مقدّمة المركز

 

تعتبر فكرة الإمام المهدي عجّل الله فرجه الشريف من أوائل الأفكار والقضايا انطباعاً في الذهن العقائدي الإسلامي, فلا يكاد يوجد مسلم مهتم بشؤون دينه الحنيف ـ مهما كان المذهب الذي ينتسب إليه ـ إلاّ وسمع أكثر من حديث بخصوص تلك الشخصيّة المباركة التي خلقها الباري عزّ وجل لتحقيق أمل الإنسانية السرمدي وحلم الأنبياء على مرّ العصور بأن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.

ومن غير المتعذّر على كل متتبّع أن يهتدي إلى الأهمية القصوى والاهتمام البالغ الذي أولاه الدين الحنيف لهذه الشخصية المقدّسة, وذلك من خلال الأحاديث والتأكيدات المتكاثرة الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وعن الأئمّة المعصومين عليهم السلام من أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً, وتناقلها المحدّثون من الطوائف والمذاهب الإسلامية كافّة, فقلّما تجد كتاباً يهتم بجمع الأحاديث يخلو من ذكر هذه الشخصية أو من ذكر مواصفاتها ومتعلّقاتها, حتى صارت فكرة الإمام المنتظر من المسلّمات التي لا يمكن لمنصف أو باحث عن الحقيقة أن يتنكّر لها أو يطوي عنها كشحاً, على الرغم من كثرة الاختلافات التي وقعت بين أبناء الطوائف الإسلامية في تحديد التفاصيل والجزئيات, من حيث ولادته وطول عمره وغيبته وما يتعلّق به من تفاصيل.

إلاّ أنّ كل هذا الاهتمام الذي أولته الشريعة لهذه القضية المقدّسة لم يمنع المتصيّدين بالماء العكر من إثارة الشبهات وتوجيه الشكوك, فأثاروا بعض الغبار هنا وهناك للتعتيم على هذه الفكرة, والتشويش على هذه العقيدة الحقّة, فكثرت التساؤلات عن ولادته عليه السلام وغيبته وطول عمره, وغير ذلك ممّا يثيره المغرضون الذين تتعارض مصالحهم مع الإيمان بهذا المصلح الذي يبعث الأمل في نفوس المؤمنين, ثمّ تمادى البعض في غيّه, فأثار من الشبهات ما لم ينزّل الله به من سلطان, ممّا تسبّب في إخفاء بعض الحقائق ودثر بعض الشواهد الإلهية, كما ساعد على ذلك أيضاً تعسّف الظالمين الذي حاولوا طمس الحقائق بكل ما يتمكّنون عليه من وسائل فوقفوا بوجه كل المحاولات التي أرادت توضيح الحقائق وكشف ما استتر من الحق.

وهذا الأمر هو الذي بعث فينا الإحساس بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقنا, وخصوصاً بعد انقشاع الظلمة, فبذلنا كل ما نملك من وسع لإزالة الأغبرة المتراكمة, وتوضيح الحقائق والبراهين الدالّة على حضور الإمام المؤمّل, وذلك من خلال النشاطات التي تبنّاها مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجّل الله فرجه, والتي كان من جملتها:

1 ـ الاهتمام بطباعة الكتب المختصّة بالإمام المهدي عليه السلام .

2 ـ الاهتمام بطباعة ونشر المحاضرات المختصّة به عليه السلام.

3 ـ الاهتمام بنشر كل ما من شأنه تقوية ارتباط الأطفال بإمامهم.

4 ـ إصدار مجلّة شهرية تخصّصية باسم ( الانتظار).

5 ـ الاهتمام بالبعد الإعلامي المختص بالإمام عجل الله فرجه, من خلال كافّة وسائل الإعلام بما فيها الانترنت.

6ـ الاهتمام بإقامة الندوات التخصّصية في هذا الشأن.

وها نحن ـ عزيزي القارئ ـ نضع بين يديك هذا الكتيّب الذي يحمل بين طيّاته جزءً من الندوات التي أقامها المركز, حيث يستضيف علماءنا الأعلام وشخصياتنا الإسلامية المرموقة, لتوضيح الحقيقة, وللإجابة على كل الشبهات, ليظهر الحقّ جلياً واضحاً لا غبار عليه, وليتبيّن الطريق اللاحب لكل من أراد جادّة الحق.. حيث أخذت هذه الندوات طريقها للنشر من خلال صفحات الانترنيت ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية, ومن خلال الأشرطة المسجّلة والأقراص المضغوطة, خدمة للدين الحنيف والمذهب الحق.

سائلين المولى عزّ وجل أن يجعل هذه الخطوات محطّ قبول ورضى إمامنا صاحب الزمان عليه السلام الذي يعيش بين أظهرنا ويتفقّد أحوالنا ويعلم بكل ما نسرّ وما نعلن, دون أن نراه.. إنّه نعم المولى ونعم المجيب.

مركز الدراسات التخصصية      

في الإمام المهدي عجل الله فرجه

 

 

 

المقدّمة

الحمد لله ربّ العالمين, والصلاة والسلام على محمّد وآله خير البريّة, واللعنة الدائمة على أعدائهم شرّ البرية.

أمّا بعد.

فإنّ المعروف أنّ أيّ موضوع عظُم قدره ازداد الكلام حوله, وكثر البحث عن جهاته, وبعُد الوصول إلى حقيقته, والإمام  الهمام المهدي الموعود روحي وأرواح العالمين فداه من تلك الموضوعات العظيمة التي عظم شأنها, فلا يمكن الوصول إلى مراتب عظمته وشؤونه, ويستحيل الوصول إلى حقيقته, كما يدلّ عليه قول نبينا الأعظم  صلى الله عليه وآله في وصيّه علي عليه السلام " يا علي لم يعرفك أحد إلاّ الله وأنا"[1].

 ولأجل ذلك كثر الجاهلون به وازداد جهلهم, واختلف الجاهل به عن غيره في الإصرار على الجهل وعناده واستكباره على الحق مهما وضحت معالمه, فنراه يثير الشبهات ويزيد في الإشكالات ويكثر من الأسئلة, مع أنّ موضوع الإمام الموعود والمنتظر المخلّص ليس من مختصّات دين الإسلام, فكل الأديان السماوية تنادي بالمخلّص الموعود, بل هو قديم يناغي الأرواح, فإنّه الأمل المنشود للإنسانية المعذّبة.

 فلا بدّ من البحث حوله بشفافية خاصة.

 

 

مرجع الشبهات

في هذه الندوة الموجزة يكون البحث من ناحية عمره الشريف.

حيث أنكر طول عمره جمع كبير من المؤمنين بالله تعالى والمقرّين بالوحدانية, وذكروا فيه الشبهات التي يمكن إرجاعها إلى أمور:

الأوّل : أنّ طول عمر فرد بهذا العمر المديد محال عادي مطلقا,ً أو في أمّة محمّد صلّى الله عليه وآله بالخصوص.

الثاني: أنّه يخالف الحديث المروي عن النبي صلّى الله عليه وآله الذي يدلّ على التحديد[2], وسيأتي نقله.

الثالث: أنّه يلزم منه النقض على الشيعة الذين يعتقدون إمامته وطول عمره عليه السلام, فإنّه يستلزم منه إمّا ترك الواجب على الله عزّ وجل في عدم إظهاره وعدم تحبيبه إلى قلوب الناس, أو النقض عليهم بالإغراء بالقبيح من الله تعالى, بتقديم من لا يليق بالملك والسلطة على اللائق بها مع خفائه, ويلزم أيضاً تكليف ما لا يطاق, لأنّ الله تعالى أمره بالاختفاء وأمر الناس بالأخذ منه, كما أنّه يلزم منه العبث وهو قبيح منفي عن الباري عند الشيعة.

الرابع: أنّه لم تثبت ولادته عليه السلام حتى نسلّم طول عمره.

وقد نشأ من بعض هذه الشبهات إشكالات أخرى ربما نشير إليها في طيّ البحث.

 

أساس النزاع

قبل الخوض في الجواب لا بد من بيان أمر عظيم, من الأهمية بمكان, وبمعرفته تنحل جميع الشبهات.

 فإنّ أساس النزاع بين الشيعة الإمامية وبين غيرهم إنّما هو عدم تبيّن مفهوم الإمامة عند الخصم, وعدم وضوح منزلة الإمام ودوره في نظامي التكوين والتشريع, فلو عرفوا ما يعتقده الإمامية من الشيعة في الإمام الذي يترأّس الأمّة لإرساء دعائم العدل وهداية الأفراد إلى الصراط المستقيم, الذي أمر الله تعالى بسلوكه, ولا ريب أنّ مثل ذلك يحتاج إلى فرد له القدرة على التصرّف في نظامي التكوين والتشريع حتى يتمكّن من إيصال الأمّة إلى الهدف المنشود, ليستتبّ العدل الإلهي بين الأفراد, وبدونه لا يكون إلاّ ضياعاً مهما بلغ القائد من الكمال.

 فإذا أمكننا تصوير ما تعتقده الإمامية في الإمام, وأمكن إقناع الخصم به فلا نزاع, فالجميع يتمنّى ظهوره كما يتمنّى أن يكون من الأسباب في قربه عليه السلام, وإلاّ فيكون النزاع في دوّامة لا يعرف مداها إلاّ الله تعالى, ولا يجني منه الفرد المسلم إلاّ الشرّ والتخلّف.

فلا بدّ من وضع الحلول والوقوف عند الحق.

 

منزلة الإمام

واعتقاد الإمامية ينبع من مصادر متينة كالفطرة والعقل والنقل, وهم يقولون: إنّ الإمام الذي لابدّ أن يترأّس الأمّة له السلطة التامّة عليهم في جميع ما يرتبط بسعادة الأفراد في الدارين, ويقيم الاجتماع الإنساني على قواعد العدل والإنصاف, ويشيع بين الأفراد المحبّة والوئام, وينظّم جميع العلاقات على الوجه الأحسن.

 ولا يمكن أن تخلو الأرض منه, لأنّه بدونه يفسد النظام الكوني, والبحث في ذلك طويل.

 وما نذكره في المقام إنّما هو على سبيل الإيجاز بما يقتضي ارتباطه بالموضوع الذي نحن في صدد البحث عنه.

 

الأدلّة:

إنّ الأدلّة على ثبوت هذه المنزلة العظيمة للإمام ووجوده في كل عصر وزمان منذ أن أنزل الله تعالى خليفته على الأرض, فبدأ نزول الإنسان مع الخليفة, وسينتهي وضعه على الأرض بخليفة إلهي, كثيرة ومن وجوه مختلفة:

 

الوجه الأول: القرآن

من الكتاب العزيز آيات متعدّدة:

منها: قوله تعالى:) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالْرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ([3].

فإنّه يدل بوضوح على ارتباط الإمام بليلة القدر, فما دامت الأخيرة في الوجود فلا بدّ أن يكون الإمام موجوداً.

 وأمّا وجه الارتباط بينهما فإنّما يظهر في إنزال الملائكة من كل أمر يرجع إلى شؤون العباد في ذلك العام, ولابدّ أن يكون في الأرض من يتلقّى هذا الفيض الربوبي، بعد عدم صلاحية كل فرد أن يتلقّاه بسبب النقص الموجود فيه من جهة أو من جهات.

فالملائكة الموكّلة بذلك إنّما تنزل على شخص واحد جامع لجميع ما يتربط بهذا الشأن من الشروط, وهو ينحصر في الإمام, وقد يتّحد مع النبي المرسل فيكون فرداً واحداً هو نبي وإمام في آن واحد, كما في إبراهيم الخليل عليه السلام وسائر أولي العزم, وأمّا بعد ارتحال نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وانقطاع النبوّة بعده فلا يكون الإمام نبيّاً, كما في عصرنا الحاضر.

ومنها: قوله تعالى: ) وَأَمّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِيْ الأَرْضِ([4].

فإنّه يرشد إلى أنّ الأرض لا تخلو من وجود ما ينفع الناس مادّياً ومعنوياً بحسب إطلاقه, وإلاّ غلب عليها الفساد.

 ومن أظهر مصاديق ما ينفع الناس الإمام الذي يترأّس الأمّة ليهديهم إلى الصلاح ويرشدهم إلى السعادة, فلابدّ أن يكون موجوداً في جميع الأعصار, ويجب أن يمكث في الأرض ولا تخلو منه.

ومنها: قوله تعالى: ) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ([5].

 فإنّ المستفاد منه أنّ الكلمة الطيّبة كتلك الشجرة التي لها أصل في الأرض وفرع في السماء, ينتفع بها الأرض والسماء كلتاهما, وتصل ثمرتها إليهما معاً, وأنّها سبب في اجتثاث الكلمة الخبيثة, وأنّ هذه الكلمة الطيبة تتمثّل في الأنبياء والأئمّة عليهم السلام على مرّ العصور والدهور.

 فلا بدّ أن تكون هذه الكلمة باقية, لئلاّ تختل وظيفتها في اجتثاث الكلمة الخبيثة.

 فترشد الآية الكريمة إلى أمرين:

أحدهما: وجود الكلمة الطيّبة دائماً.

والثاني: أنّ ثمرتها تعمّ النظام الكوني من الأرض والسماء, وهما من مقوّمات عقيدة الشيعة في الإمام عليه السلام.

ومنها: قوله تعالى : ) وَنُريدُ أنّ نَمُنَّ عَلى الْذينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئمَّةً وَنَجْعَلَهُم الوارِثينَ([6].

 فإنّه يدل على أنّ المستضعفين الذين قاسوا أشدّ المحن في سبيل الله تعالى وإقامة دينه ونشر أحكامه, هم الذين يمنحهم الله عزّ وجل تلك المنحة الربّانية, فيجعلهم أئمّة ويجعلهم الوارثين.

فهم الذين يقودون الأمّة ليرشدوهم إلى الصراط المستقيم, الذي أمر الله تعالى عباده بسلوكه.

فلابد من تواجدهم دائماً, لئلاّ يخل فقدهم بالمطلوب, ليرث كل إمام لاحق ما كان عند الإمام السابق, إلى آخر إمام عند قيام الساعة، فلو كانت فاصلة بين المورّث والوارث لا يتلقى التركة منه مباشرة لم ينطبق عليه هذا العنوان الخاص.

هذا موجز ما يمكن أن يستفاد من الآيات الكريمة التي ذكرناها في المقام، وإن كان الأمر لا يخلو من نقض وإبرام, ويحتاج إلى تفصيل من الكلام.

والحاصل منها أنّ الإمام لابد أن يكون:

أوّلاً : شخصاً له من الصفات الحسنة الكمالية بحيث يكون مؤهّلاً لتلقي الفيض من الله تعالى في ليلة القدر.

وثانياً: قائداً للأمّة إلى سعادتها التي أعدّها الله تعالى لها. بحيث ينتفع من فيوضاته جميع أفراد الأمّة.

وثالثاً: مؤثّراً في النظام الكوني, لكون أصله في الأرض وفرعه في السماء.

ورابعاً: أنّه لا بد أن يكون موجوداً في جميع أدوار الزمان, فلا تخلو الأرض منه, فهو آخر الأفراد من البشر, ليكون الوارث الذي يرث الأرض.

وخامساً: عالماً بجميع ما يرتبط بشؤون الأمّة التي يقودها.

 

الوجه الثاني: السنّة

من السنّة الشريفة، جملة وافرة من الأخبار:

 منها: حديث الثقلين[7] المتواتر عند الفريقين عن نبيّنا الأعظم.

وهو يدلّ على قيام الكتاب إلى يوم القيامة وقرينه الذي لن يفترق عنه, فأحدهما كتاب الله التدويني الصامت، والآخر كتاب الله الناطق, وهما متطابقان في أنّ عندهما ما يفي بحاجات الأمّة.

ومنها: ما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام في بيان منزلة الإمام.

وهو من الأحاديث المهمّة التي تشرح ما يرتبط بهذه المنحة الإلهية والموهبة الربّانية, وتبيّن وظائف الإمام وعظيم تأثيره في النظام الكوني والتشريعي.

فقد رواه ثقة الإسلام الكليني(قدّس سرّه) عن عبد العزيز بن مسلم عن مولانا الرضا عليه السلام ـ والحديث طويل ـ نذكر ما يرتبط بالمقام:

 قال عليه السلام : هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأمّة فيجوز فيها اختيارهم؟

إنّ الإمامة أجلّ قدراً, وأعظم شأناً, وأعلا مكاناً, وأمنع جانباً, وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم, أو ينالوها بآرائهم, أو يقيموا إماماً باختيارهم.

إنّ الإمامة (منزلة) خصّ الله بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوّة, والخلّة مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه الله بها وأشاد بها ذكره, فقال عزّ وجل: ) إنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إماماً(, فقال الخليل عليه السلام سروراً بها: ) وَمِنْ ذُرّيَّتِي(, قال عزّ وجل: ) لا يَنالُ عَهْدِي الْظَّالِمِينَ([8], فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة, وصارت في الصفوة, ثم أكرمه الله عزّ وجل بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة...

ثمّ قال عليه السلام:

"إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء, وإرث الأوصياء.

إنّ الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول صلّى الله عليه وآله ...

 إنّ الإمامة زمام الدين, ونظام أمور المسلمين, وصلاح الدنيا, وعزّ المؤمنين.

إنّ الإمامة أسّ الإسلام النامي, وفرعه السامي...

الإمام يحلّ حلال الله , ويحرّم حرام الله, ويقيم حدود الله, ويذبّ عن دين الله ...

 الإمام كالشمس الطالعة المجلّلة بنورها للعالم, وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار.

الإمام البدر المنير, والسراج الزاهر, والنور الساطع, والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز البلدان والقفار ولجج البحار.

الإمام الماء العذب على الظماء, و(النور) الدال على الهدى, والمنجي من الردى.

الإمام النار على اليفاع، الحار لمن اصطلى به, والدليل في المهالك, من فارقه فهالك.

 الإمام السحاب الماطر, والغيث الهاطل, والشمس المضيئة, والسماء الظليلة, والأرض البسيطة, والعين الغزيرة, والغدير والروضة...

الإمام أمين الله في خلقه, وحجّته على عباده, وخليفته في بلاده, والداعي إلى الله, والذاب عن حُرم الله.

الإمام المطهّر من الذنوب, والمبرّأ عن العيوب، المخصوص بالعلم, الموسوم بالحلم...

 الإمام واحد دهره, لا يدانيه أحد, ولا يعادله عالم, ولا يوجد منه بدل, ولا له مثل ولا نظير, مخصوص بالفضل كلّه, من غير طلب منه له ولا اكتساب, بل اختصاص من المفضّل الوهّاب...

 إلى آخر  الحديث[9].

فإذا كانت حقيقة الإمامة عند الشيعة الإمامية كذلك, والإمام له من الصفات الواقعية والكمالية ما يجعله فرداً لا نظير له من التأثير في النظام الكوني, لأنّه قوام الحياة في دار الدنيا وسرّها المكتوم.

فلا بدّ للخصم ـ بحكم عقله ـ إذا ألقى العناد واللجاج أن يذعن بلزوم وجوده وترؤّسه لقيادة الأمّة, ووجوب تبعيّة الناس له, وإلاّ كان مكابراً منكراً لحقيقة ناصعة.

 فلا يمكن الاستغناء عن هذا الإمام, الذي عظم شأنه بحكم العقل, فلا بدّ له أن يحكم بوجوده وعدم خلوّ الأرض منه.

 ويجب على الخصم أن يذعن بطول عمره, لأنّه من اللوازم غير المنفكّة عنه, وهو ممّا يحكم به العقل أيضاً.

 

حاكميّة العقل

تبيّن أنّ النزاع بين الشيعة الإمامية والخصم إنّما يكون صغروياً, فإنّ الجميع يعترف باحتياج الأمّة إلى إمام يترأّسها لهداية الناس وإرشادهم إلى سبيل الصلاح, وجلب السعادة لأفرادها. إلاّ أنّ الفريق الخصم لا يرى في الإمام المنصوب ما تشترطه الشيعة الإمامية في إمامهم.

فلو كان الحكم هو العقل بين الطرفين, لكان يحكم بأنّ ما تذهب إليه الشيعة الإمامية هو الأجدر بالقبول, لأنّ نظريات وأطروحات الخصم في أمر الإمامة باءت كلّها بالفشل, ولم تجلب السعادة للأمّة في أرض الواقع, ولم يبق إلاّ ممارسة نظرية الإمامية وتطبيقها على الواقع الخارجي.

وحينئذٍ ما ذكره الخصم من الشبهات في أمر الإمام المهدي الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف يظهر زيفها وبطلانها, بل لا بدّ لهم من الإقرار بوهنها أمام هذا الصرح العظيم الذي تبيّنت جملة من مظاهر حقيقته ممّا عرفت.

إلاّ أنّ ظلمة العناد واللجاج تدلي ستارها على نور العقل، فتسلب مشاعر الإنسان وشعوره, فلا يقول إلاّ شططاً.

 فإذا أراد الخصم تكرار الشبهات, لا سيما ما يتعلّق بطول عمر المهدي الموعود عليه السلام ممّا ذكرناها في ابتداء الكلام, فيمكن الجواب عنها بوجوه, نذكرها إن شاء الله تعالى في الندوة الآتية.

والحمد لله رب العالمين

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين...

تقدّم جمع من الأخوة الحضور بمجموعة من الأسئلة بعد إكمال سماحة السيد علي السبزواري دامت بركاته، وها نحن نعرضها في خدمة سماحته راجين منه الإجابة عليها.

سائلين المولى العزيز أن يتقبّل أعمال الجميع، وأن ينفعنا بعلمائنا الأعلام، ويحفظهم ذخراً وذخيرة للإسلام والمسلمين.

 

الأسئلة

س1 / إذا كانت القوانين التكوينية تجري على الإمام الحجّة عجّل الله فرجه, فلا بدّ من كونه الآن شيخاً كبيرا وهذا يتنافى مع ما ورد من أنّه يخرج شاباً؟

ج / سأذكر إن شاء الله في الليلة القادمة ما يرتبط بهذه الجهة, إذ أنّ عمر الإمام الحجة عجّل الله فرجه لطف إلهي به صلوات الله وسلامه عليه, حيث أنّ مسألة شبابه لطف منه عزّ وجل.

س2 / هل أنّ طول عمر الإمام عجل الله فرجه له مدخلية في زيادة خبرته وكماله أم لا؟

ج / طبعاً، إنّ الإمام عجل الله فرجه كلّما يطول عمره كلما تزداد خبرته.

س3 / إذا كان الجواب نعم, أفلا يستوجب أن يكون الإمام عليه السلام قليل الخبرة ويحتاج إلى زيادة وهو معصوم كما ثبت عندنا؟

ج / لا, لا يدلّ ذلك الأمر على أنّه قليل الخبرة. نعم إنّ خبرويته على أرض الواقع شيء وتسديده من الله تعالى شيء آخر وعلمه من الله تعالى شيء آخر, ذلك شيء يرتبط بتسديد إلهي، وتطبيق الرئاسة والسلطة في الخارج إذا كانت مقترنة مع التجربة الخارجية شيء آخر.

س4/ إذا كان الجواب لا, فلماذا يحتاج إلى هذا التأخير؟

ج / التأخير سيأتي إن شاء الله تعالى أنّه لطف إلهي، وأيضاً سيأتي ما السبب لتأخير الإمام عجل الله فرجه, وإذا علمنا السبب في تأخير الإمام عجل الله فرجه وغيبته يظهر السبب في هذا أيضاً.

 س5 / هناك من يقول بأنّ ظهور الإمام الحجّة عجّل الله فرجه قريب, فهل يعتبر هذا توقيتاً وهو المنهي عنه؟

ج / إذا كان القرب يرجع إلى تحديد زمان معيّن فهو من التوقيت، أمّا إذا كان القرب بالمعنى الأعم الذي نتمنّاه إن شاء الله فهو ليس باطلاً، بل هو أمر نتمنّاه.

س6 / كيف يمكن التوفيق بين الرواية القائلة بأنّ من ادّعى أنّه رأى الإمام عليه السلام كذّاب والرواية الأخرى القائلة بأنّ صاحب النفس الزكيّة يدّعى أنه من قبل الإمام الحجّة عليه السلام؟

ج / أوّلاً لم يظهر صاحب النفس الزكية حتى نسأله أنّه مأمور من قبل الإمام عليه السلام أو لا, ولكن لو أنّه ظهر وظهرت عليه علامات الصدق نقبله إن شاء الله.

س7 / بعد وفاة الإمام عليه السلام من هو المغسّل والمصلّي عليه, علماً قد جرت السيرة على هذه القاعدة, فهل هي ثابتة أم لا؟

ج / القاعدة هي أنّه على ما تدلّ عليه الروايات المتعدّدة أنّ الإمام عجل الله فرجه لا يغسله ولا يكفنه إلاّ إمام مثله أو معصوم مثله, فلا بدّ أن نقول بالرجعة، وهذه من معتقدات الشيعة أنّ الإمام عجّل الله فرجه بعد ارتحاله من هذه الدنيا سيظهر أمير المؤمنين عليه السلام.

س8 / هل الإمام عجل الله فرجه يظهر بالمعجزة بحيث يتمكّن من معرفة الأمور؟

ج / نعم إنّ الإمام عجّل الله فرجه له من القرائن الدالة وقد تسمّى بالمعجزة, فالمعجزة إنّما تكون في موارد خاصّة، لكن له من الأمور التي تدل على صدق دعواه والروايات في ذلك كثيرة, راجعوا غيبة النعماني يذكر منها الصيحة.. وكذا وكذا.

س9 / هل يحصل البداء في الإمام عجّل الله فرجه؟

ج / البداء يحصل في بعض الأمور، ولكن بعض الأمور سلمت عن البداء, وذكر ذلك في بعض الروايات, منها الإمامة فإنّ أصل الإمامة لا بداء فيها أبدا ظهور الإمام عجل الله فرجه ممكن أن يتحقّق فيه البداء، وقد وردت روايات متعدّدة في أنّه كاد الإمام عليه السلام أن يظهر, ولكن حصل البداء في ظهوره، أمّا في الإمامة فلا بداء, وهذا من الأمور المسلمة.

س10 / وهل يحصل البداء في العلامات الكبرى مثل الصيحة؟

ج / نعم هذا ممكن.

س11 / مذكور في الروايات خروج 16 ألف فقيه على الإمام عجّل الله, يقولون له: يا ابن فاطمة عليها السلام لا حاجة لنا بك, ما هو سبب هذا التصرّف والعداء؟

ج / لبعدهم وانخراطهم بالماديات, ولبعدهم عن روح الشريعة, نحن نرى أنّ كل عالم إذا انخرط في الماديات استأنس بها وبعد عن المعنويات والروحانيات, والإمام من جملة المعنويات والروحانيات, هذا شيء طبيعي قبل ظهوره وحتى في زماننا هذا.

س12 / إذا كانت النبوّة والإمامة قد اجتمعت في الأنبياء عليهم السلام ذوي العزم, فما هو دور أوصيائهم؟ وهل أئمّة أهل البيت عليهم السلام أوصياء أم هم جزء من النبوّة؟

ج / أمّا بالنسبة لأوصياء الأنبياء عليهم السلام فقد يكون أحدهم إماماً أيضاً إذا كان له دور في تكميل التشريع الذي أرسل به نبيّه، أما إذا لم يكن كذلك فهو مجرّد شارح للتشريع الذي أنزله الله تعالى على النبي من أولي العزم, فتكون منزلته منزلة العلماء عندنا في عصر الغيبة الكبرى، وأمّا أئمتنا سلام الله عليهم فهم الأوصياء وهم الأئمّة أيضاً.

س13 / إذا كانت الإمامة اختيار إلهي, فكيف يمكن للمجتمع أن يحدّد ظلم أو عدم ظلم الإمام عليه السلام لأنّ هذا سوف يكون مسلوباً منهم؟

ج / أمّا الظلم فهذا أمر وجداني, وهذا يعني أنّه لمّا يكون الله تبارك وتعالى قد جعل حقاً معيناً للإمام المعصوم عليه السلام فإنّ صرف الإمام المعصوم عن ذلك الحق هو ظلم عليه, فالظلم هو أمر وجداني محسوس في الخارج, يعني لمّا يأتي الظالم ويقتل الإمام عليه السلام ويفعل كذا وكذا بالنسبة للإمام من الإهانة، هذا أمر وجداني يحكم به كل عاقل.

س14 / ما قولكم بمن يدّعي بأنّه نائب الإمام الخاص أو أنّه يتكلّم باسم الناحية المقدّسة.

ج / هذا هو الأمر الذي ورد "فكذّبوه" مهما بلغ من العلم, فقد أمرنا بتكذيب هؤلاء، ليس عندنا في عصر الغيبة الكبرى من ادعى الاتصال به مباشرة، وإنّما أنتم تسمعون أنّ شخصاً ما وصل بخدمة الإمام عليه السلام وليس هو الذي بيّن ذلك، إنّما كان أمراً عند خواص أصحابه معلوماً ثمّ بعد ذلك ـ أي بعد مماته ـ نقل ذلك الشيء.

س15 / هل أنّ علامات الظهور يتحكّم بها البداء, بحيث أنّ بعض العلامات قابلة للتقديم والتأخير أو الحذف نهائياً؟

ج / إنّها ـ أي العلامات ـ  ليست من العلل التامّة بحيث لا يمكن التخلّف بينها وبين المعلول, بل هي من المقتضيات, ويمكن للمقتضي أن لا يؤثّر لوجود بعض الموانع, أو أنّ الإمام عليه السلام يظهر من دون أن يتحقق هذا المقتضي.

س16 / ما هو الواجب الشرعي والأخلاقي للمكلّف في عصر الغيبة للإمام المعصوم، وكيف ينصر الإمام عجّل الله فرجه؟

ج / أمّا بالنسبة للمكلّف فيجب عليه اتباع شريعة جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله والامتثال للتكاليف وطلب القرب وتعجيل أمره.

س17 / ما هي الآلية للمسيرة العامة للناس لإدراك فيض بركة الإمام الحجّة؟

ج / إنّما هو امتثال أوامره والانتظار لوجوده ولمقدمه الشريف عجل الله فرجه, فإذا قدم الإمام عجل الله فرجه وظهر ورأى أصحابه ممتثلين لأحكام الشريعة فإنّه يفرح لذلك جداً، كما أنّه قد ورد في الروايات المتعدّدة أنّ من المؤمنين من يطيع الله تعالى فتطرح الأعمال عليه عليه السلام فيفرح, فإذا عصوا لا يسرّه ذلك, هذا يدل على ذلك.

س18 / كيف يتدخّل الإمام عليه السلام في الحفاظ على خط أهل البيت عليهم السلام الصحيح؟

ج / هذا مذكور حتى في الأصول, إمّا مباشرة يدخل ونحن لا نعلم شخصه صلوات الله وسلامه عليه، أو يلقي إلى أحد العلماء ما هو الحق فيدحض أو يدفع الباطل الموجود.

والحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين

 

 


الندوة الثانية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

 

تذكير

ذكرنا في الليلة البارحة أنّ أساس النزاع بين الشيعة الإمامية والخصم إنّما يرجع إلى عدم معرفة الخصم بالإمام ومنزلة الإمام ودوره في الأمّة، وذكرنا أنّ الإمام له من الصفات الكمالية وله منزلة عليا تؤثر في النظام الكوني، والنظام التشريعي، فلا بدّ أن يكون موجوداً في جميع الأدوار والأكوار، ولذلك لمّا لم تتّضح لهم هذه الحقيقة الناصعة أثاروا الشبهات والإشكالات، ومن جملة تلك الأسئلة والإشكالات موضوع طول عمره الشريف، الذي أنكره جمع كثير من أبناء العامّة وإن أثبته آخرون.

وذكرنا أنّ أساس تلك الشبهات يرجع إلى أمور أربعة:

الأوّل: أنّ طول عمر فرد بهذا المقدار محال عادي مطلقاً، أو في أمّة محمّد صلى الله عليه وآله بالخصوص.

الثاني: أنّه يخالف الحديث المروي عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الذي يدل على تحديد الأعمار[10].

الثالث: أنّه يلزم منه النقض على الشيعة الذين يعتقدون بإمامته وطول عمره، فإنّه يستلزم إمّا ترك الواجب على الله عزّ وجل في عدم إظهاره وتحبيبه إلى الناس، أو إغراء بالقبيح من الله عزّ وجل بتقديم من لا يليق بالملك والسلطة على اللائق بها مع خفائه.

 ويلزم أيضاً تكليف ما لا يطاق، لأنّ الله تعالى أمره بالاختفاء وأمر الناس بالأخذ منه.

 كما أنّه يلزم منه العبث، وهو قبيح منفي عن الباري عند الشيعة.

الرابع: أنّه لم تثبت ولادته عليه السلام حتّى نسلّم طول عمره.

وحينئذٍ بناءً على ما ذكرناه في الليلة البارحة، فإنّ ما ذكره الخصم من الشبهات في أمر الإمام  المهدي الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف يظهر زيفه وبطلانه، بل لا بدّ من الإقرار بوهن هذه الشبهات أمام هذا الصرح العظيم الذي تبيّن جملة من مظاهر حقيقته، كما عرفت.

إلاّ أنّ ظلمة العناد واللجاج تدلي ستارها على نور العقل فتسلب مشاعر الإنسان وشعوره فلا يقول إلاّ شططاً.

 

أجوبة الشبهات

فإذا أراد الخصم تكرار شبهاته، لا سيما ما يتعلّق منها بطول عمر المهدي الموعود عليه الصلاة والسلام، فيمكن الجواب عنها بوجوه:

 

الوجه الأوّل: الإمكان

إنّ طول عمر فرد من أفراد الإنسان تارة يبحث عنه من حيث الإمكان العام ـ وهو الذي يقع في مقابل الواجب والممتنع ـ  وأخرى من حيث الإمكان الخاص ـ وهو الذي يكون بالنسبة لموضوع خاص، كعمر إنسان معيّن ـ  فإنّ غير الممتنعات إنّما يقع البحث عن إمكانها بأحد هذين الوجهين على سبيل منع الخلو.

 

الإمكان العام:

أمّا البحث عن الإمكان العام في طول الأعمار فلم ينكره أحد، إذ لم يقل فرد بأنّه من الممتنعات الذاتية ـ كاجتماع النقيضين واجتماع الضدّين ـ وبذلك يعترف الخصم أيضاً، فلا جدوى في البحث عن هذه الجهة.

 

الإمكان الخاص:

أمّا الإمكان الخاص، فتارة نبحث فيه من حيث قدرة الخالق البارئ العظيم جلّ وعلا، وأخرى من حيث استعداد المخلوق وقابليته لإطالة العمر ـ أي وجود المقتضي لطول العمر ـ  وثالثة من حيث وجود المانع بعد التسليم بتماميّة المقتضي، فإذا بحثنا عن هذه الجهات وتمّ الكلام فيها فلا بدّ للخصم من الاعتراف.

 

جهات الإمكان

ويمكن بحث هذه الجهات كما يلي:

 

الجهة الأولى: قدرة الخالق

لا ريب أنّ البحث فيها من المسلمين، بل المعترفين بالخالق من جميع الملّيين غير صحيح، لأنّ إنكاره يستلزم نسبة العجز إليه سبحانه وتعالى، وبطلانه عند الجميع من الواضحات.

 أمّا المنكرين للخالق من الدهريين والماديين وغيرهم، فلنا معهم كلام آخر ليس المقام موضع ذكره.

الجهة الثانية: المقتضي

والصحيح أنّ كل إنسان بحسب استعداده له القابلية للبقاء وطول العمر، وذلك لأنّ الذي يحكم بهذا الأمر إمّا العقل، أو العلوم والتجارب وأهل الخبرة، أو الشرع

 

أولاً: العقل

إنّ العقل إمّا أن يحكم في هذا الموضوع الذي نبحث فيه بالتحديد وأنّ أعمار الإنسان مؤقّتة ومحدودة بوقت خاص، أو يحكم بالإطلاق فيه، أو يتوقّف ولا يحكم بأحد الأمرين.

وفي الأوّل لا بدّ من التوقّف عند ذلك الحدّ والقيد، فإذا تعدّى فرد من أفراد الإنسان ذلك العمر المحدود إنّما يكون من خرق العادة، وحينئذ لا تكون قاعدة مطّردة باعتراف الجميع.

وفي الثاني لا قيد ولا تحديد في الأعمار وإن كان خلاف الطبع، وهو يحتاج إلى برهان.

وفي الثالث يتوقّف العقل في الحكم لا سلباً ولا إيجابياً.

ولا ريب أنّ حكم العقل بأحد الأمرين إنّما يكون من جهة إدراك الحسن والقبح ونحو ذلك ممّا له دخل في هذا الموضوع، أو يرجع إلى الحجّة والبرهان ممّا يقع تحت دائرة الحسن من التجربة والاختبار ونحوهما. ومسألة عمر الإنسان من الأخير دون الأوّل، والظاهر أنّه لم يختلف فيه اثنان، فإنّ موضوع البحث من الأمور العاديّة التي يدركها الإنسان من تلك النواحي التي ذكرناها آنفاً.

 ومن المعروف أنّ أدل دليل على إمكان الشيء وقوعه في الخارج، وقد تحقّق العمر الطويل في بعض أفراد الإنسان، وأخبر بذلك الكتاب العزيز كما في نوح عليه السلام وغيره، وأثبته التأريخ المعتبر بما لا يصح إنكاره أبداً.

 

ثانياً: العلوم والتجارب

إنّ التجارب الحديثة والعلوم الحياتية أقرّت بأنّ الإنسان لو خلّي وطبعه له قابلية البقاء وطول العمر إلى ما يشاء الله تعالى.

وقد ألّف العلماء في هذا الأمر كتباً ورسائل، ونشروا بحوثهم في المجلاّت العلمية المعتبرة، شأنه شأن غيره من الموضوعات التي كشفتها العلوم الحديثة وأقرّ بها الجميع.

 

ثالثاً: الشرع

وسيأتي بيانه في موضوع ( المانع).

إذن؛ قد ثبت أنّ الإنسان له اقتضاء البقاء في الحياة وطول العمر ما لم يكن هناك مانع يرفع أو يمنع من تأثيره كما هو ثابت في علمي المنطق والفلسفة، فلا بدّ من البحث في المانع.

 

الجهة الثالثة: المانع

 إنّ ما يمكن تصويره في المانع إمّا أمور طبيعية خارجية، أو أمر إلهي تكويني دلّ الدليل عليه من الشرع، فيستفاد منه أنّ عمر الإنسان محدود بفترة زمنية معينة لا يتجاوزها، وذلك لإرادة إلهية قاهرة تقهر العباد على الموت. وهذا ما يدّعيه بعضهم حيث تمسّك ببعض الأخبار.

 

أولاً: الموانع الشرعية

القرآن:

إنّ من أمعن النظر في آيات الكتاب العزيز يرى خلاف ذلك، فإنّها بيّنت كثيراً من شؤون الإنسان، كخلقه وأدوار تكوينه وعمره في دار الدنيا وغير ذلك، ولكنها لم تتطرّق إلى مسألة تحديد العمر أبداً، لا من قريب ولا من بعيد.

فمثلاً إنّ قوله تعالى : ) وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمّ يَتَوفّاكُم وَمِنْكُم مَن يُرَدّ إلى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَي لا يَعْلمَ بَعْدَ عِلْمٍ شيئاً إنّ اللهَ عَليمٌ   قَديرٌ ( [11].

 يبيّن الخلق وعمر الإنسان ووفاته، ولكنّه لم يشر إلى المدّة التي يعيش فيها، بل الإشارة إلى طول عمره حتّى يصل إلى مرحلة متأخّرة تؤثّر في بعض أحاسيسه وعلومه واضحة.

 وكذا غيره ممّا ورد في حياة الإنسان في هذه الدار الفانية، فلم يرد فيها ما يرشد إليه، ولو على سبيل الإشارة والإيماء.

ولم يقدر الخصم أن يتمسّك بالكتاب العزيز لإثبات مطلوبه، إلاّ إذا كان على سبيل التفسير بالرأي، الذي هو مرفوض عند الجميع.

 

السنّة:

وأمّا الاستدلال بالأخبار، فإنّ أقصى ما أمكن للخصم الاستدلال به الحديث المروي عن نبينا الأعظم صلّى الله عليه وآله أنّه قال في آخر عمره: ( أرأيتم ليلتكم هذه فإنّه على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممّن هو اليوم عليها أحد)[12].

أو الحديث الآخر المروي عنه: ( أكثر أعمار أمّتي بين الستين والسبعين)[13].

ولكن الكلام في إخباره صلّى الله عليه وآله في مثل تلك الروايات هل هو إخبار عن إرادة تكوينية إلهية تعلّقت بالتحديد؟ أم إرادة تشريعية؟

لا ريب في انتفاء الثاني، ولا سبيل إليه بوجه من الوجوه المعروفة، ولم يختلف اثنان في أنّ الأعمار من الأمور التكوينية التي ترجع إلى إرادة الباري تبارك وتعالى.

فإن كان إخباره صلوات الله عليه عن أمر طبيعي، وقد عرفت آنفاً عدم التحديد، إلاّ أن يكون المراد من إخباره صلّى الله عليه وآله لبيان كثرة الموانع، فيكون من قبيل الإخبار بالملزوم وإرادة اللازم، فهو صلوات الله عليه وآله يخبر عن أمر طبيعي في أنّ الأعمار ـ لا سيّما في أمّته ـ في تناقص لأسباب عديدة منها كثرة الحروب، وزيادة الهموم والغموم، ومنها الاعتماد على المادّيات والإعراض عن المعنويات وغير ذلك.

 وهذا صحيح، ويعدّ من معجزاته صلّى الله عليه وأله حيث أخبر عن أمر غيبي، وذلك لما منحه الله عزّ وجل من العناية واللطف، أو استفاد ذلك بذهنه الثاقب من القرآن الكريم الذي فيه تفصيل كل شيء.

ولكن ذلك لا يتنافى مع كون بعض أفراد أمّته ممّن لا تعتريهم تلك الموانع، فتطول أعمارهم، كما هو المنقول والمشاهد والمحسوس، أو تكون هناك جهوداً جبّارة من العلماء لإزالة تلك الموانع وتشخيص أمور ترجع إلى إطالة عمر الإنسان.

فيكون شأن هذه الأخبار شأن تلك التي وردت في بيان خواص الأعشاب والأدوية، فإنّه لا تعبّد فيها بوجه.

هذا مع قطع النظر عن أسانيد مثل تلك الأخبار، فراجع.

 هذا كله بحسب ما يمكن استفادته من الموانع الشرعية التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وآله.

 

ثانياً: الموانع الطبيعية

 أمّا الموانع الطبيعية، فلا يمكن لأحد إنكارها، وهي كثيرة وأسبابها متعدّدة، وتختلف بحسب الأعصار والأمصار بحيث لا يمكن حصرها تحت ضابطة عامّة أو قاعدة كلية، وكلّما مرّ زمان ظهر مانع جديد.

إلاّ أنّها مع كثرتها وتعدّدها قد تصدّى لها العلماء والباحثون لكشف أسبابها وعلاجها أو القضاء عليها، كما لا يخفى على المتتبّع الخبير.

فإذا أمكن السيطرة عليها فلا ريب في أنّ في إزالة المانع يؤثّر المقتضي، وقد عرفت أنّه يفيد الدوام والاستمرار.

 بل يمكن أن يتصدّى الشخص نفسه لإزالة الموانع التي تخصّه، إمّا بفضل علمه وجهوده العلمية، كما نراه عند بعض الأفراد لا سيما الأطبّاء والمهتمين بصحّتهم، أو بفضل ما يمنحه الله تعالى من الإلهام، كما بالنسبة إلى الأولياء الصالحين، فتطول أعمارهم.

فليكن الإمام المهدي صلوات الله عليه من كلتا الطائفتين أو من أحدهما، ولا مانع يتصوّر في ذلك، كيف وهو سليل خليل الرحمان عليه السلام الذي حكى عنه الله عزّ وجل قوله: ) وإذا مَرِضْتُ فَهُوَ يُشْفِينِ ( [14].

والحاصل أنّه لا استحالة في طول العمر مطلقاً، ولا سيما في خصوص الإمام عجّل الله فرجه الذي هو من أولياء الله تعالى الذي يرعاه بلطفه وعنايته الخاصّة.

 هذا كلّه بالنسبة إلى الشبهة الأولى من الشبهات الأربعة التي تقدّم ذكرها في بداية الندوة.



 (1) مدينة المعاجز: 2/439، مناقب آل أبي طالب ( لابن شهر آشوب): 3/267، نور البراهين:1/ 315، مختصر بصائر الدرجات: 125، تأويل الآيات: 1/221 الحديث 15، وأورده البرسي في المشارق:112.

(2) كنز العمال: 15/677 الحديث 42697، مسند أبي يعلى: 10/390، الشرح الكبير لابن قدامة:7/141، فقه السنّة: 1/511، البداية والنهاية: 13/36، وسيأتي نص الحديث لاحقاً.

(3) القدر (97): 1-5.

(4) الرعد (13) : 17.

(5) ابراهيم (14) : 24. 

(6) القصص (28) : 5.

(7) إكمال الدين وإتمام النعمة: 64و234و236و239و240و279, الخصال للشيخ الصدوق : 66, الأمالي للشيخ الصدوق : 500, عيون أخبار الرضا: 1/18و2/60, الاحتجاج للطبرسي: 1و216و391و2/147و252, ولمزيد من الاطّلاع راجع: شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي: ج9و18و24و33, ونفحات الأزهار للسيد علي الميلاني: ج1و2.

(8) البقرة (2) : 124.

(9) الكافي : 1/199 الحديث1, كتاب الغيبة للنعماني : 227 الحديث 6.

(10) كنز العمال: 15/177 الحديث 42697، مسند أبي يعلى: 10/390 الحديث 5990، الشرح الكبير لابن قدامة: 7/141، فقه السنة: 1/511، البداية والنهاية : 13/36.

(11) النحل (16): 70

(12) صحيح البخاري : 1/141، مسند أحمد: 2/88 و131، البداية والنهاية: 1/392، كتاب الفتن للمروزي: 427.

(13) كنز العمال: 15/177 الحديث 42697، مسند أبي يعلى: 10/390 الحديث 5990، الشرح الكبير لابن قدامة: 7/141، فقه السنة: 1/511، البداية والنهاية : 13/36.

(14) الشعراء (26): 80.