عن أول سورة البقرة الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ من هم المتقون و ما المراد بالغيب قال المتقون شيعة علي و الغيب هو الحجة الغائب ع و لو قيل المراد بالغيب أحوال يوم القيامة قلنا لا يصح ذلك لأن كثيرا من اليهود و النصارى و غيرهم يؤمنون بغيب النشور و الحساب و ليسوا داخلين

 

 

===============

(77)

تحت هذا الخطاب لأن الله تعالى قد مدحهم و هو سبحانه و تعالى لا يمدح الكافرين و الفاسقين و المنافقين. و يعضد ما قلناه و يؤيد ما ادعيناه أنه لا خلاف في أن الإمام القائم مع تسليم القول بوجوده و إمامته و ظهوره بعد غيبته آية من آيات الله و قد أطلق سبحانه و تعالى لفظ الغيب على الآية في جواب أهل الغواية و قالوا لو لا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله و كذا أطلق لفظ الآية على عيسى ع وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ فصح أن يكون المراد بالآية الحجة ع و الإشارة بها إليه. و ليس لمنكر أن ينفي اعتقاد وجوده بسبب غيبته أ لسنا مأمورون باعتقاد وجود الكرام الكاتبين الحافظين و هم غائبون عن العيان و قد ذكرهم الله تعالى في كتابه المبين وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ و كذا كلفنا اجتناب أوامر الشيطان و مخالفته و نحن لم نشاهده و هو غائب عنا و لم نره و كذا و نحن مكلفون باعتقاد مساءلة الملائكة في القبر و لم نرهم الآن و كذا ما أخبر به النبي ص حين عرج به إلى السماء و لم نر ذلك و كذا كثير من هذه الأمور نحن مكلفون بحقيقتها و اعتقاد وجودها و إن كانت غائبة عنا و لم نرها فلو لم نؤمن بها خرجنا عن الإسلام. و كذلك الإمام القائم ع لا يلزم من غيبته القدح في وجوده أو نفي القول بإمامته و كذا لا يقدح في إمامته غلبة أهل العناد و استيلاء الكفرة في البلاد و تعطيل الحدود و الأحكام و اندراس كثير من شرائع الإسلام لأن ذلك جرى

 

 

===============

(78)

في زمن النبي ص حتى كان محصورا بالشعب غائبا عن أكثر الناس و لا يقدح ذلك في نبوته و كذلك الإمام ع لا يقدح ذلك في إمامته بسبب غيبته بل هو بأمر الله تعالى يأمره بالخروج في وقت تقتضيه المصلحة و يأمره ترك الخروج إذا اقتضته المصلحة فهو مدبر يأمره أ ليس الأئمة عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون عباد أكرمهم باريهم لا يقعدون عن أمره و لا يخرجون عن نهيه.

و بالطريق المذكور يرفعه إلى الإمام محمد بن علي الجواد عن آبائه عن أمير المؤمنين ع قال للغائب منا غيبة أمدها طويل كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه ألا فمن ثبت منهم على دينه و لم يقس قلبه لطول أمد غيبته فهو معي في درجتي يوم القيامة ثم قال إن القائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة فلذلك تخفى ولادته و يغيب شخصه و بالطريق المذكور يرفعه إلى الحسين ع قال منا اثنا عشر مهديا أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و آخرهم التاسع من ولدي و هو القائم بالحق يحيي الله به الأرض بعد موتها و يظهر به دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون له غيبة يرتد فيها أقوام و يثبت على الدين فيها آخرون فيؤذون و يقال لهم متى هذا الوعد إن كنتم صادقين أين إمامكم الذي تزعمون أما إن الصابر في غيبته على الأذى و التكذيب بمنزلة المجاهد

 

 

===============

(79)

بالسيف بين يدي رسول الله ص و عن الإمام زين العابدين ع بالطريق المذكور قال من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله عز و جل أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر و أحد

و عن الباقر ع بالطريق المذكور عن جابر قال قال يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم فطوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان إن أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم الباري عز و جل عبادي آمنتم بسري و صدقتم بغيبي فأبشروا بحسن الثواب مني أنتم عبادي و إمائي حقا منكم أتقبل و عنكم أعفو و بكم أسقي عبادي الغيث و أدفع عنكم البلاء و لولاكم لأنزلت عليهم عذابي قال جابر فقلت يا ابن رسول الله فما أفضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان قال حفظ اللسان و لزوم البيت

و عن الصادق ع بالطريق المذكور أنه قال من مات منتظرا لهذا الأمر كان كمن كان مع القائم ع في فسطاطه لا بل كان بمنزلة الضارب بين يدي رسول الله ص بالسيف

و عنه أنه قال لا يأتيكم هذا الأمر إلا بعد يأس لا و الله حتى تميزوا لا و الله حتى تمحصوا لا و الله حتى يشقى من شقي و يسعد من سعد

 

 

===============

(80)

 و عنه ع قال عبد الله بن سنان قال الصادق جعفر بن محمد ع ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى و لا إمام هدى فلا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق قلت فكيف دعاء الغريق قال يقول يا الله يا رحمان يا رحيم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقلت يا مقلب القلوب و الأبصار ثبت قلبي على دينك فقال إن الله عز و جل يقلب القلوب و الأبصار و لكن قل كما أقول لك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك و بالطريق المذكور يرفعه إلى يونس بن عبد الرحمن قال دخلت على موسى بن جعفر ع فقلت يا ابن رسول الله أنت القائم بالحق فقال أنا القائم بالحق و لكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله و يملأها عدلا كما ملئت جورا هو الخامس من ولدي له غيبة يطول أمدها خوفا على نفسه يرتد فيها أقوام و يثبت فيها آخرون ثم قال ع طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبلنا في غيبته الثابتين على موالاتنا و البراءة من أعدائنا أولئك منا و نحن منهم قد رضوا بنا أئمة و رضينا بهم شيعة فطوبى لهم ثم طوبى لهم هم و الله معنا في درجاتنا يوم القيامة و بالطريق المذكور يرفعه إلى سدير عن أبي عبد الله ع أن للقائم منا غيبة يطول أمدها فقلت له و لم ذلك يا ابن رسول الله قال لأن الله عز و جل أبى إلا أن يجري فيه سنن الأنبياء ص في غيباتهم و إنه لا بد له يا سدير من استيفاء مدة غيباتهم أ ليس في كتابه العزيز لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً

 

 

===============

(81)

عَنْ طَبَقٍ لتسنن بسنن من كان قبلكم و عن عبد الله بن الفضل الهاشمي يرفعه بالطريق المذكور إلى الصادق ع قال سمعته يقول إن لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها يرتاب فيها كل مبطل فقلت له و لم جعلت فداك قال لأمر لم يؤذن لنا في كشفه قلت فما وجه الحكمة في غيبته قال وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله عز و جل أن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر ع من خرق السفينة و قتل الغلام و إقامة الجدار لموسى ع إلى وقت افتراقهما يا ابن الفضل إن هذا الأمر أمر من الله و سر من أسرار الله و غيب من غيب الله و متى علمنا أنه جل و عز حكيم صدقنا أن أفعاله كلها حكمة و إن كان وجهها غير منكشف و مما صح لي روايته عن الشيخ السعيد أبي عبد الله محمد المفيد رحمه الله يرفعه إلى المفضل بن عمر قال سمعت أبا عبد الله ع يقول إن لصاحب هذا الأمر غيبتين تطول إحداهما حتى يقول بعضهم مات و بعضهم ذهب حتى لا يبقى امرؤ من أصحابه إلا نفر يسير لا يطلع على موضعه أحد من ولده و لا غيره

 

 

===============

(82)

إلا المولى الذي يلي أمره و لا شك أن غيبته ع موضع فتنة و محل خبرة و قد سبق ذلك في حكم الله تعالى و اقتضته المصلحة في امتحان العباد أ ليس قد ذكر في كتابه أن الفتنة تحصل للمؤمنين من عباده الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ فيحصل الثواب للصابرين و العقاب للناكثين الملحدين في الدين. و يعضد ذلك ما روي بالطريق المذكور أن أمير المؤمنين لما بعث أبا موسى الأشعري قال له احكم بكتاب الله و لا تجاوزه فلما أدبر قال كأني به و قد خدع فقيل يا أمير المؤمنين فلم توجهه و أنت تعلم أنه مخدوع فقال لو عمل الله بعلمه في خلقه ما احتج عليهم بالرسل وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى‏ و حيث وقع الابتلاء في الأمم السالفة فلا بد من وقوعه في هذه الخالفة

 

 

===============

(83)

و لعمري لو لم يحصل غيبته لما صحت إمامته لكن التالي باطل فالمقدم مثله. بيان الملازمة أن الكتب السماوية و الأخبار النبوية شاهدة بغيبته معلنة باختفائه و استتاره من أعدائه فلو لم يغب لخالف ذلك و مخالف ذلك ليس إمام يقتدى به فظهرت الملازمة و أما بطلان التالي فظاهر مما تقدم من ثبوت الإمامة فيبطل المقدم فتجب الغيبة و هو المطلوب