(139)
في ذكر من شاهده من شيعته و حظي برؤيته
و لقد رآه من أوليائه عدة أقوام و فازوا برؤيته ع إذ لا شرف أعظم من رؤية الله على الأنام و خاتم أوصيائه الكرام. فمن ذلك ما جاز لي روايته عن أحمد بن محمد الأيادي رحمه الله يرفعه إلى كامل بن إبراهيم المدائني قال دخلت على أبي محمد الحسن ع أسأله عن المفوضة و المقصرة في حديث اختصرناه قال و قلت في نفسي هل يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي و قال بمقالتي و جلست إلى باب مرخى
===============
(140)
عليه ستر فجاءت الريح فكشفت طرفه فإذا أنا بصبي كأنه فلقة قمر من أبناء الأربع سنين أو مثلها فقال لي يا كامل بن إبراهيم فاقشعررت من ذلك و ألهمت أن قلت لبيك سيدي فقال جئت إلى ولي الله و حجة زمانه تسأله هل يدخل الجنة إلا من عرف معرفتك أو قال بمقالتك قلت إي و الله فقال إذا و الله يقل داخلوها و الله إنه ليدخلها قوم يقال لهم الحقية قلت يا سيدي و من هم الحقية قال قوم من حبهم لعلي بن أبي طالب يحلفون بحق علي و ما يدرون ما حقه و فضله ثم سكت عني ساعة ثم قال و جئت تسأل عن مقالة المفوضة لعنهم الله كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشية الله فإذا شاء الله شئنا و قد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ثم رجع الستر على حاله فلم أطق كشفه فنظر إلي أبو محمد ع و هو يقول يا كامل بن محمد ما جلوسك و قد نبأك بحاجتك حجتك من بعدي قال فقمت فخرجت و لم أعاينه بعد ذلك و بالطريق المذكور يرفعه إلى رشيق المادراي قال بعث إلينا المعتضد و نحن ثلاثة نفر و أمرنا أن يركب كل واحد منا فرسا و نجنب آخر و نخرج مخففين لا يكون معنا قليل و لا كثير إلا على السرج مصلى و قال لنا الحقوا بسر من رأى فوصف لنا محلة و دارا فإذا أتيتموها ستجدوا على الباب خادما أسود
===============
(141)
فاكبسوا الدار و من رأيتم فيها فأتوني برأسه فوافينا سر من رأى و وجدنا الأمر كما ذكره و في الدهليز خادم أسود و بيده تكة ينسجها فسألناه عن الدار من فيها فقال صاحبها فو الله ما التفت إلينا و قل أكتراثه بنا فكبسنا الدار كما أمرنا فوجدنا دارا سرية و مقابل باب الدار سترا ما نظرت قط إلى أنبل منه كأن الأيدي قد رفعت عنه في ذلك الوقت و لم يكن في الدار أحد فرفعنا الستر فإذا بيت كبير كان فيه بحر ماء و في أقصى البيت حصير قد علمنا أنه على الماء فوقه رجل من أحسن الناس هيئة قائم يصلي فلم يلتفت إلينا و لا إلى شيء من أسبابنا فسبق أحمد بن عبد الله ليتخطى البيت فغرق في الماء فما زال يضطرب حتى مددت يدي فخلصته و أخرجته مغشيا عليه ساعة ثم عاد صاحبي الثاني إلى مثل ذلك الفعل فناله مثل ذلك و بقيت مبهوتا و قلت لصاحب البيت يا سيدي المعذرة إلى الله و إليك فو الله ما علمت كيف الخبر و إلى من أجيء و أنا تائب إلى الله فما التفت إلى شيء مما قلناه و لا انفتل عما كان فيه فهالنا ذلك و انصرفنا عنه و قد كان المعتضد ينتظرنا و قد تقدم إلى الحجاب إذا وافيناه أن ندخل عليه في أي وقت كان فوافيناه في بعض الليل و أدخلنا إليه فسألنا عن الخبر فحكينا له ما رأينا فقال ويحكم لقيكم أحد قبلي قلنا لا قال جرى منكم ذلك إلى أحد قلنا لا قال أنا نفي من جدي أن بلغني هذا الخبر لأضربن أعناقكم فلم يجسر أحد منا أن يحدث بشيء من ذلك إلا بعد موته.
===============
(142)
و بالطريق المذكور يرفعه إلى الزهراني قال طلبت هذا الأمر يعني رؤية القائم ع طلبا شاقا حتى ذهب لي فيه مال صالح فوقعت إلى العمري و خدمته و لزمته و سألته بعد ذلك عن صاحب الزمان ع فقال لي ليس إلى ذلك سبيل فخضعت فقال بكر بالغداة فوافيت فاستقبلني و معه شاب من أحسن الناس وجها و أطيبهم رائحة بهيئة التجار و في كمه شيء كهيئة الفجار فلما نظرت إليه دنوت من العمري فأومأ إليه فدنوت منه فسألته فأجابني عن كل ما أردت ثم مر ليدخل الدار و كانت من الدور التي لا يكترث بها فقال العمري إن أردت أن تسأل فسل فإنك لا تراه بعد هذا فذهبت لأسأل فلم يسمع و دخل الدار و ما كلمني بأكثر من أن قال ملعون ملعون من أخر العشاء إلى أن تشتبك النجوم ملعون ملعون من أخر الغداة إلى أن تنقضي النجوم و دخل الدار. و بالطريق المذكور يرفعه إلى إسماعيل بن علي قال دخلت على أبي محمد الحسن بن علي ع و هو في المرضة التي توفي فيها فبينا أنا عنده إذ قال لخادمه عقيد و كان الخادم أسود نوبيا قد خدم من قبله علي بن محمد و هو ربي الحسن ع فقال له يا عقيد أغل لي ماء بمصطكى فأغلى له ثم جاءت به صقيل الجارية أم الخلف ع فلما صار القدح في يديه و هم بشربه جعلت يداه ترتدع حتى ضرب القدح ثناياه فتركه من يده و قال لعقيد ادخل البيت فإنك ترى صبيا ساجدا فأتني به
===============
(143)
قال أبو سهل قال عقيد فدخلت البيت أتحرى فإذا أنا بصبي ساجد رافعا سبابته نحو السماء فسلمت عليه فأوجز في صلاته فقلت إن سيدي يأمرك بالخروج إليه فجاءت صقيل فأخذت بيده فأخرجته إلى أبيه الحسن ع قال أبو سهل فلما مثل بين يديه سلم عليه فإذا هو دري اللون في شعر رأسه قطط مفلج الأسنان فلما رآه الحسن ع بكى و قال يا سيد أهل زمانه اسقني الماء فإني ذاهب إلى ربي و أخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكى بيده ثم حرك شفتيه ثم سقاه فلما شربه قال هيئوني للصلاة و كانت صلاة الغداة يوم الجمعة فطرح في حجره منديل فوضأه الصبي واحدة واحدة و مسح على رأسه و قدميه فقال له أبشر يا بني فأنت صاحب الزمان و أنت المهدي و أنت حجة الله في أرضه و أنت ولدي و وصيي و وارثي و أنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ع ولدك رسول الله و بشر بك و أنت خاتم الأئمة المعصومين و سماك و كناك بذلك عهد إلي أبي عن آبائك الطاهرين و صلى الله على أهل البيت إنه حميد مجيد و مات الحسن ع من وقته عليهم السلام أجمعين و مما صح لي روايته عن محمد الصدوق بن بابويه رحمه الله يرفعه إلى أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري فقال دخلت على أبي محمد الحسن بن علي ع
===============
(144)
و أنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده فقال لي مبتدئا يا أحمد بن إسحاق إن الله تبارك و تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم ع و لا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجة الله على خلقه يدفع الله به البلاء عن أهل الأرض و ينزل به الغيث و يخرج به بركات الأرض قال فقلت له يا ابن رسول الله فمن الخليفة و الإمام بعدك فنهض ع مسرعا فدخل البيت ثم خرج و على عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر من أبناء ثلاث سنين فقال يا أحمد بن إسحاق لو لا كرامتك على الله و على حججه ما عرضت عليك ابني هذا إنه سمي رسول الله ص و كنيه الذي يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الأمة كمثل ذي القرنين و الخضر و إنه ليغيبن غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلا من ثبته الله عز و جل على القول بإمامته و وفقه للدعاء بتعجيل فرجه قال أحمد بن إسحاق فقلت له يا مولاي هل من علامة يطمئن بها قلبي فنطق الغلام بلسان عربي فصيح فقال أنا بقية الله في أرضه و المنتقم من أعدائه فلا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد بن إسحاق فخرجت مسرورا فلما كان من الغد رجعت إليه فقلت يا ابن رسول الله قد عظم سروري بما مننت به علي فما السنة الجارية من الخضر و ذي القرنين فقال طول الغيبة يا أحمد فقلت يا ابن رسول الله و إن غيبته لتطول قال إي و ربي يرجع عن هذا الأمر كثير من القائلين به فلا يبقى إلا من أخذ الله عهدهم بموالاتنا و كتب في قلوبهم الإيمان و أيدهم بروح منه يا أحمد بن إسحاق هذا أمر من الله جلت عظمته و سر من سر الله و غيبة من غيب الله فخذ ما آتيتك فاكتمه و كن من الشاكرين تكن معنا غدا في عليين
===============
(145)
و بالطريق المذكور يرفعه إلى يعقوب بن منقوش قال دخلت على مولانا أبي محمد الحسن بن علي ع و هو جالس على دكان في الدار و عن يمينه بيت عليه ستر مسبل فقلت من صاحب هذا الأمر فقال ارفع الستر فرفعته فخرج إليه غلام خماسي له عشر أو ثمان أو نحو ذلك واضح الجبين أبيض الوجه دري المقلتين شثن الكف معطوف الركبتين في خده الأيمن خال و في رأسه ذؤابة فجلس على فخذ أبي محمد ع فقال لي هذا صاحبكم ثم وثب ع فقال له يا بني ادخل البيت إلى الوقت المعلوم فدخل البيت و أنا أنظر إليه ثم قال يا يعقوب انظر من في البيت فدخلت فما رأيت أحدا و بالطريق المذكور يرفعه إلى سعد بن عبد الله القمي قال كنت امرأ لهجا بجمع الكتب المشتملة على غوامض العلوم و دقائقها كلفا باستظهار ما يصح من حقائقها مغرما بحفظ مشتبهها و مستغلقها شحيحا على ما أظفر به من معاضلها و مشكلاتها متعصبا لمذهب الإمامية راغبا عن الأمن و السلامة في إيثار التنازع و التخاصم و التعادي و التشاتم عيابا لفرق ذي الخلاف كشافا عن
===============
(146)
مثالب أئمتهم هتاكا لحجب قادتهم إلى أن بليت بأشد النواصب منازعة و أطولهم مخاصمة و أكثرهم جدالا و أشنعهم سؤالا و أثبتهم على الباطل قدما فقال ذات يوم و أنا أناظره تبا لك يا سعد و لأصحابك إنكم معاشر الرافضة تقصدون على المهاجرين و الأنصار بالطعن عليهما و تجحدون من رسول الله ص ولايتهما هذا الصديق الذي فاق جميع الصحابة بشرف سوابقه أ ما علمتم أن رسول الله ص ما أخرجه من نفسه إلى الغار إلا علما منه أن الخلافة له من بعده و أنه هو المقلد لأمر التأويل و الملقى إليه أزمة التنزيل و عليه المعول في شعب الصدع و لم الشعث و سد الخلل و إقامة الحدود و تسريب الجيوش لبلاد الكفر فكما أشفق على نبوته أشفق على خلافته إذ ليس من حكم الاستتار و التواري أن يروم الهارب من الشر مساعدة إلى مكان يستخفي فيه و لما رأينا رسول الله ص متوجها إلى الأحجاب و لم تكن الحال توجب استدعاء المساعدة من غيره استبان لنا أن قصد الرسول ص بأبي بكر إلى الغار للعلة التي شرحناها و لذا أبات عليا على فراشه لما لم يكترث له و لم يحفل به و لاستثقاله إياه و علمه بأنه إن قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها.
===============
(147)
قال سعد فأوردت عليه أجوبة شتى فما زال يقصد كل واحد منها بالنقض و الرد علي ثم قال يا سعد دونكها أخرى بمثلها يحطم آناف الروافض أ لستم تزعمون أن الصديق المبرأ من دنس الشكوك و الفاروق المحامي عن بيضة الإسلام كانا يسران النفاق و استدللتم بليلة العقبة أخبرني عن الصديق و الفاروق أسلما طوعا أو كرها قال سعد فاحتلت لدفع هذه المسألة عني خوفا عن الإلزام و حذرا من أني إن أقررت لهما بطوعهما احتج بأن بدء النفاق و نشأه في القلب لا يكون إلا عند هبوب روائح القهر و الغلبة و إظهار البأس الشديد في حمل المرء على ما ليس ينقاد إليه قلبه و قد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا و إن قلت و أسلما كرها كان يقصدني بالطعن إذ لم تكن سيوف منتضاة كانت تريهما البأس. قال سعد فصدرت عنه مزورا و قد انتفخت أحشائي من الغضب و تقطع كبدي من الكرب و كنت قد اتخذت طومارا و أثبت فيه نيفا و أربعين مسألة
===============
(148)
من صعاب المسائل لم أجد لها مجيبا على أن أسأل عنها خبير أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمد ع فارتحلت خلفه و قد كان خرج قاصدا نحو مولانا بسر من رأى فلحقته في بعض المناهل فلما تصافحنا قال للخير لحاقك بي قلت الشوق ثم العادة في الأسئلة قال تكافينا على هذه الخطة الواحدة فقد برز القوم إلى لقاء مولانا أبي محمد ع و أنا أريد أن أسأله عن معاضل في التأويل و مشاكل في التنزيل فدونكها الصحبة المباركة فإنها تقف بك على ضفة بحر لا تنقضي عجائبه و لا تفنى غرائبه و هو إمامنا. فوردنا سر من رأى فانتهينا منها إلى باب سيدنا فاستأذنا فخرج علينا الإذن بالدخول عليه و كان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطاه بكساء طبري فيه ستون و مائة صرة من الدنانير و الدراهم على كل صرة ختم صاحبها. قال سعد فشبهت مولانا حين غشينا نور وجهه ببدر قد استوفى من لياليه أربعا بعد عشر و على فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة و المنظر
===============
(149)
على رأسه فرق بين وفرتين كأنه ألف بين واوين و بين يدي مولانا ع دواة و بيده بياض يكتب فيه فلما فرغ من الكتاب بعد أن سلمنا عليه و ألطف في الجواب و أومأ إلينا بالجلوس فأخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طي كسائه فوضعه بين يديه فنظر ع إلى الغلام و قال يا بني فض الخاتم عن هدايا شيعتك و مواليك قال يا مولاي أ يجوز أن أمد يدا طاهرة إلى هدايا نجسة و أموال رجسة قد شيب أحلها بأحرمها فقال مولانا يا ابن إسحاق استخرج ما في الجراب ليميز ما بين الأحل و الأحرم فأول صرة وقعت عليها يدا أحمد بن إسحاق فأخرجها قال الغلام هذه لفلان ابن فلان من محلة كذا بقم يشتمل على اثنين و ستين دينارا فيها من ثمن حجيرة باعها و كانت إرثا عن أبيه خمسة و أربعون دينارا و من أثمان تسعة أثواب أربعة عشر دينارا و فيها من أجرة الحوانيت ثلاثة دنانير فقال مولانا ع صدقت يا بني دل الرجل على الحرام منها فقال ع فتش عن دينار رازي السكة تاريخه سنة كذا قد انطمس من نصف إحدى صفحتيه نقشه و قراضته آملية وزنها ربع دينار و العلة في تحريمها أن صاحب هذه الجملة وزن في شهر كذا من سنة كذا على حائك من جيرانه من
===============
(150)
الغزل منا و ربعا فأتت على ذلك مدة فتهيأ لذلك الغزل سارقا فأخبر الحائك صاحبه فكذبه و استرد منه منا و نصفا غزلا أدق مما كان دفعه إليه و اتخذ من ذلك ثوبا كان هذا الدينار مع القراضة ثمنه فلما فتح رأس الصرة وجد رقعة في وسط الدينار باسم من أخبر عنه و بمقدارها على حسب ما قال و استخرج الدينار و القراضة بتلك العلامة ثم أخرج صرة أخرى فقال الغلام و هذه لفلان ابن فلان من محلة كذا بقم تشتمل على خمسين دينارا لا يحل لنا مسها قال و كيف ذلك قال لأنها من ثمن حنطة حاف صاحبه على أكاره في المقاسمة و ذلك لأنه قبض حصته منها بكيل واف و كان ما حص الأكار منها بكيل بخس فقال صدقت يا بني ثم قال يا ابن إسحاق احملها بأجمعها لتردها أو توصي بردها على أربابها فلا حاجة لنا في شيء منها و ائتنا بثوب العجوز قال أحمد و كان ذلك الثوب في حقيبة لي فنسيتها فلما انصرف أحمد بن إسحاق ليأتيه بالثوب نظر إلى مولانا أبو محمد ع فقال ما جاء بك يا سعد فقلت شوقني أحمد بن إسحاق لقاء مولانا قال فالمسائل التي أردت أن تسأله عنها قلت على حالها يا مولاي قال فسل قرة عيني عنها و أومأ إلى الغلام فقال سل عما بدا لك فقلت يا مولاي و ابن مولانا إنا روينا عنكم أن رسول الله ص جعل طلاق نسائه بيد أمير المؤمنين ع حتى أرسل إلى
===============
(151)
عائشة يوم الجمل أنك قد أرهجت على الإسلام و أهله بفتنتك و أوردت بنيك حياض الهلكة بجهلك فإن كففت عني غربك و إلا طلقتك و نساء رسول الله ص قد طلقهن وفاته قال ما الطلاق قلت تخلية السبيل قال فإذا كان وفاة رسول الله ص قد خلى سبيلهن فلم لا يحل لهن الأزواج قلت لأن الله تعالى حرم الأزواج عليهن قال كيف و قد خلى سبيلهن الموت قلت فأخبرني يا ابن مولاي عن معنى الطلاق الذي فوض رسول الله ص حكمه إلى أمير المؤمنين ع قال إن الله عز و جل عظم شأن نساء النبي ص فخصصن بشرف الأمهات فقال رسول الله ص يا أبا الحسن إن هذا الشرف باق على نسائي ما دمن لله على الطاعة فأيتهن عصت الله عز و جل بعدي بالخروج عليك فأطلق لها في الأزواج و أسقطها من شرف أمومة المؤمنين قلت فأخبرني عن الفاحشة المبينة التي إذا أتت المرأة بها في أيام عدتها يحل للزوج أن يخرجها من بيته قال الفاحشة المبينة هي السحق دون الزنى فإن المرأة إذا زنت و أقيم عليها الحد ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزويج بها لأجل الحد و إذا سحقت وجب عليها الرجم و الرجم خزي و من قد أمر الله برجمه فقد أخزاه و من أخزاه فقد أبعده و من أبعده فليس لأحد أن يقربه قلت فأخبرني يا ابن رسول الله عن أمر الله تبارك و تعالى لنبيه موسى ع بخلع نعليه فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً فإن فقهاء الفريقين
===============
(152)
زعموا أنها كانت من إهاب الميتة قال ع من قال ذلك فقد افترى على موسى ع و استجهله في نبوته لأنه ما خلا الأمر فيها من خطيئتين إما كانت صلاة موسى فيها جائزة أو غير جائزة فإن كانت صلاة موسى جائزة جاز لموسى أن يكون لابسها في تلك البقعة إن لم تكن مقدسة و إن كانت مقدسة مطهرة فليست بأطهر و أقدس من الصلاة و إن كانت صلاته غير جائزة فيهما فقد أوجب أن موسى ع لم يعرف الحلال من الحرام و لا علم ما جاز فيه الصلاة و ما لم يجز و هذا كفر قلت فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما قال إن موسى ع نادى ربه عز و جل بالوادي المقدس فقال يا رب إني أخلصت لك المحبة مني و غسلت قلبي عمن سواك و كان شديد الحب لأهله فقال له الله عز و جل اخلع نعليك حب أهلك من قلبك إن كانت محبتك لي خالصة فليكن قلبك من الميل إلى سوائي مغسولا
قلت يا ابن رسول الله أخبرني عن كهيعص الحروف في أول سورة مريم قال هذه الحروف من أنباء الغيب أطلع الله عليها عبده زكريا و ذلك أن زكريا سأل ربه عز و جل أن يعلمه أسماء الخمسة فأهبط جبرئيل ع فعلمه إياها فكان زكريا إذا ذكر محمدا و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين سرى عنه غمه و انجلى كربه فإذا ذكر اسم الحسين ع خنقته العبرة و وقعت عليه البهرة فقال ذات يوم إلهي ما لي إذا ذكرت أربعة منهم تسليت بأسمائهم من همومي و إذا ذكرت الحسين ع تدمع عيني و تثور زفرتي فأنبأه
===============
(153)
الله عز و جل عن قصته فالكاف اسم كربلاء و الهاء هلاك العترة و الياء يزيد و هو ظالم الحسين ع و العين عطشه و الصاد صبره فلما سمع بذلك زكريا ع لم يفارق مسجده ثلاثة أيام و منع فيهن الناس من الدخول عليه و أقبل على البكاء و النحيب و كانت ندبته إلهي أ تفجع خير خلقك بولده إلهي أ تنزل بلوى هذه الرزية بفنائه إلهي أ تلبس عليا و فاطمة ثياب هذه المصيبة إلهي أ تحل كربة هذه الفجيعة بساحتهما ثم كان يقول إلهي ارزقني ولدا تقر به عيني على الكبر و تجعله وارثا رضيا و اجعل محله مني محل الحسين فإذا رزقتنيه فأفتني بحبه ثم أفجعني به كما تفجع محمدا حبيبك بولده فرزقه الله يحيى و فجعه به و كان حمل يحيى ستة أشهر و حمل الحسين ع كذلك و له قصة طويلة قلت فأخبرني يا مولاي عن الكلمة التي يمنع القوم عن اختيار إمام لأنفسهم قال مصلح أم مفسد قلت مصلح قال فهل يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد بما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد قلت بلى قال فهي العلة أزيدها لك ببرهان ينقاد لك في عقلك أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله عز و جل و أنزل الكتب عليهم و أيدهم بالوحي و العصمة إذ هم أعلام الأمم و أهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى و عيسى ع فهل يجوز مع وفور عقلهما و كمال علمهما إذا هما بالاختيار أن يقع خيرتهما على المنافق و هما يظنان أنه مؤمن قلت لا قال فهذا موسى كليم الله مع وفور عقله و كمال علمه و نزول الوحي عليه اختار من وجوه قومه و أعيان عسكره لميقات ربه جل و عز سبعين رجلا وَ اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا
===============
(154)
ممن لم يشك في إيمانهم و إخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين و قد شهد بذلك القرآن المبين قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فلما وجدنا اختيار من اصطفاه الله للنبوة واقعا على الأفسد دون الأصلح و هو يظن أنه الأصلح دون الأفسد علمنا أن الاختيار لا يجوز إلا لمن يعلم ما تخفي الصدور و تكن الضمائر و تتصرف عليه السرائر و أن لا يخطر لاختيار المهاجرين و الأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح ثم قال مولانا ع يا سعد و حين ادعى خصمك أن رسول الله ص إنما أخرج مع نفسه مختار هذه الأمة إلى الغار إلا علما منه أن الخلافة له من بعده و أنه هو المقلد أمور التأويل و الملقى إليه أزمة الأمة و عليه المعول في لم الشعث و سد الخلل و تسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر فكما أشفق على نبوته أشفق على خلافته إذ لم يكن من حكم الاستتار و التواري أن يروم الهارب من الشر مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه و إنما أبات عليا ع على فراشه لما لم يكن يكترث له و لم يحفل به لاستثقاله إياه و علما منه أنه إن قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها فهلا نقضت عليه دعواه بقولك أ ليس قال رسول الله ص الخلافة بعدي ثلاثون سنة فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم فكان لا يجد بدا من قوله لك بلى فكنت تقول
===============
(155)
له حينئذ أ ليس كما علم رسول الله ص أن الخلافة بعده لأبي بكر علم أنها لعمر و من بعد عمر لعثمان و من بعد عثمان لعلي فكان لا يجد بدا من قوله لك نعم ثم تقول له فكان الواجب على رسول الله ص أن يخرجهم جميعا على الترتيب إلى الغار و يشفق عليهم كما أشفق على أبي بكر و لا يستخف بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إياهم و تخصيصه أبا بكر بإخراجه مع نفسه دونهم و لما قال أخبرني عن الصديق و الفاروق أسلما طوعا أو كرها لم تقل له أسلما طمعا و ذلك أنهما كانا يجالسان اليهود و يستخبرانهم عما كانوا يجدونه في التوراة و في سائر الكتب المتقدمة الناطقة بالملاحم من حال إلى حال من قصة محمد ص و من عواقب أمره فكانت اليهود تذكر أن محمدا ص يتسلط على العرب كما كان بختنصر مسلطا على بني إسرائيل و لا بد له من الظفر بالعرب كما ظفر بختنصر ببني إسرائيل غير أنه كاذب في دعواه أنه نبي فأتيا رسول الله ص فساعداه على قول لا إله إلا الله الشهادة بالوحدانية و تابعاه على أن ينال كل واحد منهما من جهته ولاية بلد إذا استقامت أموره و استتبت أحواله فلما آيسا من ذلك تلثما و صعدا العقبة مع عدة من أمثالهما على أن يقتلوه فدفع الله كيدهم و ردهم بغيظهم لم ينالوا خيرا كما أتى طلحة و الزبير عليا ع فبايعاه و طمع كل واحد منهما أن ينال ولاية بلد من جهته فلما آيسا نكثا بيعته و خرجا عليه فصرع الله كل واحد منهما مصرع أشباههما من الناكثين قال سعد ثم قام مولانا ع مع الغلام للصلاة فانصرفت عنهما و طلبت ابن أبي إسحاق فاستقبلني باكيا فقلت ما أبكاك و ما أبطأك قال قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي إحضاره قلت لا عليك فأخبره فدخل عليه
===============
(156)
مسرعا فانصرف من عنده متبسما و هو يصلي على محمد و أهل بيته فقلت ما الخبر قال وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولاي ع يصلي عليه قال سعد فحمدنا الله عز و جل على ذلك و جعلنا نختلف بعد ذلك اليوم إلى مجلس مولانا أبي محمد ع أياما فلا نرى الغلام بين يديه فلما كان يوم الوداع دخلت أنا و أحمد بن إسحاق و كهلان من أهل بلدنا فانتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائما و قال يا ابن رسول الله قد دنت الرحلة و اشتدت المحنة فنحن نسأل الله أن يصلي على المصطفى جدك و على المرتضى أبيك و على سيدة النساء أمك و على سيدي شباب أهل الجنة عمك و أبيك و على الأئمة الطاهرين من بعدهما آبائك و أن يصلي عليك و على ولدك و نرغب إليه أن يعلي كعبك و يكبت عدوك و لا جعل الله هذا آخر العهد من لقائك قال فلما أن قال هذه الكلمة استعبر مولانا ع حتى استهلت دموعه و تقاطرت عبراته ثم قال يا ابن إسحاق لا تكلف في دعائك شططا فإنك ملاق الله في صدرك هذا فخر أحمد بن إسحاق مغشيا عليه فلما أفاق قال سألتك بالله و بحرمة جدك إلا ما شرفتني بخرقة أجعلها كفنا فأدخل مولانا ع يده تحت البساط فأخرج له ثلاثة عشر درهما فقال خذها و لا تنفق على
===============
(157)
نفسك غيرها فإنك لن تعدم ما سألت إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا
قال سعد فلما صرنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا ع من حلوان على ثلاثة فراسخ حم أحمد بن إسحاق و ثارت به علة صعبة آيس من حياته فيها فلما وردنا حلوان نزلنا في بعض الخانات دعا أحمد بن إسحاق رجلا من أهل بلده كان قاطنا بها ثم قال تفرقوا عني هذه الليلة و أنزلوني وحدي فانصرفنا عنه و رجع كل واحد منا إلى مرقده قال سعد فلما حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة ففتحت عيني فإذا أنا بكافور الخادم خادم مولانا أبي محمد ع و هو يقول أحسن الله بالخير عزاكم و جبر بالمحبور رزيتكم قد فرغنا من غسل صاحبكم و تكفينه فقوموا لدفنه فإنه من أكرمكم محلا عند سيدكم ثم غاب عن أعيننا فاجتمعنا على رأسه بالبكاء و العويل حتى قضى حقه و فرغنا من أمره رحمة الله عليه.
و بالطريق المذكور يرفعه إلى أبي الأديان قال كنت أخدم الحسن بن علي ع و أحمل كتبه إلى الأمصار فدخلت إليه في علته التي توفي فيها فكتب معي كتبا و قال امض بها إلى المدائن فإنك ستغيب خمسة عشر يوما و تدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر و تسمع الواعية في داري و تجدني على المغتسل قال أبو الأديان فقلت يا سيدي و إذا كان ذلك فمن قال من طالبك بجوابات
===============
(158)
كتبي فهو القائم من بعدي قلت زدني قال من يصلي علي فهو القائم بعدي قلت زدني قال من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي ثم منعتني هيبته أن أسأله عما في الهميان و خرجت بالكتب إلى المدائن و أخذت جوابها و دخلت سر من رأى في يوم خامس عشر كما قال ع فإذا بالواعية في داره و إذا به على المغتسل و إذا أنا بجعفر أخيه على الباب و الشيعة حوله يعزونه و يهنونه فقلت في نفسي إن يك هذا الإمام فقد بطلت الإمامة لأني كنت أعرفه يشرب النبيذ و يقامر في الجوسق و يلعب بالطنبور فقدمت فعزيت و هنأت فلم يسألني عن شيء ثم خرج عقيد فقال يا سيدي قد كفن أخوك فقم فصل عليه فدخل جعفر بن علي و الشيعة من خلفه يقدمهم السمان و الحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي ع على نعشه مكفنا فتقدم جعفر بن علي ليصلي فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة بشعره قطط بأسنانه تفليج فجبذ رداء جعفر و قال تنح يا عم فأنا أحق بالصلاة على أبي منك فتأخر جعفر و قد اربد وجهه و اصفر و تقدم الصبي فصلى عليه و دفن إلى جانب قبر أبيه ثم قال يا بصري هات جوابات الكتب التي معك فدفعتها إليه و قلت في نفسي بقي الهميان
ثم خرجنا إلى جعفر و هو يزفر فقال له حاجز الوشاء يا سيدي من الصبي لنقيم الحجة عليه فقال و الله ما رأيته قط و لا أعرفه فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي ع فعرفوا موته فقالوا فمن نعزي
===============
(159)
فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلموا و عزوه و هنوه و قالوا معنا كتب و مال فتقول ممن الكتب و كم المال فقام ينفض أثوابه و يقول يريدون منا أن نعلم الغيب فخرج الخادم فقال معكم كتب فلان و فلان و فلان و هميان فيه ألف دينار و عشرة دنانير منها مطلية فدفعوا إليه الكتب و المال و قالوا الذي وجه بك لأخذ ذلك هو الإمام فدخل جعفر على المعتمد و كشف له ذلك فوجه المعتمد خدمه فقبضوا على صقيل الجارية و طالبوها بالصبي فأنكرت و ادعت حملا بها لتغطي حال الصبي فسلمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي و بغتهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأة و خروج صاحب الزنج بالبصرة فشغلوا بذلك عن الجارية فخرجت عن أيديهم بالطريق المذكور يرفعه إلى أبي الحسن بن وجينا قال حدثني أبي عن جده أنه كان في دار الحسن بن علي فكبستنا الخيل و فيهم جعفر بن علي الكذاب فاشتغلوا بالنهب و الغارة و كانت همتي في مولاي القائم و إذا به ع قد أقبل خارجا عليهم من الباب و أنا أنظر إليه و هو ع ابن ست سنين فلم يره أحد منهم حتى غاب. و مما صح لي روايته
عن السيد هبة الله الراوندي رحمه الله تعالى يرفعه إلى
===============
(160)
.نصر الخادم قال دخلت على صاحب الزمان و هو في المهد فقال لي علي بالصندوق الأحمر فأتيت به فقال أ تعرفني فقلت نعم أنت سيدي و ابن سيدي قال ليس عن هذا سألتك فقلت فسر لي فقال أنا خاتم الأوصياء و بي دفع الله البلاء عن أهل بيتي و شيعتي
و بالطريق المذكور يرفعه إلى نسيم خادم أبي محمد ع قال دخلت على صاحب الزمان بعد مولده بعشر ليال فعطست عنده فقال لي يرحمك الله قال ففرحت بذلك فقال أ لا أبشرك في العطاس هو أمان من الموت إلى ثلاثة أيام
و بالطريق المذكور يرفعه إلى ابن أبي سورة و كان أبوه من مشايخ الزيدية بالكوفة قال خرجت إلى قبر الحسين ع أعرف عنده فلما كان
===============
(161)
وقت العشاء الآخرة صليت و قمت فابتدأت أقرأ من الحمد فإذا شاب حسن الوجه عليه جبة سيفية ابتدأ أيضا قبلي و ختم قبلي فلما كان الغداة خرجنا جميعا من باب الحائر فلما صرنا على شاطئ الفرات قال لي الشاب أنت تريد الكوفة فامض فمضيت من طريق الفرات و أخذ الشاب طريق البر. قال أبو سورة فأسفت على فراقه فاتبعته فقال لي تعال فجئنا جميعا إلى أصل حصن المسناة فنمنا جميعا ثم انتبهنا فإذا نحن على مقابر مسجد السهلة فقال هو ذا منزلي ثم قال أنت مضيق و لك عيال فامض إلى أبي طاهر الرازي فسيخرج إليك من داره و في يده دم الأضحية فقل له شاب من صفته كذا و كذا يقول لك أعط هذا الرجل صرة الدنانير التي عند رجل السرير مدفونة قلت فمن أنت قال محمد بن الحسن و في رواية ثم مشينا حتى انتهينا إلى النواويس في السحر و جلس و حضر بيده فإذا الماء قد خرج فتوضأ و صلى ثلاثة عشر ركعة فلما دخلت الكوفة مضيت إلى الرازي فدققت الباب فقال من أنت فقلت أبو سورة فسمعته يقول ما لي و لأبي سورة ثم خرج إلي و على يده دم الأضحية فقصصت عليه فصافحني و قبل وجهي و وضع بيدي و مسح بها وجهه و أدخلني الدار و أخرج الصرة من عند رجل السرير فدفعها إلي فاستبصر أبو سورة و برأ من الزيدية. و بالطريق المذكور يرفعه إلى الحسن المسترق الضرير قال كنت يوما في مجلس الحسين بن عبد الله بن حمدان ناصر الدولة فتذاكرنا أمر الناحية
===============
(162)
قال كنت أزري عليها إلى أن حضرت مجلس عمي الحسين يوما فأخذت أتكلم في ذلك فقال يا بني قد كنت أقول بمقالتك هذه إلى أن ندبت إلى ولاية قم حين استعصت على السلطان يحاربه أهلها فسلم إلي جيش و خرجت نحوها فلما بلغنا إلى ناحية طرز خرجت إلى الصيد ففاتتني طريدة فاتبعتها و أوغلت في أثرها حتى بلغت إلى نهر فسرت فيه و كلما أسير يتسع النهر فبينا أنا كذلك إذ طلع علي فارس تحته شهباء و هو متعمم بعمامة خز خضراء لا أرى منه سوى عينيه و في رجله خفان أحمران فقال لي يا حسين و لا هو أمرني و لا كناني فقلت ما ذا تريد قال إن لم تزر على الناحية فلم تمنع أصحابي خمس مالك و كنت الرجل الوفور الذي لا يخاف شيئا فارتعدت منه و تهيبته و قلت أفعل يا سيدي ما ذا تأمر به فقال إذا مضيت إلى الموضع الذي أنت متوجه إليه فدخلته عفوا و كسبت ما كسبت فيه تحمل خمسه إلى مستحقه فقلت السمع و الطاعة فقال امض راشدا و لوى عنان دابته و انصرف فلم أدر أي طريق سلك فطلبته يمينا و شمالا فخفي علي أمره فازددت رعبا و انكفأت راجعا إلى عسكري و تناسيت الحديث فلما بلغت قم و عندي ابني أريد محاربة القوم خرج إلي أهلها و قالوا كنا نحارب من يجيئنا لخلافهم لنا فأما فقد وافيت
===============
(163)
أنت فلا خلاف بيننا و بينك ادخل البلدة فدبرها كما ترى. فأقمت فيها زمانا و كسبت زيادة على ما كنت أقدر ثم وشى القواد بي إلى السلطان و حسدت على طول مقامي و كثرة ما اكتسبت فعزلت و رجعت إلى بغداد فابتدأت بدار السلطان فسلمت عليه و أقبلت إلى منزلي و جاءني فيمن جاءني محمد بن عثمان العمري فتخطى الناس حتى اتكأ على تكأتي فاغتضبت من ذلك و لم يزل قاعدا ما يبرح و الناس داخلون و خارجون و أنا أزداد غيظا فلما تصرم المجلس دنا إلي و قال بيني و بينك سر فاسمعه فقلت قل فقال صاحب الشهباء و النهر يقول قد وفينا بما وعدنا فذكرت الحديث و ارتعدت من ذلك و قلت السمع و الطاعة فقمت و أخذت بيده ففتحت الخزائن فلم يزل يخمسها إلى أن خمس شيئا نسيته مما كنت قد جمعته و انصرف و لم أشك بعد ذلك و تحققت الأمر فأنا منذ أن سمعت هذا من عمي أبي عبد الله زال ما كان اعترضني من الشك. و بالطريق المذكور يرفعه إلى محمد بن مسلم بن الفضل قال أتيت أبا سعيد غانم بن سعيد الهندي بالكوفة فجلست فلما طالت مجالستي إياه سألته عن حاله و قد كان وقع إلي شيء من خبره قال كنت ببلد الهند بمدينة يقال لها قشمير الداخلة و نحن أربعون رجلا نقعد حول كرسي الملك نقرأ التوراة
===============
(164)
و الإنجيل و الزبور يفزع إلينا في العلم فتذاكرنا يوما محمدا ص و قلنا نجده في كتبنا فاتفقنا على الخروج في طلبه و البحث عنه فخرجت و معي مال فقطع علي الترك فشلحوني فوقعت إلى كابل و خرجت من كابل إلى بلخ و الأمير بها ابن أبي شمون فأتيته و عرفته ما خرجت له فجمع الفقهاء و العلماء ليناظرني فسألتهم عن محمد ص فقالوا هو نبينا محمد بن عبد الله و قد مات فقلت و من كان خليفته فقالوا أبو بكر فقلت انسبوني فنسبوه إلى قريش فقلت ليس هذا بنبي إن النبي الذي نجده في كتبنا خليفته ابن عمه و زوج ابنته و أبو ولده فقالوا للأمير إن هذا قد خرج من الشرك إلى الكفر و من كان كذلك تضرب عنقه فقلت إني متمسك بدين لا أدعه إلا ببيان فدعا الأمير الحسين بن إشكيب و قال يا حسين خذ هذا الرجل و اخل به و الطف له. فقال فخلا بي الحسين بن إشكيب فسألته عن محمد فقال كما قالوا لكنه قال خليفته ابن عمه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب و هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب و هو زوج ابنته فاطمة و أبو ولده الحسن و الحسين فقلت أشهد أن لا إله إلا الله و أنه رسول الله و صرت إلى الأمير فأسلمت و مضى بي الحسين ففهمني فقلت له إنا نجد في كتبنا أنه لا يمضي خليفة إلا عن خليفة فمن خليفة علي فقال الحسن ثم الحسين ثم سمى الأئمة واحدا واحدا حتى بلغ الحسن العسكري ثم قال تحتاج أن تطلب خليفة الحسن و تسأل عنه فخرجت في الطلب.
===============
(165)
قال محمد بن محمد و وافى معنى بغداد فذكر لنا أنه كان معه رفيق قد صحبه على هذا الأمر فكره بعض أخلاقه ففارقه قال أنا يوما و قد مشيت في الصراة و أنا متفكر فيما خرجت له إذ أتاني آت و قال أجب مولاك فلم يزل يخترق في المحال حتى أدخلني دارا و بستانا فإذا مولاي ع قاعد فلما نظر إلي كلمني بالهندية و سلم علي و أخبرني باسمي و سألني عن الأربعين رجلا بأسمائهم عن رجل رجل ثم قال لي تريد الحج مع أهل قم في هذه السنة فلا تحج في هذه السنة و انصرف إلى خراسان و حج من قابل و رمى إلي بصرة و قال اجعل هذه في نفقتك و لا تدخل بغداد دار أحد و لا تخبر بشيء مما رأيت. قال محمد فانصرفنا من العقبة و لم يقض لنا الحج و خرج غانم إلى خراسان و انصرف من قابل و حج و بعث إلينا بألطاف و لم يدخل قم و انصرف إلى خراسان و مات بها رحمه الله. و قد ذكر الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه في كتابه المسمى بكمال الدين و إتمام النعمة أسماء من رآه ص و انتهت معجزاته إليه من الوكلاء ببغداد العمري و ابنه و حاجز و البلالي و العطار و من الكوفة العاصمي و من الأهواز محمد بن إبراهيم بن مهزيار و من قم أحمد بن إسحاق و من همدان محمد بن صالح و من الري البسامي و الأسدي و من آذربيجان القاسم بن
===============
(166)
العلا و من نيشابور محمد بن شاذان و من غير الوكلاء من بغداد أبو القاسم بن أبي حليس و أبو عبد الله الكندي و أبو عبد الله الجنيدي و هارون القزاز و النيلي و أبو القاسم بن رميس و أبو عبد الله بن فروخ و مسرور الطباخ مولى أبي الحسن ع و أحمد و محمد ابنا الحسن و إسحاق الكاتب من بني نوبخت و صاحب الفراء و صاحب الصرة المختومة و من همدان محمد بن كشمرد و جعفر بن حمدان و محمد بن هارون بن عمران و من الدينور حسن بن هارون و أحمد و أخوه أبو الحسن و من أصبهان ابن بادساكنة و من الصيمرة زيدان و من قم الحسن بن نضر و محمد بن محمد و علي بن محمد بن إسحاق و أبوه و الحسن بن يعقوب و من الري القاسم بن موسى و ابنه و أبو محمد بن هارون و صاحب الحصاة و علي بن محمد و محمد بن محمد الكليني و أبو جعفر الرفاء و من قزوين مرداس و علي بن أحمد و من قاقين رجلان و من شهرزور ابن الخال و من فارس المجروح و من مرو صاحب الألف دينار و صاحب المال و الرقعة البيضاء و أبو ثابت و من نيشابور محمد بن شعيب بن صالح و من اليمن الفضل بن يزيد و الحسن ابنه و الجعفري و ابن الأعجمي و الشمشاطي و من مصر صاحب المولودين و صاحب المال بمكة و أبو رجا و من نصيبين أبو محمد بن الوجناء و من الأهواز الحصيني و الأخبار كثيرة في هذا الباب اكتفينا بهذا القدر
===============
(167)
منها خوفا من طول الكتاب و الله الموفق للصواب. لا يقال لا نسلم ما ذكرتم من مشاهدة هؤلاء الأقوام و ليس سلمنا أ ليس هذه أخبار آحاد لا يجب المصير إليها و لا الاعتماد عليها و هل هذه إلا بمنزلة الحكايات و الخرافات لا يثبت هذا الأمر بمثلها إنما يثبت بالدلائل الواضحات و البراهين القاطعات. لأنا نقول عن ذلك من وجوه الأول أن أبا محمد الحسن بن علي ع خلف جماعة من ثقاته ممن يؤخذ عنهم الأحكام و يعمل بقولهم في الحلال و الحرام و إليهم ترفع كتب الشيعة و على أيديهم تخرج الأجوبة و كانوا بموضع من الستر و العدالة بتعديله إياهم في حال حياته و هو المعصوم الذي يجب حمل أفعاله على الصحة فلما مضى ع أجمعوا جميعا على أنه قد خلف ولدا و هو الإمام من بعده و أنهم رأوه و شاهدوه و عرفوه كما ذكرنا و أظهر لهم المعجزات كما قررنا و أمروا الناس أن لا يسألوا عن اسمه و أن يسروا عن أعدائه و طلبه السلطان أشد الطلب و وكل بالدور و الحبالي من جواري الحسن ع. ثم كانت كتب الخلف تخرج إلى الشيعة بالأمر و النهي على يدي هؤلاء الرجال الثقات إلى مدة عشرين سنة إلى أن حان وقت الغيبة الثانية الطويلة التي قد سبق النص عليها من النبي و الأئمة ع قبل وجود هذا الإمام. و ليس ذلك أخبار آحاد بل أخبار جماعة لا يحتمل تواطيهم على الكذب بلغوا حد التواتر الثاني أنا لسنا نستنتج من إثبات رؤيته إثبات غيبته و تعميره و صحة إمامته إذ الرؤية ليست بشرط في ثبوت ذلك له إنما يستنتج ذلك من البراهين العقلية و الأدلة الصحيحة النقلية.
===============
(168)
أ ليس أمر الدين كله إنما يعلم بالاستدلال أ لسنا عرفنا الله تعالى بالأدلة و لم نشاهده و لا أخبرنا عنه من مشاهده و عرفنا النبي ص و كونه موجودا في زمان حياته في العالم بالدليل و لم نشاهده و إنما عرفنا نبوته و صدقه و عصمته بالاستدلال فكذلك عرفنا أنه استخلف عليا ع بالاستدلال و لم نره و كذلك عرفنا أن الحسن السبط إمام مفروض الطاعة و علمنا بالأخبار المتواترة عن النبي خاتم النبيين و عن الأئمة المعصومين أن الإمامة بعد الحسن في أخيه الحسين و في ولده من بعده لا يمضي إمام حتى يستخلف إماما من بعده حتى انتهت الإمامة إلى الحسن بن علي و ثبت وفاته فثبت أنه قد خلف من بعده إماما و ليس ذلك متوقفا على رؤيته و مشاهدته فالإمامة و الرؤية لا يتوقف أحدهما إلى الآخر بل كل واحد ثابت على حدته. الثالث أنا قد بينا أن الإمام يجب أن يكون معصوما و العصمة قد انحصرت فيهم إذ لم تدعى لغيرهم فلا معصوم سواهم فلا إمام إلا هم. و قد ثبت عندنا بالتواتر نصبهم على عددهم و إمامتهم و صفة القائم منهم على ما نقلناه فوجب الإذعان بذلك. و نحن نجد خصماءنا يبنون دينهم و شريعتهم على أخبار جماعة قد نالت منهم الألسن كأنس بن مالك و أبي هريرة و نحوهما بل من أئمتهم الذين اختاروا نصبهم لدينهم باختيار بعض و إجبار بعض على قبول ذلك و مع ذلك لا يزالون يسددون حال أئمتهم بتأويل ما وقع منهم من الخلل و الزلل و لذا لم يعتبروا العصمة في إمامهم بل كان اهتداؤه و اقتداؤه بباقي الصحابة أكثر من اقتداء
===============
(171)
رعاع الرعاية به أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ و مع ذلك يتعاملون عن عيبهم و يرموننا به لوما و عداوة مع أن أئمتنا الذين ندين الله بحبهم و قولهم أقطاب ألباب أنجاب قد نقل هؤلاء الخصوم مناقبهم و كراماتهم و حلهم للمعضلات التي كانت تعرض لعلمائهم و قضاتهم في أعصارهم حتى أن أكثر ما عندنا من ذلك نقلناه من كتبهم و آثارهم حجة عليهم و إلزاما لهم حتى أنه لم ينقل من مخالف في حقهم غلط في قول و لا شطط في حكم و لا زلة في عمل فأينا أبلج بالحجة و أحق بالاتباع و أولى بالعيب. و ليس للخصم أن يقول إنهم لم يدعوا الإمامة و لكنكم ادعيتم فيهم ذلك كما سمعناه من بعض جهلائهم.
===============
(172)
فإن القائل بذلك مصادم لبديهة عقله إن كان ممن يعقل إذ لا يرتاب عاقل في أن أئمتنا ع كانوا في أعصارهم ممتازين عن مخالطة علماء الخصوم و قضاتهم و ملوكهم منقطعين إلى الله في أمر دينهم و عبادتهم مانعين أنفسهم عن طلب دنياهم و جوائزهم مشفقين على شيعتهم و من يدين الله بقولهم مظهرين لخواص شيعتهم دعوى الإمامة كما نقله الفريقان عنهم و لذا كان العباسيون مع كونهم أرحاما لهم لا يزالون يتجسسون عليهم و يقابلونهم بالقطيعة و أنواع الإيذاء حتى أماتوا جماعة منهم ع بالسم و الغيلة و استأصلوا شيعتهم قتلا و نهبا و تشريدا في أقطار الأرض و ما ذلك إلا لما علموه من دعوى الإمامة منهم و موافقة شيعتهم و تصديقهم لهم فقابلوهم بالإيذاء و القتل لما داخلهم من وهم أخذ الملك منهم حين تحققوا ادعاءهم للإمامة و لم يجعلوا السبب في فعل ذلك بهم أنهم قوم يدعون العلم و ليسوا من أهله أو يدعون الإمامة و ليسوا من أهلها و ما أشبه ذلك بمقابلة كفار العرب و منافقيهم لرسول الله ص بالقتال و الطعان لما عجزوا من معارضة معاجزه باللسان. فانظر من تختار لدينك بعين الإنصاف أيها المكلف المأمور و إياك الوقوف عند شبه أهل الغرور فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور. و اعلم أن هذا الدليل الثالث مما أجرى الله سبحانه صدقه على لساني فأثبته و حذفت ما ذكره جامع الكتاب إذ ليس مقنعا فضلا عن كونه قاطعا فإن فيه هدما لبنيان المضلين و شفاء لصدور قوم مؤمنين و بالجملة فإنما ذكرنا أخبار
===============
(173)
مشاهدته ليعلم المخالف أنه ع ظهر للمخلصين من شيعته و هو لطف من الله تعالى حق بريته في شهوده و غيبته